المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

غابة عتيقة



الأيام نافذةٌ عالية أعمتها شمس الأصيل، والسنوات امرأٌةٌ نسيت أن تضع على كتفيّها وشاحـًا من الريح.

أما أحزاننا فهي ذلك الميزان النحاسي الصارم الذي يختل لكي نكون أكثر دقة واتزانـًا.

تناديني خصلة شعر النهار، فأمنحُها نومي المتقطع وحنجرتي الجريحة وحرفـًا من اسمي.

اسمي ورسمي، ألمي وقلمي.

قد يكابد هذا القلم، لكنه لم يتثاءب يومـًا.

خط شهادته على ورقة استعرتها من جِلد الكون، حتى ارتعش من جَلَدها الهواء.

والكتابة تهويدة، أما الكاتب نفسه فهو سفينة عملاقة عالقة في جليد المحيط، لم يبق منها سوى شراع مستسلم وأضواء كابية على سطحها، وموتى ينتظرون موجة عالية.

أكتبُ، وتحتي تصغر الأرض، وفوقي قشعريرة تهب من الشمال، وكل الطرق تتقاطع ثم تعاود الافتراق.

وفي الأفق، طائرٌ حُرٌ يغني، حتى وإن اضطر إلى أن يغني وحده.

نحن كائناتٌ متشابهة نرتدي أفكارًا فضفاضة ونبحر في حقيبة مفتوحة اسمها سفينة العقل.

ها أنا أضع في قلبي كل ما لا يستطيع الإبحار من أثاث روحي، وأنشد أغنية من سنوات الطفولة، مثل ريح تذكرت للتو إلى أين ستذهب.

هذه هي الحكاية التي تخاف المضي قدمـًا، حتى وإن أخذ بيدها راويةٌ من طراز فريد.

لكننا روينا وكتبنا ومشينا على جنون الأبجدية التي تكاد تحترق. لم نجلس على مائدة الخزي والجزع من المساحات البيضاء في الورق.

كتبنا، وتركنا التفاصيل تحلم بالحقيقة.

وأنا حملتُ بخار أنفاسي واحتضنت وطني وقبَّلتُ فراغـًا عمره ألف عام.

في الذكرى السادسة لإنشاء مدونة "قبل الطوفان"، أفكر في قارةٍ جديدةٍ يجدر بي اكتشافها، وأحفر خندقـًا جاهزًا لاستقبال الكتيبة.


هكذا كتبتُ سلسلة ضافية عن "قانون محاكمة الوزراء": "الثغرة"، "النكتة"، "الإجهاض"، "الانفجار".

في تلك السلسلة، تحدثنا عن غياب قانون محاكمة الوزراء - في ظل الدولة الرخوة التي كانت- وقلنا إن "مصر شهدت طوال أكثر من نصف قرن، وصولاً إلى مطلع عام 2011، فراغـًا تشريعيـًا نجم عن عدم وجود قانون ينظم محاكمة الوزراء. وباتت الحاجة أكثر إلحاحـًا من ذي قبل لوجود قانون بهذا المعنى يواجه جميع التغيرات والتطور الذي طرأ على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في مصر، بعد أن أصبح لديها وزراء رجال أعمال وحدث خلل في الهياكل الاجتماعية وتفاوت هائل بين الطبقات، وطرأت أفعال وجرائم جديدة لم تكن معروفة في مصر منذ نصف قرن".

وأردفنا قائلين: "وإذا كان دستور 1971 ينص على أن لرئيس الجمهورية أو لمجلس الشعب حق إقالة الوزير أو محاكمته عما يقع منع منه من جرائم أثناء تأدية أعمال وظيفية أو بسببها، فإن ما يهمنا هو أنه لم يحدث أن حوكم وزير واحد وهو على مقعد الوزارة؛ لأنه لا قانون يحكمه".

في "عشتُ تقريبـًا".. كتبتُ عن نفسي التي تغلّفها العزلة، وصورتي التي أطفأها مصباح الزمن، وقلت:

"الآن يكتملُ الزمان، فأصبحُ جزءًا من الماضي

أنتزعُ الأيامَ إلى الأبد، كنشيد قديم في فم الريح

أروي عن حياتي، فقط لأكتشف حقيقة الشيب الذي اعتراني".

تلك الرواية تتسلق الوقت وتخاطب الحبيبة: في الغياب، يلمسني صوتكِ برقةٍ أكبر، ويغويني كي انقاد وراء عزفه الغامض وأسير في دربه الهامس، حتى ترتقي ما هتكت يداك من نسيان.

سأمضي إذن محدودبـًا متثاقلاً، وعند آخر خيطٍ من شعاع الشمس أختفي في عتمة عين أحد العابرين.
في عالم كرة القدم والتقاطعات مع السياسة والدين والإعلام، كانت لنا وقفات.

"بركات الشيخ طه" عن التدين في ملاعب كرة القدم المصرية و"كأس مرشد الإخوان" الذي قلنا فيه "والثابت أن اهتمام جماعة الإخوان المسلمين بالرياضة أمرٌ حيوي؛ حيث شرعوا في تأسيس أندية خاصة بالإخوان، وأصبحت هذه الأندية تنافس في بطولات الجمهورية في أكثر من لعبة.

وحظيت لعبة كرة القدم بعناية خاصة من الإخوان المسلمين بسبب شعبيتها وإقبال الناس عليها، حتى إنه كان للإخوان قبل منتصف القرن العشرين 99 فرقة كرة قدم في مناطق القُطر المختلفة".

وأضفنا قائلين "الأكيد أن الدين كان، وغالبـًا سيظل على الدوام، جزءًا من نسيج لعبة كرة القدم، وستبقى أشكال  ذلك وصوره شاهدًا على التأثير الكبير للدين على اللعبة داخل المستطيل الأخضر.. وخارجه".

وعن الأزمة المفتعلة بين مصر والجزائر، من ملاعب كرة القدم إلى مضماريّ الإعلام والسياسة وبالعكس، حدّث ولا حرج.

فقد كتبنا سلسلة مطولة في المدونة ضمت: "مصر والجزائر.. المصائر"، "إعصار في استاد القاهرة"، "أم المباريات"، "معركة البرابرة"، "ليلة الرعب في السودان"، "صراع الكباتن  "الحقونا"، "شارع المتعصبين"، "خطة تسميم الآبار"، "صراع العقول والأقدام"، "حفلات الإهانة"، "فرسان الجهل"، "مراهقة إعلامية"، "فنون الغزل والتعصب".

قلنا  بوضوح إن "الأزمة الكروية بين مصر والجزائر انتهت، أو في أضعف الأحوال تراجعت، وقد يجادل البعض بأنه آن الأوان للأعصاب المتوترة والنفوس المشحونة أن تهدأ، ولكن الأخطر في نظرنا أنها كشفت مدى جهل المجتمعين المصري والجزائري ببعضهما البعض، ومدى مغازلة السلطة هنا وهناك لجماهير تتسم سلوكياتها وردود فعلها بالغوغائية والاندفاع غير المدروس".

ثم جاء كتاب "لحظات تويتر".

كتابٌ يلتقط اللحظات والانفعالات ويلتزم بضوابط النشر على موقع التواصل الاجتماعي الشهير.

قلنا يومها:

"هذا هو عالم تويتر: الحكاية كاملة في 140 حرفـًا على الأكثر!

حروفُ النار التي تنام على الألم وتصحو على الأمل، تكتبُ نفسها وتضمد جراحها وترتدي ثوب اللهفة وتاج الحكمة وروح الثورة.

وفي كل أحوالها وأطوارها، تبدو الكلمات على تويتر كأنها اسم على مسمى: تغريدة على شرفة الحياة.

في هذا المنبر الإلكتروني تفتحُ شرفة على الذات ليراها غيرك، وتنالُ فرصة استثنائية للتفكير والتأمل والتعبير بصوت مسموع ومقروء، يتخطى المسافات والحواجز ويتجاوز الأقطار والقارات، بسحر الكلمة وقوة تأثيرها، التي تشبه بطش الدهشة".

كتابٌ عن النسوة اللاتي يحملن مظلات كبيرة واقية من الشمس، والصيادين الذين يؤنسون وحشة القوارب الصغيرة، والصبية الذين يمشون إلى المدرسة مغمضي الأعين، والعشاق الذين يراقبون في دعةٍ غروبـًا مثاليـًا للشمس، والطغاة الذين خلصوا إلى أنهم لا يملكون أرواحـًا، والمجاعة التي تفتك بالوطن/ المهرجان في الليالي التي يُفترَض أن تكون ماطرة.

كتبنا عن البشر العاديين الذين لا يُسمع سوى صوت حفيفهم الغامض، ويحفّون قاع الصحن بالملعقة، ثم يرتمون على فراشهم مثل كسرة أولى تسقط عن المائدة وهي لا تحسب أن أحدًا يسمعها.

نحن نسمعها، ونرصدها ونحكي عنها، واثقين من أن الجياد دومـًا أطول من العُشب، والطاغية أصغر من الشعب.


وفي لحظةٍ طال انتظارها، خرج إلى حيز الوجود كتاب "قصة الثروة في مصر"، الذي قلنا في تقديمه:

"عن ستة حروف يتحدث هذا الكتاب: الثروة.

هذه الحروف الستة حكمت مصر، وحرَّكت الأحداث مثل مسرح العرائس، وأقامت نهار المحروسة، ولم تقعد ليلها حتى الآن.

لم تكن الثروة في بلادنا راقصة باليه تسير على أطراف أصابعها بخفةٍ ورشاقة، وإنما دبت بقدميها على الأرض مثل مصارع سومو، في مهمةٍ عنوانُها الإقصاء والانفراد بالمشهد.

لم تكن الثروة في مصر ترفـًا، بل طرفـًا في كل شيء: الحروب والمقاومة، الصناعة والزراعة، التحالف والصراع، الفرد والعائلة".
نقرع الآن أجراس عامٍ جديد لهذه المدونة، ونمضي مثل مراكب الناجين من الغرق، مبللين بالماء، وتوّاقين إلى اليابسة.

سنحصل أخيرًا على سماء معبئةٍ بالنجوم، وغابةٍ عتيقةٍ حُبلى بالأمل.
تابع القراءة

gravatar

قصة الثروة في مصر






عن ستة حروف يتحدث هذا الكتاب: الثروة.
هذه الحروف الستة حكمت مصر، وحرَّكت الأحداث مثل مسرح العرائس، وأقامت نهار المحروسة، ولم تقعد ليلها حتى الآن.
لم تكن الثروة في بلادنا راقصة باليه تسير على أطراف أصابعها بخفةٍ ورشاقة، وإنما دبت بقدميها على الأرض مثل مصارع سومو، في مهمةٍ عنوانُها الإقصاء والانفراد بالمشهد.
لم تكن الثروة في مصر ترفـًا، بل طرفـًا في كل شيء: الحروب والمقاومة، الصناعة والزراعة، التحالف والصراع، الفرد والعائلة.
المال، الذي إليه الناس قد مالوا، رسم ملامح صورةٍ تستحق التأمل، وصنع تركيبةً خاصة بهذا المجتمع، حتى صار الثراء رمزًا للقوة وعنوانـًا للسياسة. ربما لهذا السبب، تكالب على المال أصحاب الشرور الثلاثة: الطغاة والبغاة والغلاة، ولكل منهم غرضٌ خفيّ ومأربٌ مريب.
وليس خافيـًا أنه مر على مصر زمنٌ، وقع فيه خلطٌ متعمدٌ للعلاقة بين المال العام والمال الخاص، بشكلٍ أفضى إلى تميع وتلاشي الحدود فيما بينهما.
وللمال أصحابٌ، مثلما للثروة أهل.
وبين هؤلاء وهؤلاء، يستوقفنا "ذوو الوطنيَن"، وهم من الأجانب الذين نزحوا إلى مصر، فصاروا من أهلها أو تمصروا، وصب المال في جيوبهم وخزائنهم ثرواتٍ صارت مضرب الأمثال، ولعل محمد علي باشا هو المثال الذي يتجلى فيه هذا النموذج، على ما أوضح ما يكون.
وحين نسردُ نبذة من قصة وتاريخ الثروة والأثرياء في مصر، فإن ذلك ليس بهدف التسلية، وإن كانت تفاصيل تلك الحكاية أكثر من مسلية، ولكن لإيقاظ وعي أمة كادت أن تنسى تحت ضغط اللحظة الحاضرة أن لها تاريخـًا.
وفي قراءة الحاضر.. تبقى مشكلة، ويثور تحفظ، وتبرز ظاهرة.
فأما المشكلة فهي أن الأغنياء الحقيقيين في مصر - والعالم بشكل عام- أشباح بلا أسماء، وبعض الأغنياء البارزين واجهات لآخرين، أو أن أرقام ثرواتهم مكذوبة. وأما التحفظ فمفاده أن معظم الأغنياء المصريين، أو من أصول مصرية، حققوا أموالهم في أسواق غير منتجة أو بأسلوب اقتناص الريع، وتداول الأصول المعروضة بدلاً من الإنتاج. والظاهرة التي تقلقنا هي تعاظم الثروات الفردية من دون أن يضطلع كثير من أصحابها بمسؤولية اجتماعية ودور ملموس في العمل الخيري لصالح المجتمع.
وليس المرء بحاجة إلى أن يجهد عينيه متصفحـًا ومطالعـًا في الكتب؛ للوقوف على الفارق بين أثرياء اليوم والأمس الذي كان. فجولة صغيرة ربما في أصغر قرية مصرية ستكشف عن وجود مسجد أو مدرسة، أو سبيل أو مصحة، بناها أو تكفل بها أحد أثرياء عهودٍ مضت، من تلك التي درجت بعض المناهج الدراسية على وصفها بأنها "العهد البائد". بل إن كثيرًا من لمسات الجمال والذوق العمراني في القاهرة تنتمي إلى تلك العهود، وثروات رجالها، ممن أطلقوا مبادراتٍ حملت مصر من العجز إلى الإرادة، ومن التوقف إلى المسير، ومن الهروب إلى الإقدام، ومن الجمود إلى التغيير.
وإذا كان الناس قد ألِفوا فكرة أن المنصب هو الطريق الأسهل للثروة والانتماء إلى "أهل الدعة والسكون" كما قال ابن خلدون، فإن ما حدث في مصر في العقود الأخيرة يدفع إلى إعادة التفكير في تلك المقولة، حيث إن أصحاب الثروات أصبحوا يسعون إلى الحصول على مناصب سياسية مهمة، مستغلين في ذلك ثرواتهم الطائلة، للوصول إلى مقاعد البرلمان، وبعدها بدأوا يظهرون في مقدمة صفوف القوى والنخب الحاكمة، ليصبح "زيت السلطة في دقيق رجال الأعمال".
هنا لابد من وقفةٍ للتحذير من الزواج غير المقدس بين السلطة والمال؛ لأن هذا من شأنه أن يحول التاجر إلى حاكم، والحاكم إلى تاجر. وإذا كانت تلك العلاقة شهدت تحالفات وتشابكات وراوبط عائلية، فإن ثمرة هذا التداخل لا تقتصر على زيادة الجاه والنفوذ، وإنما تمتد لتصل إلى احتكار هذا الجاه وذلك النفوذ، وإضفاء الحماية والأمان على ذلك كله.
وهذا تحديدًا قد يتسبب في زيادة الهوة بين الأغنياء وغيرهم، أو بين القلة المحتكرة والكثرة المعتصرَة، الأمر الذي ينذر بخلخلة في التوازن الاقتصادي والاجتماعي، ويسهم في عرقلة دور الأجهزة الرقابية والمؤسسات الأمنية في حماية الحقوق وحفظ المال العام.
ومع بروز ظاهرة "المال في غرفة نوم السلطة"، تطل برأسها رؤية الباحث الفرنسي أوليفيه روا عن "الزبائنية السياسية"، والتي يُعرِّفها بأنها الشبكة التي تتشكل حول شخص بيده سلطات ما، والتي تتقطع خيوطها حين تنقضي سلطته، ونجد مثالاً لها بمجموعة المنتفعين التي تلتصق بأصحاب المناصب، أو المجموعات المتضامنة التي تتشكل تحت مظلة المنافع والحماية المتبادلة للمحسوبيات وزواج الأقارب والشلل الحاكمة، التي تدير الدولة لمصلحتها وحدها، وتعمق ثقافة الفساد حتى يصير واقعـًا كابوسيـًا.
ومنذ الربع الأخير من القرن العشرين، وصولاً إلى عصرنا الحاضر، مرت علاقة السلطة والمال في مصر بمرحلتين: الأولى كانت الثروة فيها تابعة للسلطة، وكان على من يريد جمع ثروة أن يصل إلى أحد مناصب السلطة.
بدت ملامح المرحلة الأولى واضحة من خلال قيام الدولة بصناعة مجموعة من رجال الأعمال عن طريق دعمهم بوسائل مختلفة، منها منحهم مساحة شاسعة من الأراضي بأسعارٍ مخفضة، مما حقق لهم مكاسب بالمليارات. أما المرحلة الثانية فتضم مجموعة من رجال الأعمال لم تصنعهم الدولة، لكنهم صنعوا أنفسهم ووجدوا أن الارتباط بالسلطة هو الطريق الوحيد لتعظيم ثرواتهم، وهؤلاء دخلوا لعبة السياسة من دون أن يبتعدوا بشكل كافٍ عن أعمالهم وتجارتهم، الأمر الذي طرح تساؤلاتٍ بقدر ما أثار شبهات.
وحين تغيب الحدود الفاصلة بين المال العام والمال الخاص، يحدث خلطٌ متعمد بشكلٍ يفضي إلى تميع وتلاشي الحدود فيما بينهما، وتولد "الثروة المتوحشة"، التي هي وليدة غياب ثقافة التعامل مع الثراء. وأخطر مساوئ "الثروة المتوحشة" أنها تنجب الحرائق بدلاً من أن تتجنبها. وربما كانت الأحداث التي تجري والشخصيات التي تلعب دور البطولة في قضايا الرأي، أبلغ دليل على ذلك.
وليس من قبيل المبالغة القول إن الأموال والصفقات ذات الأرقام الفلكية باتت تحرك قاطرة الأحداث في مصر، بدءًا من سوق انتقالات لاعبي كرة القدم، ومواسم انتخابات رؤساء الأندية التي أوصلت عددًا من كبار الأثرياء إلى مقاعد الإدارة والمقصورة الرئيسية للمباريات، ومرورًا بكلفة تشكيل فرق الدفاع والتقاضي في قضايا ساخنة مثل قضية عبَّارة "السلام 98"، وقضية مقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم، وصولاً إلى مؤشر أسعار مواد البناء في ظل احتكار أسماء بعينها لهذه المواد، وقِس على ذلك الكثير من الوقائع والأحداث.
 باطمئنانٍ كبير، نقول إنه خلف كل حدثٍ يشغل الناس في مصر اليوم ملايين ومليارات الجنيهات أو الدولارات. وإذا كان البعض يقول إنه عندما يتكلم المال يصمت كل شيء، فمن الجائز أيضـًا الزعم بأنه عندما يتكلم المال يتحرك كل شيء مثل خادم مطيع.
في المقابل، يتعين القول إن تطور النمط الرأسمالي في مصر يواجه سلسلة من التحديات. فإلى جانب غياب التراكم الضروري في التقاليد الضرورية لترسيخ الروح الرأسمالية، نجد أن القطاع الخاص يحاول انتزاع دوره، في ظل نظم حُكم طبعته بالكثير من طباعها، وفرضت عليه الدوران في فلكها تحت شعار وحدة المصلحة. وكانت النتيجة هي مولودٌ يعاني التشويه أو التدليل، وفي كلتا الحالتين يدفع أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة ثمن تلك العلاقة المرتبكة.
جغرافيـًا، سيرصد القارئ النابه كيف نمت الثروة في نهاية القرن الثامن عشر على ضفاف النيل، فوجدت طريقها إلى محافظات ومديريات ومناطق ريفية أو ذات نشاط تجاري يرتبط بالصيد والملاحة البحرية، قبل أن تزحف رويدًا رويدًا لتتركز في أيدي رموز العاصمة وأساطينها، مع استثناءات قليلة ولفترات محدودة.
اجتماعيـًا، تباينت طبائع إنفاق الثروة لدى بعض أشهر أصحاب الثروات؛ فرأينا من أوتي الحكمة (الأمير عمر طوسون صاحب الأيادي البيضاء) ووجدنا من ورث السفه (علي كامل فهمي الذي قتلته زوجته الفرنسية بالرصاص في لندن)، ورصدنا من ينفق على تحرك وطني (حسن طوبار ومقاومة الحملة الفرنسية) أو مشروع أهلي (الأميرة فاطمة إسماعيل وإنشاء الجامعة المصرية) أو آخر نهضوي (الأمير يوسف كمال وإنشاء مدرسة الفنون الجميلة) أو عمل خيري (نفيسة البيضاء وإنشاؤها سبيلاً وكتابـًا يحملان اسمها)، مثلما ألفينا من ينفق على الذات.. والملذات.
ومن الصنف الأخير، نماذج لا تخطئها العين ولا تغفلها الذاكرة.
طائفة من أثرياء زمان والآن مالت إلى البذخ واستعراض الثروة وإدمان السفر أو المخدرات أو النساء، وفئة أخرى أنفقت الثروة على التعلم والتعليم (الخديو إسماعيل وإحياء التعليم الحديث)، ونصرة القضايا الاجتماعية والدينية على اختلافها (عمر طوسون ومواقفه الوطنية والقومية).
ولأن المال بوصلة تدل على الثروة أو تقود إلى الثورة، فقد انصب اهتمامنا على أنماط جمع الثروات، وربط صعود رجال المال والأعمال أو هبوطهم بالظروف الاقتصادية والسياسية العامة. قد نلاحظ أن الثروة بدأت بالحرف والمهن التجارية كما هي الحال مع حسن طوبار، ثم نامت في أحضان السلطة والنفوذ كما يتضح مع محمد علي باشا، قبل أن تجد طريقها إلى مفهوم ميراث العائلة كما نجد في أمراء العائلة المالكة على اختلاف توجهاتهم. وحين وقعت ثورة 23 يوليو 1952، زحفت الثروة مع النفوذ إلى عدد من قادة الضباط الذين خرجوا من الثكنات العسكرية إلى المكاتب الوثيرة.
ومع بدء عصر الانفتاح الاقتصادي، حدث انقلابٌ جديد أعاد ترتيب الطبقات الاجتماعية والاقتصادية بشكلٍ أربك البعض وأسعد البعض الآخر. وفي العقدين الأخيرين، لم تعد الثروة تعني بالضرورة نشاطـًا تجاريـًا أو استثماريـًا بقدر ما يمكن أن تدل على ارتباطٍ بدوائر النفوذ أو نجاح في صفقة ما لها صلة بالحظوة أو الاحتكار، بدءًا بتسقيع الأراضي، ومرورًا بالمضاربات على العقارات أو المضاربة في البورصة، والتلاعب في مواد الغذاء أو البناء، وانتهاء بالقرى السياحية وتراخيص المحمول.
هذا الربح السهل والسريع للمال، صنع فريقـًا من الأثرياء الجدد ممن وصلوا إلى الثروة عبر المصاعد الكهربائية، تاركين للمكافحين سلالم الدرج. أثرياء وطنُهم الوحيد هو الربح ولا شيء سواه.
وبعد أن انتقدت الأقلام والأفلام من اصطُلِحَ على وصفهم بـ "القطط السمان" في منتصف سبعينيات القرن الماضي، اندهش جيل الثمانينيات لانتشار كلمة "الأرنب" التي ترمز إلى المليون، قبل أن تفقد الكلمة رونقها ويزيحها في التسعينيات بقوةٍ لا تخلو من قسوة مصطلح "الفيل": المليار!
وإذا كان مصطلح "القطط السمان" - الذي كان أول من أطلقه د. رفعت المحجوب أيام كان السكرتير العام للاتحاد الاشتراكي- يشير إلى الإثراء السريع مع شبهة فساد، فإن اختيار "الأرنب" في المصطلح الشعبي يعود إلى ما هو معروفٌ عن هذا الحيوان من سرعة التكاثر. بل إن رجل الشارع تداول أيضـًا مصطلح "ورك أرنب" للإشارة إلى مبلغ مئة ألف، واكتفى بأن يكون "الأستك" رمز الألف جنيه. أما "الفيل" فإن ضخامة حجمه كانت أبرز مؤهلات اختياره للدلالة على المليار.
وبمرور الوقت، اعتزل المليونير صدارة الترتيب، وقفز الملياردير إلى المقدمة، متسلحـًا بألقاب ومناصب واستثمارات، لتكتمل دورة الثروة في المحروسة.
وإذا كان اختيارنا قد وقع على أسماء من فترات وعهود مختلفة للحديث عن الثروة، فإننا نستطيع القول إن كُلاً من هؤلاء الأشخاص يرمز إلى عصره ومصره بكل ما تعنيه تلك المقولة من دلالات. منهم من أعطى أكثر مما أخذ وبنى واعتنى، وترك وراءه قيمة حقيقية وصناعة وطنية أو مشروعات خيرية.. ومنهم أيضـًا من تصارع على الثروة فدهس العشب والشعب على حد سواء!
يبقى أن الأسماء التي وردت في سياق هذا الكتاب، جاءت في إطار الحديث عن الثروة في مصر على مدى فترة زمنية تمتد من نهايات القرن الثامن عشر حتى وقتنا الحاضر، من دون أن يعني ذلك قصد التشهير أو الإساءة إلى أحد. والمقصد الأول للكتاب هو الرصد والتحقيق، لا القذف والتشهير، وهدفنا هو التأريخ والتحليل، لا الخلط والتدليس. ولأننا لا نترحم على ما فات ولا نرجم ما هو آت، فقد حرصنا قدر الإمكان على أن نورد المصادر والمراجع في موضعها، توخيـًا للدقة وصونـًا للحقوق.
وإذا كنا قد حاولنا الغوص في المصادر والوثائق والمراجع بحثـًا عن الحقيقة وكشفـًا لها من مظانها الأصلية دون أن نتعجل القفز إلى أي استنتاجات، فإنه من المهم القول إن هذا الكتاب كان مُقدرًا له الصدور في يناير 2011، ولذا فإن سطوره كُتِبَت مع إسدال الستار على عام 2010، ووفق أقصى ما استطعنا الوصول إليه حينها من مواد ومعلومات تصب في صميم موضوع الدراسة. وإذا كانت ظروف النشر والبلاد بشكل عام قد حالت دون صدور الكتاب في حينه، فقد ارتأينا الإبقاء على مادته كما حاولنا توثيقها، دون إجراء تغييراتٍ تذكر في ضوء ما استجد على الساحة بعد ثورة 25 يناير؛ إيمانـًا منا بأن ما تكّشف حتى اللحظة ليس كل الحقيقة، وربما ليس كله صحيحـًا، وأنه سيأتي يومٌ نرى فيه مصر في مرآة الحقيقة بصورةٍ أكثر وضوحـًا ودقة. فعلنا هذا أيضـًا، ليرى من شككوا في تقديرات ما قبل الثورة وظنوا أن بها مبالغات، أن الزلزال الذي هز مصر مطلع 2011 أسقط الكثير من الأقنعة والتقارير والإحصاءات عن الثروة.. والثورة في المحروسة.
وبالإطار التاريخي الذي حددناه، يكون القسم الأخير من الكتاب شاهدًا على عصر مبارك ومصره، وخارطة المال والأعمال في المحروسة.
إن الحديث عن الثروة والأثرياء في ربوع مصر يفتح سيرة لا تنتهي، ويقود إلى دروب تتشعب حتى نتعب. والأجدى، والحال كما نرى، أن نقف عند هذا الحد، تاركين للحكاية وحدها حق الكلام.
نتمنى للجميع قراءة ممتعة.

من مقدمة كتاب "قصة الثروة في مصر"، دار ميريت للنشر، القاهرة، 2012
تابع القراءة

gravatar

فنون الغزل والتعصب






لا أحد يمكنه أن يفهم لمصلحة من المعارك والمهاترات الإعلامية التي تزعمتها بعض الصحف الجزائرية والفضائيات المصرية، ولا أحد بوسعه أن يفسر ما جرى لشهور طويلة على خلفية مباراة لكرة القدم.
غير أنه وفي ظل فضاء يتمدد بصمت، وصحف تسعى إلى رفع أرقام توزيعها وإيرادات إعلاناتها، أصبح الصراع الإعلامي يدور حول القارئ أو المشاهد الباحث عن قائد، لذا لا تبدو غريبة هذه المبايعة المباركة للغضب الشعبي من مصر أو الجزائر بعيدًا من درجة الفرز بين حقيقة ما حدث وما لم يحدث. لقد اكتشف الإعلام - والنظام بدرجة أخرى- أن كرة القدم هي "عصا موسى التي تبتلع كل الثعابين"، وتصرف الأنظار عن التراجع والتردي والقبح والقصص المتداولة الكالحة السوداء، ووسيلة رائعة لاستخدام "عهدة الأغاني والأناشيد"، التي كادت تبلى في المخازن؛ لأن هزالة الواقع لا توافق إيقاعها النشوان، والإعلام الخاص لم يكن يحلم بأفضل مما حصل عليه.. جمهور بالملايين يتدافع على المشاهدة، ومعلنون يتسابقون على الأوقات المميزة[1].
وهكذا نفخت في نار الأزمة وسائل إعلام ترغب في تحقيق الأرباح والرواج، عبر تضخيم الحدث والنفخ فيه، لزيادة مبيعات الصحف، وجلب المزيد من الإعلانات والاتصالات التليفونية للفضائيات، وتكريس شهرة بعض مقدمي البرامج من محدودي الكفاءة والوعي المهني[2]. ولا يفوتنا هنا القول إن اجتماع رؤساء مجالس إدارات القنوات الفضائية الخاصة، للنظر في كيفية معالجة البرامج الرياضية في هذه القنوات لأزمة مباراة أم درمان، شهد هجومـًا شرسـًا على مقدمي بعض البرامج الرياضية في هذه القنوات، إذ حملهم عدد من الحاضرين مسؤولية إثارة وتأجيج الأزمة بين مصر والجزائر ووصفوهم بالجهل والسطحية والقصور في المعلومات[3].
هذه الأجواء المؤسفة هي التي دفعت نحو 200 مفكر ومثقف مصري إلى التوقيع على بيان يدين خطايا الإعلام والتلاعب السياسي بتغذية الخلاف المصري الجزائري[4]. في المقابل، أصدر 11 من أساتذة الجامعات الجزائريين بيانـًا نددوا فيه بـ"الأسلوب الشوفيني المقيت" الذي أدارت به بعض المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة في الجزائر ومصر بجميع أنواعها المرئية والمسموعة والمكتوبة تغطية مباراة كرة القدم بين المنتخبين الشقيقين، التي حوَّلت، بحسب البيان، التنافس الرياضي الأخوي النبيل إلى "فتنة بين الشعبين"[5].
وبحسب باحث مغربي، فإنه في أزمة مصر والجزائر، اخترقت السياسة الحقل الاجتماعي وحاولت اللعب على الإشكال الأكثر قمعـًا واحتقانـًا، من خلال الاقتراب من المزاج العام للشعب. بل إن السياسي في البلدين أُخضع المباراة لتفسير واحد هو: ضرورة إشباع الرغبات الوهمية في النصر. في الوقت نفسه، ابتلع الجميع منتوجـًا إعلاميـًا ضخّم بشكل كبير صورة الشر في الآخر، لكن هذا الابتلاع صار غير قابل للكبح؛ لأنه مدفوع بكل الخيبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها الشعبان. إن حالة الهياج الشديد التي أعقبت المباراة صارت غير قابلة للكبح لأنها مبنية على الحرمان[6].
وربما كان ممكنـًا حصر هذا "الغضب" في ملاعب الكرة لو لم يُستغل سياسيـًا في مصر كما في الجزائر، ولو لم يُمنح طابعـًا "عصبيـًا" هو براء منه. الأمر المفاجئ والمؤلم  هو دخول بعض المثقفين، من صحفيين وكتّاب وفنانين، خضم هذا السجال، انتصارًا لجمهورهم أو لشعبهم كما خُيّل إليهم.


حرب الكرة انتقلت بدورها إلى صفوف النجوم، الذين انقسموا بين مؤيد لمنتخب كرة القدم المصري أو لنظيره الجزائري. وزادت مواقف الفنانين المتباينة تجاه هذه "المسألة الكروية" وآراؤهم حولها من حدة الصراع، إذ تحول كل فنان يساند المنتخب المصري إلى عدو للشعب الجزائري والعكس صحيح بغض النظر عما إذا كان هذا الفنان يشجع فريق بلده أصلا. بل أصبح هذا الفنان في نظر جمهور الفريق الآخر خائنا وناكرا للجميل ولا يستحق المتابعة والحب.
ومن عالم الفن، انتفض عمر الشريف وحسين فهمي ومحمود ياسين ويسرا أمام الأهرامات دفاعـًا عن كرامة زملائهم الفنانين والفنانات الذين لم يحسن السودانيون والجزائريون استقبالهم ووداعهم قبل وبعد مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر. وتحت سفح الأهرامات، وقف عمر الشريف وهو يحمل علم مصر في مشهد جنائزي، مع جوقة معظمها من نجوم الصف الأول في السينما والتليفزيون.
وبدا مستغربـًا أن هؤلاء النجوم لم يذهبوا يومـًا للاعتراض على استمرار العمل بقانون الطوارئ في مصر لعقود ثلاثة خلت، ولم يذهبوا مثلاً للامتعاض من تزوير كل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية والنقابية والطلابية والرياضية التي أجريت في مصر لسنوات طويلة. ولهذا دعا عمرو خفاجي "السادة الفنانين الذين سارعوا بمقاطعة كل ما هو جزائري عقب أحداث الخرطوم، أن يقاطعوا الدولة لو قررت تزوير الانتخابات، وأن يقوم هؤلاء الفنانون بدعوة الجماهير التي تحبهم إلى الذهاب إلى الصناديق والدفاع عنها"، كما ناشد "هؤلاء الشباب الذين توجهوا لسفارة الجزائر مطالبين بحرقها، أن يذهبوا إلى مقار الانتخابات ويحموها من التزوير ويحرقوا كل يد تحاول أن تمتد بالباطل لصناديق الديمقراطية"[7].
إلا أن النبرة العصبية في معسكر الفنانين لم تلتفت إلى هذه الحقيقة المُرة، فقالت يسرا في أحد لقاءاتها الصحفية: "هل نسي الشعب الجزائري أن موسيقى نشيدهم الوطني وضعها الفنان الراحل محمد فوزي، وأن النجمة ماجدة الصباحي عندما قدمت شخصية جميلة بوحيرد خسرت كل ما كانت تملك من أموال في سبيل عكس معاناة الشعب الجزائري أبان الاحتلال الفرنسي"[8]. وسمعنا الفنانة إسعاد يونس تصف نفسها في أحد البرامج التليفزيونية بأنها "فرعونية" مستنكفة أن تشير إلى هويتها العربية[9].
وفي المقابل، اتُخذت قرارات انتقامية غاضبة، إذ أصدر اتحاد النقابات الفنية، برئاسة ممدوح الليثي وعضوية كل من: أشرف زكي نقيب الفنانين ومنير الوسيمي نقيب الموسيقيين وإبراهيم الشقنقيري القائم بأعمال نقيب السينمائيين، قرارًا بوقف جميع أشكال التعامل مع المؤسسات الفنية والثقافية الجزائرية بما فيها المهرجانات الفنية سواء كانت سينما أو تليفزيون أو مسرح. كما تضمن القرار منع مشاركاتهم في أي مهرجانات تقام في مصر[10] لحين تقديم اعتذار رسمي صريح من الحكومة الجزائرية. ونظم رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، عزت أبوعوف، ونقيب الفنانين، أشرف زكي، وعدد من فناني مصر وقفة احتجاجية على السجادة الحمراء قبل حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائي، كرسالة احتجاج على التصرفات الجزائرية[11].
وفي تلك الغواية الكروية المعصوبة العينين، استطلعت صحيفة جزائرية آراء عدد من فناني الجزائر تحت عنوان "الفنانون الجزائريون يدعون إلى مقاطعة السينما والأغاني والمسلسلات المصرية"[12].
وطال طوفان الغضب المصري فنانين جزائريين، مثلما حدث عندما أعلن شاعر غنائي في الصحف سحب أغنية نظمها للفنانة وردة الجزائرية، بعد أن رأى مصريون أن وقوفها إلى جانب المنتخب الجزائري في السباق إلى مونديال جنوب إفريقيا خيانة علنية لمصر التي احتضنتها فنيـًا وكانت السبب الرئيسي في شهرتها ونجوميتها بحسب وجهة نظرهم. وربما كان الموقف هنا ردًا على حرب الشتائم المتبادلة بين الطرفين، إذ كانت أول شتيمة من متعصبين جزائريين في ملاعب الكرة أن "مصر بلد الفنانات". كما عمد بعض هؤلاء المتعصبين إلى تركيب صور مسيئة وضعوا فيها رؤوس بعض الفنانات المصريات، وهن ليلى علوي ويسرا ومنة شلبي وإلهام شاهين وياسمين عبدالعزيز ونادية الجندي ونبيلة عبيد ودينا وفيفي عبده وشيرين ونرمين الفقي، على أجساد لاعبي المنتخب المصري.


وردًا على مطالبة مصريين بمنع المطربة وردة الجزائرية من دخول مصر، طالب جزائريون بمنع الفنانة اللبنانية نانسي عجرم من دخول الأراضي الجزائرية، بعد أن ساندت المنتخب المصري قبيل مواجهته نظيره الجزائري، قائلة: "بإذن الله سيفوز الفراعنة، وسيصلون إلى نهائيات كأس العالم، ويحققون نتائج طيبة في هذا المونديال". وغضب الجزائريون أكثر بعد أن قدمت نانسي عجرم أغنية خاصة بعنوان "مصر العروسة المحروسة" والتي أدتها في حفل ختام مهرجان الإعلام العربي وهي تحمل العلم المصري بين ذراعيها، احتفالاً بفوز المنتخب المصري على نظيره الجزائري في لقاء القاهرة.
وبالمثل، هاجمت أقلام جزائرية عبر الصحف والمواقع الإلكترونية الفنانة هيفاء وهبي، بعد أن ارتأت أن واجبها الوطني يحتم عليها تشجيع المنتخب المصري لكونها من أم مصرية ومتزوجة من رجل الأعمال المصري أحمد أبوهشيمة[13]. هيفاء التي قدمت في قلب الأزمة أغنية عن مصر عنوانها "80 مليون إحساس" من كلمات بهاء الدين محمد وألحان محمد الصاوي وتوزيع أحمد إبراهيم، قالت في تصريحات صحفية إن معظم اللبنانيين شجعوا المصريين، وأضافت مبررة انحيازها للجانب المصري إن "موقفي بالأساس هو ضد العنف فما حدث ليس له علاقة بالرياضة، وهناك لبنانيون كثيرون غضبوا مما حدث لأن الجزائريين لديهم قابلية للشر بشكل كبير، كما أنهم غير متقبلين لفكرة أن يفوز أحد عليهم"[14]. وردًا عليها، قالت صحيفة جزائرية إن "ذلك لم يضر الجزائر بشيء، فلا مرحبـًا، مثلما قال العديد من المواطنين، بفريق تناصره هيفاء صاحبة بوس الواوا"[15].
وعلى الوتيرة نفسها، غازلت الفنانة المغربية سميرة سعيد جمهورها في مصر، حين قالت: "أنا مصرية أكثر من أي شخص آخر، وأغار عليها جدًا، وأرفض بشدة ما حدث في السودان من قبل الجزائريين فمعروف أنهم متعصبون جدًا، نظرًا لأنهم عاشوا حروبـًا لسنوات طويلة، لكن هذا لا نعتبره مبررًا لما بدر منهم من عنف بسبب مباراة كرة قدم، أما المصريون فمعروف أنهم شعب طيب". الأخطر هو قول سميرة: "لا يوجد تكافؤ بين جمهور الفريقين، فالمشجعون الذين ذهبوا من مصر فنانون ومثقفون ورجال سياسة وصفوة المجتمع، أما الجزائريون فأرسلوا جمهورًا من طبقة أخرى، لذلك كان لابد من إرسال المشجعين المصريين الحقيقيين، وخاصة مشجعي المناطق الشعبية الذين يستطيعون خلق نوع من التفاهم مع الجزائريين"[16]!
وغضب مصريون من نجمهم المفضل تامر حسني بعد أن نشرت بعض مواقع الإنترنت صورة له وهو يرفع علم الجزائر، على رغم توضيحه أن الصورة التقطت له في إحدى الحفلات التي أحياها في الجزائر قبل فترة وجيزة من وقوع الأزمة.
غواية جماهيرية جرفت كثيرين بعيدًا عن الحقيقة.
وعلى رغم محاولات بعض الفنانين إخماد نار الفتنة، مثلما حدث في الحفل الغنائي المشترك الذي جمع النجمين محمد منير والشاب خالد في 12 نوفمبر - قبيل مباراة القاهرة- على مسرح أكاديمية أخبار اليوم في مدينة 6 أكتوبر[17]، فإن مساحة سوء الفهم بقيت قائمة، بل إنها أخذت منحى أكثر خطورة.
هوامش

[1] ياسر عبدالعزيز، مصر مرتبكة، مصدر سابق.
[2] ياسر عبدالعزيز، خطايا الإعلام، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 29 نوفمبر 2009.
[3] خليفة جاب الله، أصحاب القنوات الخاصة يحملون مقدمي البرامج الرياضية مسؤولية أزمة مباراة الجزائر.. ويدعون إلى التوحد خلف هدف وطني، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 26 نوفمبر 2009.
[4] AFP, Egyptian intellectuals condemn politics of soccer violence, Daily Star, http://www.dailystar.com.lb/article.asp?edition_id=1&categ_id=4&Article_id=109146, November 27, 2009..
[5] _ الأمن يفرق تظاهرة أمام سفارة الجزائر.. ووقفة احتجاجية تحمل شعار "كرامة المصري أولاً"، مصدر سابق.
[6] عزيز مشواط، كرة القدم... أفيون الشعوب أم دين كوني جديد، مصدر سابق.
[7]  عمرو خفاجي، رقابة الانتخابات وأبطال (حرب) الجزائر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 30 نوفمبر 2009.
[8]  رانيا أبوزيد، حرب الخضر والفراعنة.. نجوم يحشرون "أنفهم" في ما لا يعنيهم فيلقون ما لا يرضيهم، مجلة "هيا"، دبي، 26 نوفمبر 2009.
[9]  فهمي هويدي، بعد صدمة الخرطوم: الخطايا العشر، مصدر سابق.
[10]  وكالة أنباء الشرق الأوسط، نقيب الموسيقيين: منع المطربين المصريين من الغناء في الجزائر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[11]  محسن محمود وحمدي دبش ومحمد طه، النقابات الفنية تقاطع المهرجانات الجزائرية.. والفنانون يختتمون مهرجان القاهرة السينمائي بوقفة احتجاجية ضد أحداث "معركة الخرطوم"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 21 نوفمبر 2009.
[12]  آسيا شلابي، الفنانون الجزائريون يدعون إلى مقاطعة السينما والأغاني والمسلسلات المصرية، جريدة "الشروق"، الجزائر، 20 نوفمبر 2009، ص 22.
[13]  رانيا أبوزيد، حرب الخضر والفراعنة.. نجوم يحشرون "أنفهم" في ما لا يعنيهم فيلقون ما لا يرضيهم، مصدر سابق.
[14]  محسن محمود، هيفاء وهبي: لا أخشى تهديدات الجزائريين، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 1 ديسمبر 2009.
[15]  قادة بن عمار، فنانون مصريون سقطوا في فخ التطرف وفرطوا في شعبيتهم بسبب المباراة، جريدة "الشروق"، الجزائر، 20 نوفمبر 2009، ص 22.
[16]  محسن محمود، سميرة سعيد: حبي لمصر أكبر من مباراة كرة قدم، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 29 ديسمبر 2009.
[17]  أمجد مصطفى، منير وخالد أذابا الجليد بالغناء، جريدة "الشروق"، القاهرة 13 نوفمبر 2009.
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator