المحروسة

Showing posts with label بشر. Show all posts

gravatar

عشتُ.. تقريبـًا





إلى ابنتي إسراء، التي أهدتني جزءا من تاريخي الضائع

 


الآن يكتملُ الزمان، فأصبحُ جزءًا من الماضي

أنتزعُ الأيامَ إلى الأبد، كنشيد قديم في فم الريح

أروي عن حياتي، فقط لأكتشف حقيقة الشيب الذي اعتراني

منذ طفولتي أدركتُ انهمار الساعات

كان الزمنُ يتبرأ من الكائن على حسابي

مع تباشير فجر له رائحة طفل وليد، في تلك المدينة النائمة على ضفاف نهر الراين، الذي يعرفُ انتخابَ الجَمَالِ من القبح، لم أكن في حاجة إلى أحد

بللٌ خفيفٌ يلمسُ الطرقاتِ، وأنا في الرحم الأمومي آمنٌ ومختبىء

المخاض دفقة من الضياء، وحصة من الألم

الولادة ويل، لكنها عنوان الوجود

النداء العاتي يمزق سكون المجرة

هلاّ جاهرت باندهاشك أيها الملاك!

وحين أخرجُ إلى العالم، كائنا جديدا، أطفئ ظمأ الساعات وأقتنصُ الرذاذَ من آخر سحابة عابرة

كم أود أن أكون حرًا، طليقـًا كطائرة ورقية أفلتت من خيوطها، قلبه يمشي على أوتار الماء الرخوة، لكن متعته في الفضاء!

والمواليد من برج البراءة، إلى أن يثبت العكس



أمي، تلك الحانية كغابة مغمورة بالنور، تُحكم الأقمطة حول الجسد الصغير

تنسج لي ثوبـًا خالصـًا شديد النعومة، لا يجرحني فيه أثرُ خياطة

أرى في حضنها خارطة للروح، ودربـًا للطمأنينة

والرجل، كما يقول ابن عربي في "فصوص الحكم": "مُدرج بين ذات ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه، فهو بين مؤنثين"

صوتها يأخذُكَ لمعانقةِ الملائِكة، وأنت تكبرُ في الخفاء

رضيع، يفطمونه برفق عن مذاق الأرجوان، فتمتلئ شفتاه بكلمات أكثر خصوبة

طفل، يتكىء على إفريز السماء مع كل خصلتي شعر أهملتهما الريح على كتف متجردة

صبي، ينام ووجهه إلى النجوم، بسذاجة من يجهل ألغاز الحياة، هذه القطة السائبة.. يحزر بعض معالمها، ويفكك بعض رموزها، لكنها تبقى غامضة مثل غابة يتأرجح فيها القلق

فتى، خفيف الوثب، يمشط الريح ويفرق الهواء الساكن، ويترك الأحلام على حافة النافذة، ويعزف على الخشب السميك في البيت البعيد حفنة ذكريات. يفرح بالانتصارات الصغيرة، وتستيقظُ في أوردتِه النظراتُ المرتبكة، واللمسات الحائرة، والأفكار العفوية الصاخبة

شاب، يقطف مواسم الشهقة الشاردة، ويروض الممانعة الخفيفة للفتيات اللاتي تعاكس الحفر اللئيمة أحذيتهن، والنساء الخبيرات في سحق أعقاب السجائر بكعوبهن العالية

رجل، يهوى تعليم الأعناق الاستدارة، والسيقان الموسيقى، والخصور التثني.. لكنه لا يشتهي النساء ذوات الفساتين الزائفة، الشبيهات بعلب الألوان، ويفضل عليهن الجميلات اللاتي لا يلجمهن الحذر، والقيثارة التي تهبه لحنها، والكتب التي ينام بنفسج حروفها في حقول الذاكرة

يهوى النساء اللاتي لا يتبدد أريجهن، وينضجن بين يديه كعناقيد زاخرة بالعنب، لكن لا شيء يفوق "الفتوحات المكية" و"مئة عام من العزلة"، و"فاوست"، ولا قبلة ألذ من إيقاع "البوليرو"، و"الفصول الأربعة"، و"السيمفونية الخامسة"

كهل، يتنفس قسوة المدن ويحرق يديه بلهب الكتابة: قهوة البقاء. لا يعبأ بالخصلة التي انفصلت عن الجبين، ويكسر جرة الأسرار على وسائد الغبار، ويدق على شاطئ الذاكرة أشرعة وعبارات لا تغري أحدًا

وزمن، يلعبُ معه الحزن

لعبة تجد فيها نفسك محاصرًا بمجموعة من أفراس النهر الجائعة

حياة تشبه حلمـًا واحدًا طويلا، مع فترات استراحة

نصف فناء، يرضع من ثدي حياتنا حتى نجف

وفصول متيبسة: صيف يسكن بيت الوهم، وشتاء يقطع حبله السُرّي مع الحقيقة، وخريف يرتدي معطف الغموض، وربيع سقطَ من شرفته العالية



نواصلُ النمو صامتين، وعالقين بين الطيران والسقوط



وحده عاشَ في طمأنينته، مُلوِّحـًا بالوداع في كل خطوة


كذبت الأغنيات عليه، وهو كذَبَ على النساء اللواتي علقن بماء القصيدة، وعلى قلبه الذي أصبح ظلا لا يُدميه المشي الطويل


يحتفي بالجُرح الذي تغازله المعرفة، والمنفى في الليالي المشوهة التي تختفي فيها الخطوطُ على راحة الكف


فقط في قلبِ أحبتِهِ، سيكبرُ بسرعةٍ مُفرطة


وحين يسأله الأصدقاء عن طفولته، يجيب ساخرًا: بُعثتُ شابـًا في الثلاثين


لا يوجد ما يشي بعمره، فما زال في هذه السن ينظر إلى العالم بعينيّ من جاءه للتو


والنظرة فتيل


اجتاز زمنَ القوائم السوداء، والإقصاء، ولم يتُب يومـًا عن الجرأة والمجازفة في بلاد كانت السماء فيها قريبة إلى درجةِ أن الناس كانوا يمشون منحنين


في زمن الحذلقة الماكرة، قرأ على الناس صفحاتٍ من كتابِ الوعي، محذرًا من أن الحكمة لا تعني قبول الذل، والبؤس لا يبرر الفساد، والسلبية لا تفضي إلى السلامة


لم يسلم من قلمه رجالُ الأمن المسعورون الذين يتآخون مع الهاوية وينتقمون من أنفسهم في الآخرين ليسطروا تاريخَ الضغينة، ولا الجنرالات الذين أدمنوا الاسترخاء فلم يعودوا يريقون من الدم إلا ما يسببه جرحٌ أثناء الحلاقة


استلَّ قلمه ليواجه أنظمة ظامئة إلى الهيمنة وتهدي شعوبها بدلَ الوردةِ مقصلة، حتى سقطت الدول العاجزة في اللحظة المناسبة كقلعة من رمل جاف


وبخوذة محكمة، واجه أنقاضَ المتلونين الذين يشكرون الهلاك، والمنافقين الآيلين للسقوط، وخريجي مدرسة ضِعاف النفوس الذين يرضون لخيباتهم أن تتكرر


لم يتبع أثرَ أودسيوس في رحلة النبيذ والضياع


مقاتلٌ، تستعر في مَراجله نارٌ قديمة


مُرتبٌ لدرجة مقيتة. يرتبُ حتى انحيازَ عينيه وعاداتِ أصابعه


مهذبٌ، يطرقُ بابَ الثلاجة مستئذنـًا قبل أن يفتحها


ساحرٌ خانته خفةُ يده، لكنه منذورٌ للانجذابِ ونظراتِ الاستحسان المتمهلة


هادئ كجُرح ملتئم، مهما تدفقت ينابيعُ دمه


سعيدٌ، حتى وإن امتلأ بتعاسةٍ لا تُوصف


عاشقٌ، يدركُ أن الموضعَ الذي يغطيه بحنان يتعذر على المحو، كأنه حدائق مَسقيّة بانتظام


سيخونُه القلب يومـًا، لتُسلم النبضاتُ حِدَّتَها، ويخذله الخيال


اليوم سيتكلمُ كعرافٍ أعمى: لن يكون موتي الأليفُ سوى أبديتي، وولادتي الأخيرة


بالمناسبة، لم أعد بريئـًا


ألم يرسخوا في أذهاننا أن السوء يربضُ في نهاية حياتنا، لا في بدايتها؟


كأنه صحراء تسخر من الخرائط. يبحثُ عن دروبٍ جديدة وسماء لا تُمس، وشلالاتٍ لا يقفزُ فوقها أحد


تفرُّ المياه خوفـًا من أبواق السفن في اندفاعها الأخير، ولا يبقى ساكنـًا سوى حصى الأعماق


سيمسي الرحيلُ يومـًا جارَ الحبِ والعاداتِ الوفية


بألفِ لون يتلألأ الموت، ليقول كلٌ منا في النهاية: لقد عشتُ.. تقريبـًا!



تابع القراءة

gravatar

الصورة إن حكت (4): انتهى الدرس






الصورة: محتجون يتظاهرون في 14 يناير 2011 ضد الرئيس التونسي زين
 العابدين بن علي، قبل ساعات من مغادرته البلاد وتنحيه عن السلطة بعد حكم دام
 23 عامـًا

 
تصوير: زهرة بن سمرة/ رويترز


Photographer: REUTERS/Zohra Bensemra





كانت الطائرة تعلو وتعلو، و"السيد الرئيس" يهبط ويهبط إلى هاوية سحيقة

والقاع فقط جهاته بلا سقوط!

كانت الطائرة الرئاسية التي تتسلل خفية إلى الأجواء، كأنها تحاول الفرار إلى السماء، على موعد مع نوع غير مألوف من التسول

فوق الجزر، والمدن القصية، التي تفوح منها رائحة "نعم"، كانت الطائرة تحلق، وتستجدي الإذن بالهبوط

والرد؟

"لا صارمة"، أو "نعم مُوَقَّتة".. ما دام الأمر متعلقـًا بالتزود بالوقود، من أجل رحيل آخر.. واستجداء جديد

العالقون في تابوت يكفي كل الموتى ويسبح في الهواء الشحيح، كانوا مجرد فارين إلى خنادقِ المنفى مع أول صافرةِ إنذار، بعد أن سقطت دولة البصاصين مثل قلعة من رمال

كانت السماء للشعب لغة، ولأعوان "الباي الأخير" ضجة أحرف كلمةٍ واحدة: الخزي

لعلهم حين حلقت بهم الطائرة فوق سماء العاصمة نظروا من النوافذ إلى الدخان الكثيف الذي يغلف المدينة

حريق كامن في الصدور منذ سنين

أهوال يناير.. وشمسٌ تنقذ الأرواحَ من مافيا الأبناء والأعمام والأخوال، والبطانة، وأذناب العائلات الفاسدة

الطرابلسي والماطري وشيبوب.. سلالة بلا مزايا ولا بريق، أعماها الاستقواء بالسلطة المتوحشة، فانتفعت من وهم حُكم "أبدي"، إلى أن لاحقتها اللعنات حتى النهاية

جنرال الهروب، على ساحل المنفى، لم يعد لديه من يكاتبه

والشارع على مسافةِ خَمسِ خُطواتٍ من الحرية والانعتاق

خطوة، قطعها المهمشون الذين مر على جسدهم الأصهار والمواكبُ الفخيمة

وثانية، مشاها الثائرون أمام مبنى الداخلية المقيت، الذي أورثَ الأرضَ تعاسة وطوفانـًا من الدّم

وثالثة، سارها اكتمال الحشد في قلب العاصمة، وسط دمع ينتظر في المحاجر

ورابعة، بدأها من كانوا جاهزين لاستقبال طلقة، وكلهم شغف بأن يلف جسدهم علم الوطن

وخامسة، كانت من نصيب مُلهمٍ شربَ نخبَ احتراقه، حتى ثملت الطرقاتُ والأحزانُ في المُقل

المنسحقون استفاقوا تحت شمس ألقتهم يومـًا في لظاها

الجموع الهادرة، موجة خرجت لتصقل الصخر وتجرب لونها

غضب الشعب الذي عاش تحت قدم الخوف والتخويف زمنـًا طويلا، يواجه جنون حاكم ينزع إلى الانتقام، ويجد لذته في الإقصاء

"السيد الرئيس"، المستبد، كسوط يلوح للقادمين: هل سرنا في عهدكِ/عهركِ من قبرٍ إلى قبرِ؟

رصاصك الذي حصد الأبرياء وقصف الأقلام وقطف الرؤوس بعيون دامعة من الغبطة، علَّمنا أنه حين تطلقُ السلطة النارَ على جماهيرها يكون النظام قد أدرك أنه يخوض معركته الأخيرة

هتاف الحناجر من بركان يثور، قال كلمته: الشعب أراد الحياة.. فهرب "صاحب الفخامة" وأطلق ساقيه للريح!

الشرارة التي واجهت الشراهة، انطلقت من سيدي بو زيد، وشملت كل من هدهم الفقر ونهشهم الخوف ردحـًا من الزمن، انقلبت ذات جُمعةٍ إلى فرح أشبه بالبكاء

بكاء، لا يماثل دموعـًا محتملة انحدرت من عيني الضِّلِّيل على الكتف العاري لعزيزته التي ذهبت يومـًا إلى الكراهية ولم تعد

كانت الظلمات تؤكد اختفاء "السيدة الأولى"، واختباء مصففة الشعر التي تتغندر بوصفها "سيدة الجمهورية الضرورية"

لعل "حاكمة قرطاج" تندب حظها العاثر، وتثرثر مع أشباحها، متناسية كم كتفـًا تسلّقتْ، وكم تدلل جسدها مثل عشبة شاردة، حتى تصل!

المرأة التي تعشق الملابس الباذخة وجولات التسوق والتدخل في الاستثمارات والتعيينات الحكومية، تطيلُ التحديق في الفراغ الهائل المُحيط بها، وتهاجمها نوبات الصداع كلما تذكرت هتافات المحتجين: "يا ليلى يا حجامة، ردي فلوس اليتامى"

ها هي الخليلة التي جاءت في غفلة من التاريخ، لتظهر علنـًا كزوجة شرعية مصحوبة بهالة كأنما هي "سلامبو"، سليلة المجد الفينيقي، تتساءل - في ارتباك لص جشع- ساعة الرحيل: ماذا سنأخذ معنا وماذا سنترك خلفنا؟

مخلوقان يبدوان خائري القوى.. وحيدين بالاختيار والاضطرار، حين يلتقي طَرَفُ البداية بعجز النهاية

لكن الجلاد الذي يغالطُ الشيب بصبغة مستوردة، ليس سوى خليط من بابا عسكري، وممثل كوميدي

نام طويلا على حرير التقارير التي تستقر في وداعة في الأدراج، وسط تطمينات المستشارين وتحية الجنرالات التي تفوح منها رائحة الولاء القاطع، وترويض الدستور الذي أصبح موظفـًا يدمن الانحناء

يا سيد الانقلاب، كم من مرة كممت الأفواه وفقأت الأعين، وأصدرت التعليمات بأن تفتح وَقَبَات البندقية هوة بين الموت والحياة؟!

والأوامر.. أورام في جسد الطاغية

أيها "الشاه" الذي تتفصدُ منه دائمـًا حباتُ عرق لامعة، لماذا "جميع القيم مهدرة، لكن الأمن مستتب"؟!

قيامة الأحرار حانت، بعد أن استقر في يقينهم مقولة نجيب محفوظ: "عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة"

هل هناك شارع عربي؟

أبو القاسم الشابي يجيب بثقة: نعم.. شارع يجترح في كل لحظة معجزة

قالها تاركـًا ساعده الأيمن ينزف بسلام

هي الحرية الحمراء.. التي تبدأ من تونس الخضراء

طاغية آخر سقط من التاريخ، بعد أن أطفأ الأنوار وراح

"فهمتُكم جميعـًا"، قال "السيد الرئيس" في فصاحة متأخرة، وفي دمه رائحة الجنازات، ليستجدي وقتـًا إضافيـًا

لا، أيها الرجل الذي لا تشمله المغفرة.. أنت لم تفهم، وربما أدركت الحقيقة متأخرا

"هذا التغيير استجابة لمطالبكم التي تفاعلت معها"، قالها بوجهه المتجهم وهو يغترف كلماته من جوفه بصعوبة بالغة

"لا رئاسة مدى الحياة"، رددها بصوت مرتعد وهو يجثو على ركبتيه في هوان مصطنعـًا العجز.. حيلة لم تنطل على شعب رد بعنفوان: بل لنا الحياة

"أمهلوني ثلاث سنوات إضافية"، يقولها بائع المسكنات، لكن الوقت يخون الحاكم

"اهدأوا"، يتوسل المسخ الذي ظهر خلال لحظة شكسبيرية في مأساة احتضار البورقيبيّة، وعلى جبينه قرحٌ دائم، مثل أفعى شربت سمها

أسرابُ النفاق تتساءل في الصحف اليائسة والقنوات البائسة: أليس من حق الرئيس أن يبتهل؟

لم يصدقه أو يصدقهم أحد.. كان الكل يعرف أن المخالب مخفيةٌ تحت قفازيّ الرجل الذي سقط بعض قناعه أرضـًا، مثل رماد هش لسيجارة

لم يصدقه الشارع، الذي يحفظُ وصايا التاريخ، وبطش الهرم الأمني، وحكايات بحر لا يتوقف عن لفظ جثث الحالمين بالهجرة إلى الشاطئ

وكذَّبه البسطاء الذين يتندرون عما جرى، حين مر الاستعراض العسكري أمام منصة مقاعدها خالية.. لكن المقاعد التي أدمنت المسؤولين الحكوميين، أخذت تصفق بحماس!

وسخر من أفكاره المغشوشة ووعوده الزائفة بالبرد والسلام، من ذاقوا ويلات نظامه المسرف في إهلاك الحرث والنسل

يا نجم نشرات الأخبار، أين ذهب أصحابُ المباخر الذين كانوا يمطرونك صباح مساء بالإشادات والقصائد والورد؟!

تتفتح غرزات الخيبة في جسد شعب عاش في قرارة الجحيم وداهمته كل أشكال القلق

شعب، ليله أسف، ونهاره لهف،

شعب، غذاؤه محن، وعشاؤه شجن، وزيتونه فتن

شعب، سره علن، وخوفه وطن

إناء القهر لم يعد يتحمل المزيد، ولم يبق أمامهم رشادٌ أو غواية

ها هو طائر الحرية يعلو فوق قلوبهم يوم حُمَّ القضاءُ

ارتفع الأذان: حي على الكرامة.. حي على التغيير

الأغاني التي طفحت، وترهات جوقة النخب المدجنة، التي تتغنى بمناقب "السيد الرئيس"، زادتهم عطشـًا إلى العدل

حين يتكوم البرق في لجة الظلام، تنحني الأسئلة

تنمية؟ بل تعمية

زين؟ بل شين

حقيقة أنجبت من الاحتياج احتجاجـًا على "المحتل الوطني"، في سوسة وصفاقس وقفصة والقصرين والكاف وقابس

ينهض رجال التضحية ونساء التمنيات، والأطفال الذين نسوا أن يكبروا

يتابعون نمو الحرية كأنها ابنة في طريقها إلى الحياة

كلهم تحدوا قناصة الجنرال بصدورهم العارية، وبدّلوا آنية أرواحهم بأخرى خالدة

يطعمون الموت أجسادهم، وتبقى أرواحهم كسرة نور نقتاتُ منها للآتي

بهم، تونس تزداد اخضرارا، وسط محيط رمادي كذئب أغبر

وجه جديد لتونس.. يؤنس ويضيء الطريق

عاطل شاخت أيامه، يقول لعدسات المصورين: كبرت في وقت الفراغ، ونما الذل في ضلوعي كالديون، وهوى القمع فوق صدري بحذائه العسكري الثقيل

يخوض في حسابات الفلسفة: "عندي ستة وعشرون عامـًا، لكنني عشتُ مع الأسى ثلاث دقائق في كل دقيقة مهدرة.. فكم يكون عمري الآن؟!"

والسخط ينتظر الشرارة

يحرق محمد البو عزيزي بجسده العفيف قش النظام، لتستقيم الصورة المائلة في الإطار

هدير عربة الخضار لم يبلغ أسماع الطاغية، إلا بعد أن أصم أذنيه عن أنين شعبه

بائع خضراوات أسقط الطاغية وزوجته ابنة بائع الخضراوات

شاحنة النفايات مرت مسرعة، لتتسخ معها السترة البيضاء لصاحب الهيبة والهيلمان

الأمن الرئاسي يحرس العتمة الموحشة، والوشاةٌ يقايضون الهارب بالندم

وحدها قبور الضحايا، تخفي تحتها حكايات آسرة!

أبو القاسم الشابي يواسي الريح قائلا: لسنا عابرين، هم الذين عبروا وانتهوا

أيها الباذرون القمح.. موسم الأمطار يُولد، فاتقدوا، ثم اتحدوا، وانضجوا

الآن نتأهل لنبل الحياة

يهتف الشاعر بملامح وجه شديدة الوضوح، كأن نحاتـًا مرهفـًا حددها من مادة ثمينة: سنذهب إلى أنقاض الأحياء المهدمة والأرض المعشوشبة، بحثـًا عن غدنا.. ببندقية؟!

كلا.. بل بوردة في يد وقبضة تحد في اليد الأخرى سيبقى لأثرها صدى يتردد عبر العصور

جوهر درس التغيير ثابت

المهم أن يريد الشعب.. والباقي تفاصيل:

إذا الشّعْبُ يَوْمَـًا أرَادَ الْحَيَـاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر


وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر


وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر


فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر
تابع القراءة

gravatar

دمعة حبر



هذه الرسالة التي بلا اسم ولا عنوان، وُجِدَت مطوية بعناية في إحدى المجلات التي تنام على طاولة صغيرة في منزل ضيافة، ذات يوم من شهر نوفمبر عام 2007






كنت أتساءلُ دومـًا كيف تُراها الغربة؟ وهل لها بالفعل طَعم مرّ؟ وهل يشعرُ الإنسان بالغربة في حوض السمك الذي يمتدُ من المحيط إلى الخليج؟

 
وجاءت التجربةُ على طبق من ذهب، فحزمنا أمتعتنا وبعنا منها ما بعنا، وارتحلنا إلى دبي: مدينة تجرحُكَ بغرورها وتمص دمك وهي تبتسم


كان الشعور الأسوأ في حياتي ونحن على متن الطائرة. فما أسوأها من مشاعر عندما تعلم أنك لن تعودَ إلى الجدران التي ضمتك في سنواتِ طفولتك ومراهقتك، وكانتْ شاهدًا على أفراحك وأتراحك، وآمالك وآلامك


أصابتني غصة وأنا أودعُ ذكريات الصبا التي جعلتنا نحلقُ بأجنحةٍ من رأفةٍ وجمال


انتابني شعور بالغربة في اللحظة التي تركت فيها شقتي وسلمت مفاتيحها إلى مالكها الأصلي. في تلك اللحظة تحديدًا، شعرتُ أنني فقدت الأمان والسكينة


كم سأفتقدُ رفوفَ الكُتبِ، وقطع الأثاث، وطاولة الزينة، وصورتنا التي تضحك في الإطار، وإبريق الشاي الذي تغيرَّ لونه، والثلاجة التي نُثبّت عليها كلمات الحب بمغناطيس، والشرفة المطلة على أحلامنا، ومقبضَ البابَ الذي يلوي ذراعنا، والدرجَ الذي كاد يُهلكُ أقدامنا، والفراشاتِ التي صبَّرتها في مفكرتي الخاصة


سأفتقدُ الأصدقاء الذين يتبادلون الشكوى من الطقس؛ والجارات اللاتي يثرثرن وهن يرتشفن القهوة من فناجين عليها بصمات أحمر الشفاه؛ والأطفال الذين تنوء ظهورُّهم بالحقائب المدرسية


في مياه الذاكرة الكثيرُ من الضباب


نراهنُ على النسيان، فنخسر الرهان


ها هي صخرةُ الغربة ماثلة أمامنا، نطلُ عليها من النوافذ الصغيرة للطائرة التي أقلتنا إلى المدينة الجديدة التي يتصاعدُ منها بخارُّ الحداثة


في المطار، اكتشفنا أن ماضينا بدأ رحلةَ الإفلاتِ من قبضتنا


من اللحظة الأولى، واجهتْ الحقيقةُ عقلي، وكأنها خارجة من شق في الجليد: أصبحنا غرباء!


كنا نخطو في المطار الفسيح الأرجاء، تسطو إحدى قدمي على خطى الأخرى، في أرض لا تميز خطوتي من سواها، وأتساءلُ: من يحرّرُ الساقين من إسمنت المكان؟


حملتُ ابني الذي اجتمعَ فوق ذراعيَّ مضغةً، واتجهنا إلى المجهول. لم أكن أعلمُ أن هاني سيشعرُ هو الآخر بمرارة الغربة ويعاني أكثر منا نحن الكبار


كان التأقلمُ صعبـًا، فكل الأشياء هنا خارقة.. وتافهة


تلك الحياة الجديدة التي اخترناها بملء إرداتنا، تفرضُ علينا اتخاذَ شكلِ المثلث الذي يسندُ كل ضلع منه الآخر كيلا ينهار ويتفكك


مرت ليال طويلة وثقيلة كانت دموعي فيها تسابقُ بعضها البعض، وكنت أغفو أحيانـًا من شدة التعب


حياتي هنا أوراق مبعثرة تُملأ بها كل الفراغات


يا الله، متى سيأتي اليومُ الذي أنعمُ فيه بالراحة؟


لا أدري هل ما أنا فيه هشاشة في الإرادة أو رهافة حس، لكنني حزينة بكل ما تعنيه تلك الكلمة


كلُ الاختياراتِ قاسية


هنا أتجرعُ الألم وحدي، وأعدُ ضجري على أسناني

 زوجي يذهبُ إلى العمل منذ الصباح الباكر، ولا يعود حتى يهبط الظلام. في ساعات النهار، يمرُّ الصبحُ مهزومـًا حسيرَ الرأس. كانت دقاتُ ساعة الحائط تخترق الوقت، والغرف، ولا يُسّري عني إلا صوتُ فيروز الذي يعانق الملائكة، ويقودني إلى دروب التأمل الصوفيّ






أرتجلُ الوجودَ كمشهدٍ صعبٍ



أفتحُ النوافذ، لعلَّ الشمس تزيلُ الرطوبة المحتقنة في الغرف، وأطالعُ في الشرفة بنفسجة تذوي قبل أن تتلاشى في السماءِ الزرقاءِ. أطرُد طيورَ الأسى من الشرفة، قبل أن أغلقَ النوافذ على دموعي وأسدلَ عليها ستائر النسيان، احتماءً من سماء تُمطرُ رملا، وهواء مخلخل بضرباتِ مطارق عمال البناء


الشمسُ ترحلُ بين النوافذ في ساعات النهار، وقلبي يمتلىء بزبد حامض يزيد من صعوبة التنفس


لا أستعيدُ ضياءَ الأيام، ويهربُ ملمسُ الأشياء من بين الأصابع


هنا، لا أصدقاء يمنحونك فراء الألفة، ولا أحبة تهديهم وشاح الدفء


هنا، نغلقُ النافذة على ألف انتظار، فلا غيمة تعبرُّ الطريق، ولا ابتسامة تربتُ على كتفك


هنا، القبورُ وحدَها هي الحقيقة


أحاولُ أن أصنعَ قبورًا لآلامي الصغيرة.. وأخفي برودَتها برخام آسر


كنتُ مثل غزالة تعثرت قوائمها في مفهوم الفريسة، فمسّها الرعب
المارة الذين يصاعدُ من أكفهم ملحٌ ويباغتُ ظلهم الأرضَ، تنمُ وجوهُهم الباردة، وعيونُهم الجامدة، وخطاهُم المتسارعة، عن عابرين لا يبالون بشيء، ولا شيء يبالي بهم


أحصي الدقائقَ الزاحفة ببطء، وأنا أحسُ بمخلب الذعر، في منازلَ فقدَ سكانُها الطمأنينة


أكتشفُ أن جارنا يملكُ ثلاثَ بنات رائعات، لكنهم ينادونه: أبا أحمد


أرقبُ نملة سوداء مدججة بأحمال تذرعُ المنزل، وأتخلُّصُ من العلكة التي كانت تُضجرني، وأتثاءبُ أمام التلفاز، وأمشطُ شعري فيتساقطُ منه الحزن، قبل أن أحادثَ أمي هاتفيـًا، وأحاولَ أن أبدو متماسكة. أنا فقط لا أتقنُ البكاء على الهاتف


أحكي لها عن المترو المعقم، ومراكز التسوق التي تشبه المتاهة، لكنني أخفي عنها وخزَ الواقع الذي بعثرني


ما إن يعود محمود ونضع وجبة العشاء حتى يبدأ هاني في البكاء، فتجدني أسدُ جوعي بلقيمات بسيطة ومتسارعة، ثم أركضُ إلى ابني وأدخلُ حجرته بقلب مزعزع لأضمه إلى صدري، فيهدأ ويكف عن البكاء. طريقتي هذه تعتبرُّ فاشلة في نظر زوجي، أما أنا فلا أبالي برأيه في موضوع تنشئة الأطفال؛ لأن الرجلَ عادة يجهلُ كنزَ الحنان الذي تجده المرأة في احتضان طفلها


أتساءلُ أحيانـًا، هل يُعقل أن يُحرمَ طفلي الوحيد من كل المحبة التي كانت تحيط بمهده: الجدة الرائعة التي تعشقه والخادمة التي كانت تتسابقُ معنا على رعايته حتى تعلَّق بها. وكان منزل جده الفسيح الذي نزوره في نهاية الأسبوع، يضمُ حديقة غنَّاء تفوحُ منها روائحُ أرقّ نفحة من عطر الخزامى


والآن، لا أحدَ، سواي.. دائمـًا


وحين يغفو أو يستيقظ، فإنه لا يرى سوى ملامح وجهي في هذا البيت الضيق كأنه علبة ألوان. جدران غريبة، هي عنوانُ الوحشة، والشاهدُ الصامتُ على ألم الخذلان ومنغصات الذاكرة


لم يكن أمام صغيري سوى الدموع، كأنه يتساءلُ: أين نحن؟


بكيتُ كثيرًا على بكائه، وجرفتني رغبة لا تقاوم في الصراخ، فقد كان يمزقُ قلبي عندما يحدق فيَّ بعينيه اللتين تشبهين كُرتين من العسل، وتملأ نظراته الحيرة والخوف والدهشة: ما الذي أتى بنا إلى هنا؟


لقد وعدني زوجي بأن يدللني وأن تكون عيناه سربـًا من الرحمة من حولي، في هذه المدينة المتلألئة بألوان زائفة، ذات الشوارع الغائبة عن الوعي، لكنني ما زلت أنتظر تحقيق وعده. حين بُحتُ له بمكنون صدري ومدى ضيقي وشعوري بالاغتراب، ثار في وجهي وقال لي: "اذهبي إلى منزل أهلكِ كي تنعمي بالراحة والرفاهية"!


كلماتُه سرقتْ لونَ دمي، حتى صار صوتي مشروخـًا كزجاج مكسور، بعد أن أخفقَ الرجلُ الذي تركتُ الدنيا من أجله، في أن يقومَ بزيارة حانية إلى ندوبي


ما أتعسَ هذا الإحساس


لعلني متورطة في الخطأ من دون أدري. فقد التهمَ طفلي معظمَ وقتي واهتمامي، ليتراجعَ طيفُ الزوج إلى الوراء. وربما كانت خطيئتي الوحيدة أنني تألمتُ وحلمتُ وقاسيت


يسودُ المنزلَ صمتٌ مطبق كالذي يعقبُ الكوارث



نالَ مني الإحباط، وتسلل الصقيع إلى روحي الهشة، فلم أعد أعبأ بأمور المنزل.. حتى الأريكة تحولت إلى مقبرة ملابس



وحدَها وسادتي صارتْ مهدَ القلق المنفلت


سنترك منزلَ الضيافة بعد أسبوعين، والشقة الجديدة التي سننتقل إليها لن تكون أحسن حالا، فالإيجاراتُ هنا مرتفعة، والشققُ أضيقُ من أن توصف


تُرى، هل هي مجردُ غربة تعتريني؟ ومتى تذوي قوةُ الماضي؟


بتقطيبة حزن، أطوي أيامـًا مليئة بانكسار القلب، وأحادثُ نفسي قائلة: أنا وحيدة في ليل طويل


تذرفُ عينُ الكتابة دمعةَ حبر.. وأبقى حائرة


ربما لأن غرسَ النباتات في مقبرة لا يجدي الآن نفعـًا
تابع القراءة

gravatar

بقعة صغيرة زرقاء





أنت تدري ما كان بعدك حالي

فتـُرى كيف كان حالك بعدي

صفي الدين الحلّي




الصباحُ يلفُ المدينة، والشمس تجاهد كي تضيء

جريحٌ، يقرصُ خد الهواء، ويسيرُ بلا هدى.. فالصعلوك بوصلة الطرقات المشوشة

في الشوارع الصاخبة، المتدافعة، غير المبالية، يذرع الأسفلت الموشى بالمهمشين، فيما يدوس على ظله بائعٌ جوال كان على عجلة من أمره، لدرجة أنه أشعلَ النار في حياته كأنَّه يُشعل سيجارة لصديق

يمرُ بجوار شجرة لوزٍ تبتسم، ونافذة لا أحد يُصلِحُ صريرها

يطالعُ أمًا تصالحُ طفلها على باب المدرسة، قبل أن يلحق ببراعم محشوّين عن آخرهم بآمال الأمهات

قطرة عرق تسقط من على جبين أحد المارة، فتستغرق الأرض طويلا لترتوي بها

عمال البناء يشيدون منازل لكائنات على وشك الانقراض

فتاة تكاشف صديقتها قائلة: "إنه يعاملني كفتاة تضع مقوِّم الأسنان.. ويتسرب إليَّ من نقاط ضعفي"

يلمحُ شابًا يقودُ سيارته الرياضية ببراعةٍ تحسده عليها الطُّرقُ، وآخر يطوق العابرات بحزنه وحرمانه

تتناهى إلى مسامعه أغنية قديمة تباغته بالشجن

كلّه لغزٌ هذا الفتى الذي يعابث ذقن السنين

نبي القلم.. والقلق

لم ينتبه الأصدقاء لغيابه، فهم موزعون على المقابر والمنافي والسجون

يصارعُ ضجره، وهو يطالعُ الرجالَ الذين يلعنون الضرائب والطقس، والسيداتِ المترعات بالشبق، الذاهبات إلى السوق أو جهنم

يملُ من السير، يقف أمام شجرة أشد منه نُحولا، ويستوقفُ سيارة أجرة كي تقله إلى وجهته

داهمته برودة المكيف، والأغنية الهندية التي يستمتع بها سائقٌ تشبَّع برائحة العرق والرطوبة. على الأقل، كان ممتنا لقيادته السيارة بصمت

على باب المستشفى، انزوى رجل لم تبق في فمه سوى سن ذهبية وحيدة، أخذ يدخنُ حكمته مثل قطار قديم

في الداخل، تدفعه كل التفاصيل إلى التبرم: حياد البياض، الضوء الكابي للمصابيح، الروائح النفاذة التي لا تستأذنك، الأرضية اللامعة، السرير اليابس الذي يتمدد عليه مرضى يرقدون في رهان غير متكافئ مع الموت بعد أن ضيّعوا مواعيدهم مع المعجزات

موظفو الاستقبال الذين يملكون وجوهًا من شمع، عيونهم مُسمرة إلى الشاشات المضيئة لتسجيل البيانات، وتحصيل النقود ممن يقتلهم الألم



فضوليون استسلموا للمقاعد الجلدية في انتظار علاج أحبتهم، يشغلون أنفسهم بمجلات فارغة إلا من الصور، وتسقط سهام نظراتهم المزعجة على رواد المكان.. يتلصصون على الأحاديث الجانبية، بحدة براغيث بشرية تلتهم جسدًا تسللت إليه خفية

يسير بخطوات تشبهُ حفيفَ رياحٍ ليليّة في مبنى تنمو في أوردته قنوات ضيقة، ويعبر بجوار مجموعة من الأطباء الذين يدسون في معاطفهم كلمات المواساة الباردة

الممرضة الفلبينية ذات البشرة الجرداء والنظرة الزائغة، تقوده إلى غرفة في آخر الردهة، قبل أن تتركه وحيدًا

يحصي أنفاسه التي تتصاعد كسلّمٍ موسيقي في دار أوبرا

يتنهد مثل عاملِ منجم يحصي الساعات الطويلة التي أهدرها في نفق مظلم

الأصوات تتسرب إلى غرفة الكشف الطبي كما لو كانت صدى لمطر بعيد

على الحائط، تطل شهادة جامعية يحيط بها إطار خشبي عريض بزخارف مرهقة

يزوره طبيب، مدورٌ كما عدستا نظارته، يبدو كأنه يمر بأزمة منتصف العمر، حتى إنه يهدي عشيقاته الشابات حقيبة يد في بداية العلاقة ووشاحا عند إنهائها

كاد يسألُ الطبيبَ الذي يتفحصه: أي الأماكن امتطيتَ البارحة؟

يتراجع، لينصت إلى رأي الرجل المصاب بمرض الدبلجة: الآن وقد جربنا العلاج الطبيعي، ولم تُجد الأدوية نفعا، لم يبق أمامنا سوى الحقن.. لكن علينا أولا إجراء اختبار الحساسية. سيستغرق الاختبار ربع ساعة فقط


بآلية تستعصي على الوصف، تتولى الممرضة المفتقرة إلى الغموض حقنه في ذراعه، ثم ترسم حول مكان الحقن دائرة وتكتب تحتها التوقيت. حدق في ساعة "اليد" التي صنعتها في ذهول. يتمدد وحده في السرير ويتابع مربعات السقف، مستغرقا في تأمل الأجهزة الطبية التي تم تغطية بعضها بملاءات بيضاء. تصلح الغرفة للتعذيب وانتزاع الاعترافات، فكل ما فيها موحش ومحايد

لا أثر في الذراع سوى بقعة صغيرة زرقاء - ستتحول لاحقا إلى اللون البنفسجي- مثل تلك التي يرسمها التلاميذ فوق أيديهم في فترات الاستراحة والشغب البرىء

الضجرُ عنكبوت يتدلى من سقفِ الغرفةِ، وهو مثال ساطع على الخوف

يعود الطبيب، يتحسسُ رسغه والآلام التي تنضج تحت جلده، ويسأله عن موضع الألم. يقوس حاجبيه، ويطلب من الممرضة حلق تلك المنطقة بشفرة ساذجة، قبل أن يختارها هدفا للحقنة المنتظرة

خُذ نفسًا عميقا، يأمره الطبيب، فيمتثل في وجل

يحقنه لدهر.. يده تتحدّى إغراء المخدّر

ينصت إلى إيقاع الموسيقى في رأسه، ويسبح بين مجرتين

يستسلم للزمن، وهو يسائل نفسه: لم الضوء شيء ثانوي في المستشفيات؟

الحقنة دخلت رسغه ولم تخرج أبدا. تحز في العظم، تسيخ في اللحم.. ولا نهاية

يرى عُري عذابه، ويأبى أن يتكلم، خشية أن تقشر الأنات قناع قوته

الإزميل يتوغل بشراسة في عروق الرخام، ورأسه يدور مثل حوّامة، وروحه تذوب في حمض قوي المفعول

أثر الوخز يشبه رصاصة تطل من ثقب في رقبة

لوهلة، احتفى بفكرة كونه ميتا، وهو الذي يوقن - منذ تَقَبَّل أَولَ مراتِ موتِه- أن الموت ليس لحظة واحدة بل هو خط متصل؛ نموت منذ الولادة، حتى نموت فعلا

نموت؟

لن يكتب سيرته الذاتية إذن. سيكتفي بالحروف والسطور والفواصل التي تغلغل فيها حتى صارت جزءًا منه. لن يقول لأحد كيف كان الفتى من أنصاف الآلهة، وكيف أصبح الرجل من أنصاف البشر

يصعد اسمُها على شفتيه، ليصرع تنين الحزن بسيف البهجة

خَياله المحمومُ بالمتأنية على نحو مذهل، يداعبُ ذَاكِرته

امرأة صقلتْ ظلها، تشبه جميلات الأبيض والأسود

وجهها المستدير يمنحها ملامح طفولية لن تبرأ منها

ضوء القمر يتهدجُ في مد عينيها


تخلع عنه رداء العمر، حتى يعود إلى طفولته الوديعة

لكن الطفولة أمدها قصير: صدى يبتلعه صدى

رآها بالأمس، عبر واجهة زجاجية قاتمة، تتأبط ذراع آخر، يضاجع نساء بعدد أيام غيابها عن المنزل

مد يده، وكاد أن.. لولا...

أهو نبلٌ أن نحب ونتخفى؟

لا بأس، يقول لنفسه، ستمرُ يوما من هنا، وستقرأ كلماتي خلسة، لتدرك أنني لم أنس.. ولن أنسى

وقد قيل: الغريب من جفاه الحبيب

ينوء القلب بالحكايات، فمن يحمي كلامَ الصمتِ من عبث الهواء

إنه شعور مضطرم ومضطرب وحزين، وغائم إلى حد ما. حنين مرهق، مثل شغف الصورة بالإطار، قبل أن يخنقها الغبار

يتذكرُها: الضحكة المكتومة، النظرة الغافية، الشعر المنفلت الذي يهطل مطرًا على كتفيها، والعِطرُ الذي يصيبه بالدوار

كانت تعبر شرايينه يوميا، من أقصاها إلى أقصاها

تجوس داخل أحلامه، تلهمه، وتبقى.. فالإلهام قد يأتي عندما نريده، لكنه لا يرحل إلا عندما يريد هو

لحضنها رائحة التفاح المخمر، ولصوتها الناعم نقرٌ خفيف على نافذة الأذن، خصوصا حين يكون كلامها خارجا للتو من معابد الجسد

يغوص في شفتيها المسترخيتين كما المرساة تشتهي القاع، ويلمسها برفق، فالأصابع اللينة نابعة من القلب وليس الجسد



كانت تمسكُ يده وتقودها إلى مدائن أخرى، وأرض الأنثى، ليبعثرَ أمطاره في مداها ويسكن جنتها الأخيرة

تذوب، كنثار دانتيلا قذفت في الهواء، وتخرج رغباتها من الغرف السرية إلى الهواء الطلق

والمرأة التي تخشى الذوبان بين أحضان رجل يجب أن تتعلم من السُكَّر..

السُكَّر لا يخشى الذوبان، لأنه يعلم جيدًا أنه يشارك في صنع متعة استثنائية مع المكونات الأخرى

لا ينسى التفاصيل: الخشخشة الواهية من السلسلة التي تتأرجح على عنق ينفر منه عرق أخضر صغير، النحر الذي يشكل نقطة فاصلة بين موت شاهق وحياة باطنية، حقول الشقرة التي تنصب له فخ اللذة، وأصابعه التي تقود دبيب النمل فوق جلدها حتى تغرق في حرارة الألوان

يفرط رمانها حبة تلو أخرى، والرمان ياقوتٌ مسَّه الشجن

كان يُقرضها أصابعه، حين تطلبُ منه مُساعدتها في رفعِ سَحّابِ الفُستان

أحدنا فحسب تغير، والقلبُ قُلَّبٌ

يمنحها قبلة الوداع، وكرنفال الارتباك ينصب شباكه حولهما. تعمد أن تكون مبتورة، لعلها تصبح فاتحة لقاء آخر

لكنها أطفأت الأنوار وانسحبت من أيامه بهدوء، تاركة بعض الفُل يبكي رحيلها

لعلها مسحت رسائله الإلكترونية، ومزقت صفحات إهداءاته من الكتب، وأخفت كل بطاقاته البريدية الملونة، وهو الذي يحتفي بتذكاراتها: روايات إلياس خوري وسمر يزبك، وقصائد أدونيس، وعلبة بخرزة براقة تضم قرطًا منسيًا على هيئة شمس صغيرة من فضة، وأربعة عشر دبوس شعر

دائمًا لا وصول يا عربة الأسى

وهو انتظار.. ينتظر

يطول الرحيل بينهما، يتحول إلى سكة قطار لا تنتهي

يكتب لها رسائل لن تصل، فهي مرسلة من منسيين إلى أشخاص لم يعودوا كما كانوا:

"لأن صوركِ تحمل بعضًا من ألقكِ وروحكِ التي تضيء الأمكنة

ولأن صوتكِ الغائب عني سبب وجيه للحياة

ولأن وجهكِ الباسم يمنح الدنيا معنى جديدًا لم يرد من قبل في الكتب والموسوعات

ولأنك الليلة الثانية بعد الألف التي لم يلحق أحدٌ بأن يعيشها أو يرويها

لهذا كله وأكثر، أتأمل صوركِ الآن وأبتسم في طمأنينة"

أمنياتٌ كثيرة نعلقها على ظهر أيام قليلة، أضعف من أن تحملها

على شاطئ البحر الذي يداعب رذاذه وجوه العابرين، كانت تسائله: قل لي، إن كان هذا البحر في حوزتي

يرسم لوحة طبيعية لحورية البحر ويجيبها بالقول: هو شلال من الرغبة يتدفق في رحلته من خليتكِ التي تقطرُ عسلا، مرورًا بشبق الخاصرة، وصولا إلى إسفنج القدمين، حتى يلامس نهايته السعيدة


تقول: الموج عالٍ جدًا اليوم

يرد قائلا: ربما لأنه يريد أن يعلو جدًا كي يلمس خصلات شعرك

تبتسم وتتساءل: ولِمَ؟

يجيبها: البحرُ موجُه طامع، يحاول ولا ييأس.. فلا يأس مع البحر ولا بحر مع اليأس

اليوم، اختفى البحر، وصارت اليابسة مجرد صخرة عارية وحقل من رماد

كم هي قصيرة جدًا تلك الأبدية

أين هي الكلمات التي لم يقولاها، والأشياء التي لم يفعلاها؟ أين هي؟

في الليالي الطويلة نتساءل:

أيها الحنين الذي لا يصبر على فراق، الفجر لاح في السماء، فلِمَ تؤجل آمالنا إلى غد بعيد؟

أيها الأمان الذي نشتهيه، هل صان من نحبُ شعلة الهوى؟

يتردد السؤال مع الصدى، لكن في أعماق أعماقنا تأتي الإجابة: من يحب يهلكه الفراق، ومن يعشق يتلفه الانتظار

يمد الطبيب له يده بورقة تضم قائمة من الأدوية والمسكنات، وينصحه بوصفة تقليدية قد تمنح الأوجاع بعض السكينة


يخرج إلى رصيف العمر..

كانت تنقصه غيوم أكثر ليبكي

هذه المدينة ليس لها كتف يتكئ عليه

هذه المقاهي ليس بها كرسي أعمى ليسند ظهره إليه

كم نرتدي البداية بأخطاء عتيقة

تطيِّر الريح النفايات المهمَلة

يتمنى رئة قوية كي يتنفس هواء الكون، لكنه يكتشف أنه أصبح مجرد عاشق مرسوم في فنجان قهوتها

الأرض تفتحُ جرحها للعابرين، وقلبه أيضًا

الآن تكتمل الحكاية
تابع القراءة

gravatar

عناية جابر.. عن كتاب الرغبة




عناية جابر





في «كتاب الرغبة» للكاتب المصري ياسر ثابت، عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» وقع اختيار الكاتب على أعمال تقدم كتابات للمرأة أو عنها، وهي جميعها بأقلام نسائية، باستثناء الفصل الخاص برسائل الفلسطيني غسان كنفاني للأديبة غادة السمان، ما اعتبره الكاتب أمراً ينسجم مع محتوى الكتاب. الفصل الخاص برسائل كنفاني إلى السمان، المرأة فيه طرف أساسي في علاقة تحف بها الرغبة والمحبة معاً.

في «كتاب الرغبة» نقرأ كتابات نساء حاولن استعادة أجسادهن الحاضرة الغائبة، أقلاما نسائية اختارها الكاتب على امتداد الخارطة الروائية العربية، ومن رحم هذا التنوع الجغرافي والفكري في الاختيارات، أمكن التقاط تفاصيل مهمة عن الرواية العربية وكتب السيرة الذاتية، خاصة التي تتحدث عن المرأة. نساء كاتبات من مختلف الطبقات والأعمار، أغلبهن يروين قصة حياتهن، وبعضهن يلجأن إلى حكايات تتقاطع مع الذات، حكايات تبحث في الحب والحرب، الدين والسياسة، الخضوع والانعتاق. وفي هذا كله نجد المرأة العاشقة، ذلك الميناء المفتوح على الحرية والجنون. نساء يستيقظن على تسرب العمر، فتبدأ الكتابة كما لو رحلة محاسبة النفس، والآخرين، على العمر الذي تسرب، في سرد يشبه جلسات مكاشفة، تسندها تجارب إنسانية مؤثرة.

يربط الكتاب موضوع عام. ليس موضوع الروايات المتناولة هو العام، بل الأقلام النسائية التي كتبتها، وهي وحدة موضوعية كافية تماماً لجمعها في كتاب، ومعالجتها، وتبيان الفوارق الأسلوبية بين كاتبة واخرى. أما اختلافات التناول، فهي تشبه تعدد الأصوات الموسيقية تحت تيمة واحدة هي الكشف عن المستور، وإن كانت تتميز كاتبة عن أخرى بحيازتها مكنة السرد والتأليف الروائي، وهي شروط لا غنى عنها سواء لكتابة امرأة، أو كتابة رجل.

تجربة جارحة

ثمة أسئلة يتوقف عندها بعض القراء، تشبه حالات فضولية ورغبة في معرفة إن كانت الحكايات التي كتبتها النساء الكاتبات، حدثت فعلاً لكاتباتها أم أنها محض خيال. والحقيقة أن التساؤل هذا يدخل في باب التلصص على المرأة، ولا يظهر اهتماماً فعلياً في نتاجها. ثابت يرى أن كتابة السيرة الذاتية عند المرأة نوع من تحويل البياض إلى تجربة نابضة، قد تكون أحياناً جارحة. كثيرات يلجأن إلى اللعب بالواقع والخيال، وإلى ممارسة تقنية الكشف والإخفاء عبر تذويب ذاتها في ثنايا السرد. وبذلك تكون المرأة حاضرة من خلال التفاصيل التي يتورط القارئ في حبها والتلصص عليها ملتبساً بفضوله أو بثقافته.

بالنسبة إلى الفصل الخاص برسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، نوافق الكاتب رأيه على أن للمرأة فيه (غادة السمان) دوراً أساسياً، ولعل في هذا الفصل العاصف بحب الرجل للمرأة، ما يعوض عن كل التهميش الذي لحقها، سواء في نص هذه الكاتبة أو تلك. يقول غسان لغادة في إحدى رسائله التي تنتمي إلى أدب الاعتراف، شبه الغائب عن مكتبتنا العربية: «أنت تستحقين أن أرحل إليك، عبر الليل والبرد والتوحش، ثلاثين عاماً. لو وجدت في كوة الضوء التي انفتحت امامي بعد رحلة الشوك الطويلة واحدة غيرك لمت من اليأس، ولكن أنت؟! إنني أستعذب الرحلة الآن، بل أرى أنني لو لم أقطعها ـ في الليل والبرد والتوحش ـ لما وجدتك».

عين محايدة

لم يجمع الكاتب ياسر ثابت روايات بأقلام نسائية، مكتفياً بجمعها في كتاب، مع مقدمة وبعض التدخل، بل نلحظ الجهد الذي بذله في تقديمه لكل من الكاتبات، سواء لناحية الإضاءة على التيمات التي اشتغلت عليها الكاتبة، بل أيضاً على الفنية التي ترفع من الشكل الروائي، وتجعل كاتبته تتميز عن هذه أو تلك من الكاتبات. بعين فاهمة ومحايدة، يرى ثابت إلى كاتباته المختارات لكتابه «كتاب الرغبة» من دون إبداء أي ميل شخصي مجاني، يرفع من شأن كتابة على أخرى، ما عدا أهميتها وتأثيرها في الخارطة الروائية العربية. أهداف سويف، سمر يزبك، علوية صبح، سلوى النعيمي، لطيفة الزيات، نوال السعداوي، هيفاء بيطار، سحر الموجي، رجاء الصانع، زينب حفني، صبا الحرز، وردة عبد الملك، فاطمة أو فقير، مليكة أو فقير، عفاف البطاينة، عالية ممدوح، مليكة مقدّم، إلهام منصور، حزامة حبايب، ليلى العثمان، باهية الطرابلسي، فاطمة المرنيسي... كاتبات شاء الكاتب اختيارهن ضيفات على كتابه، من دون سواهن من كاتبات الجيل الجديد الذي تزخر كتابته بأكثر من وعد، وموهبة، وثقة في تقديم الذات الساردة. محاولة (يقول الكاتب) للإبحار في الشرايين التي توصل قلب المرأة بعقلها، وعاطفتها برغباتها، وحريتها بحياتها، بدلاً من احتجازها في قيود المكان والمظهر العام، فلا تبارح ذلك «كأنهن النبات ينمو ويذبل في إنائه»، كما يقول ابن رشد.

جريدة "السفير"، بيروت، 28 سبتمبر 2010
تابع القراءة

gravatar

سليمان جودة.. عن فيلم مصري طويل



خط أحمر

سليمان جودة

فيلم مصري طويل‮!‬
ليس هذا هو الكتاب الأول للدكتور ياسر ثابت،‮ ‬فقد صدرت له من قبل،‮ ‬عدة مؤلفات مهمة،‮ ‬وكان كل واحد فيها،‮ ‬يدل على أن المؤلف يعرف جيداً،‮ ‬كيف يختار موضوعه،‮ ‬وكيف يختار الكتاب الذي يوضع اسمه على‮ ‬غلافه‮!‬ ولكن الكتاب الجديد،‮ ‬هذه المرة،‮ ‬عنوانه‮ "فيلم مصري طويل" ‬وهو صادر عن مركز الحضارة العربية،‮ ‬ولا ينافس الغلاف في جاذبيته،‮ ‬وأناقته،‮ ‬وشياكته،‮ ‬إلا المادة المنثورة على صفحات الكتاب‮!‬

ولأن فصول الكتاب،‮ ‬تتناول موضوعات،‮ ‬تبدو وكأن كل موضوع مستقل بذاته،‮ ‬فأنت تستطيع أن تبدأ القراءة من أي موقع شئت‮.. ‬تستطيع ـ مثلاً‮ ‬ـ أن تفعل كما فعلت أنا،‮ ‬فتبدأ من عند الفصول الخمسة التي تتناول حياة المشير عبدالحليم أبوغزالة،‮ ‬من البداية،‮ ‬إلى النهاية،‮ ‬لترى كيف كانت الدراما حاضرة،‮ ‬في مواقف كثيرة،‮ ‬من حياة ذلك الرجل،‮ ‬وربما يكون أكثر المواقف درامية،‮ ‬متجسداً‮ ‬في اللحظة التي خرج فيها المشير،‮ ‬من موقعه في الوزارة عام‮ ‬1989،‮ ‬فعاش صامتاً‮ ‬بعدها لا يتكلم،‮ ‬حتى رحل عام‮ ‬2008‮!.. ‬ولم يحدث أن خصص المؤلف خمسة فصول كاملة،‮ ‬لأحد في الكتاب‮.. ‬إلا المشير‮!‬
وتستطيع أن تبدأ من عند الفصل الذي يحمل عنوان‮ "وعليكم السلام 89" ‬أو من عند الفصل الذي يتكلم عما كان ذات يوم،‮ ‬بين أحمد حسنين باشا،‮ ‬رئيس ديوان الملك فاروق،‮ ‬وبين الملكة نازلي،‮ ‬أم الملك‮!‬ أو تستطيع أن تقفز فوق الزمن،‮ ‬للتأمل مع المؤلف ياسر ثابت،‮ ‬ما كان يوماً،‮ ‬بين عبدالناصر،‮ ‬وبين المشير عامر‮.. ‬أو ما كان في يوم آخر‮.. ‬بين الرئيس السادات،‮ ‬وبين عثمان أحمد عثمان‮.. ‬أو‮.. ‬أو‮.. ‬إلى آخر هذه العناوين التي سوف تتكفل وحدها بأن تُسيل شهية كل قارئ محترف،‮ ‬نحو التهام مادة مكتوبة باحتراف،‮ ‬لهدف،‮ ‬كما أن وراءها فلسفة تريد أن تقول إن تاريخنا،‮ ‬في الفترة التي تناولها الدكتور ياسر،‮ ‬يبدو وكأنه فيلم مصري طويل حقاً،‮ ‬وهو وإن كان فيلماً‮ ‬معروفة بدايته،‮ ‬إلا أن نهايته تظهر،‮ ‬وكأنها مجهولة،‮ ‬أو كأنها مفتوحة على الأفق،‮ ‬بكل احتمالاته‮!‬
ولا أعرف لماذا أحسست من ناحيتي،‮ ‬بأن معنى عنوان الكتاب يتجسد علي أفضل ما يكون،‮ ‬في فقرة جاءت في الفصل الأخير،‮ ‬حين قال الرئيس مبارك،‮ ‬يوم أن تولى الحكم،‮ ‬عام‮ ‬1981،‮ ‬ما يلي‮: ‬ولكل أهم ما يتعين أن نوفره للعمل الوطني،‮ ‬في هذه المرحلة،‮ ‬هو ما كان القائد الراحل ـ يقصد السادات ـ يسعى لتحقيقه في عهد السلام،‮ ‬وهو الجدية والطهارة،‮ ‬فلا هزل،‮ ‬ولا جدل،‮ ‬ولا تضليل،‮ ‬ولا استخفاف بعقول الجماهير،‮ ‬ولا تناقض بين القول والعمل،‮ ‬ولا نفاق،‮ ‬ولا رياء،‮ ‬ولا فساد،‮ ‬ولا اتجار بقوت الشعب،‮ ‬ولا حاكم،‮ ‬ولا محكوم،‮ ‬فكلنا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات‮.. ‬ثم يقول الرئيس‮: ‬لا فضل لأحدنا إلا بالتقوى،‮ ‬والعمل الصالح،‮ ‬ولا عصمة لأحد من سيف القانون القاطع،‮ ‬الذي لا يفرق بين قوي وضعيف،‮ ‬وبين‮ ‬غني وفقير،‮ ‬وقريب وبعيد،‮ ‬وأن يشعر كل مواطن بأنه يستطيع الحصول على حقوقه دون وساطة أو شفاعة،‮ ‬ويؤدي ما عليه من واجبات دون ملاحقة أو مطالبة،‮ ‬لأن الجهد القومي العام هو محصلة عمل الأفراد والجماعات،‮ ‬بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات‮!‬

في هذه الفقرة،‮ ‬التي جاءت على لسان الرئيس،‮ ‬يوم وقف يخطب فينا،‮ ‬عندما تولى شئون الدولة دستورياً،‮ ‬في‮ ‬14‮ ‬أكتوبر‮ ‬1981،‮ ‬يتجلى عنوان الكتاب،‮ ‬وموضوعه،‮ ‬ثم هدفه،‮ ‬على أوضح ما يكون‮!
جريدة "الوفد"، القاهرة، 15 أبريل 2010
تابع القراءة

gravatar

الصورة إن حكت (3): لن يمروا




الصورة: مواطن صيني مجهول الهوية يعترض طريق دبابات كانت متجهة شرقاً في جادة تشانغان (السلام الأبدي) بالقرب من ميدان تيانانمن (القبة السماوية)، أثناء حملة قمع مظاهرات المطالبين بإصلاحات في بكين، في 5 يونيو 1989. التقطت هذه الصورة من الطابق السادس في فندق بكين، من على بُعد نحو نصف ميل، باستخدام عدسة 400 ملليمتر

تصوير: جيف وايدنر- أسوشيتدبرس
Photographer: Jeff Widener -Associated Press



في الميدان الكبير، لا سقف يؤوي التعب
وأنا خفيفٌ كعلبة سجائر
أقف في جادة تشانغان بوجهٍ نحيل ناتىء العظام
نبيٌ في الشارع، الشمس هالته، مع أن جروحه ظاهرة
أصبغ ريش الهواء، وأنطفىء من الحسرة على الوطن
في الميدان المفروش بحشائش فقيرة وجوقة عسكرية وعمال مصدورين يقهرهم الحزن، أرى الحراس يتضاعفون في كل مكان، بين اللحم والظفر، فوق العشب وداخل صناديق البريد
أمر أمام الشجر المكسور الخاطر، حاملاً كيسين هزيلين من ألم وأمل: بعض التين الطازج هدية من الجارة، وحفنة من الأرز والأعشاب
سال قلب الظهيرة، وأنا أرقب شجرة الاحتجاج التي تكبر في تيانانمن. في ميدان القبة السماوية ثلاثة آلاف طالب صاروا بعد سبعة أسابيع مليوناً، لفحتهم الحرية بقُبلتها القوية
عظماء في قلب العاصفة، وعشاق نثرهم الموت نثراً
هذا الميدان يشبه جسدي، وعندما أتجول فيه، أرى ألمه ينتقل كل يوم من مكان إلى آخر
الشمس تعد القادمين من الطرق البعيدة لتنفض عنهم غبار الوحشة
أعد الساعات، والأيام جثث.. بعضها ينزلق بخفة طائر إلى القبر.. بعضها الآخر يتشبث بجدران المقبرة، رافضاً طمأنينة الدفن وطقوس النهاية
أسائل نفسي: كيف أعرف أن العابر أمامي حي وليس ميتاً يسير مترنحاً نحو الفناء؟ لماذا نحن خائفون من الحياة ونشوتها؟ ما هي الحرية؟
الذين تنكّروا لصوت الناي راحوا، وبقيت وحدي
أجفل حين أرى رتل الدبابات يزحف باتجاه الميدان الكبير. بَرقُ الضجيج يكتمُ كل الحناجر. الصوت البغيض لآلة القتل لا يستأذن أذنيك في الدخول. إنه فقط يقتحم، بكل صلافة أحذية الجند الثقيلة في ساحات القتال
قلت لأخي بالأمس إن ما يجري ضربٌ من الجنون، لكنه رد متهكماً: البطش قدرُنا، فلا تقف في وجه المطرقة وسوق الأكاذيب المزدهر
حانت ساعة الحقيقة إذاً. سأرد على أخي.. عليهم جميعاً، وأقتل الوحش رفيق منامي
سأقف في الطريق وحدي. لن يمروا إلا على جسدي الذي يسكنه الإحباط منذ زمن طويل
حين أقف في الطريق أعزل إلا من إرادتي، تعلو الدهشة حاجبيّ دبابة المقدمة. يوقفها قائدها حائراً.. ما العمل في وجه إرادة؟!
في تلك الظهيرة، وقفت أمام الكون المقفر، كلحظة هاربة متمردة
أواجه الدبابة وقائدها المسكون بالغموض في تابوته المعدني
نتفاوض على الحياة والموت، فيما بشرٌ يحتضرون وبيوتٌ تحترق
هذا الجسد لم يعد يأبه كثيراً بالموت
أنا متشبثٌ بخيط الوهج، وهو في مسافته المُحكمة
وقتلة الوقت لا يعرفون خطيئة الانتظار
البعض يحلم بامرأة تنتظره خلف الباب، البعض الآخر يطلب أصدقاء أو إخوة لا يلقونه في البئر
كل ما أريده في هذه اللحظة أن يكون لي وطن
أعانق الدبابة، هل شاهدتم من قبل رجلاً يعانق دبابة؟
إنها الثورة التي تعيد صناعة العلاقة بين الرجل والحديد الأصم
عناق وسط أهوال يونيو، يربط أحزان الماضي بآمال المستقبل غير الأكيدة
أهتف قائلاً للرجل الذي يختبىء في جوف الحديد: لماذا أنت هنا؟
ستقول لي من قبو خوفك إنها أوامر القائد الأعلى دينغ شياو بنغ. لكن يا رفيق، مدينتي غارقة في عرق الفوضى وبحر الدم بسبب تلك الأوامر
الزعيم الذي يرقد على سريره في المستشفى للعلاج من السرطان، لم يدرك أن الورم الخبيث في جسده، لا في جسد الوطن
لا تصدق قائداً يعطي شعبه مداد الألم، ويفخر بنيشان القمع إذ يستخف بالمظاهرات قائلاً إن "مليون صيني قد يكون رقماً صغيراً"
يبدو أن القائد بأزراره المضيئة نسي - والموت قط يقفز على فراشه برشاقة- أنه لكي تصبح زعيماً بحق يجب، قبل كل شيء، أن تكون رجلا عظيماً في نفوس أهل بلدك
كيف تطيع أوامر رجلٍ جناحه المصنوعُ من شمع يذوبُ؟
نعم، الصراع غير متكافىء، لكن غضبة الرفاق أقوى من حكمة الهوان
يا قائدَ الدبابة: أودعتُك وقتاً لا يشيخ، فلا تسرق الأكسجين من رئتي
إن قتلتني، سأكون مثل روحك مليئاً بالثقوب وأعبر الرصاص من غير خشية
سوف أتسلقُ الدبابة التي تشتهي الجثث، وأدفع على مهلٍ بابك الصامت وغرورك المشبوه، وأخاطبك
لا يهمني أن أصبح عنواناً رئيسياً في صحف العالم
كل ما أحلم به هو وطن تقف على أكتاف جنوده عصافير الثكنة، لا أولئك الذين يصرخون مع نار البنادق وفي أحشاء الخنادق بأصوات خشنة وهازئة بالسماء
أيها الجنود انسوا الأوامر قليلاً، فالذين أصدروها بملامحهم الزانية مات إحساسهم مع بدء لعنة الرصاص
أهمس في أذن العسكري الذي أسدل ستائر الفظاظة على إنسانيته: الدبابات لأعداء الخارج وليس لأبناء الوطن
يقول لي: اذهب إلى البيت!
لا بيت لي، بيتي في قلبي
عودوا أنتم أدراجكم، فالناس عندهم ما يكفيهم من اليأس والأعماق المقبضة
اللحظة لها كل المعنى
قائد الدبابة يطل بقناعه الخاوي لفترة وجيزة من فتحة بها. لا لسان ولا أذن، فقط عينان أصابهما رمد الطاعةِ تحملقان فيّ بدهشة
يُعاد تشغيل محركات الدبابات، استعداداً لمواصلة طريقها نحو الهاوية. عند هذه النقطة، أقفز أمام المدرعة مرة أخرى، لأعيد المواجهة إلى المربع رقم واحد
أهتف في وجه الدبابات: دعوا الشمس تسقط في كفي، واتركوا لنا القمرَ على النوافذ
والمصور يراقبُ المشهدَ من شرفته العالية في الفندق المجاور مذهولاً، إذ أنفق العمر كلّه يتأمّلُ الناس والحروب، لكنه لم يكن يتخيل يوماً أن يشهد مواجهة مثل التي نحن فيها الآن
شخصان بالزي الأزرق يقتادانني بعيداً، ويجرانني بفظاظةٍ من أذني الساذجة، لنذوب نحن الثلاثة وسط الحشود، فيما تواصل الدبابات طريقها
ربما أكون واحداً ممن أعدمتهم الحكومة في أعقاب الحملة العسكرية، وربما أكون ناجياً من هراوة تتقن التعذيب. قد أكون الآن تحت الأرض ببضعة أمتار، أو هارباً يمم وجهه شطر الريف الضاحك
الشيء الوحيد الأكيد هو انتصاري في الشارع الذي تغير كثيراً، وهزيمة كل الذين قاوموا في كهوفهم جرافات التاريخ
مجنون؟ ربما أكون كذلك، لكنه سيظل على الدوام جنوناً مقدساً
يوماً ما، ستغرق المناديل التي بكتني في دموع الفرح
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator