المحروسة

Showing posts with label مروج الذهب. Show all posts

gravatar

قصة الثروة في مصر






عن ستة حروف يتحدث هذا الكتاب: الثروة.
هذه الحروف الستة حكمت مصر، وحرَّكت الأحداث مثل مسرح العرائس، وأقامت نهار المحروسة، ولم تقعد ليلها حتى الآن.
لم تكن الثروة في بلادنا راقصة باليه تسير على أطراف أصابعها بخفةٍ ورشاقة، وإنما دبت بقدميها على الأرض مثل مصارع سومو، في مهمةٍ عنوانُها الإقصاء والانفراد بالمشهد.
لم تكن الثروة في مصر ترفـًا، بل طرفـًا في كل شيء: الحروب والمقاومة، الصناعة والزراعة، التحالف والصراع، الفرد والعائلة.
المال، الذي إليه الناس قد مالوا، رسم ملامح صورةٍ تستحق التأمل، وصنع تركيبةً خاصة بهذا المجتمع، حتى صار الثراء رمزًا للقوة وعنوانـًا للسياسة. ربما لهذا السبب، تكالب على المال أصحاب الشرور الثلاثة: الطغاة والبغاة والغلاة، ولكل منهم غرضٌ خفيّ ومأربٌ مريب.
وليس خافيـًا أنه مر على مصر زمنٌ، وقع فيه خلطٌ متعمدٌ للعلاقة بين المال العام والمال الخاص، بشكلٍ أفضى إلى تميع وتلاشي الحدود فيما بينهما.
وللمال أصحابٌ، مثلما للثروة أهل.
وبين هؤلاء وهؤلاء، يستوقفنا "ذوو الوطنيَن"، وهم من الأجانب الذين نزحوا إلى مصر، فصاروا من أهلها أو تمصروا، وصب المال في جيوبهم وخزائنهم ثرواتٍ صارت مضرب الأمثال، ولعل محمد علي باشا هو المثال الذي يتجلى فيه هذا النموذج، على ما أوضح ما يكون.
وحين نسردُ نبذة من قصة وتاريخ الثروة والأثرياء في مصر، فإن ذلك ليس بهدف التسلية، وإن كانت تفاصيل تلك الحكاية أكثر من مسلية، ولكن لإيقاظ وعي أمة كادت أن تنسى تحت ضغط اللحظة الحاضرة أن لها تاريخـًا.
وفي قراءة الحاضر.. تبقى مشكلة، ويثور تحفظ، وتبرز ظاهرة.
فأما المشكلة فهي أن الأغنياء الحقيقيين في مصر - والعالم بشكل عام- أشباح بلا أسماء، وبعض الأغنياء البارزين واجهات لآخرين، أو أن أرقام ثرواتهم مكذوبة. وأما التحفظ فمفاده أن معظم الأغنياء المصريين، أو من أصول مصرية، حققوا أموالهم في أسواق غير منتجة أو بأسلوب اقتناص الريع، وتداول الأصول المعروضة بدلاً من الإنتاج. والظاهرة التي تقلقنا هي تعاظم الثروات الفردية من دون أن يضطلع كثير من أصحابها بمسؤولية اجتماعية ودور ملموس في العمل الخيري لصالح المجتمع.
وليس المرء بحاجة إلى أن يجهد عينيه متصفحـًا ومطالعـًا في الكتب؛ للوقوف على الفارق بين أثرياء اليوم والأمس الذي كان. فجولة صغيرة ربما في أصغر قرية مصرية ستكشف عن وجود مسجد أو مدرسة، أو سبيل أو مصحة، بناها أو تكفل بها أحد أثرياء عهودٍ مضت، من تلك التي درجت بعض المناهج الدراسية على وصفها بأنها "العهد البائد". بل إن كثيرًا من لمسات الجمال والذوق العمراني في القاهرة تنتمي إلى تلك العهود، وثروات رجالها، ممن أطلقوا مبادراتٍ حملت مصر من العجز إلى الإرادة، ومن التوقف إلى المسير، ومن الهروب إلى الإقدام، ومن الجمود إلى التغيير.
وإذا كان الناس قد ألِفوا فكرة أن المنصب هو الطريق الأسهل للثروة والانتماء إلى "أهل الدعة والسكون" كما قال ابن خلدون، فإن ما حدث في مصر في العقود الأخيرة يدفع إلى إعادة التفكير في تلك المقولة، حيث إن أصحاب الثروات أصبحوا يسعون إلى الحصول على مناصب سياسية مهمة، مستغلين في ذلك ثرواتهم الطائلة، للوصول إلى مقاعد البرلمان، وبعدها بدأوا يظهرون في مقدمة صفوف القوى والنخب الحاكمة، ليصبح "زيت السلطة في دقيق رجال الأعمال".
هنا لابد من وقفةٍ للتحذير من الزواج غير المقدس بين السلطة والمال؛ لأن هذا من شأنه أن يحول التاجر إلى حاكم، والحاكم إلى تاجر. وإذا كانت تلك العلاقة شهدت تحالفات وتشابكات وراوبط عائلية، فإن ثمرة هذا التداخل لا تقتصر على زيادة الجاه والنفوذ، وإنما تمتد لتصل إلى احتكار هذا الجاه وذلك النفوذ، وإضفاء الحماية والأمان على ذلك كله.
وهذا تحديدًا قد يتسبب في زيادة الهوة بين الأغنياء وغيرهم، أو بين القلة المحتكرة والكثرة المعتصرَة، الأمر الذي ينذر بخلخلة في التوازن الاقتصادي والاجتماعي، ويسهم في عرقلة دور الأجهزة الرقابية والمؤسسات الأمنية في حماية الحقوق وحفظ المال العام.
ومع بروز ظاهرة "المال في غرفة نوم السلطة"، تطل برأسها رؤية الباحث الفرنسي أوليفيه روا عن "الزبائنية السياسية"، والتي يُعرِّفها بأنها الشبكة التي تتشكل حول شخص بيده سلطات ما، والتي تتقطع خيوطها حين تنقضي سلطته، ونجد مثالاً لها بمجموعة المنتفعين التي تلتصق بأصحاب المناصب، أو المجموعات المتضامنة التي تتشكل تحت مظلة المنافع والحماية المتبادلة للمحسوبيات وزواج الأقارب والشلل الحاكمة، التي تدير الدولة لمصلحتها وحدها، وتعمق ثقافة الفساد حتى يصير واقعـًا كابوسيـًا.
ومنذ الربع الأخير من القرن العشرين، وصولاً إلى عصرنا الحاضر، مرت علاقة السلطة والمال في مصر بمرحلتين: الأولى كانت الثروة فيها تابعة للسلطة، وكان على من يريد جمع ثروة أن يصل إلى أحد مناصب السلطة.
بدت ملامح المرحلة الأولى واضحة من خلال قيام الدولة بصناعة مجموعة من رجال الأعمال عن طريق دعمهم بوسائل مختلفة، منها منحهم مساحة شاسعة من الأراضي بأسعارٍ مخفضة، مما حقق لهم مكاسب بالمليارات. أما المرحلة الثانية فتضم مجموعة من رجال الأعمال لم تصنعهم الدولة، لكنهم صنعوا أنفسهم ووجدوا أن الارتباط بالسلطة هو الطريق الوحيد لتعظيم ثرواتهم، وهؤلاء دخلوا لعبة السياسة من دون أن يبتعدوا بشكل كافٍ عن أعمالهم وتجارتهم، الأمر الذي طرح تساؤلاتٍ بقدر ما أثار شبهات.
وحين تغيب الحدود الفاصلة بين المال العام والمال الخاص، يحدث خلطٌ متعمد بشكلٍ يفضي إلى تميع وتلاشي الحدود فيما بينهما، وتولد "الثروة المتوحشة"، التي هي وليدة غياب ثقافة التعامل مع الثراء. وأخطر مساوئ "الثروة المتوحشة" أنها تنجب الحرائق بدلاً من أن تتجنبها. وربما كانت الأحداث التي تجري والشخصيات التي تلعب دور البطولة في قضايا الرأي، أبلغ دليل على ذلك.
وليس من قبيل المبالغة القول إن الأموال والصفقات ذات الأرقام الفلكية باتت تحرك قاطرة الأحداث في مصر، بدءًا من سوق انتقالات لاعبي كرة القدم، ومواسم انتخابات رؤساء الأندية التي أوصلت عددًا من كبار الأثرياء إلى مقاعد الإدارة والمقصورة الرئيسية للمباريات، ومرورًا بكلفة تشكيل فرق الدفاع والتقاضي في قضايا ساخنة مثل قضية عبَّارة "السلام 98"، وقضية مقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم، وصولاً إلى مؤشر أسعار مواد البناء في ظل احتكار أسماء بعينها لهذه المواد، وقِس على ذلك الكثير من الوقائع والأحداث.
 باطمئنانٍ كبير، نقول إنه خلف كل حدثٍ يشغل الناس في مصر اليوم ملايين ومليارات الجنيهات أو الدولارات. وإذا كان البعض يقول إنه عندما يتكلم المال يصمت كل شيء، فمن الجائز أيضـًا الزعم بأنه عندما يتكلم المال يتحرك كل شيء مثل خادم مطيع.
في المقابل، يتعين القول إن تطور النمط الرأسمالي في مصر يواجه سلسلة من التحديات. فإلى جانب غياب التراكم الضروري في التقاليد الضرورية لترسيخ الروح الرأسمالية، نجد أن القطاع الخاص يحاول انتزاع دوره، في ظل نظم حُكم طبعته بالكثير من طباعها، وفرضت عليه الدوران في فلكها تحت شعار وحدة المصلحة. وكانت النتيجة هي مولودٌ يعاني التشويه أو التدليل، وفي كلتا الحالتين يدفع أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة ثمن تلك العلاقة المرتبكة.
جغرافيـًا، سيرصد القارئ النابه كيف نمت الثروة في نهاية القرن الثامن عشر على ضفاف النيل، فوجدت طريقها إلى محافظات ومديريات ومناطق ريفية أو ذات نشاط تجاري يرتبط بالصيد والملاحة البحرية، قبل أن تزحف رويدًا رويدًا لتتركز في أيدي رموز العاصمة وأساطينها، مع استثناءات قليلة ولفترات محدودة.
اجتماعيـًا، تباينت طبائع إنفاق الثروة لدى بعض أشهر أصحاب الثروات؛ فرأينا من أوتي الحكمة (الأمير عمر طوسون صاحب الأيادي البيضاء) ووجدنا من ورث السفه (علي كامل فهمي الذي قتلته زوجته الفرنسية بالرصاص في لندن)، ورصدنا من ينفق على تحرك وطني (حسن طوبار ومقاومة الحملة الفرنسية) أو مشروع أهلي (الأميرة فاطمة إسماعيل وإنشاء الجامعة المصرية) أو آخر نهضوي (الأمير يوسف كمال وإنشاء مدرسة الفنون الجميلة) أو عمل خيري (نفيسة البيضاء وإنشاؤها سبيلاً وكتابـًا يحملان اسمها)، مثلما ألفينا من ينفق على الذات.. والملذات.
ومن الصنف الأخير، نماذج لا تخطئها العين ولا تغفلها الذاكرة.
طائفة من أثرياء زمان والآن مالت إلى البذخ واستعراض الثروة وإدمان السفر أو المخدرات أو النساء، وفئة أخرى أنفقت الثروة على التعلم والتعليم (الخديو إسماعيل وإحياء التعليم الحديث)، ونصرة القضايا الاجتماعية والدينية على اختلافها (عمر طوسون ومواقفه الوطنية والقومية).
ولأن المال بوصلة تدل على الثروة أو تقود إلى الثورة، فقد انصب اهتمامنا على أنماط جمع الثروات، وربط صعود رجال المال والأعمال أو هبوطهم بالظروف الاقتصادية والسياسية العامة. قد نلاحظ أن الثروة بدأت بالحرف والمهن التجارية كما هي الحال مع حسن طوبار، ثم نامت في أحضان السلطة والنفوذ كما يتضح مع محمد علي باشا، قبل أن تجد طريقها إلى مفهوم ميراث العائلة كما نجد في أمراء العائلة المالكة على اختلاف توجهاتهم. وحين وقعت ثورة 23 يوليو 1952، زحفت الثروة مع النفوذ إلى عدد من قادة الضباط الذين خرجوا من الثكنات العسكرية إلى المكاتب الوثيرة.
ومع بدء عصر الانفتاح الاقتصادي، حدث انقلابٌ جديد أعاد ترتيب الطبقات الاجتماعية والاقتصادية بشكلٍ أربك البعض وأسعد البعض الآخر. وفي العقدين الأخيرين، لم تعد الثروة تعني بالضرورة نشاطـًا تجاريـًا أو استثماريـًا بقدر ما يمكن أن تدل على ارتباطٍ بدوائر النفوذ أو نجاح في صفقة ما لها صلة بالحظوة أو الاحتكار، بدءًا بتسقيع الأراضي، ومرورًا بالمضاربات على العقارات أو المضاربة في البورصة، والتلاعب في مواد الغذاء أو البناء، وانتهاء بالقرى السياحية وتراخيص المحمول.
هذا الربح السهل والسريع للمال، صنع فريقـًا من الأثرياء الجدد ممن وصلوا إلى الثروة عبر المصاعد الكهربائية، تاركين للمكافحين سلالم الدرج. أثرياء وطنُهم الوحيد هو الربح ولا شيء سواه.
وبعد أن انتقدت الأقلام والأفلام من اصطُلِحَ على وصفهم بـ "القطط السمان" في منتصف سبعينيات القرن الماضي، اندهش جيل الثمانينيات لانتشار كلمة "الأرنب" التي ترمز إلى المليون، قبل أن تفقد الكلمة رونقها ويزيحها في التسعينيات بقوةٍ لا تخلو من قسوة مصطلح "الفيل": المليار!
وإذا كان مصطلح "القطط السمان" - الذي كان أول من أطلقه د. رفعت المحجوب أيام كان السكرتير العام للاتحاد الاشتراكي- يشير إلى الإثراء السريع مع شبهة فساد، فإن اختيار "الأرنب" في المصطلح الشعبي يعود إلى ما هو معروفٌ عن هذا الحيوان من سرعة التكاثر. بل إن رجل الشارع تداول أيضـًا مصطلح "ورك أرنب" للإشارة إلى مبلغ مئة ألف، واكتفى بأن يكون "الأستك" رمز الألف جنيه. أما "الفيل" فإن ضخامة حجمه كانت أبرز مؤهلات اختياره للدلالة على المليار.
وبمرور الوقت، اعتزل المليونير صدارة الترتيب، وقفز الملياردير إلى المقدمة، متسلحـًا بألقاب ومناصب واستثمارات، لتكتمل دورة الثروة في المحروسة.
وإذا كان اختيارنا قد وقع على أسماء من فترات وعهود مختلفة للحديث عن الثروة، فإننا نستطيع القول إن كُلاً من هؤلاء الأشخاص يرمز إلى عصره ومصره بكل ما تعنيه تلك المقولة من دلالات. منهم من أعطى أكثر مما أخذ وبنى واعتنى، وترك وراءه قيمة حقيقية وصناعة وطنية أو مشروعات خيرية.. ومنهم أيضـًا من تصارع على الثروة فدهس العشب والشعب على حد سواء!
يبقى أن الأسماء التي وردت في سياق هذا الكتاب، جاءت في إطار الحديث عن الثروة في مصر على مدى فترة زمنية تمتد من نهايات القرن الثامن عشر حتى وقتنا الحاضر، من دون أن يعني ذلك قصد التشهير أو الإساءة إلى أحد. والمقصد الأول للكتاب هو الرصد والتحقيق، لا القذف والتشهير، وهدفنا هو التأريخ والتحليل، لا الخلط والتدليس. ولأننا لا نترحم على ما فات ولا نرجم ما هو آت، فقد حرصنا قدر الإمكان على أن نورد المصادر والمراجع في موضعها، توخيـًا للدقة وصونـًا للحقوق.
وإذا كنا قد حاولنا الغوص في المصادر والوثائق والمراجع بحثـًا عن الحقيقة وكشفـًا لها من مظانها الأصلية دون أن نتعجل القفز إلى أي استنتاجات، فإنه من المهم القول إن هذا الكتاب كان مُقدرًا له الصدور في يناير 2011، ولذا فإن سطوره كُتِبَت مع إسدال الستار على عام 2010، ووفق أقصى ما استطعنا الوصول إليه حينها من مواد ومعلومات تصب في صميم موضوع الدراسة. وإذا كانت ظروف النشر والبلاد بشكل عام قد حالت دون صدور الكتاب في حينه، فقد ارتأينا الإبقاء على مادته كما حاولنا توثيقها، دون إجراء تغييراتٍ تذكر في ضوء ما استجد على الساحة بعد ثورة 25 يناير؛ إيمانـًا منا بأن ما تكّشف حتى اللحظة ليس كل الحقيقة، وربما ليس كله صحيحـًا، وأنه سيأتي يومٌ نرى فيه مصر في مرآة الحقيقة بصورةٍ أكثر وضوحـًا ودقة. فعلنا هذا أيضـًا، ليرى من شككوا في تقديرات ما قبل الثورة وظنوا أن بها مبالغات، أن الزلزال الذي هز مصر مطلع 2011 أسقط الكثير من الأقنعة والتقارير والإحصاءات عن الثروة.. والثورة في المحروسة.
وبالإطار التاريخي الذي حددناه، يكون القسم الأخير من الكتاب شاهدًا على عصر مبارك ومصره، وخارطة المال والأعمال في المحروسة.
إن الحديث عن الثروة والأثرياء في ربوع مصر يفتح سيرة لا تنتهي، ويقود إلى دروب تتشعب حتى نتعب. والأجدى، والحال كما نرى، أن نقف عند هذا الحد، تاركين للحكاية وحدها حق الكلام.
نتمنى للجميع قراءة ممتعة.

من مقدمة كتاب "قصة الثروة في مصر"، دار ميريت للنشر، القاهرة، 2012
تابع القراءة

gravatar

امرأة برائحة البحر

محمد بركة

بعيدًا عن صوانى الضانى.. امرأة برائحة البحر

الخميس، 10 نوفمبر 2011 - 16:46
Add to Google
اسمح لى أن أنتقل بك قليلاً من صوانى الضانى إلى أصداء الرومانسية.. من لحمة العيد إلى زقزقة الغرام.. من امتلاء المعدة إلى جوع المشاعر.. اسمح لى بأن أطوف بك بين صفحات كتاب «لحظات تويتر ألف تغريدة وتغريدة» للكاتب د. ياسر ثابت وهو يرسم ملامح أنثى لها رائحة البحر وغموض الغابات ودفء الشمس فى صباح شتوى ونقرات المطر على نافذة رجل أربعينى وحيد.. هنا أسطر ما جاء على لسان ياسر..
> قالت له فى رسالتها الأخيرة: عُد، لن أستطيع أن أحبك وأنت غائب...
> أرى صورتك، فتثمل روحى بفاتحة الضوء...
> كلما بحثَ عن أخبارها التى غابت عنه، ابتسم مُحَرِّك البحث بحنان مفرط...
> الفتاة الحلوة كلما هبطت من منزلها، ارتبكت درجات السلم وتبعثر الدرابزين...
> شعرها المنسدل على كتفيها يُذكرك بقرية هادئة نائمة قبيل الصبح...
> تغريه، وما من سقف يظلله. يغويها فتصيرُ فراشات من لهب...
> فى كل ليلة تترمل أكثر فى وحدتها، وهى تتساءل: متى تخلع الؤلؤة محارها؟
> أعرف أن الهواء الشقى يعابثُ فتحاتِ فساتينك، فقط لينام وسط أسرارك...
> تعبر الشارع بطيئة كتمثال إغريقى، فيما الريحُ الآتية من النهر تراودُ فستانها...
> كانت لها عينا قطة متوحشة، وابتسامة ضمير مستتر...
> لا صبر له عليها. هى بطلة العالم فى المراوغة، وهو مندوب برج الثور إلى الأرض...
> بتؤدة، تخرج من حقيبة يدها زبدة الكاكاو، وتسمح لها بملامسة شفتيها القرمزيتين جيئة وذهابًا، وعيون الرجال تلاحق مباراة التنس المذهلة...
> اقتربت بكامل بياضها وسكبت بهاءها على سطح مرآتها الفضية...
> استطالت المرآة لترى منها أقصى ما تستطيع...
> أحبته، لأن الكل ساومها على فمها إلا هو...
> يسمع التأوهات عبر الجدار، فيتعرّق من ذكراها...
> غسلت فى الصباح حِملاً من الثياب، ونشرتها خارجًا لتجف، فى المبنى المقابل كان الفتى ينتظر منذ ساعة هذه اللحظة الفاتنة...
> فى صباها كانت تُردد: لن أسمح لعابرين بأن يسرقوا براءة شفتىّ. فى الأربعين، كانت تحرق السجائر بين شفتيها، لعلها تمتص ما هو أكثر من النيكوتين...
تابع القراءة

gravatar

في حضرة "الكتاب الزئبق".. 2-2

في حضرة "الكتاب الزئبق".. (2-2)


في عمق الرحلة..
يقول د. ثابت إن "أفضل ما في التنقل هو أن نبقى خفيفين، نحتفظ بالقليل.. ونمضي. أسوأ ما في التنقل، هو أن جزءاً من روحنا ومشاعرنا وذكرياتنا، يفلت منا وينام في حضن المكان الذي نغادره.. وهكذا ينتهي بنا الأمر: كثير من الذكريات.. قليل من البراءة". إذ إن "الأماكن ليست جغرافيا.. الأماكن تاريخ". فـ"في الشوارع الضيقة، حيث تنحني الحارات على الحارات، نقتل الحكايات التي تطاردنا، فإن لم نفعل فإنها تقتلنا".
ولهذا ما يبرره طالما أن "ميزة الصعلوك أنه يعزف على أكثر من آلة، ويجرح الغيم بأسفاره الكثيرة". وفي رميته الأخيرة للنرد، تبدو "الشوارع التي تشبه صحراء مقصية عن ذاكرة النهار، تهزأ من الأسى الذي ينتظر الأحبة". أما "المدينة سَطح، والنهار غيب، وواجهات المباني تحمل بقع رطوبة عالية كأنها جراح ساكنيها".
وفي ترحاله يرى أن "لقاء إنسان والوقوع في غرامه حينما نبلغ شاطئاً لا نعرفه؛ هو رحلة داخل الرحلة". ثم يحسد سارق الرحالة قائلاً: "يا لحظ النشال الذي يسرق محفظة يختبئ فيها العالم". وفي واحدة من سفراته يعرض المشهد التالي: "في الطابق الخامس والعشرين من البرج المُطل على سماء واطئة، يشمُ رائحة زهر النارنج.. يسأله كريم: إن كانت الشقةُ قد أعجبته، فيقولُ له: أريد ان أشتري الشرفة فقط".
وتهمس الشمس في أذني المغترب مع كل إشراقة لتنبهه أن الصبح "مجرد نهار أحمق جديد، يحاول الاتكاء على الشمس، فتخدعه لحظة الغروب". "والسائر دوماً في الشوارع الغامضة تكنس الريح سؤاله: لماذا يسيء الظن دوماً بالنهار حين يقفز من النوافذ؟".
وعندما تتسلل خيوط الظلام لتمحي ضوء النهار المتعب، يتراءى له الليل وكأنه مَلِك ذو هيبة "يبسط نفسه فوق عرش المدينة". "وفي بعض المدن "تبدو المقابر أجمل من البيوت". ولما سألته إحداهن عما يعنيه له السفر قال: "أبحث عن شاطئ.. ردت قائلة: الشواطئ مفهوم نسبي للنجاة، فهي تحمل الموت للحيتان مثلما تعني النجاة للبشر".
على كل الأحوال، للغربة ثمن، مفادها: "إذا كنت في غير بلدك فلا تنس نصيبك من الذل". فـ"بعد البحث سدى عن بلد تنتمي إليه، ترتد إلى الموت، حتى تتمكن في هذا المنفى الجديد، من الإقامة كمواطن". "وفي المنافي نجر وراءنا مقبرة من أصدقاء وأعداء". "والغريب عن وطنه كالنبات الذي زايل أرضه، وفقد شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابل لا ينضر". فـ"السفر ليس انتقالاً إلى مكان آخر أو زمان جديد، إنه ببساطة، هروب"، بعد أن "كَفنَ الغياب" الأيام، "حتى صارت مثل أوركسترا خفيفة تُعزَف في دار أوبرا لجمهور أصم".
حياة.. موت.. فبعث
يقول د. ثابت: "في حضرة الموت نصبح خارقين كأنبياء، وشفافين كملائكة". هذا الشعور ينتابنا حين ننظر إلى التلفاز مثلاً، فـ"على الشاشة، يتقاتلُ الجميع من أجل لا شيء. يحرسون الوهم ويموتون في معارك خاسرة. والقاتلُ ينحني للسكين لا السكينة، ويمتدحُ البنادق المعطوبة لا الزنابقَ العطرة". ويضع الكاتب نفسه في خدمة مشهد غريب: "أتعرى لأغطي أشجار الطريق حتى لا تصير يوماً خشباً للنعوش". ثم يناجي الموت: "أيها الموت، اقترب.. كي نبتعد معاً".
والبعض أدمن مشاهد الموت لدرجة أن رؤوس الضحايا بدت له "مثل قباب الصالحين، مليئة بالأضرحة". كما أن "البعض يخشى أن تعطل العصافير نزهة الطائرات الحربية إلى القصف". هناك استثناء وحيد فقط: "في الحرب يكون الموت ضرورياً كي نستحق الحياة"، فـ"الموت صنو الروح".
وعن جدته يقول: "بعد رحيلها اعتزل صياد الموت مطاردة باقي أفراد العائلة، فبعد الصقر لا تصاد عصافير!" تلك التي "كانت تنظر إلى أحفادها بما يشبه فرح الفلاح بنماء غرسه وسط الجفاف.. ترويهم بالحنان، مثلما تسقي الشجرة المثمرة على أعتاب البيت بماء الوضوء، حتى تؤتي أكلاً مباركاً". "حكمتها تحرث الحقول البكر في أدغال الروح".
وهي "العجوز التي تملك قدماً زلت فانكسرت إلى الأبد، تتوزع التجاعيد على وجهها وجبينها بذكاء وأناقة لوحة فنية". "تحدث نفسها قائلة: الآخرون يسقطون في الزمن، أما أنا فقد سقطت من الزمن".
و"في لحظة ما قبل الدفن، ندرك كم تعبنا لندرك الموت.. وحينها ندرك "أن الموت مبراة بكف الدهر والأعمار أقلام". وأن "الموت الحقيقي يسحقنا.. وحده الموت المؤجل يبكينا"، فـ"في الأفراح والأتراح لا يمطر سوى البكاء"، خصوصاً أن "أمطار الحزن لا تتخير الأرصفة". ولهذا كله يقول: "سأطلب في وصيتي أن يكون موتي لائقاً بقصائدي غير المنشورة وأفكاري المعلنة". "ميتة سريعة وحاسمة تشبه النقطة، لا الفاصلة".
ألم .. حزن.. ووحدة
يقول د. ثابت: "يحدث أحياناً أن يغلبنا الشعور بالحزن حين ننشد البهجة". وفي هذه الحظة "نكون محاطين بأجواء أفراح الآخرين، فتستعيد الذاكرة والمشاعر رغبة شديدة في البكاء، أو نعلق الحسرة بمشبك على فستان السهرة". وترى الناظر للباكي يقول: "دمعته واحدة وحيدة، فلماذا في يده ألف منديل؟".
تشبه الدمعة القطرة: "كم هي وحيدة.. صرخة الماء". يلعو "صوت المؤذن" لـ"يلقي يد السكينة على جبهة المدينة التي تنشر دمعها". فجأة يتذكرها: "اسمها مريم، لكن لا عيسى في رحمها.. يدرك حينها أنه ليس نبياً، لكنه يحمل روح الله".
كل هذا يحدث عندما ينفرد الإنسان بنفسه، فـ"الوحدة قد تكون أحياناً منتهى الرومانسية". إلا أنه يجد نفسه وسط حشد من الأفكار، فـ"عندما يكون المرء وحده، حتى وإن لم يفعل شيئاً، فإنه لا يحس بأنه يبدد وقته. إنه لا يبدده إلا إذا كان في رفقة شخص قرر سلفاً أن يطفئ شمعة المودة بعدم اكتراث". ثم لا ينفك عن التساؤل: "ما الجدوى من آلامي؟ لست شاعراً حتى أستثمرها أو أفخر بها"، متأوهاً: "القلق شوكة في عنق الوقت". لكن "الوقت خبز الأمل.. الوقت ترياق السأم".
يغلبه النعاس. و"النعاس مغامرة كئيبة لكل المساءات". "يهرب إلى سريره ليحتضن جسده وينام"، ويردد في نفسه: "هكذا أبدو جسداً غالباً ما يرحل عنه صاحبه". "والبشر ينامون يومياً بجرأة نتيجة الجهل الذي ينتظرهم حين يستيقظون". في تلك الليلة "حاول أن يقرأ لينام، لكنه ازداد يقظة".
موسى محمود الجمل
دبي
26 أكتوبر
تابع القراءة

gravatar

في حضرة "الكتاب الزئبق"..1-2

في حضرة "الكتاب الزئبق".. (1-2)



في حضرة "الكتاب الزئبق".. (1-2)

"يوميات ساحر متقاعد" للكاتب المصري د. ياسر ثابت، كتاب كالزئبق. كل جملة فيه تحيلك إلى أخرى أقوى، والأقوى إلى ما هي أجزل، والأجزل إلى ثالثة أكثف. وكلها تأسرك في عمق المعنى، فتغرق في بحور الكنايات. فمثلاً تجد قصة متكاملة العناصر في سطرين. مشهد قصير بالألوان يلخص رواية مليئة بالتفاصيل في فقرة لا تتعدى أربعين كلمة. حكمة في عشر كلمات أو أقل. تحريك جميل لذات الحرف في كلمتين مختلفتين لتطّلِع على تناقض المعنى رغم مساحة التحريك المحدودة.. المحدودة جداً.
وهذا الكتاب يشبه كاتبه، وفيه يصف حاله فيقول: "يشبه الرجل الزئبق.. حال بين الصلابة والسيولة.. فلا هو هش قابل للكسر، ولا هو صلب يستعصي على الصهر.. ويستدرك: "أفضل ما في الزئبق أنه قد يساعد على استخلاص الذهب من خاماته.. وأسوأ ما فيه أنه يصعب الإمساك به". وهذا حال كتابه، الذي حاولت أن ألخصه، فكان كله. وهنا كله، لكن في بعضه. وإن تمكن أحدكم الإمساك به فلا يهديه لغيره.
يبدأ د. ثابت بأن يهدي كتابه "إلى المرأة التي تخاف على بياضها من حسد الثلوج"، ويقول لها: "ها أنا أدفن الضوء.. حياً". وفي المقدمة يطرح نفسه ببساطة: "هذا أنا: أنتم". وعما جاء بين دفتيه يقول: "الصفحات التالية ليست سوى شاهد ملك في قضية خاسرة، وربما كانت مرافعة في قاعة محكمة غادرها المتهمون وبقي القاضي يشكو وحدته داخل زنزانة تليق بمهابته". ويشبه قصصه التي يحكي عنها بـ"الخمر"، إذ "تتعتق حين تروى".
عناقيد الأمنيات..
وعنده "الكاتب الأصيل طينة من تذكارات شرسة، يتحدى ويتمرد، يرصد ويسجل حتى النهاية، وعندما تذهب إلى قبره لا بد أن ترى قدميه خارجتين منه. وهو أيضاً إنسان مستعد لأن يجرح قلبه حتى ينظم قصيدة عن جمال حبيبته". "والمدون ينزع قفازات يديه ليكتب بحبر أصابعه.. ليتحدى أكاذيب الإعلام الرسمي، ودعاية أصحاب الأقلام الخاضعة الخانعة، وسطحية المسلسلات التلفزيونية الرخيصة".
ويجيب د. ثابت عن السؤال المزمن الذي يطارد أي كاتب متمرس: لماذا نكتب؟ بالقول: "لقد علمتني الدفاتر التي أضعها تحت إبطي أن الكتابة درس في التنفس". "نحن نكتب لنقاوم الفناء الذي يطوق سراب صورنا مع أحبتنا – أو من كانوا كذلك – على جدران الذاكرة". ويضيف: "نحن نسطر تلك الذكريات حتى نؤكد لهم ولأنفسنا أننا شفينا من أوهامنا التي جعلتنا نظن أننا وجدنا أخيراً من نحبه إلى الأبد". وفي نظره: "الكتابة مغامرة شخصية بامتياز لكل من قرر أن يقطف عناقيد الأمنيات التي تتدلى فوق خاصرة المدينة". فـ"الكتابة مواجهة، ففي هذا العالم الفسيح لا مكان للهرب". بشرط أن تكون "كماتنا تشبهنا.. إلا إن ارتدينا الأقنعة".
الكتابة.. فعل الإنصات للذات والآخر..
يقول د. ثابت: "عندما نكتب فإننا نتنفس.. نستنشق هواء الحرية، فعل الإرادة". ولصديقه "الذي وقف على حافة اليأس من الكتابة وقرر أن ينتحر بالصمت"، يقول: "اكتب كي تبقى حياً ترزق.. اكتب حتى تضمد جراحك النازفة، أو تستأصل من جسد الشارع ما لا يلزم". ويستطرد: "الكتابة يا صديقي فعل إنصات للذات وللآخر، يمنحنا نوعاً من التواطؤ الخلاق بين الكاتب والمتلقي".
إذاً، "فلنكتب حتى تسقط الجدران ويتساقط المطر الناعم على أرضنا الطيبة فيروي عطشها إلى الحرية". "اسكب سطورك التي تقطر حرية في إناء العقل وفضاء الروح.. فكل حرف مغموس بحبر الصدق والإيمان، يبعدنا خطوة أخرى عن حالتنا المزرية كجمهورية موز، أو مملكة فساد أو إمارة لذة". "اكتب.. ففي كل ديانة كتاب مقدس.. وفي كل ثورة كلمات مقدسة". فـ"الأفكار لها أجنحة.. لا أحد يستطيع أن يمنعها من الطيران". كم أنه "لا شيء يموت.. فالأفكار تبقى وتزرع وردة في عقل قارئ واحد على الأقل.. وهذا يكفي ويزيد".
"الموسيقى وعي"..
ويصف د. ثابت الموسيقى بأنها "سر البهاء والأحزان النبيلة والمتعة التي تتغذى على رغيف الجسد". فهي "تنتشر في المكان، وتقتحم السماء، كأنها وباء من النشوة المتنقلة". "وهي القصيدة الوحيدة في العالم التي يمكن أن نقرأها من دون ترجمة.. هي تترجم نفسها ذاتياً للآخرين..". فـ"حين تتسلل الموسيقى إلى عقولنا وتغفو على راحات اليد مثل عصفور، نكتشف كم نحب هذا الكون.. نعشق هذا الحبيب.. نشكو هذا البعاد.. نطرب لهذا المغني..". و"ترحل بنا إلى جزر بعيدة.. وتقف بنا على أبواب الأزمنة.. تمنحنا معطف الدفء وفرو الطمأنينة.. تمارس فن الغواية. وتبكي مثل حورية تشتاق إلى الماء".
أيضاً، "هي الحب الذي يأتي من دون موعد.. وأسرع وسيلة لاستدعاء الذكريات التي نخبئها عن الآخرين وعن أنفسنا". "هي إذاً الحب المناسب.. في أي وقت.. والحزن اللائق.. في أي زمن". "نحب الموسيقى ونعرف مقامها: دائماً في القلب". حتى أن "الراكب الأخير لا يفعل شيئاً سوى أن يطقطق أصابعه، كأنما يبحث عن نغم شريد بين الأصابع". فـ"ما من موسيقى حقيقية إلا تلك التي تجعلنا نجس الزمن". ويخلص إلى أنه "لولا هيمنة العقل لحلت الموسيقى محل الفلسفة".
المرأة نص أدبي.. وأكثر
يرفض د. ثابت الوصف الشهير للنساء بـ"الجنس الناعم"، إذ إن "الرجل عادة هو الجنس الناعم.. فحين تحبه امرأة يذوب مثل قطعة سكر.. وحين تهجره حبيبة، يبكي مثل طفل.. وعندما تمتدحه أنثى يظهر الطاووس داخله وتطول قامته بضعة سنتيمترات". فالـ"عاشق يقبل المرأة التي تترك له باب أحلامها موارباً، والقبلة شجرة يشعلها عاشقان كي يستدفئا بها إلى الأبد".
"والمرأة لا تموت إلا حين يكف من تحبه عن حبها". وحين تكون "عيناها تمارسان لغة التحريض"، لتقول للرجل: "كن منفلت السهم، لأكون عصية الصيد"، تبدو "ابتسامته المنصوبة على وجهه فخ متيقظ، لاصطياد رعشة وجهها".
وعندما تقسو المرأة على الرجل، تتجلى حكمة تقول: "حين تهدي قلبك لامرأة فإنها قد تمضغه مع علكتها". والمرأة قد تخونك وإن كنت إلى جوارها. فهذه "فتاة تنظر بوله إلى المغني فوق خشبة المسرح.. نظرات تدل على أن الفتى الذي يرافقها إلى الحفل لا يعني لها شيئاً، وأنه مجرد بديل ناقص لمثالها الأعلى الحقيقي".
هذه قسوة ليست دائمة، فهناك "رجل يسأل المرأة التي أغمضت عينيها عما تفعله. يتجلى فجره في مرأتها، فتقول ببراءة: أحاول تخيل العالم في حال غيابك". ثم "تتركه في عطرها وتمضي، فيتساءل: كيف يمكنني تحمل رائحة البشر، بعد أن غمرني ذات صباح عطر الملائكة؟!".
تعود القسوة مرة أخرى حين "تقول له الفتاة العابثة: لعينيك أطلي أظافري، ولظهرك أطيلها". لكن "الأكيد أن النساء احتكرن الحنان كي نتكئ عليه حين نشعر بضعفنا أو تجرفنا القسوة". والأكيد أيضاً أنه "حين نحب تولد الحماقة". وهذا حال كل "عاشق فذ، وجلاد فظ".
يعود المشهد إلى جماليته من جديد فيقول د. ثابت في إحداهن: "بشرتها بياض يرتب فوضى الألوان، قبل أن يخرج ليتنزه في أحراش الرغبة". فهي "طاغية شقراء، تفرض بخناجر شهوتها حظر التجول، وتعلن حالة الطوارئ في شوارع الجسد"، الذي يصفه قائلاً: "جسم المرأة قيد، لكن روحها فضاء".
يراها في إحدى المرات "ترفع خصلة شعرها بصلوات أصابعها، فيسجد لها الهواء مغشياً عليه". ويتساءل: "ترى من يمشط شعرها في غياب الريح؟". و"حين نحب يجب أن تقاتل من أجل كنزك الأغلى. لا تنتظر أن تمطر الدنيا حباً.. عليك أن تكون صانع المطر".
و"في قاموس الحب لا توجد كلمة اسمها حقد.. إلا إذا كان الحب عملة زائفة ومزورة تسللت إلى الأسواق في غفلة من شرطة العشاق". فـ"في المادة الثالثة من دستور الحب، لا يجوز أن يخذل أحدكما الآخر.. وعلى المتضرر اللجوء إلى سلطة العقل لتقدير حجم الأضرار". ويظهر ذلك عادة بسبب الكذب الذي هو "عدو الحب.. وفي اللحظة التي تكذب فيها على من تحب، فإنك تدق مسماراً في نعش حبكما".
على أي حال، تبقى قراءة الرجل للمرأة مثل فهم كل منا لنص أدبي واحد بشكل مختلف، فـ"النساء مثل النصوص الأدبية، تُقرأ من كل الجهات".
موسى محمود الجمل
دبي
26 أكتوبر 2011
تابع القراءة

gravatar

ليس لقلبي فروع أخرى

محمد بركة

ليس لقلبى فروع أخرى

الخميس، 15 سبتمبر 2011 - 15:54
لم أتحرر بعد من أسر تلك اللحظة الانفعالية الساخنة التى أطلقتها بداخلى كلمات ياسر ثابت، الرجل المولود فى 1964 والتحق بالأهرام ثم بات يشغل حالياً منصب مدير الأخبار فى قناة «سكاى نيوز عربية»... كيف استطاع الهروب من ضغوط العمل ولهاث ملاحقة الأخبار، وينصت إلى تغريد عصافير الحب ورفيف أجنحة الغرام على هذا النحو الاستثنائى والمدهش؟ كيف بات مشبعاً بحنين لا ينطفئ إلى كرات نور معلقة على الأغصان فى مدن بعيدة وكيف كان الوحيد الذى أدرك أن الفنادق «الفايف ستارز» ما هى إلا معتقلات فخمة تطارد العشاق؟
هنا بعض المختارات التى توقفت أمامها كثيراً من كتاب «لحظات تويتر – ألف تغريدة» لياسر ثابت:
أثر أصابعها على الكتاب الذى كانت استعارته منه، يفك خيوط روحه تدريجياً.
الفتاة التى عطرها لا يُشترى، تنتقى الكلمات الهادئة رداً على مشاعره الصاخبة.
كان يعانقها، يشتبك كيانه بها، كالماء المخفوق بالطحين لصنع رغيف من شغف.
ضحكتها الساحرة، مثل موعد نضربه من قطرات الندى، ولحن صنعته فضة ترن فى قطعة من الكريستال.
على الأريكة التى يحبها، سكبت نفسها كشرك محسوم.
قالت لحبيبها فى ولهٍ مشوبٍ بالقلق: انتبه.. عينُ الزمن تنظرُ لنا شزراً!
تقول له: عِدنى بأن تحبنى، حتى حين تكرهنى.
بعد رحيله بقليل، وهبتْ الأرملةُ المقعدَ الذى كان يجلس عليه ليكتب.. إلى حبيبها الجديد.
الحبُ وحده حكاية، فما بالنا إذا اختلط بالعناد! رشة حبٍ مع رشة عناد، وتندلعُ حربٌ عالمية من نوع جديد.
حين قالت له فى دلال: «أنت تكذب»، عرفَ أنها بدأت فى تصديقه.
كيف له أن يعُلق على قصيدتها سوى بالقول: أنت وحدك.. قصيدتى!
قال لها: عندى اعترافٌ لن يستغرق سوى أقل من دقيقة.. أرجو أن تسمعيه منى، وهكذا سهرا حتى الفجر على الهاتف.
بعد وصلة غزل، عرضَ عليها مرافقته إلى منزله، فرَّدت الفتاة المغربية بابتسامةٍ قائلة إنها ليست من «سفيرات النوايا الحسنة»!
تسبحُ عيناها فى بحرٍ عسلى، كأنهما زهرُ الحنطة منتثر.
كان يتقاسم معها نبيذ الحكايات، والأغنيات المفضلة. وكان ببساطة، الرجل الذى ادخرتْ له كل الشغف وتركت له نافذتها مشرعة ليلاً.
«صباح الخير»، تقولها ذات الرمش الرائع كالعيد، فتصير التحية لحناً يؤلفه العود ويتغنى به الفؤاد.
كلماتها الاعتذارية تلسع قلبى كرشةِ عطرٍ مصوبة إلى جُرح مفتوح.
المرأة كتلة عاطفة، والرجل جمرة رغبات.. وكلاهما يحاول ترويض الآخر ويمارس لعبة الإخضاع.
الرجل حين يحب امرأة يتنفسها، ويدمنها، ويرتديها على جسده حين يخرج من البيت كل صباح.
الجراحُ البسيطة، مشروعُ كتابة عميقة.
إنه شيطانٌ عند الكتابة، لكنه يكتبُ للملاك الوحيد فى حياته.
أنت، جملة كبرياء، تغنى عن مكتبة كاملة.
ليس لقلبى فروع أخرى.
تابع القراءة

gravatar

فى الحب.. خيركم من يبدأ بالاستسلام

محمد بركة

فى الحب.. خيركم من يبدأ بالاستسلام!


الخميس، 8 سبتمبر 2011 - 16:27

عزيزى ياسر ثابت.. من كل قلبى أشكرك! لقد منحنى كتابك «لحظات تويتر – ألف
تغريدة وتغريدة»، الصادر فى القاهرة عن دار «العين» للنشر، فرصة ثمينة لكى ألتقط أنفاسى بعد ركض طويل فى دروب السياسة الموحشة. لقد جعلتنى كلماتك المعجونة بالضوء والمغزولة بقطرات الندى أتحرر – ولو مؤقتاً – من ضغط اللحظة الفارقة التى تعيشها بلادى التى تحولت إلى كرة فى مباراة بين أرجل أصحاب اللحى وأصحاب السيجار! تلك العبارات الحريرية الموجعة التى نقشتها على جدار هذا الموقع الإلكترونى الشهير أعادت لى شيئاً من الثقة المفقودة فى مواقع التواصل الاجتماعى التى عزفت عنها بعد أن صارت موطناً للأدعياء وكذابى الزفة..
تلك الجمل العميقة، المراوغة، الآسرة التى اختلستها من ساعات العمل وحقائب السفر فى مطارات الدوحة ودبى ولندن كانت تكتبنى، ترشقنى بسنها المدبب، تصالحنى بورودها المسحورة، تفاجئنى بسخريتها الهازئة.. فلم أجد أبداً سوى أن أشارك قارئى العزيز فى بعض تجلياتها.. يقول ياسر ثابت:
قال لها: أرجوك ابتعدى. أخشى إذا ما أحببتك أن يقتلنى هذا القرب...
الإسراف الذى أمارسه فى الحنين إليك، يخبرنى قلبى بأنه خطيئة لكننى مازلت أتمادى فيه عصياناً...
حين عاد من غربته القاسية، اكتشف أن شارعه تغير، منزل العائلة آيل للسقوط، أما حبيبته فقد روض جسدها رجل آخر لم يكن مضطراً للاغتراب...
فى المصعد، غمره عطرها لدرجة أنه سأل نفسه: من علم المسك الرعونة؟
الليلة، سأطوى ذراعى تحت خدى وأجن بك قليلاً.. أو كثيراً.
كانت تغيظه وتثير غيرته وهى تميل على زميل دراستها فى مكتبة الجامعة. وكان يهرب من نظراتها لكى لا ترى دماء تسيل من عينيه...
عابرة من مكان إلى مكان ما.. وما بين النقطتين، يحكون عن حفيف ثوبها الذى يربك انتظام كواكب المجرة...
تقف بطولها الفارع فى المياه الضحلة. يا لحظ الأسماك الصغيرة وهى تلاطف سرًا أصابع قدميها!
لم لا يوجد شىء اسمه الحجر العاطفى، على غرار الحجر الصحى، يتم عزلنا فيه كلما داهمنا خطر ما يهدد مشاعرنا!
الرحيل، أكبر ابتزاز عاطفى فى التاريخ. الغياب يظهر ضعفنا وحاجتنا، مثل صداح مخنوق لعصافير جائعة...
المرأة الوحيدة، ترتشف حساء البرد، لكنه لا يدفئ قلبها...
كلما اشتقت إليك، ألقيت اللوم على الغياب...
بين دمى وعظامى، كائن مذهل اسمه: أنت
قال لها: لا أحد ولا شىء فى هذه الدنيا يستحق دمعة واحدة تترقرق فى عينيك الجميلتين. لا أحد.. حتى أنا.
هى ذكراه الخاصة، ولذا لا يعرف كيف يصفها.
صدرها المعلق أمام صندوق الهاتف العمومى، كان يتنفس بانتظام يصلح لأن يكون نوتة موسيقية...
كان المطر يهطل بغزارة، كأن السماء تعتصر كيانها، وكانت تلك التى فى البال زخرفاً حول كل قطرة...
طقوسها معروفة كل يوم سبت: تذهب إلى البحر متهادية كى تسبح، ليغرق رواد الشاطئ فى أحلامهم المستعارة...
فى الحب، خيركم من يبدأ بالاستسلام...
تابع القراءة

gravatar

لحظات تويتر


هذا هو عالم تويتر: الحكاية كاملة في 140 حرفـًا على الأكثر!
حروفُ النار التي تنام على الألم وتصحو على الأمل، تكتبُ نفسها وتضمد جراحها وترتدي ثوب اللهفة وتاج الحكمة وروح الثورة.
وفي كل أحوالها وأطوارها، تبدو الكلمات على تويتر كأنها اسم على مسمى: تغريدة على شرفة الحياة.
في هذا المنبر الإلكتروني تفتحُ شرفة على الذات ليراها غيرك، وتنالُ فرصة استثنائية للتفكير والتأمل والتعبير بصوت مسموع ومقروء، يتخطى المسافات والحواجز ويتجاوز الأقطار والقارات، بسحر الكلمة وقوة تأثيرها، التي تشبه بطش الدهشة.
قاومتُ الفكرة طويلاً وكثيرًا، لكنني استسلمتُ لإلحاح أصدقاء ومقربين مني، ممن رأوا أنني قد أساعدُ على إطلاق فراشاتٍ ملونة يغتابُها الضوء، والحكي عن قلوبٍ تمارس هدنة الحياة، واستحضار أرواحٍ تختبئ خلف الظلال.
غير أن ربيع الثورات العربية، فرض بقوة الآراء والمواقف السياسية على تغريداتي، بعد أن أطلقت تونس عصفور الحرية، وصنعت له مصر عشـًا على امتداد ميدان التحرير، وبدأ ريشه ينمو في اليمن وليبيا وسوريا.
وما بين السياسة والأدب والتاريخ والرياضة، كتبتُ ما قُدّر لي في تويتر على مدار شهور، تحت لافتةٍ واضحة: "سهلٌ جدًا أن تقولَ أي شيء. الصعبُ حقـًا هو أن تقول شيئـًا يبقى، ويضيف ويثري".
كتبتُ كلما رفرفتْ في عالمي فكرة أو أردتُ أن أسجل موقفـًا من حدثٍ يجري هنا أو هناك، وكلما عصفَ بي الحنين أو مزق جنون الليل أمتعتي، حتى وجدتُ أن تلك الأفكار المستلّة من الحياة اليومية، تستحقُ أن تنتظمَ في عقد واحد. وهكذا اجتمعتْ الرؤى والانطباعات التي خرجتْ إلى العلن على موقع تويتر، لتصبحَ مادة هذا الكتاب، الذي يعد فيما أعلم تجربة جديدة من نوعها وفي مضمونها في العالم العربي.
لم أعبأ كثيرًا بزيادة عدد المتابعين لي على تويتر، قدر اهتمامي بأن تكون الكلماتُ عنوانَ الشغف ولسانَ الحكمة وصورة الواقع، بدون رتوش أو مستحضرات تجميل. فالحقيقة عاريةٌ تمشي على ماء القلب، حتى تجري في دمنا المباح.
هكذا إذن تفضحنا أوراقنا!
سطرتُ كلماتي المكتوبة بحبر الصدق، إيمانـًا بأن الحياة نفسها ليست جملة تتحدث عن حُلمٍ مُوجَّه أو كابوسٍ مُعاش، أو رغبةٍ تسكننا.
كل ما فعلتُه هو أنني وضعتُ رسالتي في زجاجةٍ مغلقة بإحكام ورميتُها في محيط الآخرين، ثقةً مني في أن هناك من سيلتقطها ويتأمل معانيها وحروفها النابضة بالصدق.
وفي الكتابة، تتمَرَّنُ على قيادة ذاتك، بأن تطلقَ سراحها.
وما بين الرضى والسخط، التأمل والاندفاع، الحكمة والحماقة، تتدفقُ مياهٌ كثيرة في نهر حياتنا، تبدو في رأيي جديرة بأن تُروى وأن تُستعاد.
في رحلة الكتابة هذه، جاءتْ بعضُ التغريدات عن أجسادنا، بيت المرايا ومعابد المعرفة التي نهمل أسرارها، وجاء بعضها الآخر عن تجاربنا، حكمتنا التي تدل على الطريق، كما أتى جزء آخر منها عن الحرية والدين والسياسة، وكلها قضايا الوجود الإنساني منذ بدء الخليقة.
وحين نكتبُ عن أنفسنا، وعالمنا الذي نودُ أن نغسل عنه الشعور بالهزيمة والإخفاق، فإننا نفعلُ ذلك حاملين الوزنَ الهائل لأجنحة إيكاروس، في سعيه الدؤوب نحو شمس الحقيقة.
في هذا المجتمع الذي تتلاشى فيه الحدود المصطنعة وتتعاضد فيه الجهود المبعثرة كي تبني أو تجادل، نكتشفُ أن أكثر ما يتمايز به الناس هو عمق تجاربهم الإنسانية.
والثابتُ أنني ممتنٌ لكل من تابعوني على تويتر، أو شاركوني بالتعليق والتعقيب، فلولا هؤلاء لأصبح كلامي مثل صوت نقار الخشب الذي يثقب بصداه قبر الغابة. هؤلاء الأصدقاء الذين لا أعرفُ سوى كلماتهم، هم من علّموني أن دقات قلبي الواهن تخفق بين جوانحهم.
وفي هذا العالم الإلكتروني، بعضُ الكلمات بلسمٌ وربتةٌ حانية على الكتف، بعضها الآخر وجعٌ يهتكُ سرَّ الجروح.
وفي سفينة تويتر، هناك من تحمله شهرته، وهناك من تحمله وظيفته، وهناك من لا يستطيع حمله سوى حرّفه وفكره وخلقه ، فأبحرّ مع الأحرّار تربت يداك.
ولعل أجملَ ما في الكتابة على تويتر هو تحدي الإيجاز؛ لأن الكاتبَ هنا يختصر جملته ويشذّب زوائدها ويلغي تكرارها ويقلّم موشاها ويضبط فصاحتها ويخفف أجراسها ويحكم مدلولها ويضبط حجمها.
ونحن لا نجاوزُ الحقيقة حين نقولُ إن الإطالة التي لا طائلَ من ورائها، هي حرفة الثقلاء والغلظاء والمقلدين الذين لا موهبة لهم ولا خير فيهم.
وفي تقديرنا أن أول من أسس لفكرة تويتر، هو الجاحظ، فهو أول من دعا إلى الاختصار والاقتضاب كشرطٍ من شروط البلاغة، وربط الإيجاز بالقدرة الخطابية قائلاً "والبلاغة إصابة المعنى والقصد إلى الحجة مع الإيجاز، ومعرفة الفصل من الوصل".
إن هذا النوع من الكتابة يشبه ثقافةً سرية مادتها الأولى التنصتُ على الأحياء. فإذا كان "كتاب الموتى" المصري دليلاً على ضمير الفقيد وقراءة في عالمٍ حقيقي ذي وجودٍ ملموس، فإن "كتاب تويتر" يتنصت على الأحياء وينصب لهم شباكـًا هم الذين نصبوها في العالم الافتراضي، لتصبح سطورهم في نهاية المطاف طعام الآلهة في معبد الأفكار.
وربما تكتمل متعة قراءة سطور هذا الكتاب كلما منحناها الفرصة لتنمو في تربة قلوبنا وتنام على وسادة عقولنا. وبقدر ما نمنحها ما تتطلبه من تأمل المعنى وتذوق الصور، سنتمكن من قراءة السطور والكلمات التي خلفها.
أتمنى لكم قراءة ممتعة مع هذه التغريدات الإلكترونية.


من مقدمة كتاب "لحظات تويتر"، دار العين للنشر، القاهرة، 2011
تابع القراءة

  • Edit
  • أقسام المدونة

    إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator