المحروسة

Showing posts with label رياضة. Show all posts

gravatar

فنون الغزل والتعصب






لا أحد يمكنه أن يفهم لمصلحة من المعارك والمهاترات الإعلامية التي تزعمتها بعض الصحف الجزائرية والفضائيات المصرية، ولا أحد بوسعه أن يفسر ما جرى لشهور طويلة على خلفية مباراة لكرة القدم.
غير أنه وفي ظل فضاء يتمدد بصمت، وصحف تسعى إلى رفع أرقام توزيعها وإيرادات إعلاناتها، أصبح الصراع الإعلامي يدور حول القارئ أو المشاهد الباحث عن قائد، لذا لا تبدو غريبة هذه المبايعة المباركة للغضب الشعبي من مصر أو الجزائر بعيدًا من درجة الفرز بين حقيقة ما حدث وما لم يحدث. لقد اكتشف الإعلام - والنظام بدرجة أخرى- أن كرة القدم هي "عصا موسى التي تبتلع كل الثعابين"، وتصرف الأنظار عن التراجع والتردي والقبح والقصص المتداولة الكالحة السوداء، ووسيلة رائعة لاستخدام "عهدة الأغاني والأناشيد"، التي كادت تبلى في المخازن؛ لأن هزالة الواقع لا توافق إيقاعها النشوان، والإعلام الخاص لم يكن يحلم بأفضل مما حصل عليه.. جمهور بالملايين يتدافع على المشاهدة، ومعلنون يتسابقون على الأوقات المميزة[1].
وهكذا نفخت في نار الأزمة وسائل إعلام ترغب في تحقيق الأرباح والرواج، عبر تضخيم الحدث والنفخ فيه، لزيادة مبيعات الصحف، وجلب المزيد من الإعلانات والاتصالات التليفونية للفضائيات، وتكريس شهرة بعض مقدمي البرامج من محدودي الكفاءة والوعي المهني[2]. ولا يفوتنا هنا القول إن اجتماع رؤساء مجالس إدارات القنوات الفضائية الخاصة، للنظر في كيفية معالجة البرامج الرياضية في هذه القنوات لأزمة مباراة أم درمان، شهد هجومـًا شرسـًا على مقدمي بعض البرامج الرياضية في هذه القنوات، إذ حملهم عدد من الحاضرين مسؤولية إثارة وتأجيج الأزمة بين مصر والجزائر ووصفوهم بالجهل والسطحية والقصور في المعلومات[3].
هذه الأجواء المؤسفة هي التي دفعت نحو 200 مفكر ومثقف مصري إلى التوقيع على بيان يدين خطايا الإعلام والتلاعب السياسي بتغذية الخلاف المصري الجزائري[4]. في المقابل، أصدر 11 من أساتذة الجامعات الجزائريين بيانـًا نددوا فيه بـ"الأسلوب الشوفيني المقيت" الذي أدارت به بعض المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة في الجزائر ومصر بجميع أنواعها المرئية والمسموعة والمكتوبة تغطية مباراة كرة القدم بين المنتخبين الشقيقين، التي حوَّلت، بحسب البيان، التنافس الرياضي الأخوي النبيل إلى "فتنة بين الشعبين"[5].
وبحسب باحث مغربي، فإنه في أزمة مصر والجزائر، اخترقت السياسة الحقل الاجتماعي وحاولت اللعب على الإشكال الأكثر قمعـًا واحتقانـًا، من خلال الاقتراب من المزاج العام للشعب. بل إن السياسي في البلدين أُخضع المباراة لتفسير واحد هو: ضرورة إشباع الرغبات الوهمية في النصر. في الوقت نفسه، ابتلع الجميع منتوجـًا إعلاميـًا ضخّم بشكل كبير صورة الشر في الآخر، لكن هذا الابتلاع صار غير قابل للكبح؛ لأنه مدفوع بكل الخيبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها الشعبان. إن حالة الهياج الشديد التي أعقبت المباراة صارت غير قابلة للكبح لأنها مبنية على الحرمان[6].
وربما كان ممكنـًا حصر هذا "الغضب" في ملاعب الكرة لو لم يُستغل سياسيـًا في مصر كما في الجزائر، ولو لم يُمنح طابعـًا "عصبيـًا" هو براء منه. الأمر المفاجئ والمؤلم  هو دخول بعض المثقفين، من صحفيين وكتّاب وفنانين، خضم هذا السجال، انتصارًا لجمهورهم أو لشعبهم كما خُيّل إليهم.


حرب الكرة انتقلت بدورها إلى صفوف النجوم، الذين انقسموا بين مؤيد لمنتخب كرة القدم المصري أو لنظيره الجزائري. وزادت مواقف الفنانين المتباينة تجاه هذه "المسألة الكروية" وآراؤهم حولها من حدة الصراع، إذ تحول كل فنان يساند المنتخب المصري إلى عدو للشعب الجزائري والعكس صحيح بغض النظر عما إذا كان هذا الفنان يشجع فريق بلده أصلا. بل أصبح هذا الفنان في نظر جمهور الفريق الآخر خائنا وناكرا للجميل ولا يستحق المتابعة والحب.
ومن عالم الفن، انتفض عمر الشريف وحسين فهمي ومحمود ياسين ويسرا أمام الأهرامات دفاعـًا عن كرامة زملائهم الفنانين والفنانات الذين لم يحسن السودانيون والجزائريون استقبالهم ووداعهم قبل وبعد مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر. وتحت سفح الأهرامات، وقف عمر الشريف وهو يحمل علم مصر في مشهد جنائزي، مع جوقة معظمها من نجوم الصف الأول في السينما والتليفزيون.
وبدا مستغربـًا أن هؤلاء النجوم لم يذهبوا يومـًا للاعتراض على استمرار العمل بقانون الطوارئ في مصر لعقود ثلاثة خلت، ولم يذهبوا مثلاً للامتعاض من تزوير كل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية والنقابية والطلابية والرياضية التي أجريت في مصر لسنوات طويلة. ولهذا دعا عمرو خفاجي "السادة الفنانين الذين سارعوا بمقاطعة كل ما هو جزائري عقب أحداث الخرطوم، أن يقاطعوا الدولة لو قررت تزوير الانتخابات، وأن يقوم هؤلاء الفنانون بدعوة الجماهير التي تحبهم إلى الذهاب إلى الصناديق والدفاع عنها"، كما ناشد "هؤلاء الشباب الذين توجهوا لسفارة الجزائر مطالبين بحرقها، أن يذهبوا إلى مقار الانتخابات ويحموها من التزوير ويحرقوا كل يد تحاول أن تمتد بالباطل لصناديق الديمقراطية"[7].
إلا أن النبرة العصبية في معسكر الفنانين لم تلتفت إلى هذه الحقيقة المُرة، فقالت يسرا في أحد لقاءاتها الصحفية: "هل نسي الشعب الجزائري أن موسيقى نشيدهم الوطني وضعها الفنان الراحل محمد فوزي، وأن النجمة ماجدة الصباحي عندما قدمت شخصية جميلة بوحيرد خسرت كل ما كانت تملك من أموال في سبيل عكس معاناة الشعب الجزائري أبان الاحتلال الفرنسي"[8]. وسمعنا الفنانة إسعاد يونس تصف نفسها في أحد البرامج التليفزيونية بأنها "فرعونية" مستنكفة أن تشير إلى هويتها العربية[9].
وفي المقابل، اتُخذت قرارات انتقامية غاضبة، إذ أصدر اتحاد النقابات الفنية، برئاسة ممدوح الليثي وعضوية كل من: أشرف زكي نقيب الفنانين ومنير الوسيمي نقيب الموسيقيين وإبراهيم الشقنقيري القائم بأعمال نقيب السينمائيين، قرارًا بوقف جميع أشكال التعامل مع المؤسسات الفنية والثقافية الجزائرية بما فيها المهرجانات الفنية سواء كانت سينما أو تليفزيون أو مسرح. كما تضمن القرار منع مشاركاتهم في أي مهرجانات تقام في مصر[10] لحين تقديم اعتذار رسمي صريح من الحكومة الجزائرية. ونظم رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، عزت أبوعوف، ونقيب الفنانين، أشرف زكي، وعدد من فناني مصر وقفة احتجاجية على السجادة الحمراء قبل حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائي، كرسالة احتجاج على التصرفات الجزائرية[11].
وفي تلك الغواية الكروية المعصوبة العينين، استطلعت صحيفة جزائرية آراء عدد من فناني الجزائر تحت عنوان "الفنانون الجزائريون يدعون إلى مقاطعة السينما والأغاني والمسلسلات المصرية"[12].
وطال طوفان الغضب المصري فنانين جزائريين، مثلما حدث عندما أعلن شاعر غنائي في الصحف سحب أغنية نظمها للفنانة وردة الجزائرية، بعد أن رأى مصريون أن وقوفها إلى جانب المنتخب الجزائري في السباق إلى مونديال جنوب إفريقيا خيانة علنية لمصر التي احتضنتها فنيـًا وكانت السبب الرئيسي في شهرتها ونجوميتها بحسب وجهة نظرهم. وربما كان الموقف هنا ردًا على حرب الشتائم المتبادلة بين الطرفين، إذ كانت أول شتيمة من متعصبين جزائريين في ملاعب الكرة أن "مصر بلد الفنانات". كما عمد بعض هؤلاء المتعصبين إلى تركيب صور مسيئة وضعوا فيها رؤوس بعض الفنانات المصريات، وهن ليلى علوي ويسرا ومنة شلبي وإلهام شاهين وياسمين عبدالعزيز ونادية الجندي ونبيلة عبيد ودينا وفيفي عبده وشيرين ونرمين الفقي، على أجساد لاعبي المنتخب المصري.


وردًا على مطالبة مصريين بمنع المطربة وردة الجزائرية من دخول مصر، طالب جزائريون بمنع الفنانة اللبنانية نانسي عجرم من دخول الأراضي الجزائرية، بعد أن ساندت المنتخب المصري قبيل مواجهته نظيره الجزائري، قائلة: "بإذن الله سيفوز الفراعنة، وسيصلون إلى نهائيات كأس العالم، ويحققون نتائج طيبة في هذا المونديال". وغضب الجزائريون أكثر بعد أن قدمت نانسي عجرم أغنية خاصة بعنوان "مصر العروسة المحروسة" والتي أدتها في حفل ختام مهرجان الإعلام العربي وهي تحمل العلم المصري بين ذراعيها، احتفالاً بفوز المنتخب المصري على نظيره الجزائري في لقاء القاهرة.
وبالمثل، هاجمت أقلام جزائرية عبر الصحف والمواقع الإلكترونية الفنانة هيفاء وهبي، بعد أن ارتأت أن واجبها الوطني يحتم عليها تشجيع المنتخب المصري لكونها من أم مصرية ومتزوجة من رجل الأعمال المصري أحمد أبوهشيمة[13]. هيفاء التي قدمت في قلب الأزمة أغنية عن مصر عنوانها "80 مليون إحساس" من كلمات بهاء الدين محمد وألحان محمد الصاوي وتوزيع أحمد إبراهيم، قالت في تصريحات صحفية إن معظم اللبنانيين شجعوا المصريين، وأضافت مبررة انحيازها للجانب المصري إن "موقفي بالأساس هو ضد العنف فما حدث ليس له علاقة بالرياضة، وهناك لبنانيون كثيرون غضبوا مما حدث لأن الجزائريين لديهم قابلية للشر بشكل كبير، كما أنهم غير متقبلين لفكرة أن يفوز أحد عليهم"[14]. وردًا عليها، قالت صحيفة جزائرية إن "ذلك لم يضر الجزائر بشيء، فلا مرحبـًا، مثلما قال العديد من المواطنين، بفريق تناصره هيفاء صاحبة بوس الواوا"[15].
وعلى الوتيرة نفسها، غازلت الفنانة المغربية سميرة سعيد جمهورها في مصر، حين قالت: "أنا مصرية أكثر من أي شخص آخر، وأغار عليها جدًا، وأرفض بشدة ما حدث في السودان من قبل الجزائريين فمعروف أنهم متعصبون جدًا، نظرًا لأنهم عاشوا حروبـًا لسنوات طويلة، لكن هذا لا نعتبره مبررًا لما بدر منهم من عنف بسبب مباراة كرة قدم، أما المصريون فمعروف أنهم شعب طيب". الأخطر هو قول سميرة: "لا يوجد تكافؤ بين جمهور الفريقين، فالمشجعون الذين ذهبوا من مصر فنانون ومثقفون ورجال سياسة وصفوة المجتمع، أما الجزائريون فأرسلوا جمهورًا من طبقة أخرى، لذلك كان لابد من إرسال المشجعين المصريين الحقيقيين، وخاصة مشجعي المناطق الشعبية الذين يستطيعون خلق نوع من التفاهم مع الجزائريين"[16]!
وغضب مصريون من نجمهم المفضل تامر حسني بعد أن نشرت بعض مواقع الإنترنت صورة له وهو يرفع علم الجزائر، على رغم توضيحه أن الصورة التقطت له في إحدى الحفلات التي أحياها في الجزائر قبل فترة وجيزة من وقوع الأزمة.
غواية جماهيرية جرفت كثيرين بعيدًا عن الحقيقة.
وعلى رغم محاولات بعض الفنانين إخماد نار الفتنة، مثلما حدث في الحفل الغنائي المشترك الذي جمع النجمين محمد منير والشاب خالد في 12 نوفمبر - قبيل مباراة القاهرة- على مسرح أكاديمية أخبار اليوم في مدينة 6 أكتوبر[17]، فإن مساحة سوء الفهم بقيت قائمة، بل إنها أخذت منحى أكثر خطورة.
هوامش

[1] ياسر عبدالعزيز، مصر مرتبكة، مصدر سابق.
[2] ياسر عبدالعزيز، خطايا الإعلام، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 29 نوفمبر 2009.
[3] خليفة جاب الله، أصحاب القنوات الخاصة يحملون مقدمي البرامج الرياضية مسؤولية أزمة مباراة الجزائر.. ويدعون إلى التوحد خلف هدف وطني، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 26 نوفمبر 2009.
[4] AFP, Egyptian intellectuals condemn politics of soccer violence, Daily Star, http://www.dailystar.com.lb/article.asp?edition_id=1&categ_id=4&Article_id=109146, November 27, 2009..
[5] _ الأمن يفرق تظاهرة أمام سفارة الجزائر.. ووقفة احتجاجية تحمل شعار "كرامة المصري أولاً"، مصدر سابق.
[6] عزيز مشواط، كرة القدم... أفيون الشعوب أم دين كوني جديد، مصدر سابق.
[7]  عمرو خفاجي، رقابة الانتخابات وأبطال (حرب) الجزائر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 30 نوفمبر 2009.
[8]  رانيا أبوزيد، حرب الخضر والفراعنة.. نجوم يحشرون "أنفهم" في ما لا يعنيهم فيلقون ما لا يرضيهم، مجلة "هيا"، دبي، 26 نوفمبر 2009.
[9]  فهمي هويدي، بعد صدمة الخرطوم: الخطايا العشر، مصدر سابق.
[10]  وكالة أنباء الشرق الأوسط، نقيب الموسيقيين: منع المطربين المصريين من الغناء في الجزائر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[11]  محسن محمود وحمدي دبش ومحمد طه، النقابات الفنية تقاطع المهرجانات الجزائرية.. والفنانون يختتمون مهرجان القاهرة السينمائي بوقفة احتجاجية ضد أحداث "معركة الخرطوم"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 21 نوفمبر 2009.
[12]  آسيا شلابي، الفنانون الجزائريون يدعون إلى مقاطعة السينما والأغاني والمسلسلات المصرية، جريدة "الشروق"، الجزائر، 20 نوفمبر 2009، ص 22.
[13]  رانيا أبوزيد، حرب الخضر والفراعنة.. نجوم يحشرون "أنفهم" في ما لا يعنيهم فيلقون ما لا يرضيهم، مصدر سابق.
[14]  محسن محمود، هيفاء وهبي: لا أخشى تهديدات الجزائريين، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 1 ديسمبر 2009.
[15]  قادة بن عمار، فنانون مصريون سقطوا في فخ التطرف وفرطوا في شعبيتهم بسبب المباراة، جريدة "الشروق"، الجزائر، 20 نوفمبر 2009، ص 22.
[16]  محسن محمود، سميرة سعيد: حبي لمصر أكبر من مباراة كرة قدم، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 29 ديسمبر 2009.
[17]  أمجد مصطفى، منير وخالد أذابا الجليد بالغناء، جريدة "الشروق"، القاهرة 13 نوفمبر 2009.
تابع القراءة

gravatar

مراهقة إعلامية




فجأة، أقيمت سوق حرة للكلام المفتوح والمزايدات بين مصر والجزائر.

وخرج كثير من البرامج المسائية والبرامج الرياضية المصرية في المحطات الفضائية المصرية والتليفزيون المصري من نطاق الإعلام المحترف إلى دائرة السباب والردح، ووقعت في أخطاء مهنية أخرجتها عن السياق المهني، وفتحت فترات بثها للسب، ومنحت الحرية للجمهور كي يتواصل ويشتم، كما استضافت الفنانين والصحفيين والمطربين الشعبيين، الذين قالوا إنهم تعرضوا للمهانة بعد المباراة كي يستفيضوا في شرح ما تعرضوا له في السودان على أيدي مشجعين جزائريين[1].

وانخرط مذيعون وكتاب وصحفيون في البلدين في تراشقاتٍ صبت في أسئلة عن مدى تفوق وأفضلية هذا البلد أو ذاك أو هذا الشعب أو ذاك.

مهاترات، تساءل معها كاتبٌ مصري "هل نضعها على بند البلاهة الكروية التي تصيب الناس أحيانـًا الهلوسة أم نأخذها بجدية على أنها تعبر عن العجز في تحديد علاقة صحية بين الجماعة الوطنية المصرية وغيرها من الجماعات؟"[2].

"الزلنطحية قادمون"!

هكذا صرخ الكاتب أسامة غريب، بعد أن قال "الدكتور" مصطفى عبده عن شهداء الجزائر إنهم "مليون لقيط"، وطالب أهل الجزائر بأن يلموا بناتهم العاهرات من الشانزليزيه[3].

وتابع الجمهور "أصواتـًا عبر فضائيات "المراهقة الاعلامية" أو‏ "فضائيات الجزم"‏ تطالب بانسحاب مصر من بطولة الأمم الإفريقية في أنغولا إذا تصادف لقاؤها الجزائر في الأدوار النهائية، بل إن هناك من طالب بإرسال فتوات وبلطجية وما شابه إلى الجزائر لمواجهة جماهيرها على الأراضي الأنغولية بالقوة لو لزم الأمر"[4]‏!‏

وفي صبيحة اليوم التالي للقاء القاهرة الذي فاز فيها منتخب مصر على نظيره الجزائري بهدفين نظيفين، لم يصدق البعض عينيه وهو يطالع صحيفة مصرية رياضية وضعت عنوانـًا هابطـًا بعد أن رسمت اللاعبين الجزائريين في صورة نساء "يا خضرة قولي الحق اتكيفتي ولا لأ" في إيحاء جنسي قبيح، وتضيف: "لقد أطلق المصريون من خلال معركتهم مع البربر الجزائريين صيحة الحرب على كل من تسول له نفسه المساس بمرمانا"[5].

ويروي د. إبراهيم السايح في جريدة "الدستور" المصرية، نماذج مزعجة لإساءات  زخرت بها صحيفة "عيون الليل" في تلك الفترة، ومنها تصوير رئيس الجزائر في شكل كلب، ودولة الجزائر في شكل امرأة عاهرة تفتح رجليها وقطار عليه علم مصر يستعد لاختراقها. وجريدة مصرية رياضية قالت عن الشعب الجزائري إن "البربر لا ينفع معهم إلا الضرب بالجزمة"!، وجريدة مصرية أخرى صوَّرت حسن شحاتة عريسـًا ومدرب الجزائر عروسـًا وكتبت تقول "الليلة ليلتك يا خضرة".. هذا بالإضافة إلى تلال أخرى من التجاوزات الشفوية والتحريرية عجت بها كل وسائل الإعلام المصري قبل وبعد المباراتين اللتين لعبهما الفريقان المصري والجزائري[6]!



احتقان وتجاوزات توضح إلى أي حد إعلام "الرسالة" غائب.. ربما لأن إعلام التسالي غالب!

على المستوى الحكومي، أقر الدكتور مفيد شهاب وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية حينذاك، بأن الإعلام المصري والجزائري خاصة القنوات الخاصة المصرية، لعب دورًا سيئا في زيادة التوتر بشأن هذه الأحداث[7]. وحامت وزارة الخارجية حول الفكرة نفسها، حين أصدرت في 19 نوفمبر 2009 بيانـًا حملت فيه ما وصفته بـ"الإعلام المأجور" مسؤولية الأحداث المؤسفة التي أعقبت مباراة منتخبي مصر والجزائر لكرة القدم في الخرطوم، و"إخراج الرياضة في العالم العربي عن الروح الرياضية إلى روح النرجسية"، لكن الوزارة عادت وسحبت البيان بعد نحو ساعتين ليخرج بعد ذلك حاملاً اسم إدارة الإعلام والدبلوماسية العامة بها[8].

وإذا كان البيان لم يوضح، بشكل صريح، من المقصود بهذا الوصف، وهل هو الإعلام المصري أم الجزائري، فإنه تضمن في إحدى فقراته اتهامـًا لـ"أجهزة إعلامية، هنا وهناك، بأن التهييج والإثارة هاجسها، ولغة الشحن الإعلامي المريض دينها"، بأنها "تبث سمـًا زعافـًا وتفوح منه رائحة الكراهية".

وبحسب الكاتب الصحفي علي السيد، فقد ارتكب الإعلام المصري سبع خطايا في تلك الأزمة.

"الأولى أنه انجر خلف صحف صفراء لم يكن أحد يسمع عنها، ولم تكن ذات قيمة في الجزائر، فضلاً عن أن أغلبها معاد للعرب والعروبة وبعضها موال لجهات أجنبية تعمل ضد مصالح الجزائر نفسها وفي المقدمة تأتي الشروق والخبر والفجر.

"ثانيا تحدث الإعلام المصري للداخل وزاد من احتقانه وأدخله في حالة شحن معنوي وتركه دون أن يقول له ما الحل وكيف يثأر لكرامته المهدرة وماذا يفعل مع من أهانوه بطريقة غير مسبوقة، وفقا للشحن الإعلامي، وفي المقدمة تصريح وزير الإعلام وقت الأحداث والذي أشعرنا أننا على شفا حرب.

"ثالثـًا لم يدرك إعلامنا أن من يتابعه في العالم العربي لا يتابع الإعلام الجزائري نهائيـًا، بل لا أحد يعرف شيئـًا عن التليفزيون الجزائري وبالتالي تعامل "المشاهد العربي" مع إعلامنا باعتباره إعلام شتام وسباب يبث الحقد والكراهية ويحرق الأعلام، ويصرخ ويبكي من هزيمة في مباراة كرة قدم، بينما الصورة الأخرى لا أحد يراها لأنها هناك في الجزائر حيث لا صحافة يمكن أن تقرأ ولا تليفزيون يمكن أن يشاهد خارج حدود الجزائر.

"رابعـًا نقل وربما لأول مرة مفردات لا تقال في أسوأ الحالات وترك الحبل على الغارب لبعض أهل الفن والرياضة يستخدمون ألفاظـًا لم نسمع بها من قبل في وسائل الإعلام، بل إن المهنية الحقة تحتم الابتعاد عن هذه الألفاظ في أي موقف.

"خامسـًا أظهر للناس أن المشجعين الجزائريين ارتكبوا جرائم ووقعوا في خطايا كبيرة يمكن أن تحرمها من دخول كأس العالم، بينما الواقع يقول إننا لا نمتلك أي دليل إدانة يمكن أن نقدمه للفيفا.

"سادسـًا كانت وسائل الإعلام المرافقة للمنتخب تتابع النجوم ولم تركز ولو للحظة على ما يفعله جمهور الجزائر. سابعـًا اهتم بشكوى الفنانين ولم يضع في حساباته ما جرى للجمهور المصري في السودان خارج الملعب"[9].



لقد تسببت تصريحات عدد من السياسيين والإعلاميين في إشعال الأزمة مع الجزائر، وحاول كثيرون ركوب الموجة لتتفجر الأوضاع، ثم عندما غيَّرت الدولة اتجاهها وسارت نحو التهدئة عاد الجميع إلى الهدوء، ولكن بعد فوات الأوان. كما يتحمل الإعلام المصري جزءًا لا يستهان به من الأزمة، فقد تسبب في شرخ كبير بين مصر والجزائر وتعامل مع الموقف بعاطفية وناقش الموضوع بسطحية شديدة، ولم يكلف نفسه تحري الدقة وشن هجومـًا شرسـًا على كل ما هو جزائري بعد مكالمة من علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري السابق، لأحد البرامج الرياضية، فظن الجميع أن الهجوم على الجزائر هو ما تريده الدولة. وبعد فترة عندما هدأت الأمور حاول الإعلام التراجع عن موقعه، لكن فشل في ذلك وفشل في إقناع الجميع بالتهدئة[10].

ومع ذلك فإننا لن نجاوز الحقيقة إن نحن قلنا إن الإعلام الذي نظم حفلات للصراخ ورواية حكايات الإهانة، ليس الوحيد الذي يتعين إلقاء اللوم عليه في تلك الأزمة. لقد رأى كثيرون في الإعلام أداة التحريض والتضليل والتصعيد المتدني في مصر والجزائر، ونسوا عن غفلة أو عمد أن الإعلام هو قمة الجبل الذي يخفي في أعماقه وتلافيفه الأسباب الحقيقية للأزمة[11]. نعم، الإعلام مسؤول جزئيا، لكن الأخطر هو المخزون من الصراعات الاجتماعية، والقهر الاستبدادي، وتراكم الإحباطات النفسية، وتدني لغة الحوار، وهزيمة الروح الرياضية. وحين أمر الرئيسان المصري والجزائري بوقف حملات الإساءة في وسائل الإعلام في البلدين، بناء على وساطة من الرئيس السوداني عمر البشير والزعيم الليبي معمر القذافي[12]، صمتت المدافع فجأة كأن شيئـًا لم يكن. والشاهد أن هذه التحولات قد تشير في جزء منها إلى أن النظام وجد في التفوق الكروي النسبي الذي أحرزته مصر على مدى السنوات الأخيرة "مطية طائعة لتخدير الجموع المحبطة، وتعويضـًا سهلا عن إجهاض الأحلام الحقيقية في الحرية وتداول السلطة ومقاومة الفساد وتحقيق الإنجاز"[13].

إن ارتباك السياسة الإعلامية هو الوجه المقابل لإخفاق السياسة الخارجية وانحسار التأثير الثقافي، فلا يمكن لواقع بائس أن يعكس نفسه في مرآة الإعلام صورة زاهية.

وإذا كنا ندين أكاذيب رددتها صحف جزائرية فقدت مصداقيتها وهبطت في لغتها لتصنع مجدها على حساب الحقيقة والعلاقات بين شعبين شقيقين بينهما تاريخ كبير وأواصر لا تزول بسهولة، فإننا مطالبون في الوقت نفسه بإدانة أداء رياضيين – وآخرين من الدخلاء غير المؤهلين- ممن اقتحموا الفضائيات في مصر مسنودين بأموال ونفوذ المستثمرين، لكنهم لم يكونوا على مستوى المهمة، فشتموا وأساؤوا، وتحدثوا عن الجزائريات في فرنسا والغرب بما لا يليق.

وبأسلوب مجاراة القطيع، وقع البعض في مصر في فخ الانجرار وراء من وُصِفوا بأنهم "كتيبة من الجهلة" تجعلنا "نخسر كل يوم المزيد من سمعتنا المهنية والقومية"[14].

هوامش

[1]  أسامة هيكل، مذيع أم مثير، مصدر سابق.
[2] سامر سليمان، الحركة الديمقراطية الصاعدة والوطنية المصرية - إعادة بناء مفهوم الجماعة الوطنية بعيدًا عن بيشوي والعوا ومتعصبي الكرة، مجلة "البوصلة" الإلكترونية، http://elbosla.org/?p=1374، أكتوبر 2010.
[3]  أسامة غريب، الزلنطحية قادمون، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 3 ديسمبر 2009.
[4]  عماد عريان، الجزائر ـ فوبيا‏..!‏، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 2 ديسمبر 2009.
[5]  د. عمرو الشوبكي، الكرة وصفر الإعلام العربي ، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 19 نوفمبر 2009.
[6]  د. إبراهيم السايح، الله يرحمك يا شيخ كشك، جريدة "الدستور"، القاهرة، 28 نوفمبر 2009.
[7]  أمل الحناوي، شهاب يعلن قطع العلاقات الرياضية مع الجزائر، مصدر سابق.
[8]  شريف عاشور، "الخارجية" تصدر بيانـًا يحمّل "الإعلام المأجور" مسؤولية أحداث المباراة.. ثم تسحبه وتنسبه لإدارة الإعلام، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[9]  علي السيد، خطايا الإعلام، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 22 ديسمبر 2009.
[10]  أسامة دعبس، المنتخب الوطني ضحية خلط السياسة بالرياضة.. وإعلام فشل في التعامل مع الأزمة، جريدة "الدستور"، القاهرة، 15 مارس 2010.
[11]  د. عواطف عبدالرحمن، تجليات وتداعيات ما بعد الأزمة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 13 ديسمبر 2009.
[12] Dina Ezzat, Dangerous games, Al-Ahram Weekly, http://weekly.ahram.org.eg/2009/976/eg1.htm, December 10,  2009,
[13]  ياسر عبدالعزيز، مصر مرتبكة، مصدر سابق.
[14]  عمادالدين حسين، لجنة تحقيق، جريدة "الشروق"، القاهرة، 25 نوفمبر 2009.
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator