المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

حبر اليقين








KAM إلى
التي
تتساءل عن عالم التدوين والمدونين: عيونك ترانا..ونحن نشم عطرك
.......................


في عالم التدوين نرى الحقيقة.. وحين نخرج إلى الشارع أو نجلس في مكاتب العمل نلتقي أشخاصا افتراضيين

في الحياة "الافتراضية" التي نعيشها في روتيننا اليومي نغسل وجوهنا فلا نتعرف على أنفسنا إلا بصعوبة بالغة

فقد أرهقنا القناع الذي نرتديه والصمت الذي يتلبسنا حين نكون أحوج ما نكون إلى الكلام

ونحن قد نصمت أحيانا فيفلت منا الحب أو تضيع صرخة الاحتجاج.. يا للغباء المُبتكر‏‏‏‏

من الذي وضع مزلاجا على عيوننا: نحن أم خوفنا من هؤلاء "الافتراضيين" الذين يلتهموننا كذئاب جائعة..نحن أم هؤلاء الحمقى الذين خدعونا فمنحناهم ما لا يستحقون: محبتنا
في يومنا الاعتيادي نسكر أمام البحر وخلف بسمةٍ نبكي..لا يهمنا سوى أن تبقى الصور الزائفة في ألبومنا العائلي: ابتسامة عريضة لا محل لها من الإعراب


في حياتنا التي نحسبها حقيقية نخفي عن أنفسنا أسرار الزيف الذي يحيط بنا كموجة عالية ونحدق في صندوق الشحوب‏‏‏.. ونحاول أن ننسى كم أهدرنا من الوقت لاختلاس قبلة مع أحمق عابر..وكم سكبنا كؤوسا في فراغ الوهم..وكم ضحكنا على نكتة سخيفة حتى لا نحرج أحدا..وكم كممنا أفواهنا وشربنا كبرياءنا كالعلقم حين اشتهى نحل الكون رحيقنا


الصورة تختلف حين نخلو إلى مدوناتنا ونلتقي من نصادق في عالم التدوين


والطيور على أشكالها تقع..تلك حكمة الكون التي تتكرر بدقة


هكذا تصبح الكلمات بوصلة..منارة مضيئة في بحر هائج ليولد منها أصدقاؤنا الحقيقيون الذين يشاركوننا نزع أشواك الصبَّار

أصدقاء ندخرهم لأي أيام وآلام محتملة..نصنع منهم شفاعتنا ومحبتنا وثقتنا في أنهم سيكونون معنا حين نحتاجهم إذا الحزن يمَّمَ وجهَهُ إلينا

صدق وخير..في زمن لا ينتصر فيه الخير إلا في المسلسلات التليفزيونية

الآن نكتشف إساءات من خلطوا في أذهاننا بين اللذة والألم..من خنقوا كلماتنا وقهروا مشاعرنا وألبسوها ثياب السجن ورموا بها خلف قضبان الزنازين التي تسمى مجازا: منازلنا ومكاتب عملنا

حروفنا مرآة تجسد أرواحنا..مثلما تبدو حروقنا وانكساراتنا التي نخفيها مثل مؤدية مسرحية تقف داخل غرفتها في الكواليس لتراقب وجهها وتعدّل في تعابيره حتى تقنع الجمهور بتفوقها .. في التمثيل


هناك فرق إذا بين بصر الحياة..وبين بصيرة التدوين


هناك تهب روحك لهزيمة..وهنا تخدش بأظفارك وجه الحقيقة

هناك نتعايش على حساب أعصابنا مع من يتبادلون الشاي والقهوة والصور الجماعية.. لكنهم يخفون في حقائب اليد وجيوب السترة خناجر مدببة اسمها الغدر والخيانة..إلا من رحم ربي


هنا نقيم لأنفسنا وأصدقائنا أبجدية من الضوء الذي يهدي ولا يصيبنا بالعمى المؤقت


هناك نكتشف متأخرا أننا عشنا حياة تراكمت في غفلة منا..ترتمي على جوانبها تذكارات لأشخاص كانوا يتسلون ويقتلون الوقت بنا

هنا نكون طبيعيين وحقيقيين وصادقين.. لا نخجل من ضعفنا.. ولا نتحرج من أسرارنا

هنا نخلع عن أنفسنا ملامحنا الجاهزة كالمعلبات وثيابنا التي نختبئ داخلها في ساعات النهار

نصبح عراة..نعم..لكننا الآن فقط حقيقيون وصادقون

والكتابة أنثى الفطرة.. إن أحبت بصدق ونالت حقها من الاحترام لا تعرف الخيانة طريقا إليها..وتتجنب المشي في سراديب الوهم والغواية

التدوين نافذة نطل منها على الآخرين لعلنا نرى أنفسنا بشكل أفضل

وعلى وجه مدوناتنا تظهر ملامحنا التي حاول الآخرون طمسها..وتنتهي لعبة التواطؤ التي مارسناها طويلا يتساءل البعض: لكننا لا نراكم

متى كانت الرؤية هي اليقين؟

الكلمات هي الحبر الوحيد ليقيننا..هي الريشة التي تطير فتتحول إلى فراشة ملونة وحين تهبط على قلوبنا لا تحتاج مظلة..فهي تعرف بالضبط مرفأ الخفقة التي يهتز لها كياننا وتجتاحنا بطوفان نرفع له راية الاستسلام ونغمض عيوننا ونبتسم في خدر لذيذ

في التدوين نحكي ونبوح ونتطهر.. وتمتد لنا أيدي الصادقين لتمسح على وجوهنا برفق وحنو

أجمل ما في محبة المدونين أنها لا تطلب ثمنا..لا ترغب في أسمائنا وأجسادنا ولا تلهث وراء شهرتنا أو جيوبنا.. هم فقط يحبوننا

كلماتهم تعانقنا وتقدم لنا دعوة مفتوحة للبكاء على قمر أكتافهم وقتما نريد

وعندما تعانق كلماتنا فضاء التدوين تولد مجرات وأفلاك جديدة..ونصبح أكثر عافية وعنفوانا..تظللنا سماء صافية نحني ظهورنا في تواضع حتى لا نخالط زرقتها

كأن كلماتنا جسور من المحبة تفتح عيوننا وعقولنا على هدية ثمينة: الوعي

وعندما ندون بحبر القلب ونصطاد فراشات المعنى نشعر بالسعادة‏‏‏‏‏‏‏ لأن السنونو اختارنا‏‏‏‏‏‏‏ وبنى عشّاً فوق شبّا‏كنا


الآن نتخلص من حصان خشبي اسمه: أقنعة الحياة..الآن تحطم الأسماك حوض الزينة وتخرج عن صمتها بفضل نقرات خفيفة فوق لوحة الحروف

الآن فقط نملك حياة تكفي لقراءة الكتب التي تنتظرنا.. ومعرفة الناس الذين يحبوننا بصدق

تدوينة بعد أخرى..نرفعُ بحذرٍ طرْفَ الرصيفِ القديم‏‏‏ كي نطمئن على أحلامنا المخبأة ونطعم عصافير الثلج من مناقيرها فتات قلوبنا

أخيرا تصبح لنا قلوب

تابع القراءة

gravatar

ثرثرة العوامات..المكان بطلا







عالم العوامات التي تنام على ضفاف نهر النيل يخلط بين التاريخ وعلم الاجتماع..وبينهما ترقد السياسة


أسرار كثيرة تحملها قلاع السهر التي ترتمي في أحضان النهر الخالد.. بداية من العوامة رقم سبعة وسبعين أشهر العوامات في الوقت الحاضر والتي تمتلكها سيدة تدعى إخلاص حلمي وتستضيف فيها القطط..وانتهاء بالعوامة رقم عشرين في نهاية كوبري إمبابة والتي كانت ملكا للفنان صلاح السعدني

وكم شهدت العوامات من أسرار تحول معها المكان إلى بطل والأشخاص إلى كومبارس


فعوامة الراقصة بديعة مصابني كانت تقع أمام فندق شيراتون القاهرة في فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي..وكان يجتمع فيها صفوة أهل الفن في ذلك الحين مثل محمد عبد المطلب، وتحية كاريوكا، وسامية جمال، وأسمهان، وفريد الأطرش في بدايته، بالإضافة إلى عدد كبير من السياسيين لدرجة أنه كان يقال وقتها إن الحكومة تتشكل في عوامة بديعة مصابني. كما كان الصحفيون يلتقطون أخبار الفنانات والراقصات من هناك


والراقصات كن يعتبرن العوامات بيتهن الثاني الذي يؤدين فيه وصلاتهن الراقصة..ومن أشهر هؤلاء الراقصات ملكة العوامات حكمت فهمي

كانت حكمت فهمي تغني وترقص في نادي (كيت كات) في القاهرة لجنود القوات البريطانية.. وتعود لتنام في عوامتها على شاطيء النيل في إحدى مناطق الزمالك.. وبدأت نشاطها التجسسي بمدّ الجاسوس الألماني يوهان إبلر بالمعلومات التي تحصل عليها من الضباط الإنجليز ليرسلها بدوره إلى الجنرال روميل الذي كان يقاتل الإنجليز عند العلمين. وكانت الجاسوسة حكمت فهمي تتخير من كبار الضباط عدداً من الذين يميلون إلى الثرثرة بعد تجرع كؤوس الخمر وتدعوهم لتكملة السهرة عندها في العوامة.. وكان معظم الضباط الذين على صلة بالجاسوسة الراقصة على قناعة تامة بأن حكمت فهمي -التي أطلقوا عليها"جاسوسة روميل"- مخلصة بل متحمسة للجيش البريطاني الثامن في حربه ضد الألمان

وفي عوامة جاسوسة روميل سقط الجاسوسان الألمانيان يوهان إبلر وهنريتش غيرد ساندستيت
فقد عاش هذان الجاسوسان في عوامة حكمت فهمي..ودأبا على السهر ليلا في الكيت كات والعودة مخمورين قرب الصباح إلى العوامة التي اتخذا منها محطة للإرسال يتصلان عن طريقها بقيادة المخابرات الألمانية

وداخل هذه العوامة أيضا بدأ تعاون أنور السادات مع هذين الجاسوسين في إصلاح وتشغيل أجهزة الإرسال التي تصل عوامة حكمت فهمي بمركز المخابرات الألمانية في الصحراء الغربية. ويشير السادات في كتابه "صفحات مجهولة" وليونارد موزلي في "القط والفئران" وعبد المغني سعيد في "أسرار السياسة المصرية في ربع قرن".. إلى تفاصيل غريبة عن الحياة التي كان يعيشها إبلر وساندستيت ويحاولان بها تقليد أساطير شهريار..مع اختلاف واضح هو أن وليمة الجاسوسين كل ليلة كانت من بنات الهوى
لكن وكر التجسس انكشف أمره بعد أن أبلغت غانية فرنسية تدعى إيفيت عن إبلر - وكان معروفا في مصر باسم "حسين جعفر"- الذي أعطاها ببذخ عشرين جنيهاً أسترلينياً أجرا عن ليلتها وتخلى عن حذره أمامها..فوشت به إلى أجهزة المخابرات. وكانت النتيجة أن ألقي القبض على إبلر وساندستيت وحكمت فهمي..والسادات وزميله حسن عزت اللذين طردا من الجيش في الثامن من أكتوبر تشرين أول عام ألف وتسعمئة واثنين وأربعين وجرى ترحيلهما إلى سجن الأجانب ثم إلى معتقل قرب مدينة المنيا
كما جرى تصوير العديد من الأفلام على ظهر العوامات..إذ تم تصوير فيلم "أيام وليالي" بطولة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ على ظهر عوامة كان يمتلكها حسين باشا شكري. وأدى الفنان أحمد زكي مشهدا من فيلم "أيام السادات" للمخرج محمد خان على ظهر عوامة موجودة حاليا على طريق إمبابة- الكيت كات..وعلى ظهر العوامة رقم سبعة وأربعين صور الفنان الكوميدي محمد هنيدي مشهدا من فيلم "صعيدي في الجامعة الأمريكية" للمخرج سعيد حامد.. كما صور الفنان عادل إمام مشهدا من فيلم "السفارة في العمارة" إخراج عمرو عرفة على ظهر العوامة رقم اثنين وخمسين..وصورت المطربة غادة رجب أغنية عاطفية على ظهر العوامة نفسها

وفي "العوامة 70" قدم المخرج خيري بشارة بأسلوب يجمع بين التوثيق والصنعة السينمائية قصة مجتمع بأكمله..يعاني بطلاه أحمد زكي وتيسير فهمي مشكلات بالجملة وكأنهما يمثلان جيل السبعينيات الذي ظل يراوح مكانه لظروف أغلبها خارج إرادته

لكل عوامة شخصيتها ولونها وشبابها أو كهولتها.. ووجوه آدمية تتراءى في نوافذها..هكذا يقول الأديب الكبير نجيب محفوظ الذي كان من أبرز عشاق العوامات. وكان يقيم في الدور الثاني من عوامة حسين دياب باشا وعاش فيها لمدة خمسة وعشرين عاما أنجب فيها ابنته الكبرى..وكتب "ثرثرة فوق النيل" و"أولاد حارتنا" و"اللص والكلاب" و"السمان والخريف"..قبل أن يودع حياة العوامات إثر حادث غرق طفلة من شرفة إحداها




وفي الجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ تطلب زنوبة من عشيقها السيد أحمد أن يجعلها تقيم في عوامة راسية على ضفاف النيل تحت كوبري الزمالك..في هذا الجزء نرى كيف دأب السيد أحمد على القيام برحلات متكررة إلى العوامة الخاصة للقاء معشوقته الشابة..وداخل عوامة رجب القاضي أحد أبطال "ثرثرة فوق النيل" ارتكبت كل الموبقات وغزا دخان الحشيش أجواء الغرف.. وامتزجت روائح العطورالنسائية بروائح أشجار الأكاسيا والجازورينا والكافور التي تمتد على طول الشاطيء..في هذه العوامة انكشف المستور وعمت حالة من الغيبوبة والانحلال والهروب من الواقع الذي كانت تعيشه مصر آنذاك.. صراع يجمع بين المرارة والإحباط والسخرية..شارك فيه عادل أدهم وعماد حمدي وأحمد رمزي وصلاح نظمي وسهير رمزي وميرفت أمين وماجدة الخطيب ونعمت مختار

وبالمناسبة فإن حافظ إبراهيم قد سمي باسم "شاعر النيل" لأنه ولد في عوامة على النيل حوالي عام ألف وثمانمئة واثنين وسبعين

تاريخ المشاهير من الأدباء والفنانين مع العوامات انتهى في منتصف ستينيات القرن العشرين بقرار من وزير الداخلية المصري سابقا زكريا محيي الدين..فقد كان البكباشي زكريا محيي الدين يمارس رياضة التجديف في النيل كل جمعة وكانت العوامات تضيق مجرى النيل فأصدر قراراً في عام ألف وتسعمئة وستة وستين بنقل جميع العوامات من الزمالك والعجوزة إلى منطقة إمبابة

وسرعان ما تقرر نقل خمس وستين عوامة من شاطئ العجوزة إلى إمبابة وإعدام سبع وثلاثين عوامة أخرى..ومع مرور الزمن لم يتبق من خمسمئة عوامة سوى ثلاث وعشرين.. فقط تسع عوامات منها مرخصة
الفرمان الوزاري لم ينل استحسان الأثرياء والباشوات الذين رفضوا الانتقال إلى المنطقة التي اعتبروها شعبية فاضطروا إلى بيع عواماتهم بمبالغ ضئيلة أو تركها لمصيرها القاتم ..مثل عوامة المطرب فريد الأطرش التي كانت تتألف من طابقين على الطراز العربي واعتبرت المكان المفضل له لمقابلة أصدقائه من الفنانين والفنانات..وعلى ظهرها لحن أجمل أغنياته خاصة أغنية "حبيب العمر". وقد توقع البعض أن تتحول هذه العوامة إلى متحف لكن ورثته لم يهتموا بصيانتها والحفاظ عليها بعد وفاته..حتى أنهم امتنعوا عن تسديد الرسوم المطلوبة عليها لأجهزة الدولة فتحولت إلى كهف مهجور مما اضطر شرطة المسطحات المائية إلى سحبها من الماء نهائياً وتفكيكها وبيعها خردة عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين
وامتلك الفنان محمد الكحلاوي في أربعينيات القرن الماضي عوامة اعتاد أن يسهر فيها مع جمع من الفنانين والصحفيين والأصدقاء.. وفي بعض الأحيان كان ضيوفها من المغنين والراقصات. وكان ذلك قبل أن يصبح الكحلاوي "مداح النبي". وفي عوامة الكحلاوي وسهراتها خرج مشروعا فيلميه "كابتن مصر" و"أحكام العرب"

وكانت العوامة رقم خمسة وسبعين ملكا للفنان نجيب الريحاني لكنها غرقت بعد أن رفض الورثة إصلاحها..أما العوامة رقم ستة وستين فكانت تملكها الفنانة منيرة المهدية..وقد اشتهرت هذه العوامة بأنها كانت مقصد كبار المسؤولين ورؤساء الحكومات في عهود مضت. وقد قالت في تصريحات لها قبل وفاتها: "لو فكر صحفي أن يسترق السمع إلى صالوني في تلك الفترة لاستطاع معرفة أخبار البلد ولكن أحداً لم يفكر يومها أن مجلس الوزراء ينعقد في عوامتي"
وتقول منيرة المهدية في مذكراتها إن رئيس الوزراء آنذاك حسين رشدي باشا - الذي شكل أربع وزارات متعاقبة بدءا من الخامس من أبريل نيسان عام ألف وتسعمئة وأربعة عشر وانتهاء بتاريخ التاسع عشر من مايو أيار عام ألف وتسعمئة وتسعة عشر- كان يجتمع مع وزرائه في العوامة ويتخذون القرارات الخاصة بشؤون البلاد.."وكان يقول لي رشدي باشا "أنا لما بأحضر هنا بالي بيروق"..وقال لمنيرة المهدية "إنك تستطيعين الحصول على الاستقلال لمصر" بأغنية من أغنياتها..ويقال إنه على أنغام أغنية "يا حبيبي تعالى بالعجل" كان الوزراء والساسة يناقشون تطورات الوضع في مصر المحروسة
وبلغ عشق منيرة المهدية لعوامتها أنها في عام ألف وتسعمئة وثلاثة وستين باعت فيلتها بمنطقة مصر الجديدة بمبلغ ستة آلاف جنيه وسيارتها وجاءت لتعيش في العوامة..لكنها تركت الماء وعادت إلى البر مرة أخرى بعد أن غرقت عوامة جيرانها

وقضى الملك فاروق سهرات صاخبة مع عشرات الحسناوات على ظهر إحدى العوامات..بل إن إسماعيل صدقي رئيس الوزراء الداهية الذي أبطل دستور عام ألف وتسعمئة وثلاثة وعشرين كانت له حكاية وهو في سن الأربعين مع العوامات..ففي عام ألف وتسعمئة وخمسة عشر قدم صدقي ـ وكان وقتها وزيرا للأوقاف ـ استقالته نتيجة فضيحة أخلاقية..حيث وصلت إلى الشرطة بلاغات تفيد بأن العوامات على النيل وخاصة عوامة وزير الأوقاف يحدث بها ما يشين ..فاقتحم رجال الشرطة العوامة ليجدوه في وضع مريب مع فتاة شابة كانت ابنة أحد زملائه الوزراء والتي انتحرت بالسم بعد إطلاق سراحها من القسم..ووصل الموضوع إلى السلطان حسين الذي استدعى صدقي وعنفه ليستقيل الأخير نتيجة هذه الفضيحة

هنا يرن في آذاننا تعريف نجيب محفوظ للعوامات بأنها " الحبال والفناطيس والزرع والطعام والمرأة"
ولم تغب العوامة والحال على ما نقول عن ذهن شاعر العامية المصرية أحمد فؤاد نجم إذ يقول في قصيدته "جيفارا مات" التي لحنها وغناها الشيخ إمام عيسى: "يا بتوع نضال آخر زمن ف العوامات.. ما رأيكم دام عزكم.. جيفارا مات"
الأضواء المتلألئة من العوامات الرابضة على صفحة مياه النيل تتحدى الظلام المحيط بها..وتحكي عن قصص لا تنتهي ومغامرات تفوق حدود الخيال لأبطال هذا العالم الخاص. والملف الذي فتحته قصة سقوط ما أطلقت عليه أجهزة الأمن المصرية اسم التنظيم المتهم بازدراء الأديان بعد مداهمة حفل لعدد من الشباب على ظهر العوامة " ناريمان كوين" -التي تملكها عارضة أزياء معتزلة- أكثر إثارة وغموضا مما اعتقده كثيرون

ففي هذه العوامة التي تستقر أمام فندق "ماريوت" في حي الزمالك ظهر في مايو أيار من عام ألفين شاب ألماني تصنفه مباحث الآداب على أنه واحد من تنظيم "عبدة الشيطان".. ثم جاء مايو أيار من عام ألفين وواحد ليشهد إعلان أجهزة الأمن أنها ضبطت تنظيما لمتهمين بالمثلية دأب أفراده على اللقاء في هذه العوامة كل يوم خميس..غير أنه جرى لاحقا تبرئة ساحة كثير من هؤلاء المتهمين
عوامات النيل تتبع ثماني جهات مختلفة: إدارة الملاحة..الوحدة المحلية بالجيزة..إدارة حماية النيل..شرطة المسطحات المائية..وزارة الري..أملاك الدولة..الصرف الصحي..وزارة السياحة

وهكذا تفرق دمها بين القبائل





يتعين أن نشير إلى أن هناك نوعين من العوامات: نوع ثابت لا يتحرك من مكانه.. وهو عادة يكون من الخشب مكون من طابقين ومهيأ للسكن تماما..النوع الثاني من العوامات يحتوي على محرك ينتقل بها من مكان إلى مكان.. وكان أصحاب مثل هذا النوع من العوامات يتجهون بها إلى الشواطئ خلال فصل الصيف خاصة مصيف رأس البر..وكان هذا النوع يعرف باسم "الدهبية"

العوامات التي كانت مسرح غناء شريفة فاضل وألحان فريد الأطرش ونكات نجيب الريحاني..طالتها الآن يد العشوائيات أو امتلكها خليجيون مثل سعيد فارس أمين مدينة جدة السابق لتصبح غامضة ومحاطة بالسرية والكتمان..في حين لجأ البعض إلى تأجيرها على طريقة البنسيون أو منحها لطالبي السهرات الخاصة بعيدا عن العيون الفضولية والمتطفلة.. لتبدأ في تلك الليالي حكايات أخرى عن السرقة والشذوذ والقتل

هنا فقط يتذكر الجميع - من رجال الشرطة إلى عامة الناس- أن العوامات مازالت تطفو على سطح نهر النيل وترسو بكل ما تحمله من أسرار وحكايات مذهلة تتحدى الزمن..والشائعات
تابع القراءة

gravatar

في قارب الجسد









الأماكن ليست جغرافيا..الأماكن تاريخ

وحين تكون في مكان ما فإن ذاكرتك تحفظه وتستدعيه وفقاً للتجربة التي عشتها والأشخاص الذين اقتسموا معك تلك الوقائع والانفعالات

والذاكرة تلتحف أحياناً باللحظة المدفونة تحت جلودنا وتتغطى بالوميض فتمسي معانقتها معانقةً لقطعة من الليل موشومة بالنار

وللجسد أيضاً ذاكرة
المفارقة أن ارتباط الذاكرة بالجسد يصل إلى حد أن الشخص الذي يتم بتر أحد أطرافه يظل عقله مقتنعاً بوجود هذا العضو المبتور حتى إن العقل قد يبعث رسائل لتحريكه فيكتشف غيابه


كلنا ذلك الجسد..كلنا ذلك الصمت الذي يتكلم لغة خاصة


نتخيل الجسد تمثالا من الأسرار المطبقة والحواس التي فقدت ذاكرتها لحظة مولدها

لكن الجسد يتذكر.. لا تنسى أعضاؤه لحظة ألم أو شهقة رغبة أو ارتعاشة سببها الارتباك
يختزن جسمنا القصص والتجارب..يدرك الفارق بين لمسة حانية وأخرى جانية تنسل إلى عالمنا وتتلصص داخلنا بغير استئذان.. ويعرف المسافة بين عين ملؤها الشوق ونظرة خبيثة تريد أن تقتحم وتلتهم وتجلد بسياط لا حد لقسوتها

والمرأة لا تنسى أبداً يداً قاسية هيأتها للمذلة

وقد تتوقف وأنت تتصفح المدونات عند شجون نساء يستدعين من الذاكرة الجريحة قصصاً تركت ندوباً لا تمحى عن أياد عابثة امتدت إلى أجسادهن الطرية لتهتك تلك البراءة وتسرق الثمار

تقرأ عن الطبيب الذي يقبض بيد من جمر على ثدي صبية قيد الفحص الطبي -والثديان مراهقان تحت شجرة لوز مزهرة- فتشعر الصبية بالمهانة وتكره رمز أنوثتها.. وتطالع قصة تلك الفتاة التي تقول عن أب ذئب ـ وما أصعب أن تعيش مع ذئب تحت سقف واحدـ إنه هتك عرضها ثلاث مرات على مدى عشر سنوات. في المرة الأولى أمسكها الأب الثمل "بفظاظة وشد جسدي نحوه ممسكاً بي بإحكام، وأخذ يقبل فمي ويضغط عليه مداعباً بلسانه، وطعم لعابه الكريه..أشعر بالغثيان من هذا الوصف"..وفي مرة ثانية كرر محاولة تقبيل الابنة بالقوة وهي تعد له القهوة في المطبخ.. قبل أن يجرؤ في المرة الثالثة على ما هو أكثر دناءة..إذ تقول الفتاة وهي تتذكر تلك اللحظات العصيبة: "لمس نهدي آتياً من الخلف. شبهت ردة فعلي آنذاك بصعقة كهربائية..أشعر الآن برغبة في أن أقتلع نهدي لأتخلص من هذا الاشمئزاز"

مدونة ثالثة تعرضت على امتداد سنوات لاعتداء أبشع اقترفه أحد أفراد العائلة..قتلها مجرم من أهل البيت فأدمنت المهدئات ومضادات الاكتئاب وقررت ألا تنجب أطفالاً تأتي بهم "إلى هذه الحياة الحقيرة".. وحاولت مراراً الانتحار كما خضعت لعلاج نفسي. وضع كارثي تقول عنه: "سأعيش هكذا دوماً في السر، هاربة إلى أبد الآبدين..أحسست بالذنب وقتها وما زلت أفعل في قرارة نفسي مع أنني كنت طفلة وهو المعتدي البالغ"

انظروا حجم الأذى الذي لحق بذاكرة الجسد..وتأملوا


وفي بحر اللذة قد يغفو الجسد بين عبارة لامعة وجرعة من العرق الحار ..فلا ينسى..وكيف ينسى وليل الرغبة ارتقاء إلى الهاوية؟


وكيف تنسى الأصابع كيف دارت يوماً في فلك خصر يلتف حوله شال من الغواية ليحكي عن بساتين مشتهاة ومساءات الفل والياسمين


اللمسات التي تبحث عن بوابة للشوق تبدو كأنها خيال الضرير..ترى ما لا نراه وتشاغب في النور بعد استئذان العتمة

وحين نلمس الحبيب نركض في هاوية النسيان

لا شيء أجمل من أصابعك وهي تحط بمهارة على أحد مطارات امرأتك..لا شيء أشهى من أناملها وهي تدسها في المسافة الفاصلة بينكما. ساعتها تطفيء المصابيح لتصبحا مصدر الضياء في الكون

واليد التي تتوعد الخصوم بقبضة تلوح في الهواء أو إشارة بذيئة بالأصابع.. ترق وتصبح نهراً من حنان إن هي ضمت حبيباً أو خليلة.. حينها تنبت في اليد أصابع إضافية تشد المدائح إلى الحبيبة.. ونحتاج أكثَرَ مِنْ جَسَد لنظللها مثل شجرة الحور ونظل ممتدين حولها كما الأسرار

واليد يضعف تأثيرها..ما دامت اليد الأخرى غائبة

والجسد يجتر دائماً اللحظات المرتبكة..من لمسة لا يطمئن إلى براءتها وضغطة على الذراع من شخص توهمنا أننا يمكن أن نثق به..لكن حواسنا وأجسادنا تحفظ أيضا رحلة استكشاف جسد الجنس الآخر في غفلة من عيون الأهل على طريقة أغنية فيروز


فايق لما راحوا


أهالينا مشوار

تركونا وراحوا

وقالوا ولاد صغار

ودارت فينا الدار
ونحنا ولاد صغار




والأذن التي تصغي إلى كلمات الحب كأنها حلزون صغير تحفظ تاريخ النزوات المرسومة على جدار القلب..مثلما تذكر لفظاً نابياً وكلمة جارحة بعد أن يدور الكون دورة كاملة حول نفسه


والذين أنصتوا لعاصفة الرغبات الكامنة استثنتهم ريح الوجد من رحمتها


الصوت الهامس في الأذن يخترق مفازات الدهشة والأحلام.. يصب جمر العشق في الحنايا لظى.. يكتوي بالحرمان من قرب من نهوى

حالة فريدة يلخصها صلاح جاهين في إحدى رباعياته المدهشة


صوتك يا بنت الإيه كأنه بدن

يرقص يزيح الهم يمحي الشجن

يا حلوتي وبدنك كأنه كلام

كلام فلاسفة سكروا نسيوا الزمن

عجبي

والأذن التي تعشق قبل العين أحياناً ترسم الصور التي تداعب المخيلة..من هنا كانت وسيلة المبدعين للتعبير عن مغارات خفية في النفس البشرية..من رواية "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست إلى "مائة عام من العزلة" لغابرييل غارثيا ماركيز إلى "المسيح يصلب من جديد" لنيقوس كازانتزاكيس.. ومن رواية "المتنصتون" التي فتح فيها الروائي أحمد والي عيون وآذان القراء باللغة العربية على أسرار مدهشة في عالم أصوات الرغبة.. إلى رواية جمال الغيطاني "وقائع حارة الزعفراني" التي تكاد تكون رواية حول الأصوات..مرورا برواية محمد البساطي "أصوات الليل" ورواية الميلودي شغموم "خميل المضاجع"

والعين التي تراقب بشغف وتغازل في نزق وتؤنب في حدة.. لها نصيب من الأسرار والذكريات ..وفي كل حال تملك ما تحكي عنه في صمت بليغ..فالنظرات التي اصطادتنا على غفلة منا تحلم بمزاوجة البنفسج والقرنفل.. والمشهد الذي صدمنا يظل حكاية مفزعة تخرج لنا من صناديق الثياب المنسية وقبور الماضي الذي نتوهم أننا دفناه

والعين عدسة تحفظ أسماء العاشقين ومكائد الحاسدين وحيل المتآمرين.. ولا تنسى المحاجر التي هزمها القهر..مثلما تحفظ العينان النظارات الطبيَّة الموبوءة بالقراءة

العين وحدها مرآة الروح التي تفضح حال صاحبها وتشي بأشواقه وأفراحه مثلما تقول لنا إن كان يسير الآن على سجادة الأحزان
‏‏
وما أدراك ما ذاكرة الرائحة؟ ‏‏
‏‏
تلك التي تراها في فيلم "عطر امرأة" الذي منح آل باتشينو جائزة الأوسكار الوحيدة في خزانته مثلما تلاحقك عبر صفحات روايات "العطر" لباتريك زوسكند و"رائحة البرتقال" لمحمود الورداني و"تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم التي وصفها يحيى حقي يوماً بجملة "هذا الأدب المقرف"

من عطر من نحب الذي نتوهم أنه ملتصق بثيابنا وحواسنا.. إلى ألفة الرائحة المشتهاة التي نتقاسمها مع أحبتنا لنجعل الدنيا نافورةً من الريش الأبيض وسريراً من الملاءات النظيفة..وصولا إلى رائحة البيوت القديمة والكتب الخارجة لتوها من المطابع.. والذاكرة تشم رائحة الخبز الطازج الذي يوقظ الجوع داخلنا..ورائحة المطر التي تغسل أوراق الشجر وبقايا الأحزان المطوية


للشفاه ذاكرة حادة..فالمرأة تتذكر القبلة الأولى بامتنان أو شعور بالغثيان قد يرافقها طوال سنوات عمرها.. إلى أن يأتي من يملك المحبة والدربة والصبر حتى يفك الرموز المستعصية لحادثة تضرب بجذورها في الأعماق


ونحن لا ننسى أبداً تلك الشفاه الممتلئة والأفعوانية التي احتوتنا أو احتويناها لتتمطى أمامنا كأنها الأفق الذي يغلفنا مثل موسيقى.. لحظتها يغمرنا الماء على علو دوامة غامضة..ونمشي على حواف البحر ما بين مد وجذر من الملاطفات والتمتمات والقبلات

الفم المجنون يتذكر الشبق والجوع.. في كلتا الحالتين يتحول اللسان إلى تنين يدور كصبي تائه في الموالد
حتى ظهورنا التي تقوست وانحنت في مواجهة السنوات العابرة بسرعة البرق لا تنسى ذلك الطفل الذي يعود كعادته من المدرسة وهو يحمل على ظهره حقيبة مثقلة بالكتب..وفي وجهه عينان مثقلتان تلعنان المكان الذي يجبره على حمل ما ينوء به وزنه وعمره الغض

ذاكرة الكيان الذي يرتدينا ونرتديه دوماً طازجة..تلملم قصاصات العمر التي تناقلتها ممرات الرتابة وتسرد الوقائع بصيغة المضارع لنستعيد الماضي كاملاً في كل ثانية..ومع كل إحساس نعيشه
والجسد يا أحبائي قارب غارق لا محالة في نهر الوقت
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator