المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

أشهر الخونة في تاريخ مصر (2): مراد بك..الطاعون يقتل الطاعون




"كان يغلب على طبع مراد الخوف والجبن مع التهور والطيش والتورط في الإقدام مع عدم الشجاعة.. وكان من أعظم الأسباب في خراب الأقاليم المصرية"
عبد الرحمن الجبرتي


حياةٌ غريبة عاشها مراد بك الذي قال عنه الجبرتي في نعيه في وفيات أبريل نيسان عام 1801 "أنه كان من الأسباب في خراب الإقليم المصري بما تجدد منه ومن مماليكه وأتباعه من الجور والقصور، ومسامحته لهم فلعل الهم يزول بزواله"

حياة هذا الرجل سلسلةٌ لا تنتهي من الخيانات، لم يخلص أبداً طوال عمره لوطنٍ أو دين أو مبدأ.. انتماؤه الوحيد كان لمصلحته هو وحسب

بدأ مراد حياته كأحد مماليك علي بك الكبير، وكان من قادة جيوش علي بك التي ذهبت إلى الشام لضمها إلى الدولة المصرية، ولكنه خان سيده، وقاتل علي بك الكبير إلى أن مات على يد قوات محمد بك أبو الدهب، الذي أصبح الحاكم لمصر وسعى لتثبيت الحكم العثماني واسترضاء السلطان العثماني ولكنه لم يمكث إلا ثلاثة أعوام مات بعدها فجأة, ثم تولى إبراهيم بك الحكم وتقاسم بعض سلطاته مع مراد بك (1790-1798) دون الدخول تحت طاعة الباشا الذي عينه السلطان العثماني

ويحكي عبد الرحمن الجبرتي ("عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، الجزء الثاني) عن واقع الحكم المشترك فيقول: "وعكف مراد بك على لذاته وشهواته وقضى أكثر زمانه خارج المدينة مرة بقصره الذي أنشأه بالروضة وأخرى بجزيرة الذهب وأخرى بقصر قايماز جهة العادلية كل ذلك مع مشاركته لإبراهيم بك في الأحكام والنقض والإبرام والإيراد والإصدار ومقاسمة الأموال والدواوين وتقليد مماليكه وأتباعه الولايات والمناصب وأخذ في بذل الأموال وإنفاقها على أمرائه وأتباعه فانضم إليه بعض أمراء علي بك وغيره ممن مات أسيادهم كعلي بك المعروف بالملط وسليمان بك الشابوري وعبد الرحمن بك عثمان فأكرمهم وواساهم ورخص لمماليكه في هفواتهم وسامحهم في زلاتهم وحظي عنده كل جريء غشوم عسوف ذميم ظلوم فانقلبت أوضاعهم وتبدلت طباعهم وشرهت نفوسهم وعلت رؤوسهم فتناظروا وتفاخروا وطمعوا في أستاذهم وشمخت آنافهم عليه وأغاروا حتى على ما في يده واشتهر بالكرم والعطاء فقصده الراغبون وامتدحه الشعراء والغاوون وأخذا الشيء من غير حقه وأعطاه لغير مستحقه‏"

إلا أن شريكي الحكم فوجئا بحملةٍ عسكرية أرسلها عبد الحميد الأول بقيادة حسن باشا الجزايرلى فقاوما هذه الحملة، غير أن حسن باشا انتصر عليهما, وحتى يكسبهما إلى جانبه أعطاهما حكم المنطقة الواقعة ما بين برديس - قرب سوهاج- حتى شلال أسوان

غير أن المماليك حشدوا صفوفهم وهيأوا الفرصة لإبراهيم بك ومراد بك للعودة إلى القاهرة والسيطرة على البلاد مرة أخرى. وآل بعدها إلى مراد بك وإبراهيم بك منصب شيخ البلد، وكان شيخ البلد حينها هو الحاكم الفعلي لمصر

فتحت السلطة شهية مراد بك لكي يبدأ عهد المظالم ضد المصريين

ويروي الجبرتي في
يومياته بأن أمراء مماليك اعتدوا على بعض فلاحي مدينة بلبيس فحضر وفد منهم إلى الشيخ عبد الله الشرقاوي وكان شيخاً للأزهر وقتها، وقدموا شكواهم له ليرفع عنهم الظلم. غضب الشرقاوي وتوجه إلى الأزهر, وجمع المشايخ، وأغلقوا أبواب الجامع، وأمروا الناس بترك الأسواق والمتاجر. واحتشدت الجموع الغاضبة من الشعب. فأرسل إبراهيم بك شيخ البلد لهم أيوب بك الدفتردار، فسألهم عن أمرهم. فقالوا: نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع وإبطال الحوادث والمكوسات (الضرائب). وخشي زعيم الأمراء مغبة الثورة فأرسل إلى علماء الأزهر يبريء نفسه من تبعة الظلم، ويلقيها على كاهل شريكه مراد بك. وأرسل في الوقت نفسه إلى مراد يحذره عاقبة الثورة، فاستسلم مراد بك ورد ما اغتصبه من أموال، وأرضى نفوس المظلومين. لكن العلماء طالبوا بوضع نظام يمنع الظلم ويرد العدوان

واجتمع الأمراء مع العلماء، وكان من بينهم الشيخ السادات وعمر مكرم والشيخ الشرقاوي والشيخ البكري والشيخ الأمير. وأعلن الظالمون أنهم تابوا والتزموا بما اشترطه عليهم العلماء. وأعلنوا أنهم سيبطلون المظالم والضرائب والكف عن سلب أموال الناس والإلتزام بإرسال صرة مال أوقاف الحرمين الشريفين والعوائد المقررة إليهم وكانوا ينهبونها. وكان قاضي القضاة حاضراً، فكتب على الأمراء وثيقة أمضاها الوالي العثماني وإبراهيم بك ومراد بك شيخا البلد

وعندما وصل جنود الحملة الفرنسية غرب مدينة الإسكندرية في 2 يوليو تموز عام 1798 زحفوا على المدينة واحتلوها بعد مقاومة من جانب أهلها وحاكمها محمد كريم دامت ساعات. وبعد ذلك أخذ نابليون يزحف على القاهرة بطريق دمنهور، حيث استطاع الفرنسيون احتلال مدينة رشيد في 6 يوليو تموز ووصلوا إلى الرحمانية وهي قرية على النيل

وفي تلك الأثناء، كان المماليك يعدون جيشاً لمقاومة الجيوش الفرنسية بقيادة مراد بك حيث التقى الجيشان بالقرب من شبراخيت في 13 يوليو تموز، إلا أن الجيوش المملوكية هُزِمَت واضطرت إلى التقهقر فرجع مراد بك إلى القاهرة

وعن هذه الموقعة يقول الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار": "التقى العسكر المصري مع الفرنسيس فلم تكن إلا ساعة وانهزم مراد بك ومن معه ولم يقع قتال صحيح وإنما هي مناوشة من طلائع العسكرين بحيث لم يقتل إلا القليل من الفريقين واحترقت مراكب مراد بك بما فيها من الجبخانة والآلات الحربية واحترق بها رئيس الطبجية خليل الكردلي"
ثم بدأ الإعداد لجولةٍ ثانية وحاسمة بين الجيشين




كانت قوات مراد بك تمتد من بشتيل وإمبابة إلى الأهرامات وكان جيشه يتألف من نحو خمسين ألفاً من المماليك وممن انضم إليهم من الانكشارية وغيرهم، هذا عدا العربان الذين تألفت منهم إلى حد كبير ميسرة الجيش الممتدة من الأهرامات (د. محمد فؤاد شكري، الحملة الفرنسية وظهور محمد علي، مطبعة المعارف ومكتبتها بمصر، ص 138). غير أن جيش مراد بك كان يعاني من سوء التدبير وإهمال أمر العدو‏، فضلاً عن الجفاء الواضح بين مراد بك وإبراهيم بك بسبب التنافس القديم على السلطة (عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية، ج 1، ص 421

التقى كلٌ من الجيش الفرنسي والجيش المملوكي مرة أخرى في موقعة إمبابة أو موقعة الأهرام، حيث هُزِمَ جيش مراد بك مرة أخرى في هذه المعركة الفاصلة في 21 يوليو تموز، وفر مراد بك وبقايا جيشه إلى الجيزة، فصعد إلى قصره وقضى بعض أشغاله في نحو ربع ساعة، ثم توجه إلى الصعيد. وأما إبراهيم بك الذي كان مرابطاً بالبر الشرقي من النيل فحين رأى الهزيمة حلت بجيوش مراد بك أخذ من تبعه من مماليك ومصريين والوالي التركي وانسحبوا جميعاً قاصدين بلبيس

وبذلك خلت القاهرة من قوة الدفاع، فاستطاع نابليون بونابرت احتلالها ودخل القاهرة في 24 يوليو تموز عام 1798 مصحوباً بضباطه وأركان حربه ونزل بقصر محمد بك الألفي في الأزبكية

أرسل نابليون بونابرت حملة إلى الصعيد لمطاردة مراد وإخضاع الصعيد بقيادة الجنرال ديزيه، ثم أرسل إليه أيضاً قنصل النمسا في الإسكندرية شارل روزنتي برسالةٍ مضمونها أن يقدم مراد الطاعة إلى الفرنسيين، مقابل ذلك يجعله الفرنسيون حاكماً على الصعيد. رفض مراد هذا العرض بحسم، وقال لـ"روزنتي": "ارجع وقل لـ"نابليون" أن يجمع عساكره ويرجع إلى الإسكندرية ويأخذ منا مصروف عسكره، ويحمي نفسه وجنوده منا"!

كان مستغرباً أن يتحدث مراد بك بهذه الثقة الزائدة التي تعكس استخفافاً بالغاً بالخصم الذي هزم مراد شر هزيمةٍ في إمبابة وجعله يفر بجيشه إلى الصعيد. وبطبيعة الحال كان الرد المستفز بداية لحملة مطاردة طويلة بين ديزيه ومراد. انطلق مراد يجوب الصعيد وخلفه ديزيه يتبعه، كان مراد يسبق ديزيه بيومٍ أو ليلة. ويبدو أن مراد كان متيقناً من أنه لن يتمكن من مواجهة قوات الفرنسيين، خاصة أنهم يملكون المدافع ويفتقدها هو، لذا اتبع معهم خطة الفرار، والتي تؤدي إلى إنهاك خصمه في مطاردته عبر صحراء شاسعة وبلدان لا يعرف ديزيه عنها شيئاً، وفي المطاردة يفقد الفرنسيون الزاد والمئونة والسلاح أيضاً

حققت هذه الخطة بعض أهدافها، لكن الذي تحمل ثمن وتكلفة تلك الخطة هم المصريون أبناء الصعيد، فلم يكن مراد ينزل بمدينة حتى يلزم أهلها بدفع "الميري"أي الضرائب التي كان يحصلها من الأهالي بعنف، ولا يهم إن كان الأهالي قد دفعوا الضريبة نفسها من قبل للدولة، ثم ما يكاد يتركها، حتى يتبعه ديزيه لينهب هو الآخر، فقد كان بحاجة إلى المال والطعام، فكان جنوده يأخذون الحبوب التي لدى الفلاحين ويذبحون حيواناتهم وطيورهم كطعام لهم، ثم يخلعون أسقف البيوت وأبوابها ونوافذها للتدفئة بها في ليل الشتاء، ويفرضون الضرائب الباهظة من جديد على الأهالي




لم يكن مراد معتاداً على هذا النوع من المعيشة، بعيداً عن قصوره وجواريه، وحياة الرفاهية التي يعيشها، فبدأت المراسلات بين كليبر ومراد بك، وانتهت باجتماعهما في الفيوم حيث اتفقا على أن يحكم مراد بك الصعيد باسم الجمهورية الفرنسية. وتعهد كليبر بحمايته إذا تعرض لهجوم أعدائه عليه، وتعهد مراد بك من جانبه بتقديم النجدة اللازمة لمعاونة القوات الفرنسية إذا تعرضت لهجوم عدائي أيًا كان نوعه، وأن يمنع أي قوات أو مقاتلين من أن يأتوا إلى القاهرة من الصعيد لمحاربة الفرنسيين، وأن يدفع مراد لفرنسا الخراج الذي كان يدفعه من قبل للدولة العثمانية، ثم ينتفع هو بدخل هذه الأقاليم

وكانت قمة خيانة مراد بك بحق أثناء ثورة القاهرة الثانية، حيث شارك في عمليات القتال ضد المصريين، ومنع عن القاهرة الإمدادات الغذائية التي كانت ترد إليها من الصعيد ومن الجيزة، فيُذكر أنه قد صادر شحنة من الأغذية والخراف تقدر بأربعة آلاف رأس كانت آتية من الصعيد لنجدة أهل القاهرة، وقدمها هديةً إلى كليبر والجيش الفرنسي، وكادت القاهرة تسقط في مجاعةٍ حقيقية

لم يكتفِ مراد بذلك، بل سارع أيضاً بإرسال الهدايا والإمدادات إلى جيش كليبر الذي يحاصر القاهرة، وقدم للفرنسيين المؤن والذخائر، وسلمهم العثمانيين اللاجئين إليه، وسعى إلى سحب الماليك الشرفاء الذين يقاتلون الفرنسيين داخل القاهرة إلى جواره لينضموا إليه في معاهدته وينهي بذلك ثورة القاهرة. ولما فشل في ذلك، كان هو الذي أسدى كليبر النصح بأن يحرق القاهرة على من فيها، وهو الذي أمد الفرنسيين بالبارود والمواد الحارقة التي استخدمت بالفعل في تدمير أحياء القاهرة. وكان مراد قد اشترى هذا البارود من قبل بأموال المصريين التي جمعها منهم للدفاع عن مصر ضد أي خطرٍ يمكن أن تتعرض له

وبالفعل أشعل الجنود الفرنسيون الحرائق في البيوت والمتاجر والوكالات، فاندلعت النيران في حي بولاق –مصدر الثورة- وسقطت البيوت على من فيها، وتناثرت جثث القتلى، واستمر الضرب بالمدافع حتى دمر الحي بأكمله. ثم تتابع هجوم الفرنسيين على سائر أحياء القاهرة، حياً حياً، واستمرت هذه الأهوال ثمانية أيام جرت في أثنائها الدماء أنهاراً في الشوارع، وأصبحت أحياء القاهرة خراباً

نسخةٌ محلية من نيرون

هكذا بدا مراد بك في تلك اللحظة من التاريخ

ويذهب الجبرتي إلى أنه لولا انضمام مراد بك إلى كليبر لما انتهت ثورة القاهرة الثانية بهذه الهزيمة الساحقة للمصريين وتدمير القاهرة

انطلق مراد بعد ذلك إلى الصعيد، واستقر في جرجا، وكانت رسائل قادة الحملة إلى مينو -الذي تولى قيادة الحملة الفرنسية بعد اغتيال كليبر على يد سليمان الحلبي في 14 يونيو تموز عام 1800- تؤكد إخلاص مراد وولاءه الشديد للفرنسيين

ومن مكانه في الصعيد، أخذ مراد بك يتابع الموقف في القاهرة والإسكندرية بدقة شديدة، وبدأ يرى بعينيه نهاية الحملة، واقتنع بضعف الفرنسيين أمام الإنجليز. ولأنه لا يستطيع أن يعيش بلا خيانة، فقد اتصل مراد بالإنجليز، ونجحت مفاوضاته معهم بالفعل، وأعلن الإنجليز أنهم سيصفحون عن كل ما ارتكبه مراد إذا ما انضم إلى الإنجليز في المعركة الأخيرة التي كان يجري التحضير لها لإنهاء وجود الحملة في مصر. وهكذا أبدى مراد استعداده التام للانضمام إلى الإنجليز ومحاربة الفرنسييين.وبدا أن مراد بك يغير انتماءه في سرعة كما يغير الواحد منا قميصه في يوم صيفي حار. وكانت انتماءات مراد كلها لمصلحته ولم تقترب قط من مصلحة المصريين

وفي ذروة سعادته بأنه نجح في أن يلعب على الجانبين الفرنسي والإنجليزي بنجاح، كان المرض القاتل ينتظره

فقبل نشوب المعركة الأخيرة بين الإنجليز والفرنسيين، أصاب الطاعون مراد، ومات به في 22 أبريل نيسان عام 1801 ودفن في سوهاج

موتٌ طوى صفحات حياة طويلة مليئة بالانقلابات والتحولات والخيانات
تابع القراءة

gravatar

أشهر الخونة في تاريخ مصر (1): المعلم يعقوب..صديق الجنرالات



إنها الرصاصة التي لم نكن نتوقعها: الخيانة

وللخيانة السياسية في تاريخ مصر دورٌ كبير عن حقٍ وعن باطل، فحوادث هذا التاريخ حافلةٌ بحكايات الخيانة واتهامات, العمالة، وهي وقائع حقيقية أحياناً ومتخيلة في أحيانٍ أخرى..فالخيانة هي أسرع اتهام نوجهه إلى خصومنا السياسيين عندما نختلف معهم، وهي المشجب الذي يمكن أن نعلق عليه هزائمنا

وعندما نطالع كتابات مؤرخي مصر في تاريخها الحديث والمعاصر، سنجدهم يقررون أن الخيانة كانت السبب الرئيسي للاحتلال العثماني لمصر، فهزيمة قانصوه الغوري في مرج دابق ثم هزيمة طومان باي في الريدانية مردهما عندهم إلى الخيانة في صفوف المماليك..خيانة خاير بك نائب حلب وخيانة الأمير جان بردي الغزالي..كذلك كان نجاح سليم العثماني في إلقاء القبض على طومان باي ثم إعدامه نتيجةً لخيانة عرب البحيرة، الذين لجأ إليهم طومان باي فغدروا به وسلموه ليشنق على باب زويلة

وبالطبع لايمكن أن ننكر أن خاير بك كان خائناً لسلطانه الغوري وأنه انسحب من ميدان المعركة ليُمكِنَ القوات العثمانية من اختراق صفوف الجيش المملوكي. وقد قبض خاير بك ثمن خيانته فأصبح والياً على مصر من قبل العثمانيين، ونال "مكافأته" من الشعب المصري عندما سماه الناس من يومها "خاين بك". كذلك لا يمكن إنكار خيانة خنفس لأحمد عرابي عندما فتح ثغرة في صفوف الجيش المصري في التل الكبير هجم منها الإنجليز..لكن ما لا يمكن الإقرار به هو أن الخيانة وحدها كانت سبب الهزيمة في الحالتين. لقد كانت فقط عاملاً مساعداً، أما الأسباب الأساسية للهزيمة في الحالتين فهي تكمن في الفارق بين القوة العسكرية لطرفي المعركة، والفارق بين قدرات القادة على الجانبين

لقد كان جيش المماليك في مرج دابق والريدانية أضعف في تسليحه من أن يصمد أمام الغزاة العثمانيين إلا بمعجزة، فهو جيشٌ يعتمد على الفرسان والسيوف والرماح، أمام جيشٍ مسلحٍ بالمدافع والبنادق
أما جيش عرابي فبالرغم من تسليحه الحديث نسبياً، فإن قيادته التي أدارت المعركة بالذِكر والأوراد واطمأنت إلى وعد فرديناند ديليسبس بعدم السماح للقوات البريطانية بالمرور من القناة فركزت التحصينات في دمياط وكفر الدوار، وتركت المنطقة الشرقية بتحصيناتٍ ضعيفة هي التي كانت مسؤولة بالدرجة الأولى عن الهزيمة قبل خيانة الخونة..وهذا ما نقصده بأن الخيانة في كثير من الأحيان تكون المشجب الذي نعلق عليه هزائمنا، ونغفل بذلك الأسباب الأخرى التي قادت إلى هذه الهزائم

أحد أشهر الخونة الذين يمكن رصدهم أثناء الحملة الفرنسية على مصر هو المعلم يعقوب


والمعلم يعقوب موضعُ نزاع على وطنيته كما يرى المؤرخ الدكتور محمد عفيفي، وسط تأكيد على طائفيته كما يجزم القبطي الإنجيلي رفيق حبيب، وعلى خيانته عند القبطي الأرثوذكسي جمال أسعد عبد الملاك، وهو محرومٌ بقرار من بطريرك الأقباط في عصره. وهو خائنٌ لبلده ووطنه عند الدكتور أحمد حسين الصاوي ("المعلم يعقوب بين الأسطورة والحقيقة"، دار الفكر للنشر والتوزيع، طبعة 1986). في المقابل، تجد دفاعاً عنه وعن وطنيته، لدى د‏.‏ أنور لوقا في كتابه "هذا هو المعلم يعقوب"، وكذلك د. لويس عوض في "تاريخ الفكر المصري الحديث" و"أوراق العمر"، والقمص متياس نصر منقريوس "الجيش الوطني القبطي: 1800-1814"



ولد يعقوب يوحنا في ملوي حوالي عام 1745 والتحق في عهد علي بك الكبير بخدمة سليمان آغا رئيس الانكشارية واستطاع عبر إشرافه على إدارة أملاك رئيس الانكشارية أن ينمي ثروته الخاصة. وهو حارب في صفوف المماليك ضد قوات حسن باشا التي نزلت في مصر لتثبيت الحكم العثماني قبل الحملة الفرنسية على مصر بفترةٍ قصيرة. وكان في الثالثة والخمسين من عمره عندما غزت الحملة الفرنسية مصر بقيادة نابليون بونابرت عام 1798

وعندما طلب الجيش الفرنسي من المعلم جرجس جوهري – رئيس "المباشرين" وعميد الأقباط- أن يرشح له بعض المتخصصين فى الإدارة حتى تسير الأمور كما كانت من قبل, رشح له خمسة من الأقباط ومعهم يعقوب يوحنا, فقام نابليون بونابرت بتعيين الخمسة، واختار يعقوب يوحنا ليصبح مديراً عاماً لتموين وإمداد الحملة الفرنسية في مصر وهو عملٌ كبيرٌ وضخم يقتضي إطعام 30 ألف جندي فرنسي ينتشرون في مدن مصر وقراها, وخاصة على شاطيء النهر. وقد تعددت مواهب هذا الرجل، فقد أسندت إليه مهمة توزيع الضرائب على أهل الوجه القبلي وجبايتها من قبل الجنرال ديزيه، فنفذ الأعمال الموكلة إليه بكل دقةٍ ومهارة

وحين أرسل نابليون حملة إلى الصعيد يقودها الجنرال ديزيه، رافق المعلم يعقوب الجنرال الفرنسي في حملته التي كانت تهدف إلى مطاردة جيش مراد بك –الذي عمل يعقوب لديه سابقاً- والمماليك الذين فروا إلى الصعيد، وإخضاع المصريين للسيطرة الفرنسية

خرج المعلم يعقوب في هذه الحملة مرافقاً للجنرال ديزيه لغرضٍ واحد يحدده المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس"، حيث يقول: "وفي خامس عشر سافر عدةٌ من الإفرنج إلى جهة الصعيد وعليهم صاري عسكر المتولي على الصعيد اسمه "دزة" وبصحبتهم يعقوب القبطي ليدبر لهم الأمر ويعمل لهم أنواع المكر والخداع ويطلعهم على الخبايا ويصنع لهم الحيل، فمنهم أنه كان يرسل الجماعة من الإفرنج لقبض الأموال وطلب الكلف، ويلبس البعض لبس العثمنلي ويكتب لهم التحذير من المخالفة، ويذكر لهم أن هذا أمرٌ سلطاني، فيروج ذلك على كثيرٍ من أهل البلاد، ويمتثلون الأوامر"

كان يعقوب خبيراً في طرق الصعيد وأوضاعه المالية والإدارية والاجتماعية، وكان عليه أن يمهد الطريق أمام الفرنسيين للحصول بسهولة على أموال المصريين..لكن ما حدث أن مهمة يعقوب تجاوزت ذلك كله، فتحول سريعاً إلى مستشار خاص لـلجنرال ديزيه. ولأنه كان يعمل لدى المماليك طوال حياته، فقد كان ملماً بطرق تفكيرهم ويمكن أن يخمن خططهم في القتال، وطرق الهجوم والدفاع، بل إن يعقوب نظم شبكة من الجواسيس والعملاء للاستطلاع وجمع المعلومات عن تحركات مراد بك وتقديمها للفرنسيين

شارك المعلم يعقوب في القتال الميداني بالصعيد، حيث قاد فصيلة من الجيش الفرنسي ضد قوة مملوكية في أسيوط واستطاع أن يحقق الانتصار ويهزم المماليك، مما دفع ديزيه إلى أن يقدم له تذكاراً عبارة عن سيفٍ منقوش على مقبضه: معركة عين القوصية - 24 ديسمبر كانون أول عام 1798

وتدل الوثائق على أن المعلم يعقوب قد نشأت بينه وبين الجنرال ديزيه صداقةٌ متينة وعميقة. وحين جاءت الأنباء إلى القاهرة بموت ديزيه في معركة مارنجو (التي دارت عند إحدى القرى الإيطالية أثناء حربه مع النمساويين) افتتح اكتتابٌ بين جنود الجيش الفرنسي في مصر لإقامة نصب تذكاري تخليداًً لذكرى ديزيه، فكتب المعلم يعقوب إلى القائد العام قائلاً إنه متبرع وحده بثلث المبلغ المطلوب لإقامة هذا النصب التذكاري لهذا الرجل الذي يقول يعقوب إنه "وهبه قلبه"

وقد تجلت معالم العلاقة بين يعقوب وديزيه فى قصيدة شعرية كتب معناها الأول، ونظمها الأب روفائيل. كان يعقوب فى القصيدة يرثي صديقه ديزيه الذي قُتل وهو في الثانية والثلاثين من عمره. ومما جاء في القصيدة المتواضعة المستوى:

أذرفنا على ذكر الحبيب دموعاً.. سكرنا بها ليوم البعث والحشر

حبيب وقد ذاع صيته أبداً.. بطل وقد عرف في سائر القطر
فآهاً على ناصري داسه.. ووا أسفي على أصحابي به لو قدر القدر
فكنت أرغب وجودي بميداني مارنجوا.. كما رافقته قبلاً بصعيدنا المصري
فموتي عنه فداءٌ كان يغنيه.. عن فقد حياة مفيدة ذكرها دهر
ولم يزل بفكري مخلدا أبداً.. حتى إلى خروج الروح من صدري
ومحبتنا للفرنسيين فلابد عنها.. لأنهم اعتقونا من الأضرار والشر

نعود إلى مهمة المعلم يعقوب في خدمة الاحتلال الفرنسي

فقد تولى جمع الضرائب من أهالي الصعيد واستعمل أبشع وأعنف الوسائل في الجباية، وكان أهل الصعيد يسمون حملة الجنرال ديزيه (جيش المعلم يعقوب). عاد يعقوب إلى القاهرة بعد حملة الصعيد، وكانت ثورة القاهرة الأولى قد وقعت، ويبدو أنه قد عرف حقيقة موقفه وموقف الأهالي منه ولذا حول داره إلى ما يشبه القلعة العسكرية، وجعل لها بوابةً محصنة يقف عليها الحرس المسلحون ليلاً ونهاراً، وتوافق ذلك مع شروع نابليون في بناء عدة قلاعٍ حول القاهرة، بحيث تحيط مدافعه بالقاهرة كلها. واعتبرت قلعة المعلم يعقوب واحدةً من قلاع الفرنسيين في القاهرة

ثم قامت ثورة القاهرة الثانية، وبالطبع انحاز فيها يعقوب إلى الفرنسيين، بل وتروي المصادر الفرنسية أن يعقوب قاتل ببسالة وحماس أثارت تقدير كليبر شخصياً

وبعد أن انتهت الثورة وبدأ كليبر يعاقب الثوار ويكافيء الذين تعاونوا مع الفرنسيين، كان أول الذين كوفئوا المعلم يعقوب. وأخذت المكافأة عدة أشكال، فقد فرض كليبر غرامةً كبيرة على الأهالي، وجعل يعقوب مسؤولاً عن جمع هذه الأموال "وبالوسائل التي يراها مناسبة"


ويستشهد المؤرخ شفيق غربال على دور المعلم يعقوب برسالةٍ كتبها الجنرال "عبد الله" جاك مينو إلى بونابرت يقول فيها‏:‏ ‏"إني وجدت رجلاً ذا دراية ومعرفةٍ واسعة اسمه المعلم يعقوب وهو الذي يؤدي لنا خدماتٍ باهرة منها تعزيز قوة الجيش الفرنسي بجنود إضافية من القبط لمساعدتنا"

والحال أنه بوصول يعقوب إلى منصب "آغا" الملة القبطية أي كبير الأقباط، فقد بدأ في تكوين فيلق قبطي في خدمة الفرنسيين يتألف طبقا لبعض التقديرات من 896 جندياً وضابطاً –وقيل في مصادر أخرى إن عددهم بلغ ألفي جندي وضابط- تولى تجنيدهم من أهل الصعيد، في حين تكفل الفرنسيون بتدريبهم على حمل السلاح والقتال، وتعلم يعقوب نفسه الخطط العسكرية وترأس الفيلق. ويشير د. لويس عوض في كتابه "تاريخ الفكر المصري الحديث" إلى أنه منذ ذلك التاريخ ارتبط مصير المعلم يعقوب ومصير الفيلق القبطي بمصير الجيش الفرنسي


ويقول المؤرخ الفرنسي البارز والمتخصص في تاريخ حملة بونابرت على مصر هنري لورنس في كتابه "المغامر والمستشرق" (المجلس الأعلى للثقافة في مصر، ترجمة: بشير السباعي، 2003) إنه بعد أن قتل سليمان الحلبي الجنرال كليبر قائد الحملة بعد عودة بونابرت إلى فرنسا، قدم الفارس المالطي تيودور دو لاسكاريس (1774– 1817) اقتراحاً بأنه من المهم ترك حزب قوي ليستمر في الحفاظ على النفوذ السياسي والتجاري في مصر، ولذلك يجب تعزيز الفيلق القبطي الذي يقوده المعلم يعقوب. وهكذا تمت ترقية يعقوب إلى رتبة جنرال في جيش الجمهورية، وهو أول أجنبي ينال هذه الرتبة، في حين نال ابن أخيه لقب كولونيل

وجعله القائد العام "عبد الله" جاك مينو مساعداً للجنرال بليار في مارس آذار عام 1801 للدفاع عن القاهرة، فأنشأ شبكة تجسس لمواجهة ثورات القاهرة التي اندلعت ضد الاحتلال. والشاهد أن القوات الفرنسية تمكنت بمعاونة المعلم يعقوب من قمع ثورة القاهرة الأولى سنة 1213 هـ، وثورة القاهرة الثانية سنة 1214هـ

لكن الدنيا دارت دورة كاملة، بهزيمة القوات الفرنسية أمام الجيش الإنجليزي

وعند تسليم القاهرة، دخل "الجنرال" يعقوب في اتفاقية التسليم

ففي مشهد الانسحاب الأخير‏,‏ كان ضمن شروط معاهدة التسليم‏,‏ التي أبرمها الجنرال الفرنسي بليار مع قائد الجيش الإنجليزي‏,‏ وممثلي الدولة العثمانية في ‏27‏ يونيو حزيران عام ‏1801,‏ أنه يحق لأي من سكان مصر على اختلاف أجناسهم‏,‏ إذا رغب في اللحاق بالجيش الفرنسي في رحيله أن يرحل معه‏,‏ ولا يجوز بعد رحيله أن تؤذى عائلته أو تصادر أملاكه‏.‏ وهكذا غادر المعلم يعقوب مصر ليبحر إلى فرنسا مع الجيش الفرنسي بعد ثلاث سنواتٍ قضاها في التعاون مع الاحتلال الفرنسي

تقول المؤرخة إيريس حبيب المصري في كتابها "قصة الكنيسة القبطية" (مكتبة كنيسة مار جرجس، سبورتنج – الإسكندرية، الكتاب الرابع ص 224): إنه لما انتهى أمر الحملة الفرنسية بالصلح مع العثمانيين والإنجليز بشرط انسحابهم من مصر، عزم الجنرال يعقوب على السفر إلى فرنسا, فخرج بمتاعه وعبر إلى الروضة (حيث خرج الفرنسيون من القاهرة استعداداً للرحيل) ومعه عساكر القبط وهرب الكثير من الباقين واختفوا, واجتمعت نساؤهم وأهلهم وذهبوا إلى قائمقام وبكوا وولولوا وترجوه فى إبقائهم عند عيالهم وأولادهم فإنهم فقراء وأصحاب صنائع فهم ما بين نجار وبناء وصانع وغير ذلك فوعدهم أن يرسل إلى يعقوب أن لا يقهر (يغصب) منهم من لا يريد السفر والذهاب معه"

وركب يعقوب وأتباعه- رافقه أخوه حنين وأمه ماري غزالة وزوجته مريم نعمة وابنته منٌه وابن أخيه إلياس صاحب القاموس الشهير، ونفر من الأقارب والخدم وعساكر القبط- البارجة الإنجليزية "بالاس" للخروج من مصر‏‏ في 10 أغسطس آب عام 1801، واختار أن يكون على السفينة نفسها مع صديقه الفارس المالطي لاسكاريس. ثم اكتملت مأساته بإصابته بالحمى بعد يومين فقط من تلك الرحلة ثم موته إثر إسهال حاد في منتصف الساعة السابعة من صباح اليوم السادس لها‏ (16‏ أغسطس‏1801)‏ وكانت آخر وصيةٍ له همس بها في أذن بليار وهو يحتضر هو رجاؤه أن يدفن إلى جانب الجنرال ديزيه، وبالفعل نفذ الفرنسيون وصيته

ويقال إنهم احتفظوا بجثمانه فى برميلٍ من الخمر حتى يصلوا إلى فرنسا ودفن هناك. وقد حاول د‏.‏ أنور لوقا في كتابه "هذا هو المعلم يعقوب" أن يثبت رواية تقول إن‏ يعقوب مات بفعل قدح قهوة تركية ضيفه بها حسين باشا القبطان قبيل سفره‏.‏ وقد ووري الثري في جبانة سان مارتان في مرسيليا بعد تشييع جنازته في احتفالٍ مهيب‏‏

لكن الرجل ظل يثير معارك حتى بعد وفاته


الدكتور لويس عوض حدثنا عما أسماه "مشروع الاستقلال الأول" الذى وضعه المعلم يعقوب في أعقاب الحملة الفرنسية على مصر، إذ يقول في كتابه "تاريخ الفكر المصري الحديث" إن يعقوب كان يسعى إلى إقناع الفرنسيين والإنجليز بمشروعٍ خاص لاستقلال مصر قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على ظهر البارجة "بالاس" التي كان قومندانها الكابتن جوزيف إدموندز، الذي نقل إلى قائد البحرية الإنجليزية اللورد سانت فنسنت تفاصيل "مشروع" المعلم يعقوب الذي أفضى به له قبل وفاته مباشرةً. ويرى جاستون حمصي –الذي يمت بصلة قرابة للمعلم يعقوب- يرى أن يعقوب تشرب أفكار الثورة الفرنسية، في حين يقول د. أنور لوقا إن يعقوب ذهب إلى فرنسا وهو يحمل بذرة الوطنية المصرية فكان أول مصري يضع مشروعاً لاستقلال مصر عن الدولة العلية وعن حكم المماليك

ودفاعاً عن المعلم يعقوب، يقول المؤرخ شفيق غربال: "أول ما في تأييد يعقوب للتدخل الغربي هو تخليص وطنه من حكم لا هو عثماني ولا هو مملوكي, وإنما مزيج من الفوضى والعنف والإسراف, ولا خير للمحكومين فيه ولا للحاكمين إذا إعتبرناهم دولة قائمة مستمرة..وثاني ما في تأييده هو إنشاء قوة حربية مصرية (قبطية في ذلك الوقت) مدربة على النظم العسكرية الحديثة الغربية"

وفي المقابل، يقول د. وليم سليمان قلادة نقلاً عن المؤرخ يعقوب نخلة روفيلة في كتابه المهم "تاريخ الأمة القبطية" (الصادر عام 1898): "وتسجل كتب التاريخ القبطي تبرؤ الكنيسة المصرية من الشخص الذى ينحرف عن هذا التقليد العريق – يعني الولاء للوطن– ممثلاً بالجنرال يعقوب الذي عاش أيام الحملة الفرنسية وسار في خطة تخالف أبناء جنسه.. فإنه فضلاً عن مخالفتهم في الزي والحركات اتخذ له امرأةً من غير جنسه بطريقة غير شرعية، كما أن رجال الدين لا سيما البطريرك لم يكونوا راضين عن تصرفاته وأحواله. وسمعت من بعض شيوخ الأقباط المسنين أن البطريرك نصحه لمرات عديدة بالعدول عن هذه الخطة فلم يقبل، وعاوده النصيحة مرة أخرى، فجاوبه جواباً عنيفاً فسخط عليه. وسمعت من آخر أن ما كان بينه وبين البطريرك من المنازعة والمشاحنة دفعه إلى التجرؤ على الدخول في الكنيسة مرة راكباً جواده شاهراً سيفه"

وقد اشتكاه الأقباط آنذاك للبابا الذي كان على خلافٍ معه يعزوه المؤرخون المسيحيون إلى زيه وحركاته وسلوكه المخالف لما اعتادوا عليه، وكذا لزواجه الثاني بعد وفاة زوجته من مسيحية سورية من ملة أخرى، وهو الزواج الذي لم تعترف به الكنيسة

ويفسر د. جاك تاجر في كتابه "أقباط ومسلمون من الفتح إلى عام 1922" (كراسات التاريخ المصري، 1951) حالة المعلم يعقوب بقوله‏:‏ إذا أردنا أن نفهم نفسية هذا الرجل يجب أن ننظر إلى أعماله قبل الاحتلال الفرنسي‏. كان يعقوب ذكياً,‏ وقد اشتهر بمهارته في ركوب الخيل‏,‏ كان يشغل كسائر أبناء طائفته وظيفة المباشر‏,‏ ولكنه لم يكن مسالماً مثلهم‏,‏ إذ أنه انضم قبل وصول الفرنسيين بزمنٍ طويل إلى صفوف إبراهيم بك ومراد بك‏‏

وفي معركة تغيير الولاءات، ظل الرجل يمارس دور الجباية مرة لصالح المماليك وأخرى لتصب في جيوب الفرنسيين فأخذ يتولى تحصيل الأموال من الأهالي. وحين اندلعت ثورة القاهرة الثانية حول بيته إلى قلعة ووضع فيه أسلحة‏,‏ وأقام فيه عددٌ من الجنود الفرنسيين، ما مكنه من القتال ضد المصريين شهراً كاملا‏ً.‏ واختصاراً، فإن جاك تاجر يرى أن مسألة المعلم يعقوب لا تحتمل أية مناقشة‏,‏ فقد أسهم في إذلال الشعب المصري‏,‏ وأنكر وطنه‏,‏ وكان يعتبر نفسه جندياً من جنود بونابرت

لكن هذا لا يعني مطلقاً أن الانتماء الديني هو سبب وقوع المعلم يعقوب في الخيانة، فلم يدخل بونابرت وقواته مصر غازياً بوصفه مسيحياً­ كما هو معروف­ بل إنه ادعى أنه جاء للدفاع عن الإسلام، وشارك المصريين في احتفالاتهم الدينية ولم يتورع عن الاشتراك في حلقات الذكر أثناء المناسبات الدينية المختلفة. ومثلما نتحفظ على استخدام المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي وصف "يعقوب القبطي" الذي كان يحل مكانه أحياناً لقب "يعقوب اللعين"، لأن الاستناد إلى الطائفية نوعٌ من العمى الفكري، فإننا نربأ بآخرين أن يدافعوا عن يعقوب لا لشيءٍ سوى لانتمائه الديني


ويرى رجاء النقاش في كتابه "لويس عوض في الميزان" الصادر عن دار الشروق في مصر، أن يعقوب كان مثل المارشال بيتان في فرنسا إبان الغزو النازي، وأنه حمل السلاح ضد أبناء وطنه، رافضاً ما ذهب إليه الكاتب نسيم مجلي من أن يعقوب كان يطمح الى أن تكون مصر دولة مستقلة بمساعدة فرنسا أو إنجلترا. وحتى يخرج النقاش بالمسألة من الطائفية استشهد بأحمد حسين الصاوي في كتابه "المعلم يعقوب بين الأسطورة والحقيقة " من أن مراد بك (وهو مسلم) انتهى أمره ايضاً إلى التحالف مع الفرنسيين

ولكن، ما هي حكاية خيانة مراد بك؟

تابع القراءة

gravatar

طرفٌ من خبر الآخرة










حاول أنْ يقرأ حتى ينام، لكنه ازداد يقظةً

أخذ يقلِبُ صفحات الكتاب، ثم توقف عند الصفحة رقم 64

فجأة، أصبح للصفحة أبعاد، وخطفته إلى أعماقها المحفوفة بالمغامرة

جيشٌ من الأسئلة يدب بقوة كأنه عرضٌ عسكري أقيم في ساحة رأسه

ودوامات الكتاب تبتلعه، وتغوص به إلى حيث يرى ما لا يُرى

السقوط كان طويلاً كحصة رياضياتٍ مملة

يقع على أرضٍ ناعمة يشرئب عشبُها مثل كهرمان الجسد

ينهضُ، يتحسس جسده ليطمئن، لكنه لا يجده. يمر بجواره بشرٌ فيناديهم، لكنهم يعبرون جسده..يخترقونه، ولا ينتبهون إليه

وعندما تقع فوق أرض النهايات، تصبح كائناً غير مرئي

هو الآن يرى ما لا يُرى

هذا إذاً طرفٌ من خبر الآخرة

حمل حقيبته ومضى في طريقِه ليتأمل أحوال العابرين

يسير على سجادٍ لا يحفل بأقدام الحرير

آدمُ الجديد يقف على تخومِ الغيب ويسير على أطراف ذاكرةٍ تخطيء أحياناً


عاش طوال عمره وهو يبحث عن إجابةٍ لسؤالٍ شديد البساطة: لماذا تكتبنا الضغينة في دفاترها؟

ربما يجد الآن إجابةً

وتبدأ الرؤية، كأنها سفينةٌ تبحر بين مناراتٍ شحيحة

رجلٌ يسأل المرأة التي أغمضت عينيها عما تفعله. يتجلى فَجره في مرآتِها، فتقول ببراءةٍ: أحاول تخيل العالم في حال غيابك

يصهلُ البحر في صدره

في المكتب الضيق، تحتضن مندوبة المبيعات موظف قسم المشتريات لتشاغب رخام قلبِه، فقال لها: أحس بها تقترب..سألته بفضول: ما هي؟ رد وطيف ابتسامةٍ يرتسم على وجهه: إنها المتاعب

هي الروحُ المنذورة للغفوة

على مائدةٍ لا يزورها النادل، تطلب صاحبة الجسد الحليبي من الرجل أن يصارحها برأيه، فيقول بصوته العميق: إنني مثل لاعبي البوكر..أحب أن أكون اللاعبَ الأخير

كان يؤمن بقانون الجاذبية، ويثق في أن هذه الثمرة الناضجة ستسقط في حِجره..ولو بعد حين

الفتاة الجامعية التي تكاد تلامس أستاذها وتدغدغه بغدائرها ونسائمها وهو يشرح لها الدرس، تقول له: أجنُ فيك وأنت تحاور ألغازي..فكر قليلاً ثم أعطني رأيك. أجابها: الخبز الطازج أشهى..بل الآن

يهطل زعفران دمه محاكياً أطياف الاشتعال

تتحدث المراهقة إلى مستشارها العاطفي في البرنامج الإذاعي قائلةً: حبيبي كلامه رقيقٌ مع النساء.. يرد قائلاً: عندما تحب كثيراتٍ، فإنك لا تحب سوى نفسك

قارورة البعد تشكل خلاصة القُرب
تسأل أخرى: رجلي قديسٌ، لكنه لا يتشبث بأفق العاطفة الملتهبة..يرد صوتٌ عبر الأثير: الحياة دون حبٍ باردةٌ مثل المعلبات أو المواد المحفوظة

لم نسمع يوماً عن حبٍ ينام في الثلاجة، في انتظار إسالة الثلج الذي يحيط به

في قاعة الاستقبال التي تتلألأ بالأضواء، يسأل الصديق القديم: هل تحبينه؟ تجيب السيدة التي ترتدي قفازين من الجلد الأسود، وهي تنظر إلى الثريا التي تتدلى كالجبال المذهبة: ما زلت معه..تشاغل بفنجان قهوته وهو يقول في ارتباكٍ: يبدو أننا جميعاً "معاً" في هذه العلاقة

الطريق ضيقةٌ، لكنها تكفي قلبين




في عيادته الشهيرة التي تكتظ بالمنتظرين، يحاول الأب إقناع ابنته بدراسة الطب النفسي، لكنها قالت له إنها ستفتتح مع صديقٍ لها مدرسة لتعليم الأطفال فن الرسم

اختارت أن تتعامل مع صغارٍ يريدون أن يصبحوا كباراً، على أن تتعامل مع كبارٍ قرروا أن يصبحوا صغاراً

والكاتب يمشط جدائل الريح ويصب النهر في قنينة، مفكراً في صورة جنرال تشيلي المقعد أوغستو بينوشيت، الذي سحق الآلاف من الجماجم، لكنه ظل يحظى حتى آخر العمر بحماية وولاء الذين ساروا خلفه في دربِ القتل غير الرحيم واختاروا الحبو غير المقدس نحو فتنة القتل

ها هو المتمردُ يضرب ماء البحر، يشق طريقا للآتين

أمام منزلٍ يقع أول الشارع، وجد رجلاً يطرق على باب في هلعٍ قائلاً: افتحي ..افتحي‏‏‏..ورائي وقعُ أقدامٍ مشبوهة على الأرصفة

يتناهى إلى سمعه صوت بكاءٍ في الداخل‏‏‏

والغرقى يجدون بهجتهم تحت الماء

المرأة التي تجمع حاجياتها بما في ذلك التنورة القديمة التي ذهبت موضتها، تلوم الرجل الذي جلس على حافة السرير منهاراً، وتخاطبه قائلةً: أنت تشبه روائياً انتهى من مصائر أبطاله وتبرأ من روايته

تتركه في عطرها وتمضي

والقلبُ لحية معتقلٍ لا يعرف تهمته

فتى يقف بالحذاء المُغَبَّر الذي أنهكه المشي فوق صخرة، ويطل من شقٍ في الجدار على المطَلقةِ الوحيدة وهي تنزع المنديل الذي تضعه على رأسها، قبل أن تعيد اكتشاف كنوزها

تتلعثم نبتته البرية في المشي الذي يطول، بعد أن سرق قدراً كافياً من الحنين ليهز به هزائمه ليلاً

على أريكةٍ خشبية قديمة في المتنزه يجلس عاشقان بعد أن توغلا بين الأشجار العارية التي باغتها الخريف. يحدق في الساعة التي تجمدت عقاربها منذ أول لقاءٍ معها، وهي تهز ساقها في توتر، ثم يبرمان اتفاقاً: الضرب ممنوعٌ، إلا إذا كانا يمارسان الحب

وعاشا في سلامٍ وسعادة بعد ذلك

مدير الشركة يصطدم بابتساماتٍ زائفة ونظراتٍ لزجة في البهو، فيشعر بأن الحاجة ليست أماً للاختراع.. بل للذل

هكذا في الصدارة، الأشياءُ التي لا تُذكر

وحده الرجل الذي يزوج قلبه للأفراح، يعرف كيف يسيلُ القمر الصيفي على السطح

تقول له الفتاة العابثة: لعينيكَ أطلي أظفاري..ولظهركَ أُطيلها

مرتعشٌ هذا الشوق كشهقة عانسٍ في عُرس

الدرسُ الأول الذي تلقاه من جارته المجرِبة: المرأة لا تحب الرجل الذي يتذكر ثوبها وينسى حياتها

جسم المرأة قيدٌ، لكن روحها فضاء

هكذا نبعثرُ ذهب المساء




اثنان يرميان أعضاءهما مثل النرد فوق السرير، قبل أن تنتهي الجولة الساخنة بقبلةٍ باردة على الجبين

كم نكتشف متأخرين أن الليل ومضةٌ

الأب الذي ينام قرير العين، ينسى أن يد الصبي التقطت مفاتيح السيارة..والمغامرة

سيذهب مع أصدقائه للتعلق بِسُترة الموت، وارتشاف كؤوس المسرة

سقفاً وراء سقفٍ، ينهار النهار

طاغيةٌ شقراء، تفرض بخناجر شهوتها حظر التجول وتعلن حالة الطواريء في شوارع الجسد

بحث الرجل عن منديلٍ أبيض ليعلن استسلامه، لكن القدر باغته والقبلات لم تمهله

برج الحمام يعلو هامة الهاوي الذي يراقب لوحة الطيور في سماءٍ تنعم بخفق الأجنحة. يتخيل كم سيكون رائعاً أن يدهش الكون ذات يومٍ بتحليق روحه

لكلٍ منا خلودَه المتواضع

البعيدُ يخط بيده رسالةً إلى القريبة: "ربما أجد الشجرة التي قطفنا منها وردةً ذات ليلة قد رحلت عن الطريق وشعرت بأن المكان ليس من مقامها

"ربما أجدها نالت تأشيرةً إلى الجنة لأنك لمستِها بيديك"

والرسالة أمنيةٌ..على مرمى حريق. وفي المدن القصية، نلبس أحياناً قميص الأمل تحت الجسد

قالت لصديقتها إنها مسافرةٌ..فقد حصلت أخيراً على تأشيرةٍ، لاختبار جسدها في قارّة بعيدة

تسربَ الزمنُ بين يديها..سارت فوق حقول الملح، وهدمت حصنها الجميل لتسقط في فخ اللحظات الزائفة

يسمع العدمُ رنة خلخالِها، والأرضُ عصفورةٌ تنزفُ


في الصباح الباكر، تصلب الأم ابنتها في زيها المدرسي الأزرق، وتقابل تأففها وتذمرها بالحزم اللازم، كي تعقص لها شعرها، بقسوة كفين مدربتين على جدل الضفائر

تشَدُ شَعْرَهَا بِشَرِيطَةٍ تمارس سلطتها على صفوف الذُرة

يوماً ما، سيتسلق أحدهم تلك الضفيرة، ليعتصر الضحكات القانية، فتقول له صاحبتها: مُد يدك، وازرع سيفك في الجُرحِ المراهق

لا أحد يمكنه وصف طَعمِ الفؤادِ في فم الأشواق

العابرُ يعزف على نايه الحزين لحناً يتردد كالصدى: علينا أن نحلم..كي نصبح واقعيين

والأحلام هدايا يجب أن نعرف قيمتها حين نستيقظ

فلا تؤجل حلم اليوم إلى الغد

دائماً، توجد أزرارُ أملٍ يتعين أن نضغط عليها لنطرد ظلام اليأس

الركاب يترجلون من الحافلة العامة، باحثين عن وسيلة نقلٍ أسرع لتقودهم إلى حيث المحطة الأخيرة. وفي غمرة اندفاعهم نسوا ملامح المحطة التي توقفوا فيها

في لحظةِ ما قبل الدفن، ندرك كم تعبنا لندرك الموت

الحارسُ الليلي يخبره بأنها ستمطر بعد قليل..الرذاذ يملأ عينيه، وحين يفركهما يكتشف أنه يجتاز الآن فاصل البنايات التي تحيط بالحي الذي يسكنه

في يده حقيبةٌ غامضة، تكاد تخلع كتفه

عالمه كما هو، لكن كتابه ذا الغلاف الأنيق مفتوحٌ على صفحتين سرق أحدهم سطورهما

رمى حقيبته في أقرب سلة مهملات..كانت مملوءةً بالشجن

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator