المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

جرائم العاطفة في مصر النازفة (10): حرب الصحف




لعبت الصحافة البريطانية دوراً مؤثراً في الدفاع عن مارغريت فهمي إلى أن نالت البراءة من التهم الموجهة إليها، وأخلي سبيلها، بالرغم من الضجة التي أثيرت في هذه الجريمة العاطفية الغريبة


وكتبت صحيفة "ديلي ميل" محذرةً من زواج نساء الغرب من رجال الشرق. وقالت الصحيفة إن مثل هذه الزيجات تثير عواطف غير مناسبة. وأضافت أن حالة السيدة فهمي، على وجه الخصوص، "ينبغي أن تكون درساً لبناتنا الشابات القابلات للتأثر واللاتي ما زلن بحاجةٍ إلى اكتساب بعض النمو والتطور"


أما صحيفة "لويد نيوز" فقالت "إن المرأة البيضاء التي تطلب الحب من رجال لا ينتمون إلى عرقها، سواء كانوا من العرق الأصفر، أو البني، أو الأسود، تدخل عالماً ضد طبيعتها ستتمرد عليه عندما تدرك الحقيقة". واتفقت مع هذا الرأي
صنداي بيكتوريال"، قائلةً إن قضية مدام فهمي لم تحمل مفاجأةً كبيرة للذين كانوا على علمٍ بِسماتِ العقلية الشرقية


وفي سياقٍ مماثل، حذرت صحيفة "ويسترن مورننغ نيوز" ضد "روح الليبرالية التي انتشرت في أوساط كثيرٍ من الأسر البريطانية، ما يقودها إلى قبول بعض الشرقيين كأصدقاء في منازلهم، وفي المقابل، يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى الزواج". ومضت الصحيفة لتلاحظ أنه "ومع ذلك، فإن شعور الزوجة البريطانية المتزوجة حديثاً بخيبة الأمل لا يبدأ قبل ذهابها إلى الشرق. يجب على الآباء البريطانيين أن يحذروا بناتهم كي يأخذن حذرهن من الرجال الشرقيين"


ولم تقع كل أقسام الصحافة البريطانية أسيرة هذه الموجة من العداء للرجل الشرقي، خصوصاً في أعقاب الإدانة الشديدة للمحاكمة والحكم من جانب مصريين مقيمين في انجلترا في ذلك الوقت، أو تصادف وجودهم هناك أثناء المحاكمة، إضافة إلى إدانة الشعب المصري الذي صب جام غضبه على الحكم والمحاكمة وذلك على صفحات الصحف الصادرة في مصر
لقد أثارت المحاكمة سخط مواطن مصري، يدعى عبد الرحمن البيلي بك، فأرسل بياناً إلى الصحافة البريطانية، يدافع فيه عن الحياة الزوجية في مصر. واحتج البيلي بك بشدة على مواقف واتهامات المحامي مارشال هول للزوج المصري والشرقي أثناء المحاكمة، فكتب يقول: "إن الرجال المصريين يعاملون زوجاتهم بأقصى درجات الاحترام، ومن يشذون عن هذه القاعدة في مصر ليسوا أكثر من أولئك الذين يشذون عنها في بلدانٍ أخرى. لقد وضعت الشريعة الإسلامية شروطاً على جواز الزواج بأكثر من زوجة بحيث يصبح هذا الخيار شبه مستحيل. علاوةً على ذلك، فإن الصحف البريطانية تنشر بين الفينة والفينة تقارير عن الحركة النسائية في مصر، وهي تقارير تعكس تأثير المرأة المصرية على الشؤون الوطنية. وعندما عاد سعد زغلول باشا إلى القاهرة كان هناك موكبٌ من النساء في 80 سيارة لتحيته. إن الوفد النسائي المصري الذي سافر إلى روما للمشاركة في مؤتمرٍ هناك قدم مساهمةً مهمة في المناقشات التي شهدها المؤتمر. وكان الوفد برئاسة هدى شعراوي، الرائدة المعروفة للحركة النسائية. وأخيراً، فإن القانون المصري لا يمنح الزوج الحق في معاملة زوجته بشكلٍ مختلف عن أي شخص آخر. وبين زوجات الرجال المصريين، هناك العديد من النساء من مختلف الجنسيات الأوروبية اللاتي يستنكرن بقوة ادعاءات السير مارشال هول"

في القاهرة أيضاً، اجتمعت سيدات اللجنة المركزية في حزب الوفد، لصياغة رسالة احتجاجٍ على سير المحاكمة والحكم الصادر عنها. وتقول هذه الرسالة، التي أرسلت في صورة برقيةٍ إلى الصحافة البريطانية وإلى مقر إقامة المندوب السامي البريطاني: "نرفض بشدة المغالطات والاتهامات المروعة الموجهة من قبل محامي السيدة مارغريت فهمي ومعظم الصحافة البريطانية ضد شعوب الشرق عموماً والمصريين خصوصاً. إن نساء مصر يمكن فقط أن ينظرن إلى هذه الادعاءات الزائفة باعتبارها حملةً عدائية متعمدة، وشكلاً جديداً من أشكال التشهير بشعوب الشرق من أجل تبرير السياسة الاستعمارية البريطانية"

وتعدى الغضب حدود مصر، كما يتبين من تقرير "ديلي اكسبريس" الذي أرسله مراسلها في القدس، حيث تسببت محاكمة السيدة فهمي في حالةٍ من اللوم الشديد في صفوف كثير من المغتربين البريطانيين والمواطنين الفلسطينيين

وتعاطفت صحفٌ بريطانية عدة مع المصريين، ووجهت انتقاداتٍ إلى الطريقة التي أخلت بها الأحكام المسبقة بالعدالة. وكانت صحيفة "ديلي هيرالد" الناطقة باسم حزب العمال البريطاني، أول من اقترح أن حكم هيئة المحلفين لم يستند على متطلبات العدالة بأكثر مما تأثر بالأداء المميز للسير مارشال. وأضافت الصحيفة أنه "إذا جاء حزب العمال إلى السلطة، فإن الحكومة سوف تتخلص من هذا النظام الذي يربط إلى حد كبير فرص تبرئة المدعى عليهم بمقدار ما يستطيعون إنفاقه على الدفاع عنهم"

ونشرت "ديلي كرونيكل" افتتاحيةً دفعت "الأهرام" إلى القول بأن الصحيفة البريطانية: "عادت إلى رشدها". وأقرت الصحيفة البريطانية، التي كانت قد رحبت سابقاً بقرار المحكمة، بأن الاعتراضات من جانب المصريين كانت صحيحة، وأن قوانين الزواج في الشريعة الإسلامية "مبنية على مبادئ أخلاقية قوية وتضع الرجال والنساء على قدم المساواة في أداء الواجبات الزوجية. وهناك العديد من الأشخاص المميزين في صفوف المسلمين، بالقدر الذي يوجد به أشخاص مميزون في صفوف المسيحيين. ومن النفاق الإدعاء بأن ثقافتنا تنتج أناساً أفضل من الثقافات "الرجعية" في معظم أنحاء المشرق"

ولكن، على الرغم من اللهجة الاعتذارية في العديد من المقالات البريطانية، فإنه من المشكوك فيه أن تكون قد قطعت شوطاً طويلاً نحو تبديد الرؤية العامة والثقافية والنفسية والذهنية التي أيدت مقولة روديارد كيبلنغ الشهيرة "الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا أبداً"، وجعلت من الممكن التلاعب بالعدالة استناداً على أسسٍ عنصرية، كما حدث في قضية مدام فهمي

الإثارة التي أحاطت بالقضية والمحاكمة، دفعت مراسلاً صحفياً إلى أن يلاحظ أن "الصحف العربية في مصر أنفقت ثرواتٍ للحصول على أخبار الوكالات من لندن حول محاكمة مدام فهمي"

وبرزت "الأهرام" بوصفها الجريدة الوحيدة التي تنشر نصوص مجريات المحاكمة. ومضى المراسل ليقول إنه عندما حاول ذات ظهيرةٍ شراء نسخة من "الأهرام"، قال له الفتى الذي يبيع الصحف: "حتى لو كنت تستطيع أن تدفع جميع المال الموجود في مصر فإنك لن تكون قادراً على شراء نسخةٍ من "الأهرام" تتناول قضية فهمي"

وعقب حادث فندق "سافوي"، تحدثت الصحافة المصرية عن الزواج المختلط وانقسمت الآراء حوله. وقد كان الكاتب الصحفي أحمد الصاوي محمد من الرافضين للزواج بأجنبيات. وعندما حرم وزير المعارف على أعضاء البعثات العلمية الزواج في الخارج أثنى عليه الصاوي في عموده "ما قل ودل"، وقال: "ولم أشهد تخبطاً في الزواج بالأجنبيات مثل تخبط الطلبة المصريين في أوروبا، فإن الطلبة يتزوجون غالبا بنساءٍ لسن في العير ولا في النفير، بل هن "نفاية" النساء"

غير أن هناك آراء مخالفة ظهرت في مصر

يقول الكاتب والمفكر المصري د. لويس عوض في سيرته الذاتية "أوراق العمر" (مكتبة مدبولي، القاهرة، عام 1989) إنه: "بعد جرائم ريا وسكينة (1920) وجرائم أدهم الشرقاوي (1921)، كانت هناك جريمةٌ روعت الرأي العام في 1923 وظلت حديث الصحافة والناس لسنواتٍ طويلة, وكانت هذه جريمة مارغريت فهمي التي قتلت زوجها (الوجيه) المصري علي كامل فهمي بك في فندق من فنادق لندن الكبرى. وكنت يومئذٍ قد تجاوزت الثامنة من عمري, وكنت أتابع كل ما تكتبه الصحف والمجلات المصرية عن هذه القضية, ولذا بقيت ملامحها العامة في عقلي ووجداني أكثر من ستين عاما حتى كتابة هذه المذكرات. ولكني كالعادة, رجعت قبل التدوين إلى كتاب كنت قد قرأته منذ ثلاثين عاماً اسمه "مرافعات مارشال هول الشهيرة". والسير إدوارد مارشال هول هو المحامي الإنجليزي الشهير الخطير الذي ترافع في لندن عن مارغريت فهمي واستخلص لهذه القاتلة المتلبسة أغرب حكم في تاريخ القضاء وهو البراءة"

ويتابع د. لويس عوض حديثه قائلاً: "فلم تمنع جريمة مارغريت فهمي العديد من الشباب المصريين من الزواج بالأجنبيات", ويقول: "من يقرأ صحافة العشرينيات والثلاثينيات وأدبهما, بل من يقرأ الصحافة والأدب منذ "عيسى بن هشام" و"زينب" حتى بداية الحرب العالمية الثانية, يجد فيها مناظراتٍ لا تنتهي بين الفتاة المصرية والفتاة الأوروبية", وأن الانتصار للفتاة المصرية تعاظم مع انتشار تعليم البنات ومع اتساع الطبقة المتوسطة حتى غدت صورة الزواج بالأجنبيات شبيهة بالوباء القومي, وحتى تعالت الأصوات بحماية بناتنا من هذه المنافسة غير المشروعة وطالبت الأصوات الحكومة بحماية بناتنا كما تحمي الصناعة الوطنية
"

ولم يسكت الرأي العام والفن في مصر على ما جرى
تابع القراءة

gravatar

جرائم العاطفة في مصر النازفة (9): محاكمة مدام فهمي








بدأت المحاكمة في قضية "مدام فهمي" يوم الثلاثاء الموافق 11 سبتمبر أيلول عام 1923 في قاعة محكمةٍ صغيرة في أولد بيلي في لندن
كانت تلك القاعة من الصغر بمكان بحيث أن مراسل "الأهرام" في أول تقاريره عن المحاكمة وصفها بالقول إنها لا تضم أكثر من عشرين مقعداً ليجلس عليها المحامون والصحفيون وبعض أفراد العامة الذين كانوا قادرين على الحصول على تصاريح بالحضور. ومن الواضح أن المسؤولين القضائيين تصورواأنهم أمام جريمة قتلٍ تقليدية لن تجذب اهتمام
لكنهم كانوا على خطأ

وبعد يومين من بدء المحاكمة احتشد الجمهور في القاعة في حين اصطف خمسون شخصاً في طابور خارج باب قاعة المحكمة في انتظار مغادرة أحدهم القاعة حتى يتمكنوا من الدخول. ويقول المراسل إن بعض من كانوا داخل القاعة اغتنموا الفرصة لجني بعض الربح المادي، وباعوا أماكنهم لأي شخصٍ يتوق إلى حضور جلسات المحاكمة



وداخل قاعة المحكمة، كان هناك القاضي ومحامو الادعاء وهيئة المحلفين التي تضم اثني عشر عضواً. على أي حال، كان نجم المحاكمة هو السير مارشال هول، الذي قاد فريق الدفاع المؤلف من ثلاثة محامين. كان هول هو الشخص الذي حوَل الحادث من جريمة قتل عادية إلى محاكمةٍ للشرق وعاداته، وصنع من القضية مسألة رأي عام، ما دفع البريطانيين والفرنسيين إلى التعاطف مع مارغريت باعتبارها ضحية رجعية وبربرية الشرق، في حين حشد المصريون -ومعهم بعض العرب- صفوفهم للدفاع عن عاداتهم وتقاليدهم

والذي لا شك فيه أن مارغريت استعانت بخدمات السير مارشال هول بسبب مكانته الاجتماعية وأيضاً لسمعته كمحامٍ قدير. غير أن أتعاب هذا المحامي لم تكن قليلة. ووفقاً لجريدة "الأهرام" فإن هول تقاضى ثلاثة آلاف جنيه أسترليني إضافة إلى ألفي جنيه أسترليني وخمسمئة جنيه أسترليني لمساعديه الأول والثاني على التوالي.. وهي أتعابٌ كبيرة بمقاييس ذلك الزمان

وخصصت المتهمة مبلغ أربعة آلاف وخمسمئة جنيه لصحافة لندن وباريس، بهدف "الفوز بتعاطف الجمهور، وذم زوجها الشرقي ورسم "معاناة" زوجةٍ في مصر، خصوصاً إن كانت سيدة أوروبية متحضرة"

غنيٌ عن الذكر، أن الصحف المصرية تحدثت عن أن تلك الأموال لم تكن في حقيقتها سوى أموال الزوج المغدور، التي مكنتها من تحمل النفقات الباهظة التي يتطلبها إفلاتها من عقوبة الجريمة التي ارتكبتها، علماً بأن والدها كان سائقاً محدود الدخل

شهدت محاكمة مارغريت فهمي التي استمرت من 11 إلى 15 سبتمبر أيلول 1923 مفارقاتٍ عدة، إذ سعى محامي المتهمة السير مارشال هول إلى الدفاع عن موكلته باتهام زوجها بالتخلف والرجعية، وتأكيد أن مارغريت ضحية زواجٍ يشبه الجحيم، نظراً لوحشية الزوج..وبالفعل نجح في كسب تعاطف المحلفين وهيئة المحكمة، في جريمةٍ ثابتة تبدو للوهلة الأولى مكتملة الأركان خصوصاً في ظل اعتراف القاتلة بارتكابها

وربما جاز القول إن دفاع هول ركز على أن علي كامل فهمي تزوج مارغريت ليضعها في المنزل كأنها كأسٌ تذكارية نالها في مسابقةٍ ما. سيدة فرنسية يسيل لها لعاب الرجال، لكنه تفوق عليهم وفاز بها. وفي المقابل، قال محامي الدفاع إن العلاقة الجنسية بين الزوجين اتسمت بالفظاظة بل والوحشية، لدرجة أن الزوج كان يفضل إتيان زوجتها من الخلف، وهو ما أثبتته فحوصات طبية لاحقة، بينت حدوث تمزق ونزيف في أماكن حساسة من جسد الفرنسية مارغريت


واستغل هول إفادات الشهود في المحكمة ليرسم صورة الزوج المصري الذي استدرج سيدة غافلةً إلى مصر، حيث "استعرض أمامها قصره الفخم الذي يضم أعداداً كبيرة من الخادمات والعاملين، وأظهر لها سيارته الفاخرة، ويخته وقاربه ذا المحرك وسائر مظاهر الثراء الأخرى". وقال إن فهمي كان "مدفوعاً بهيام رجال الشرق بنساء الغرب"، ولكن تحت ظاهره المتمدن ظل "متوحشاً وقاسياً"

وفي "خطاب حماسي"، كما وصفه مراسل "الأهرام"، أخذ هول يعدد في قاعة المحكمة الأهوال الكثيرة التي ارتكبت ضد الزوجة الفرنسية المحترمة. وادعى أن علي كامل فهمي كان يمتلك مسدساً وأنه كان يطلق النار فوق رأسها "ليخيفها ويحملها على الخضوع له، منتظراً منها طاعةً تماثل ما ينتظره شخصٌ من عبده، نظراً لأن النساء لم يكنَ في نظره أكثر من مجرد ممتلكات"
وأشار محامي الدفاع إلى أنه "في مناسباتٍ عدة، منع فهمي زوجته من استخدام السيارة وأجبرها على استخدام الترام برفقة خادم نوبي ليبقيها تحت المراقبة". ودعونا نوضح هنا أن العائلات المصري، وخصوصاً الراقية منها، كانت حريصةً على أن يرافق قريبٌ أو خادمٌ المرأة لدى خروجها من المنزل، إن لم يكن بغرض حمايتها، فإن ذلك يكون في إطار اللياقة؛ ولكن بالتأكيد ليس لغرض المراقبة

الجريمة الثالثة التي ارتكبها الزوج في حق زوجته، حسب محامي الدفاع، أنه وعد بدفع مهرٍ لها بقيمة ألف جنيه، لكنه لم يمنحها نقداً سوى 450 جنيهاً مع شيك بباقي المبلغ المستحق. وهنا يقول مارشال: "هذا هو كل المال الذي حصلت عليه السيدة فهمي من رجلٍ يمكننا أن نؤكد لكم أنه واحدٌ من أغنى الرجال في مصر"

ومن ثم، يقول هول، عاشت مارغريت في القاهرة في القصر الذي أعده لها زوجها، "ولكن تحت رحمة خدمٍ من الزنوج، وبوصفها سجينة لا أكثر في إمرته". وبأسلوبٍ درامي، قرأ المحامي الشهير مقتطفات من رسالةٍ غير موقعة، زعم أنها مرسلة إلى مارغريت من صديقٍ في باريس، وقرأ تلك المقتطفات على المحكمة. تقول الرسالة المجهولة:


"اسمحي لصديقٍ سافر على نطاق واسع في العديد من بلدان المشرق ودرس أخلاقيات الشرقيين ويعرف طرقهم الآثمة، أن يسدي إليك بعض النصح. لا تعودي إلى مصر.. من الأفضل لك أن تخاطري بأموالك على أن تخاطري بحياتك، لأني أخاف أن يقع لك حادث إذا ذهبت إلى هناك"!

وبأسلوبٍ حاذق، رسم المحامي هول صورة سيدةٍ أوروبية بريئة وقعت في براثن رجلٍ شرقي جمع كل الرذائل. وأضاف أن مدام فهمي ارتكبت خطأ شنيعاً في تقدير أخلاقيات علي كامل فهمي قبل الزواج، وما إن وقعت على وثيقة الزواج حتى تبين لها أنه زير نساء، ومخادع ومتوحش. وقال المحامي: "كلما نظر المرء أكثر في الظروف التي تحملتها هذه السيدة، كلما أصابته رعشةٌ من الرعب والاشمئزاز"

وفي يوم الجمعة الموافق 14 سبتمبر أيلول، خاطب السير هول هيئة المحلفين مباشرة، ودعاهم إلى تجاهل حقيقة أن الضحية كان أصغر سناً من زوجته. "نعم، كان عمره فقط 23 عاماً".. ثم أضاف قائلاً: "لكنه عاش حياة الفسق، وكان مهووساً بقدراته الجنسية". ومضى ليذكرهم بأن فهمي، وبوصفه رجلاً شرقياً، لم تكن زوجته بالنسبة له أكثر من أحد المقتنيات، وأنه مهما امتلك من علاماتٍ خارجية تدل على الدماثة والتمدن، فإنه ظل إلى الأبد شرقياً في أعماقه

وفي ظل كيل محامي الدفاع الاتهامات للقتيل وحرصه على رسم صورة نمطية للرجل الشرقي، احتج سفير مصر لدى بريطانيا علناً على هذه الاتهامات التي يلقيها السير مارشال هول جزافاً. غير أن الصورة انطبعت في أذهان كثيرين، وأصبح القتيل محل إدانةٍ وهو راقدٌ في قبره

وعرض مارشال هول سهولة إطلاق النار من المسدس الذي ارتكبت به الجريمة. وقال خبير المقذوفات النارية من الشرطة إن المسدس يمكن فقط استخدامه عمداً، لأن الزناد كان ثقيلاً. غير أن مارشال هول أمسك بالمسدس وبحركةٍ خفيفة من إصبعه ضغط على الزناد أربع أو خمس مرات، ليثبت كم هو سهل أن تقتل بضغطةٍ خفيفة على الزناد

وجادل محامي الدفاع بأن الخلاف تطور بين الزوجين وخرجت الأمور عن السيطرة عندما أطلقت مارغريت النار على زوجها وهي في حالة دفاعٍ عن النفس، رداً على محاولته قتلها. بل إن مارغريت دفعت في المحاكمة بأنها لم تكن تعلم بأن المسدس محشو بالرصاص وأنها كانت فريسة الخوف من سادية زوجها، فلم تدرك حقيقة ما جرى إلا حين رأته يسقط مضرجاً في دمائه. وقالت إنه حين دخل زوجها جناحها كان غاضباً، وبعد احتدام الخلاف قال لها بلهجةٍ بها الكثير من التهديد: "الآن سأنتقم لنفسي منك"، فصرخت في وجهه وطردته من غرفتها، ثم لمحت مسدسها على المقعد، فتناولته وصوبته على زوجها.. فوقعت الجريمة

وفي مرافعته الختامية، وفي سياق وصفه لعلي كامل فهمي بك، تحدث محامي الدفاع عنه بوصفه أجنبياً غريباً وخطيراً، قبل أن يتقمص أمام المحلفين شخصية "البرنس" المخيفة التي تمثل تهديداً للآخرين. وقد احتج سفير مصر لدى بريطانيا على هذا التصرف

وتقول مراجع إنه لما دافع المحامي الشهير عن مارغريت فهمي بكى أمام المحلفين، فكانت دموعه من أسباب تبرئتها أمام المحكمة. مراسل "الأهرام" الذي تابع المحاكمة وصف هول بأنه "مذهل كممثل كما أنه مذهل كمحام". وكان لهذا تأثير كبير على المحلفين وعلى الرأي العام البريطاني
وفي المحاكمة، أثار الدفاع مسألة مثلية القتيل وعلاقته مع سكرتيره، في حين لم يعرف المحلفون في المحكمة الكثير عن علاقات مارغريت فهمي، التي تصفها مراجع ومؤلفاتٌ بريطانية بأنها امرأة ذات أخلاقٍ فضفاضة a woman of loose morals

وبطبيعة الحال، حرص المحامي هول على ألا تثار مسألة أخلاقيات موكلته أمام المحكمة

ومارشال هول المولود في عام 1858 لأب طبيب من برايتون، محامٍ ذائع الصيت، نال لقب سير عام 1917. وتاريخ هذا المحامي في المحاكم البريطانية يشمل النجاح في محاكمات ترتبط بجرائم قتل شهيرة، مثل محاكمات هربرت بينيت وروبن وود ورونالد لايت وألفونسو سميث. وحسب إرنست لستغارتن، فإن المحامي مارشال هول لم يكن أفضل خبير قانوني في العالم، لكنه كان استثنائياً في إضفاء طابعٍ درامي على قطع الأدلة لدى عرضها على المحلفين

ولم يكن محامي الادعاء قادراً على مجاراة الدفاع، بل إنه أخذ أثناء سير المحاكمة يكيل المديح للسير هول وقدرته الفذة على الدفاع عن موكلته، قبل أن يقول إن السير هول قدم جواً مسرحياً أمام المحكمة يختلف عن حقيقة الأمر. وحاول الادعاء أن يفعل شيئاً، لكنه لم يحرز نجاحاً يذكر ولم يتمكن من إقناع المحلفين بأن فارق السن بين القاتلة والقتيل كان عاملاً مهماً، نظراً لأنها سيدةٌ مجربة أقامت علاقات مع كثير من الرجال، وأنجبت طفلة وهي في سن السادسة عشرة

ثم عاد الادعاء ليتحدث عن حب علي كامل فهمي لمارغريت، لدرجة أنه كتب لها رسائل عاطفية حتى يقنعها بالزواج منه. وقال أيضاً إن المجني عليه وفر لها في القاهرة كل أسباب الراحة والثراء، مفنداً ما قاله الدفاع حول ساديته في تعامله مع النساء. وأضاف الادعاء أن الجشع لعب دوراً بارزاً في زواج هذه المرأة من علي كامل فهمي، سعياً وراء المال والحصول على لقب "أميرة"

غير أن الادعاء اضطر إلى الإقرار بوقوع مشاجراتٍ متكررة بين الزوجين، وربما أضعف من حجته إعرابه عن الأسف لأن الشريعة الإسلامية تمنح الزوج المسلم حقوقاً زوجية، مثل حق تأديب الزوجة، مثل الحق في تأديب الزوجة، ولكنه سرعان ما استدرك قائلاً: "ليس بالطريقة الوحشية التي وصفها السير مارشال"

وبدا القاضي الذي يرأس المحاكمة مدركاً بشكلٍ جيد لأي اتجاه يميل الرأي العام. كان بوسعه أن يرى ذلك على وجوه أعضاء هيئة المحلفين، وفي سلوك المشاهدين وفي تعليقات الصحافة البريطانية. وبناء على ذلك، وفي ختام جلسات الاستماع، أخذ القاضي على عاتقه مشقة توجيه تحذيرٍ صارم إلى أعضاء هيئة المحلفين:

"أظهر الادعاء أن المدعى عليها قتلت علي فهمي بك، في فعلٍ يعتبره القانون قتلاً متعمداًً، طالما أن الدفاع لم يتمكن من أن يثبت خلاف ذلك. وإذا كان أعضاء هيئة المحلفين يشكون في أن المدعى عليها اعتقدت أم لم تعتقد أن ما أقدمت عليه جريمة أو أي شيء أقل من القتل، فإنه يجب عليهم على أي حال التوصل إلى أنها بالفعل ارتكبت عمداً فعل القتل. ويجب علينا ألا نسمح للإفادات التي تقشعر لها الجلود أن تلهينا أو تؤثر على أحكامنا. لا تدعوا الخوف أو البغض يمنعكم من إعمال عقولكم"

وبالرغم من هذا التحذير لم تستغرق مداولات المحلفين أكثر من ساعة. وحين عادوا إلى قاعة المحكمة وجلسوا على مقاعدهم، وقف الحاجب وسألهم عن الحكم الذي توصلوا إليه وعما إذا كانت مدام فهمي مذنبة بالقتل العمد؟، فأجاب المتحدث باسم المحلفين: ليست مذنبة. عاد حاجب المحكمة ليسألهم: هل المدعى عليها مذنبة بالقتل الخطأ؟ فرد عليه المتحدث باسم المحلفين: ليست مذنبة

وما إن سمع جمهور القاعة الحكم حتى بدأوا في التصفيق. ووصلت الأخبار بسرعة إلى الجمهور الذي كان منتظراً خارج القاعة، فبادر أيضاً إلى التصفيق. وغضب القاضي من هذا الموقف، ودعا جمهور القاعة إلى التزام الهدوء ثم أمر كل الموجودين في القاعة بمغادرتها، باستثناء المحامين والصحفيين. بعد ذلك، التفت ليخاطب المدعى عليها قائلاً: "مدام فهمي، لقد وجدتك هيئة المحلفين غير مذنبة. لقد تمت تبرئتك من التهم التي وجهت إليك"

وبذلك انتهت محاكمة "عادات الشرق" التي سلقتها الصحف البريطانية لفترةٍ طويلة بمجموعة من المقالات والآراء المعادية للشرق ورجاله

غير أن هذا كان مجرد جزءٍ من الصورة..ومجرد مشهدٍ من معركةٍ جرت وقائعها بين القاهرة ولندن وباريس
تابع القراءة

gravatar

جرائم العاطفة في مصر النازفة (8): فندق الحب والقتل




لندن.. موتٌ مريبٌ في ذاكرة المصريين، الذين نزفوا فوقها دماءهم في مناسباتٍ وظروفٍ مختلفة

وفي الساعات الأولى من يوم الثلاثاء الموافق 10 يوليو تموز عام 1923، روِعَ المجتمع المصري بمصرع المليونير علي كامل فهمي بك على يد زوجته الفرنسية ماري-مارغريت ألبير بعد شهورٍ من زواجهما

فندق "سافوي" في العاصمة البريطانية لندن كان شاهداً على الجريمة

فقد صعد الزوج إلى جناحه في الدور الثاني بالفندق، وكان قد تشاجر مع زوجته بعد أن رفض طلبها بالسفر إلى باريس لإجراء عملية جراحية. فكر في أن يناقشها في الأمر.. دخل جناحه رقم (40) وارتدى ملابس نومه، ثم توجه إلى جناحها. طرق الباب، فأبت أن تفتح له..هددها بأن يحدث ضجة، ففتحت له الباب. حدثت الضجة بالفعل بعد أن سمحت له بالدخول. بعد لحظات خرج الزوج شبه مطرودٍ من جناح زوجته

أثار ذلك فضول الخادم الليلي في الفندق فوقف يشاهد ما يجري في الردهة، وكانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف صباحاً. كان علي مرتدياً البيجامة، وقد بدت آثار صفعة الزوجة على خده. خرجت الزوجة بعد لحظة وهي ترتدي ملابس مسائية مطرزة، وأنبأت الخادم وهي تصرخ في غضب أن زوجها حاول خنقها. أدرك الخادم أنه أمام مشاجرةٍ زوجية قد تكون تقليدية..طلب منهما بأدبٍ مراعاة الهدوء وعدم إزعاج باقي النزلاء، ثم مضى في طريقه

كان آخر ما رآه هو مشروع مداعبةٍ بين "البرنس" - وهو اللقب الذي كان يزعمه علي كامل فهمي لنفسه- وبين كلبه الصغير الذي كان يلهو في الردهة، في حين أخذ علي يأمره بصفيره بالعودة

ما كاد الخادم يصل إلى منعطفٍ، حتى سمع دوي رصاصة، ثم أعقبها إطلاق عيارين ناريين آخرين. عاد الخادم ليجد "البرنس" وقد سقط متخبطاً في دمه، والكلب عند رأسه يلغ في هذا الدم، ومسدس "براوننغ" في يد مارغريت فهمي التي كانت تشير إلى جثة زوجها الذي كان الدم يخرج من فمه

وبسرعةٍ، حضر مساعد مدير الفندق إلى مكان الجريمة، وطلب على الفور طبيباً، كما أبلغ إدارة العلاقات العامة في الفندق قبل الاتصال هاتفياً بشرطة اسكوتلنديارد

كان من الممكن أن يظل هذا الحادث أسير صفحات الجريمة في الصحف البريطانية والمصرية والفرنسية، لولا هوية وجنسية القاتلة والقتيل، والتطورات المثيرة التي شهدتها تلك القضية

كانت ليلةً لندنية عاصفة..المطر يتساقط والبرق يضيء في السماء.. شقت سيارة الإسعاف طريقها مسرعةً إلى مستشفى "تشيرنغ كروس"، ونُقِلَت مدام فهمي إلى سيارة البوليس. في هذه الأثناء، كان العاملون في فندق "سافوي" قد أزالوا كل آثار جريمة القتل وخصوصاً آثار الدماء على سجادة الفندق، الذي استضاف منذ افتتاحه في العام 1889مشاهير مثل ونستون تشرشل، وتشارلي شابلن، وهمفري بوغارت، وجون واين، وريتشارد هاريس، وبرناردو برتولوتشي، وإلتون جون. ونامت في غرفه مارلين مونرو، وإليزابيث تايلور في إحدى مرات "شهر العسل"، ومارلين ديتريتش، وآفا غاردنر، وجان مورو، كما رسم فيه كلود مونيه مشاهد من نهر "تيمز"، ومن ذلك لوحة Waterloo Bridge, Temps Couvert (``Waterloo Bridge, Overcast Weather

في قسم الشرطة، قالت مارغريت: "قتلته، ولست أخشى شيئاً"!.. لكنها بعد لحظةٍ انخرطت في بكاء حاد، بعد أن وصلت قصة الحب الفاجعة إلى نهايتها.. فالقتيل علي كامل فهمي بك المشهور بالفشل والإسراف واللهو، وقع في غرام المطلقة الفرنسية ماري-مارغريت ألبير وأغرقها بالهدايا ليفوز على منافسيه من عشاقها، وذلك بعد أن زارت مصر في شتاء عام 1922،
وقضى العاشقان أياماً بعد ذلك بين فرنسا وإسبانيا

كان لدى علي كامل فهمي ثلاثة أشقاء، وبدا للجميع أنه ينفق ببذخ كأنه أمير، لدرجة أنه، ووفقاً لجريدة "الأهرام"، أنفق في السنوات الأربع التي سبقت مقتله "نصف مليون جنيه على النساء والخمور والسيارات. وتكلف القصر الذي بناه لنفسه 120 ألف جنيه. وكان من عادته أيضاً تقديم هدايا ثمينة إلى الشرطة في كل مدينةٍ يقيم بها"

وفي مذكراتها بشأن زواجها من علي كامل فهمي – وهي المذكرات التي تسابقت الصحف على نشرها بعد محاكمتها-
تقول مارغريت إنها كانت في القاهرة حين بدأ الرجل الذي سيصبح لاحقاً زوجها، في التودد إليها. وبطبيعة الحال، تأثرت مارغريت بهذا الغزل والإعجاب "ومع تنامي حب فهمي لي ليصبح أقوى يوماً بعد يوم، بدأت أرى أمامي حياةً قرأت عنها فقط في كتاب "ألف ليلة وليلة" وسمعت كلاماً عاطفياً عن الحب ووعوداً بما يمكن أن توفره لنا ثروته الضخمة من سعادة"
وقدمت مذكرات مارغريت صورة عن سخاء وبذخ زوجها، إذ كانت لديه ثلاثة هواتف في غرفته بالفندق، موضوعة بشكل معين بحيث توفر عليه مشقة التنقل في الغرفة. وكان لديه قارب سريع مزود بمحرك بقوة 450 حصاناً "كان يندفع به على سطح نهر النيل بسرعةٍ مخيفة وخطيرة، صانعاً أمواجاً قوية تتسبب في اهتزاز العوامات بشدة وميلها باتجاه الضفاف، وتحطيم الأواني الفخارية الموجودة بها، في حين كان شاغلوها يصعدون إلى سطحها ليطلقوا وابلاً من الشتائم على القارب وركابه"

وبعد مراوغاتٍ من المرأة اللعوب وافقت على الزواج منه، وعُقِدَ الزواج المدني في 26 ديسمبر كانون أول عام 1922وفي 11 يناير كانون ثانٍ أشهرت مارغريت إسلامها وحملت اسم والدة زوجها منيرة..وبعد بضعة أسابيع أخرى عُِقدَ الزواج الديني

وكما نُشِرَ في مجلة "اللطائف المصورة" عدد 23 يوليو تموز عام 1923، فإن علي كامل فهمي أنفق 120 ألف جنيه في تأثيث القصر الذي بناه على النيل في الزمالك (مجمع الفنون الآن) عشية زواجه من مارغريت في فبراير بعد أن أسلمت وأطلقت على نفسها اسم منيرة, وابتاع لها في باريس جواهر بمبلغ 200 ألف فرنك أمنت عليها بمليون ومئتي ألف فرنك. ووصفت المجلة آنذاك صورة مارغريت بأنها "صورة الشيطان في جسم ملاك"

وأثناء شهر العسل، اتضحت الهوة بين الزوجين..فكلٌ منهما ينتمي إلى حضارة مختلفة.. إذ كان الزوج البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً حريصاً على أن يسيطر على زوجته النمرة المتمردة فيما ضاقت هي بتصرفاته الشرقية. وبدأ الصراع يتطور حتى أخذ الزوج يعامل مارغريت - التي تكبره بعشرة أعوام، إذ كانت في الثالثة والثلاثين- باعتبارها جاريةً يملكها، فيضربها أمام خدمه ويهجرها. وأثناء الأسابيع التي استغرقتها رحلة اليخت من القاهرة إلى الأقصر لقضاء شهر العسل، عاملها الزوج بقسوةٍ، في محاولةٍ للسيطرة على تصرفاتها التي أثارت في نفسه الغيرة والشكوك، لدرجة أن الرعب تملكها، فكتبت رسالة إلى محاميها المصري البروفيسور أسود، وطلبت من وصيفتها الفرنسية أن ترسلها له بالبريد.. وألحقت بالرسالة وثيقة طلبت من المحامي أن يحتفظ بها

وجاء في نص هذه الوثيقة: "أنا ماري-مارغريت ألبير..أقر وأنا مالكة لقواي العقلية تماماً أنني في حالة مصرعي بالعنف، أو وقوع أي مكروه لي.. أتهم رسمياً زوجي "علي بك" بأنه قد ساهم في اختفائي من الحياة..ذلك أنه في الساعة الثالثة من بعد ظهر أمس- 21 يناير 1923- تناول القرآن ثم لثمه..ثم وضع يده عليه، وأقسم بأن ينتقم لنفسه مني ذات يوم، سواء غداً أو بعد غد أو بعد أسبوع أو شهر أو ثلاثة أشهر..المهم أن أختفي من الأرض بيده..وقد أقسم زوجي هذا القسم دون أدنى سبب مفهوم، سواء من غيرة أو سوء سلوك أو مشهد عاصف جانبي..لذلك فإنني أرغب، بل وأطالب بإنصاف ابنتي وأسرتي من عواقب فعلته..والثأر لي منه"

لكن المفارقة وقعت، إذ كانت "ماغي" ذات الجسم الصغير والمثير هي التي أقدمت على قتل زوجها بإطلاق الرصاص عليه في ظهره، بعد أن ضاقت ذرعاً بساديته واستمتاعه بتعذيب من يحب، إضافة إلى ميلوه المنحرفة في علاقته الحميمة معها، لدرجة أنها خضعت لعلاجٍ طبي من آثار هذا الانحراف، ونصحها الطبيب المعالج بإجراء عمليةٍ جراحية. وعندما رفض علي كامل فهمي سفرها إلى باريس للعلاج وزيارة ابنتها غير الشرعية ذات الخمسة عشر ربيعاً التي تدرس هناك، دب الخلاف بينهما

وفي إفادتها، قالت مارغريت إن زوجها كان يسيء إليها جسدياً ويحبسها في يخته أثناء رحلة شهر العسل. وفي الأقصر، جعلها ترقد في مقبرة فرعونية فارغة لالتقاط صورة لها. وحين وصلا فندق "سافوي" بعد بضعة أشهر، وصلت العلاقة بينهما إلى نقطة الفراق، بعد رفضه دخولها مستشفى لإجراء عملية جراحية كانت تحتاجها

وفي ظل هذه الصورة المعقدة، اتجهت أنظار المعنيين بالقضية إلى المحاكمة

وفي قاعة المحكمة، وقعت مفاجآتٌ من العيار الثقيل
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator