المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

جمهورية الفوضى


في وطنٍ تحكمه الفوضى يصبح كل شيء ممكناً

وحين نفقد البوصلة يصبح طبيعياً أن تجد من يسير عكس الاتجاه، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً

وفي مصر، استسلم العامة قبل الخاصة لفكرة الفوضى، بعد أن ضاع التاريخ ولم يعد سوى صورة في بطاقة معايدة أو لوحة غنائية للتباهي في المناسبات الرسمية والأعياد القومية. أما الحاضر، فقد اختطفه اللصوص وصادرته أجهزة الأمن، وأهدرته طوابير طويلة بحثاً عن لقمة العيش، أو العيش نفسه

وحين يضيع التاريخ، ويصبح الحاضر رهينة، يتسرب المستقبل ويخبو الأمل في صنع غدٍ أفضل، إلا في وسائل إعلام رسمية ترهلت وأصابها من الفساد ما أصاب غيرها من الهيئات والمؤسسات في هذا الوطن

لقد أصبحت أبسط الحقوق أحلاماً يصعب علينا تحقيقها مما جعل الحلم الحقيقي يتلاشى ويصبح مطلباً بعيد المنال، أو يدخل في باب المحال

ولأن البعض يتعلق بثوب الدولة ظناً منه أنها الأم والأب، والمنقذ والمخلص، فإن صدمة هؤلاء كبيرة عندما يجدون الدولة مفككة، تتضارب فيها المصالح والمواقف والسياسات. وكيف يمكن أن يكون هناك كيان اسمه الدولة وجميع الحوادث التي تشهدها شوارعها يومياً وبكثافة ربما لا يكون لها مثيل في أي بلد في العالم، جميعها يستوي فيها المخطئ والمصيب، ولا تجد صدى لدى المسؤولين عن الأمن سوي محاولة تطييب الخواطر وإفهام الجميع أن عمل المحاضر وإثبات الحالة وغيرها ليست أكثر من تضييع للوقت، وأنك لن تحصل على حق أو تعويض

هناك من يتساءل: من يحكم مصر؟

والإجابة بسيطة: الفوضى

إننا نعيش مهددين بقبضة الأمن، وسطوة رجال الأعمال، وتحت رحمة تجار جشعين، وبلطجية وجدوا الساحة مهيأةً لفعل ما يحلو لهم. أما المواطن العادي فلم يعد يسير بمحاذاة الجدار، وإنما داخله، إلا أنه يظل فريسة سهلة لكل هؤلاء

وفي ظل تلك الفوضى، يستسيغ الجميع، حكاماً ومحكومين، فكرة الجهل والإهمال والتسيب، ويتقن فن المراوغة والخداع والتلاعب، ويفقد الآباء قبل الأبناء مفهوم الانتماء الحقيقي للوطن، والفهم العميق للدين القويم، لتنتهي المهزلة بضياع البلاد ومهانة العباد داخل المحروسة أو في أرض الله الواسعة

أين الدولة؟

إننا لا نرى من مظاهرها سوى صور عابرة، في ظل انكسار المواطن تحت وطأة الظروف المعيشية القاسية، وصلف السلطات وتعنت الهيئات الحكومية، وانتشار الفساد بمختلف صوره وأشكاله

إن المؤشرات جميعها تؤكد أن الدولة حصرت نفسها في الاحتفالات والبروتوكولات والمكلمات، وصدقت وسائل إعلامها، واطمأنت إلى قدرة أفراد أمنها على تأمين استمرار نظام حكمها.. ثم انزوت في القصور والمباني الفخمة التي يقف على أبوابها حراس أشداء يمنعون البسطاء من الوصول بأصواتهم أو شكواهم إلى أولي الأمر

ترى متى تعود لترعى أحوال شعبها؟

إن أزمات وحروب الغد تولد اليوم..وهو ما غاب عن أذهان صانعي القرار الذين يعيش أغلبهم في كبسولة فضائية لا علاقة لها بالواقع المعاش ولا بحياة أبناء هذا الوطن

وفي علم السياسة، توجد ثلاث وسائل لتعزيز الإصلاح السياسي الديمقراطي في النظم شبه السلطوية. الوسيلة الأولى هي الاستمرار في إدخال إصلاحات تدريجية في إطار النظم القائمة، أما الوسيلة الثانية فهي تقوم على عنصر المفاجأة التي من شأنها أن تؤدي إلى تحولٍ ديمقراطي كامل. وتعتمد الوسيلة الثالثة على تقاسم السلطة بين النظام الحاكم والمعارضة المرتبط بإدراك كلا الطرفين أنه لا يمكن لأحدهما القضاء على الآخر

أما في مصر، فقد ظهرت وسيلةٌ رابعة للتعامل مع واقع سياسي مضطرب: الفوضى..غير الخلاقة

والكتاب الذي بين أيدينا قراءةٌ في ماضي مصر، ودراسةٌ في حاضرها، ومحاولةٌ لاستقراء المستقبل، لعلنا ندرك ما جرى، ونستوعب ما يحدث، فنحسن فهم ما يمكن أن تحمله لنا الأيام والأعوام المقبلة

أو قل إنها بصيصٌ من الضوء، ربما يتحول يوماً إلى بارقة أمل في نفوس أبناء مصر..مصر التي إن ارتفعت هامتها ارتفعت هامة العرب، وإن هانت واستكانت هانوا..وكانوا

وبعد.. إنها كلماتٌ تحاول أن تضيف وتثري، وقراءاتٌ تنظر في أحوال المحروسة حتى تصبح حارسة للحق والعدل والنهضة، وتأملات مخلصة في أحوال القاهرة..حتى لا تبقى مقهورة

من مقدمة كتاب "جمهورية الفوضى: قصة انحسار الوطن وانكسار المواطن" - كتاب "ميزان"- يناير 2008

تجدون إصدارات "ميزان" في معرض القاهرة للكتاب، سراي 4- جناح دار ليلى
وعقب معرض القاهرة للكتاب، تجدونها في المكتبات الكبرى في مصر

تابع القراءة

gravatar

قبل الطوفان



على حافةِ الكون يقفُ المدوِن
ربما يكون باحثاً عن حقيقة ضائعة أو راغباً في لمس سقف السماء بإحساسه وترصيع ملابسه بنجمةٍ أو أكثر، أو حالماً بحرية النفس أو الوطن، أو صاحب رأي وموقف وقضية

هنا ترتدي المدونة عقل وقلب صاحبها، ليصبحا في إيقاع موسيقي عذبٍ الحلقة المفقودة في دورة الحياة ونشأة الإنسانية
والتدوين تنوعٌ، مثلما أن الكتابة فعل التزام

وفي فضاء التدوين، تجد البشر قادرين على تجاوز حدود عالمهم الصغير بالكتابة عن قضايا وهموم وتحدياتٍ لا تعد ولا تحصى، والوصول بأفكارهم ورؤاهم إلى أربعة أركان الدنيا..فالكلمات لها أجنحة
ربما كان هذا السبب وراء انحياز كاتب هذه السطور لتجربة التدوين بشكل عام، خاصة أن مساحة الحرية أكثر اتساعاً، دون رقابةٍ أو قيود تُذكر، على الأقل حتى الآن

ولعل أبرز ما شغلني عند بدء تلك التجربة، هو ذلك التاريخ الضائع الذي يعاني الإهمال ويفتقد الدقة والقدرة على التوثيق. من هنا، كان اهتمامي الأول هو محاولة جمع أوراق تاريخ مصر المبعثرة، لتبيان الحقائق ورصد الأحداث قدر الإمكان

هدف مدونة "قبل الطوفان" في شقها التاريخي كان إذاً التوثيق والتدقيق، لا الإمتاع والمؤانسة. على أن أسلوب الكتابة عنصرٌ بالغ الأهمية في جذب القاريء ولفت انتباهه إلى جوهر الموضوع، وتشكيل رأي عام أكثر وعياً ونضجاً وإدراكاًً للأمور

والتدوينات التي ظهرت على مدونة "قبل الطوفان" تجسد في جانبٍِ منها، رغبةً جادة في قراءة تاريخ مصر المعاصر، وفهم طبيعة وحقيقة الأدوار التي لعبها البعض عبر عقودٍ طويلة، وتحليل طبيعة الشخصية المصرية

لقد حان الوقت كي ننزع القداسةَ عن تاريخنا, لأنه تاريخ بشرٍ يخطئون ويصيبون. ونحن نرى أن "قبل الطوفان" حاولت أن تضيف وتثري النقاش حول قضايا مهمة وشخصيات مؤثرة في تاريخ مصر، سعياً وراء الحقيقة ولا شيء سواها

والحقيقة هنا تشير إلى اختلال الموازين في ظل مصيبةٍ اسمها تولية الأمر لغير أهله، وتبين أن مصر تتأرجح - أو تترنح- مثل بندول الساعة بين الحلم الممكن والواقع المرير

وفي أولى تدوينات تلك المدونة، كتبنا بتاريخ 18 فبراير شباط 2006 وتحت عنوان "الحقيقة..تلك الكلمة السحرية" قائلين:

"وفي وصف حالتنا التي لا تخفى على القاصي والداني..لا تكون الكتابة ترفاً، بل فعلاً ومقاومة وسفينة نجاة.. قبل أن يجتاحنا الطوفان"

وهذا بالضبط ما دفعنا إلى جمع تلك التدوينات وإعادة قراءتها وإضافة بعض التفاصيل إن لزم الأمر واستدعت التطورات المتلاحقة للأحداث، حتى يتسنى للقاريء أن يدرك ما يجري حوله ويستوعب الصورة كاملة، بدلاً من الاكتفاء بجزءٍ منها. ومن رحم المعلومات الشاملة والبيانات الوافية والإرادة الواعية الحرة، تُولد القرارات الصائبة التي تمكث في الأرض وتنفع الناس

والشاهد أن القراءة المتأنية لمدونة "قبل الطوفان"، وتحديداً التدوينات المختارة عن مصر المحروسة، تكشف عن حقيقةٍ لا تقبل الجدل، مفادها أن ثمة احتكاراً حقيقياً للسلطة في البلاد بين أيدي مجموعة قليلة من النخبة ترتبط ببعضها البعض بكل وشائج المصلحة والمصاهرة والمجاورة، وتمنع، بكل سبل التشريع الفاسد والإجراءات الاستثنائية أي مصري آخر من خارجها من الاقتراب من مركز تلك السلطة

تاريخٌ من المظالم الاجتماعية والسياسية، والمفارقات المضحكة والمؤلمة معاً، والنوادر التي تستحق أن تُروى، والتي تثبت أن في بلادنا الآن أكثر من "مصر"

أمصارٌ من كل نوع ولون، تخوض صراعاً لا ينتهي، بعضها تقوده شهوة الثراء، وبعضها الآخر يتمنى نعمة البقاء، وما بين فكي الرحى شعبٌ راح يتساقط تحت وطأة العطش والفقر والبطالة وأمراض الكلى والكبد والأوجاع النفسية والعوز والتفكك الأسري، التي تلقي بفلذات الأكباد إلى غيابة الشوارع والطرقات المتوحشة

وعاشت الدولة في السنوات الأخيرة في حالة صدامٍ دائم مع المجتمع بفئاته المختلفة، ولا ترغب وفقاً للعقد الاجتماعي التاريخي بين الشعب والدولة في التصالح معه والاستجابة لمطالبه الخاصة بالحرية والديمقراطية والإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي الشامل، بل تأخذها العزة بالإثم والعناد في مواجهة المشكلات التي يواجهها الشعب بمختلف طوائفه حتى أصبح العقد الاجتماعي بين الطرفين فاقداً لمشروعيته ووجوده، وبات زواجاً غير شرعي

ولقد بدا واضحاً ذلك الانسحاب المخزي للدولة من المجال العام - السياسي والنقابي والإداري ـ والمجال الخاص في حماية كل مواطنٍ يحاول أن يسير على قدميه. وامتد انسحاب الدولة ليشمل باقي مجالات الحياة، فالدولة غائبةٌ عن حياة المصريين اليومية، لا تظهر إلا في الكوارث، وتغيب حين يكون مطلوباً منها أن تمنعها أو تواجهها قبل وقوعها

فالمصريون يموت منهم كل عام حوالي ١٠ آلاف قتيل في الطرق وحدها، ولا أحد يتحرك بمن فيهم الناس أنفسهم، ويغرقون في العبارات النيلية، وليس فقط عبارات البحار وهم لا يتحركون، وينهار نظامهم التعليمي ويعيشون في فوضى وعشوائية أقرب إلى المهزلة، ويُستنزَفون منذ الصباح وحتى عودتهم إلى منازلهم في مشاجراتٍ ومشادات وجدلٍ لا ينتهي مع بعضهم البعض، دون أن تحكمهم قاعدة قانونية واحدة تنظم شيئاً واحداً في حياتهم

وهكذا عاشت مصر عصوراً انتشرت فيها ثقافة المسكنات والمهدئات، حتى في الحالات التي كانت تتطلب بتراً أو جراحة عاجلة، لأن أهل المصلحة في بقاء الحال على ما هو عليه رأوا أنه لا ضرورة للإصلاح في مجالات ومناحي الحياة، حتى آلت الأمور إلى ما نحن عليه الآن من تدهورٍ وضياع للدور والمكانة والتأثير

مدونة "قبل الطوفان" كانت رصداً لهذا التدهور، وأول العلاج هو التشخيص السليم

فلنبدأ معاً القراءة.. ورحلة العلاج

من مقدمة كتاب "قبل الطوفان: التاريخ الضائع للمحروسة في مدونة مصرية" - كتاب "ميزان"- يناير 2008
تجدون إصدارات "ميزان" في معرض القاهرة للكتاب، سراي 4- جناح دار ليلى وعقب معرض القاهرة للكتاب، تجدونها في المكتبات الكبرى في مصر
تابع القراءة

gravatar

جرائم العاطفة في مصر النازفة (11): لعنة "أولاد الذوات"






في قضية مقتل علي كامل فهمي..دخل الفن على الخط

يقول د. لويس عوض في سيرته الذاتية "أوراق العمر": "وقد كانت أهم ثمرة في أدب المسرح لتعاظم هذه الحملة على الزوجة الأجنبية هي مسرحية "أولاد الذوات" التي كتبها ومثلها يوسف وهبي (عام 1930) وهي تصور وجيهاً مصرياً اغتر بالنشرة الحضارية البراقة التي تتميز بها المرأة الأوروبية فتزوج من فتاة أجنبية بددت أمواله وخربت بيته واكتشف أنها تخونه. وقد كنا نتندر ونحن صغار بذلك الكريشندو الذي بلغه يوسف وهبي وهو يصيح في زوجته الأجنبية قبل أن يطلقها "يا امرأة الكل يا مزبلة". ويبدو أن "أولاد الذوات" كانت الرد الميلودرامي على قضية مارغريت فهمي وعنصرية مارشال هول، من وجهة نظر مصرية. بعبارة أخرى: إذا كنتم تصفون كل الأزواج المصريين بأنهم جلادون يسحقون زوجاتهم, فنحن أيضاً نصف كل الزوجات الأجنبيات بأنهن ساقطات يخن أزواجهن, ونبقى خالصين, والبادي أظلم. وهذه التعميمات في الحالتين سذاجات لا تليق بالمتحضرين"

لا بد من القول إن فيلم "أنشودة الفؤاد" من إخراج ماريو فولبي عام 1932, هو أول فيلم مصري طويل ناطق. وبالرغم من أن "أنشودة الفؤاد" أنجِزَ قبل فيلم "أولاد الذوات" إخراج محمد كريم، فإن الفيلم الثاني سبقه إلى العرض في 14 مارس آذار عام 1932 في سينما رويال بالقاهرة, في حين عرض "أنشودة الفؤاد" في 13 أبريل نيسان في سينما ريالتو بالإسكندرية ثم في سينما ديانا بالقاهرة في اليوم التالي

عن نص "أولاد الذوات" كتب يوسف وهبي قصة وحوار الفيلم الذي أخرجه وكتب له السيناريو محمد كريم بالعنوان نفسه. أبطال الفيلم هم: يوسف وهبي، أمينة رزق، سراج منير، كوليت دارفيل، أنور وجدي، حسن فايق. وملخص قصة الفيلم من واقع ما نشر عنه: يخون حمدي زوجته المصرية مع فتاة فرنسية, ويسافر معها إلى باريس, وهناك يكتشف أنها تخونه, فيقتلها ويقتل عشيقها, ويحكم عليه بالسجن. يعود حمدي إلى مصر يوم زفاف ابنه ليجد ان زوجته قد تزوجت من ابن عمها بعد أن تصورت أنه توفي في فرنسا. ومن دون أن يعرف نفسه، يتقدم حمدي نحو ابنه ويقدم له التهاني, فيتصور الابن أنه شحاذ ويعطيه بعض المال. يغادر حمدي المنزل وينتحر!

يذكر المخرج محمد كريم في مذكراته أن جريدة "لابورص" الفرنسية هاجمت فيلم "أولاد الذوات" ونشرت جريدة "المقطم" ترجمةً عربية للمقال في عدد 30 مارس آذار عام 1932 جاء فيها "إذا تركنا جانباً الوجهة الفنية التي عمل عليها فيلم "أولاد الذوات" وهي تعد عتيقة مضحكة, فنحن نجد أن هذا الفيلم هو على مثال أفلام روسيا الشيوعية التي تترك الفن للفن وتقصد الدعاية, فقد أرادوا به أن يروجوا الدعوة لدى المصريين لكراهية المرأة الأوروبية وخاصة الفرنسية, فهي تخرب البيوت وتقود الرجال ضحيتها إلى الدمار وإلى الجريمة وإلى الموت. ولكي يستكملوا المظاهرة وضعوا بطريقةٍ كلها عبث أطفال جميع الرذائل وضروب الخسة في شخص تلك المرأة وعهدوا بها للمدموازيل كوليت درافيل التي قامت بالدور عن طيب خاطر، وهو موضع العجب"

ويستطرد كاتب المقال قائلاً: "وليس من شك أن الكثير من الناس الطيبين قد صدقوا أن هذا هو حال المرأة الأوروبية. ولا حاجة للقول إن شخصية "دافاس" إنما هي كاريكاتورية بل وكاريكاتورية مشوهة, فقد جمعوا فيها كل شيء ليجعلوها رمز رذيلة الغرب في مقابل فضيلة الشرق. وكان هذا منهم عملاً رديئا. كما لو أنهم مثلوا في أوروبا عصابة يبدو فيها شاب مصري يخدع امرأة, فمثل هذا الفيلم يضيق به الناس لأنه ينطوي على الحقد, ولكن ما من أوروبي صنع ذلك الفيلم, فكيف يخرجون في مصر فيلماً كهذا مبنياً على التعصب من دون أن يكون حتى على شيء من الفن"

ويقول محمد كريم في مذكراته: "ثم نشرت "المقطم" النبأ التالي: "قدم بعض الأجانب شكوى إلى وزارة الداخلية في فيلم "أولاد الذوات" وقالوا إن فيه تعريضاً وأسباباً للنفور فندبت الوزارة جناب المستر غرايفز ومعه أعضاء اللجنة المختصة بهذه الأمور فذهبوا يوم الأربعاء إلى سينما متروبول حيث عرض الفيلم عليهم فحكموا بأن ليس فيه ما يستحق الاعتراض أو المؤاخذة على المرأة الفرنسية, وأكدت اللجنة إجازة الاستمرار في عرضه على أنظار الجمهور. وكان قد حدث على أثر هذه الحملة أن أوقفت وزارة الداخلية الفيلم في أول يوم من عرضه الثاني في سينما متروبول في الحفلة الصباحية, وحدثت في البلاد هزة كبرى لهذا المنع أفادت الفيلم فائدة عظيمة, وصادف عرضه إقبالاً كبيراً"





وفي عام 1947 أنتج فيلم The Paradine Case للمخرج ألفريد هيتشكوك عن رواية وضعها عام 1933 روبرت هيتشنز ، الذي كان لفترةٍ مساعداً للأديب أوسكار وايلد. بنى هيتشنز روايته على جريمتين مثيرتين في بريطانيا، الأولى هي جريمة الأمريكية فلورانس مايبريك التي وجدت مذنبة وأدينت بتسميم زوجها البريطاني في ليفربول العام 1889. أما الحادثة الثانية فهي قضية مدام فهمي

كما شهد عام 1994 تقديم مسلسل تليفزيوني يحمل عنوان "في ظروف مثيرة للشكوك"
"In Suspicious Circumstances"

كانت الحلقة الأولى منه حول جريمة مدام فهمي، ولعبت دورها الممثلة جوستين ميدا

ويرى البعض أن أحداث وتفاصيل جريمة قتل علي كامل فهمي تؤهلها لأن تكون من أكثر الجرائم العاطفية إثارة في القرون الثلاثة الأخيرة. وإن كنت من المؤمنين بحكاية لعنة "الملك توت" أو لعنة الفراعنة، فلا بد أن تتوقف طويلاً عند جريمة القتل المذكورة. فقد كان علي كامل فهمي شخصيةً اجتماعية معروفة في بلاط الملك فؤاد - وأثناء فترة زواجه القصيرة زعم أنه يمت بصلةٍ للملك فؤاد وأسبغ على نفسه لقب "برنس"- وكان من أوائل من زاروا معسكر هوارد كارتر ولورد كارنارفون في العام 1922، لمشاهدة الكنز الثمين الذي تم اكتشافه للفرعون الشاب توت عنخ آمون. ويورد البعض اسم علي فهمي ومصيره المأساوي ضمن قائمة طويلة بالنهايات الأليمة التي نزلت بمن شاركوا في هذا الكشف الأثري أو كانوا شهوداً عليه في مراحله الأولى


وقد يستوقفنا في هذا الصدد بحثٌ مهم أعدته لوسي بلاند ونشر في كتاب الجنسانية والتاريخ Gender & History. البحث يحمل عنوان "نساء بيضاوات ورجال ملونون: المخاوف من تمازج الأجناس في بريطانيا عقب الحرب العظمى" White Women and Men of Colour: Miscegenation Fears in Britain after the Great War

تقول الباحثة إنه "من المقترح أن تمازج الأجناس وقف كعلامةٍ حدودية بريطانية، تفصل بين المقبول وطنياً وما يمثل تهديداً وطنياً. والطرفان المعنيان هنا: الرجل البدائي الملون والمرأة البيضاء – من النوع الرخيص- كانا يصنفان بوصفهما من ذوي الانحراف الجنسي"

وفي مقالةٍ ثانية، نشرت لوسي بلاند في العام ألفين دراسةً مهمة تركز على هذه الحادثة تحت عنوان " محاكمة مدام فهمي: الاستشراق، العناد الجنسي وتهديد تمازج الأجناس"The Trial of Madame Fahmy: Orientalism, Sexual Perversity and the Threat Miscegenation

وتبين بلاند أن مسألة العرق وليس العجرفة المعكوسة، هي التي أنقذت مدام فهمي أثناء محاكمتها بتهمة قتل زوجها، الذي كان يُمثَلُ على أنه "شرقي" وبالتالي متوحش ومنحرف جنسياً. وكما تفسر لنا بلاند، فإن المتهمة جسَدَت "الأنوثة الغربية، في مواجهة وحشية الشرق" (ص 193)

ويمكن أن نجد تلك الدراسة في كتاب حررته شاني دكروز بعنوان" العنف اليومي في بريطانيا (1850-1950): الجنسانية والطبقة والعنف في بريطانيا، 1850-1950"، الصادر عن دار لونغمان للنشر

Shani D'Cruze (ed), Everyday Violence in Britain, 1850-1950: Gender, Class and Violence in Britain, 1850-1950

معلوماتٌ أخرى يضيفها أندرو روز في كتاب "فضيحة في سافوي: قضية القتل سيئة السمعة في عشرينيات القرن العشرين" Scandal at the Savoy: The Infamous 1920's Murder Case

يقول المؤلف إن مقتل المليونير المصري العابث في الأول من شهر سبتمبر أيلول عام 1923 على يد زوجته الفرنسية الحسناء في فندق "سافوي" الفخم في لندن، أثار بعناصره المختلفة اهتمام وسائل الإعلام لتنال الجريمة تغطيةً موسعة وتثير نقاشاً مستمراً في أوساط الرأي العام لشهورٍ طويلة

وينطلق أندرو من خبرته العريضة في القانون الجنائي ليفحص الحقائق خلف القضية، ويلقي الضوء على معلوماتٍ وأسرار كثيرة تتعلق بمدام فهمي وزوجها، لم تتح للقاضي ولا المحلفين فرصة معرفتها. ويقول أندرو إن الميول الجنسية المزدوجة لدى علي فهمي هي سر المأساة والجريمة. ولعله من الضروري القول إن أندرو هو أول شخص من العامة يُسمحُ له بالاطلاع على ملف الشرطة بشأن الحادث

لقد كرهت مارغريت زوجها طوال أشهر زواجهما الثمانية، لكنها كانت من الذكاء بما يكفي كي تقتله في لندن، حيث يمكنها الحصول على محلفين أكثر تعاطفاً ومحامي دفاع أفضل، كما نجد في الجزء رقم 86 من مجلة MURDER CASEBOOKوالصادر عام 1991 تحت عنوان"طلقات في الظلام: مارغريت فهمي ولوك آه تام"
Shots In The Dark: Marguerite Fahmy & Lock Ah Tam


The Mammoth Book of Women Who Kill (Mammoth Books)
تأليف ريتشارد غلين جونز

Chronicle of Murder: A Chronological Analysis of Murder
تأليف بريان لين

Murder on Several Occasions
تأليف جوناثان غودمان

ولكن ماذا عن ماري-مارغريت ألبير، أو "مدام فهمي" كما أسمتها الصحافة البريطانية؟

بعد نيلها البراءة، خسرت مارغريت دعوى قضائية أقامتها لنيل تعويض مادي من أهل الزوج الراحل، لكنها سرعان ما انشغلت بمهنتها الجديدة: التمثيل

فقد رفضت في البداية عرضاً بالوقوف على خشبة المسرح، ثم وافقت على عرضِ قدمه لها أحد المنتجين بأن تمثل على الشاشة، على أن يكون دورها الأول هو دور زوجة رجل مصري
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator