المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

مطعم الفراعنة







كنتُ جائعاً للفوز
كانوا جائعين للبطولة

ربما لهذا السبب، قَبِلتُ دعوةً كريمة من صديقي علي لمتابعة نهائي كأس أمم إفريقيا 2008 وتشجيع منتخب مصر القومي لكرة القدم في مواجهته أمام منتخب الكاميرون

الدعوة كانت في النادي المصري في دبي، بالإمارات العربية المتحدة. ما إن دلفنا حتى وجدنا جموعاً من المصريين الذين تسري في دمائهم نار الرغبة في النصر والاحتفال..هتافٌ وأهازيج، ولوحة من ألوان علم مصر، اختار بعضهم أن يطليها على وجهه أو يرسمها على قميص رياضي..مصريون من مختلف الأعمار وحدتهم الرغبة في الفوز ولا شيء سوى الفوز

كانت الأنظار معلقةً على الشاشة العملاقة لمتابعة أحداث المباراة المصيرية، والحناجر تهتف.. بالاحتجاج تارة، والدعاء تارة أخرى..وكانت المقاعد تلفظ الجالسين عليها بين الحين والآخر بسبب التوتر والهجمات الخطرة هنا وهناك

قبل المباراة، يداعبني صديقي السعودي فارس في رسالة نصية يقول لي فيها: "دقائق قبل المعركة..بسم الله رب السبعين مليون مصري"
وأثناء المباراة، أراقب انفعالات الصديقين علي ومحمود..ذاب هدوؤهما واحترقت أعصابهما..حتى معلق "إيه آر تي" خاطب الكرة التي تتمنع وتمتنع عن دخول مرمى الكاميرون بالقول: "ادخلي بقى يا شيخة"

أثناء سير المباراة، بدا لي قائد منتخب الفراعنة أحمد حسن أطول قامةً وكان يحرق عشب الملعب برجولة وفدائية، ولمحت وائل جمعة يخرج صامويل إيتو من جيبه وينظر إليه وهو يبتسم بعد أن حوَّل نجم برشلونة الإسباني إلى ساعة جيب. ورأيت حسني عبد ربه يصحح معلومةً وردت في كتب التاريخ حول مكتشف "طريق الحرير"، بفضل قدرته على التمرير المتقن وتعطيل محركات منتخب الكاميرون. وشاهد كثيرون المهاجم عمرو زكي يجري كأنه نمرٌ لمح وجبة العشاء أمامه..أما حارس المرمى عصام الحضري فقد كان جاهزاً لأداء رقصة الفوز التي يتفاءل بها عشاق الكرة المصرية بعد كل فوز كبير

وفي لحظةٍ توقف الزمن

كانت المباراة في دقيقتها السابعة والسبعين حين وصلت الكرة إلى قائد منتحب الكاميرون المدافع المخضرم ريغوبير سونغ لاعب غالاطا سراي التركي. أراد سونغ التحكم في الكرة، لكن محمد زيدان مهاجم نادي هامبورغ الألماني كان في انتظار تلك الفرصة

شم زيدان الكرة المصرية رائحة فريسة..وكانت الفريسة هذه المرة هي أسد عجوز فقد كثيراً من بريقه القديم كمدافعٍ صلد
الميكروفونات الحساسة التقطت محمد زيدان وهو ينطلق لمواجهة سونغ وهو يغني المقطع التالي من أوبريت "الليلة الكبيرة" للراحلين صلاح جاهين وسيد مكاوي:

"حالاً بالاً سأصارع. . أسد إنما إيه؟..متوحش
وحخلي وجهه شوارع
تصقيفة يا ناس ميصحش"
انقض الفتى الصغير حجماً وسناً على العملاق سونغ، وضغط عليه بشدة، فارتبك قائد الكاميرون وأراد إنقاذ الموقف. أوقع زيدان أرضاً وأراد له أن يستسلم، غير أن الفرعون الصغير تمكن بإرادةٍ قوية وعزيمة مذهلة من إبقاء عينه على الكرة
يقسم البعض أنهم رأوا زيدان يتسلق جدائل سونغ التي تشبه شجرة الصفصاف، قبل أن ينهض من الأرض ليمرر كرة عرضية، تهادت حتى منحت نفسها لرجل المباراة: محمد أبو تريكة
وهي المرة الثانية على التوالي التي يلعب فيها أبو تريكة دور قيادة مصر إلى اللقب عندما قام بذلك في عام 2006 بتسديده ركلة الجزاء الترجيحية التي منحت الفراعنة اللقب على حساب منتخب كوت ديفوار 4-2 في المباراة النهائية
كأنما لمسة أبو تريكة هي الوحيدة التي تأنس لها كرة العُرس الإفريقي الكبير

أخيراً افتُضح أمر "الشيخ" أبو تريكة..فقد تبين لعشاق الكرة المصرية أن بينه وبين الكرة في النهائيات الإفريقية علاقة خاصة..حميمة ومبهجة

كانت الكرة تتهادى وتتبختر كأنها في ليلة زفاف، وهي في رحلتها لمعانقة شباك المرمى الكاميروني معلنةً عن هدف المباراة

وبمجرد إطلاق صافرة انتهاء المباراة، احتفل المصريون في كل مكان: فوزٌ كانوا في حاجة إليه


فوزٌ يشبه حاجة منتخب العراق للنصر وحمل لقب كأس أمم آسيا عام 2007..كي يشعر العراقيون بإنجاز كبير يستحق الفخر ويمنح الأمل

اشتعلت عقب المباراة احتفالات جنونية ..لوح مشجعون بأعلام مصر ووضعها آخرون على سياراتهم وشرفات منازلهم، وقفز البعض في قلب مياه نافورة في ميدان رئيسي، فيما أشعل البعض نيراناً وأطلقوا الألعاب النارية وامتلأت الأجواء بأصوات أبواق السيارات احتفالاً بالانتصار

يعود فارس برسالةٍ نصية قصيرة للتهنئة يقول لي فيها: "إن الله يحب السبعين مليون مصري"

فأرد عليه برسالةٍ نصية على طريقتي أقول له فيها: "مطعم الفراعنة يرحب بكم ويقدم لكم أحدث وجباته: لحم الأسود مع مشروم"

وهذه حقيقةٌ كروية مثلما أن الأرض أيضاً كروية.. فقد ركب المنتخب المصري أفيال كوت ديفوار، وقهروا جديان السودان، واختتموها بفوزٍ جديد روضوا فيه أسود الكاميرون التي لا تُقهر

وهكذا بات من حقهم تسجيل هذه الأصناف الجديدة من الأطعمة الإفريقية باسمهم في كتبٍ ومراجع قد تحمل أسماء من عينة " الدليل الموعود في طهي لحم الأسود" و"" لذة الكمال في ركوب الأفيال"

والفراعنة تخصصوا في إثبات أن فوزهم مستحق..ففي كأس أمم إفريقيا عام 2006 التي استضافتها القاهرة، فازوا على منتخب كوت ديفوار مرتين، الأولى في تصفيات المجموعات بنتيجة 3-1 ثم كرروا وعززوا الفوز في النهائي بركلات الجزاء الترجيحية

وفي كأس أمم إفريقيا عام 2008 في غانا سحقوا الكاميرون 4-2 ضمن تصفيات المجموعات ثم عادوا ليفوزوا على منتخب الأسود التي لا تُقهر في نهائي مثير بهدف أبو تريكة

ها هو منتخب الفراعنة يختال وحيداً في المقدمة

فقد عزز المنتخب المصري رقمه القياسي في عدد الألقاب بكأس سادسة بعد أعوام 1957 و1959 و1986 و1998 و2006 وكرر بالتالي إنجازه عام 1959 عندما نجح في الاحتفاظ باللقب.. إنجازٌ لم يحققه سوى ثلاثة: الفراعنة، وغانا (1963 و1965) والكاميرون (2000 و2002)

ختامٌ رائع للمباراة النهائية السابعة لمصر بعد أعوام 1957 و1959 و1962 و1986 و1998 و2006. كما أنها المرة الثانية التي تتفوق فيها مصر على الكاميرون في نهائي العُرس القاري، بعد الأولى عام 1986 بركلات الترجيح في القاهرة

في المقابل، فشل المنتخب الكاميروني في إحراز اللقب القاري الخامس ومعادلة الرقم القياسي للفراعنة بعد أعوام 1984 و1988 و2000 و2002. كما فشل في الثأر لخسارته نهائي 1986 والدور الأول لكأس أمم إفريقيا في غانا
2008




هذه إذاً المرة السادسة التي يفوز فيها منتخب مصر بكأس الأمم الإفريقية وهو رقم قياسي كما أنها المرة الثالثة فقط التي ينجح فيها فريق في الدفاع عن لقبه، وأصبح المدير الفني لمنتخب مصر "المعلم" حسن شحاتة ثاني مدرب في تاريخ البطولة يحرز اللقب مرتين متتاليتين

واللافت للانتباه هو جمال مراسم تسليم الكأس إفريقية جميلة، حيث حمل شبابٌ مفتولو العضلات فتاة صغيرة تحمل كأس البطولة الذهبية على أكتافهم، في مشهدٍ هو أقرب للحدوث في كوماسي حيث قبائل الأشانتي منه للمستطيل الأخضر في أكرا

مواسم الفرح على الطريقة الإفريقية دفعت لاعبي منتخب مصر إلى الاندماج، فتطوعوا لقرع الطبول في الملعب، ليقدم الفراعنة إيقاعهم الخاص وسط تشجيع جمهور المباراة النهائية

وداعاً غانا..وأهلاً بالكأس الإفريقية في بلدها المفضل: مصر

تابع القراءة

gravatar

جرائم العاطفة في مصر النازفة (13): لعبة الزنكلوني..ولعنة برهان الدين



الصداقةُ هي أمُ الحِيَل وصندوقُ الألاعيب

ففي الوقت الذي كان الجدل فيه دائراً حول قضية المشالي وفاطمة، ظهر في الأفق شخص اسمه شمس الدين الزنكلوني

والزنكلوني هذا كان أحد قضاة الشافعية، والأهم من ذلك أن الزنكلوني كان زميلاً وصديقاً للمشالي

وجد هذا القاضي حلاً شرعياً أو مخرجاً مناسباً ينقذ به صديقه من الرجم. فقد تمكن من تهريب رسالةٍ إلى المشالي في سجن "المقشرة" وأخرى إلى المرأة في سجن "الحجرة" ينبه فيهما العاشقين إلى ضرورةِ أن يطلب كلٌ منهما قاضياً وينكِر أمامه اعترافه بالزنا. وبينما ذلك يتم، كان الزنكلوني قد كتب سؤالاً يطلب فيه الفتوى، ودار به على القضاة ومشايخ الإسلام. وكان نص السؤال هو: "رجل زنا واعترف بالزنا..ثم رجع عن ذلك الاعتراف، فهل يسقط عنه الحد أم لا؟"

بدأ الزنكلوني جولته بشيخٍ جليل هو الشيخ برهان الدين بن أبي شريف، وكان قاضياً سابقاً لقضاة الشافعية عُرِفَ عنه التفقه الكبير في أمور الدين، وكان قوَالاً بالحق، آمراً بالمعروف لا يخاف في الله لومة لائم. امتلك في القدس مصبنةً يصنع فيها الصابون، فكان يتقوت منها، ولا يأكل من أموال مشيخة الإسلام شيئاً

وتقول عنه المراجعُ التاريخية إنه "بقي في قضاء قضاة الشافعية بمصر إلى يوم الخميس رابع ربيع الأول سنة عشر وتسعمائة (أي: الخميس 15 أغسطس 1504 م)، فعُزِلَ بقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الفرفور كما ذكره الحمصي في تاريخه، ثم أنعم عليه السلطان الغوري بمشيخة قبته الكائنة قبالة المدرسة الغورية بمصر في يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة عشر (أي: الخميس 10 أكتوبر 1504 م)، واستمر في المشيخة المذكورة إلى ذي القعدة سنة تسع عشرة وتسعمائة (أي: يناير 1514)"

قدم الزنكلوني للشيخ برهان الدين بن أبي شريف السؤالَ مكتوباً، فرد عليه كتابةً بأنه "إذا رجع الزاني عن الإقرار باعترافه بالزنا، سقط عنه حد الرجم، وغير ذلك من الحدود"

تجول الزنكلوني بين كبار المشايخ يعرض عليهم السؤال وتحته إجابةُ الشيخ الجليل ابن أبي شريف، فكانوا جميعاً يقرون إجابته ويكتبون بذلك أوراقاً..وكان قضاة المذاهبِ الأربعة بين الموقعين






وعندما انتهى السلطان من انشغاله في أمر الحج وخروجِ المحمل واستقبالِ وتوديع ضيوف من أمراء العراق، أرسل يسأل عما اتخِذ من إجراءاتٍ لرجم الزاني والزانية، ففوجيء بأن المتهمين قد عدلا عن اعترافهما..وفوجيء أيضاً بأن فتوى صدرت عن قضاة الشرعِ بأن لا وجه لتطبيقِ حد الرجم أو غيره - كالجلد- لعدولِ الزانيين عن الاعتراف

استشاط السلطان قانصوه الغوري غضباً، وصاح قائلاً: "يا مسلمين..رجلٌ يطلع إلى بيتِ آخر..ويفسقُ مع زوجته ويُقبَضُ عليه تحت اللحاف معها..ويعترف بذلك..ويكتبه بخطِ يده..وبعد ذلك تقولون له حقُ الرجوع؟!"

أرسل السلطان في استدعاء قاضي قضاة الحنفية السَري عبد البر بن الشحنة وكان صديقاً مقرباً عنده..وسأله أمر الفتوى فأنكرها وهاجمها بشدة، وقال إن الذين أصدروها لا يفهمون في الدين وإن الحد لا بد أن يُطبَق. وكحلٍ للمشكلة، اقترح عبد البر عقد مجلسٍ شرعي يضم كبار المشايخ والقضاة لمناقشة الفتوى وتجريمها فقهياً

وفي هذا المجلس الشرعي العالي الذي عُقِدَ في القصر الكبير بقلعة الجبل يوم الخميس الموافق 23 ديسمبر كانون أول عام 1513، عرض السلطان على شيوخ القضاء في مصر المسألة، مُصِراً على أخذ الزاني باعترافه، معارضِاً في حقِ الرجوع..وتولى القاضي ابن أبي شريف الرد باعتباره مصدر الفتوى، فذكر أقوال الفقهاء في هذا الصدد، وختم كلامه بقوله "هذا هو شرع الله"

ولم يكن هناك خلافٌ بين الحاضرين على أن المشالي وفاطمة قد ارتكبا جريمة الزنا ولا في استحقاقهما للرجم، وهي العقوبة التي نص عليها القرآن الكريم حين يكون الزانيان مُحصنين، أي متزوجين..ولكن الخلاف كان هل يحق لهما أن يرجعا عن الاعتراف وينكرا، وخصوصاً أن الاعتراف كان هو الدليل الوحيد الثابت على الجريمة، إذ إن الذين رأوهما لم يكونوا أربعة شهود ولم يروا "المرود في المكحلة"، أي واقعة الزنا، كما ينص على ذلك الحديث النبوي الشريف

طالت المناقشة وتوترت أعصاب السلطان، فقال للشيخ ابن أبي شريف: "يا شيخ برهان الدين.. أنا وليُ الأمر، ولي الحق في اتخاذ ما أراه"..فرد الشيخ قائلاً: "نعم يا مولانا، ولكن بموافقة الشرع الشريف..فإن قتلتَهما دون أمر الله تلزمك ديتان عنهما"

حَنقَ السلطان على الشيخ ولكنه كظم غيظه، ونظر إلى شيخٍ آخر من قضاة الشافعية هو الشيخ زكريا وسأله عن رأيه، فأيد رأي زميله، فقال السلطان: "هذا يبقى في ذمتك؟!"، فقال الشيخ: "إيش أكون أنا..يبقى في ذمة الإمام الشافعي صاحب المذهب"..هنا قال السلطان: "أنت دهولت..ما بقي لك عقل"

تدخل الشيخ نور الدين المحلي وقال: "يا مولانا..إن الذي صدر عن القضاة ومشايخ الإسلام بصحة سقوط الحد عند الرجوع عن الاعتراف هو الحق..وهو نص ما نقله الإمام الشافعي وغيره رضي الله عنهم أجمعين..فلا عبرة باعتراف الزاني إذا رجع عن اعترافه". فقد السلطان السيطرة على أعصابه، فصاح فيه قائلاً: "إن شاء الله يا شيخ محلي تطلع إلى بيتك فتجد من يفعل في زوجتك الفاحشة كما فعل المشالي في زوجة خليل". وبأعصابٍ من فولاذ تماسك المحلي قبل أن يقول للسلطان "عافانا الله من ذلك يا مولانا"

نظر السلطان إلى صديقه القاضي السَري عبد البر منتظراً أن يؤيده في رأيه ففوجيء به يؤيد زملاءه القضاة، فانفجر آنذاك وأخذ يشتمه ويسبه صائحاً: "أنت تقرر معي شيئاً وترجع عن ذلك..كنتَ قلتَ هذا من الأول حتى أعرف أمر الرجوع". وبخ السلطان القضاة الأربعة - الكمال الطويل الشافعي، والسري بن الشحنة الحنفي، والشرف الدميري المالكي، والشهاب الشبشتي الحنبلي- بالكلام القبيح وقد بلغ به الحنقُ مداه، ثم ختم توبيخه بأن صاح فيهم قائلاً: "أنتوا الأربعة قوموا..لا تروني وجوهكم قط..أنتم مفصولون من القضاء"

في اليوم التالي أصدر السلطان قراراً بعزل الشيخ ابن أبي شريف من منصبه كناظر لمدرسة السلطان وأمر بعزل قضاة المذاهب الأربعة، ثم أمر باعتقال شمس الدين الزنكلوني، القاضي الذي دار على العلماء بالفتوى. فلما مثل بين يديه قال له: "يا زنكلوني..حكمُك أنت يمشي، وحكمي أنا يبطل؟!"، ثم بطحه على الأرض وضربه نحو ألف عصا، وضرب ابنيه الاثنين كل واحدٍ نحو ستمئة عصا، وأمر بنفيه هو وأولاده إلى الواحات

ظلت مصرُ خمسة أيامٍ كاملة بلا قضاة

وفي تلك الأيام لم يُعقد زواجٌ، ولم يتم طلاقٌ، ولم يصدر حكمٌ شرعي، وتعطلت قضايا التجار، واضطربت الأحوال

وفي 10 يناير كانون ثانٍ عام 1514 عدلَ السلطان عن حُكمِ الرجم الذي صدر بحق العاشقين، وقرر شنق نور الدين المشالي وفاطمة، واختار لتنفيذ الحكم طريقةً غريبة، فقد أمر بأن تُنصب المشنقة على بابِ الشيخ برهان الدين بن أبي شريف الذي أصدر الفتوى في صالح حقِهما في الرجوع عن الاعتراف..ثم جيء بالعاشقين: نور الدين المشالي من سجن "المقشرة" الرهيب، وفاطمة من سجن "الحجرة"، ونُفِذَ الشنق في حبلٍ واحد، وقد جعلوا وجهَ الرجل في وجه المرأة. وكانت فاطمة تلبس إزارها وعليها أثوابها مسبولة. وظلت جثتاهما معلقتين ثلاثة أيامٍ، ووجهاهما وجسداهما ملتصقين، والناسُ يأتون من كل فجٍ عميق كي يشاهدوا النهاية الفاجعة لقصة حبٍ ورغبة بدأت بفراشٍ وثير وانتهت بحبلٍ غليظ

في مساء اليوم نفسه، عيَنَ السلطان قانصوه الغوري أربعة قضاةٍ بدلاً من القضاة الأربعة الكبار المفصولين، وتجمع نوابهم حول القلعة ينتظرون مواكبهم، فكان عددهم يزيد على ثلاثمئة نائب

وفي أحد أهم التراجم عن الشيخ برهان الدين بن أبي شريف، يقول النجم الغزي في كتابه "الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة": "فوقعت حادثةٌ بمصر، وهي أن رجلاً اتُهِمَ أنه زنا بامرأة فرفع أمرهما إلى حاجب الحجاب بالديار المصرية الأمير أنسبائي فضربهما فاعترفا بالزنا، ثم بعد ذلك رفع أمرهما إلى السلطان الغوري، فأُحضِرا بين يديه، وذكرا أنهما رجعا عما أقرا به من الزنا قبل ذلك، فعقد السلطان لهما مجلساً جمع فيه العلماء والقضاة الأربعة، فأفتى شيخ الإسلام برهان الدين صاحب الترجمة بصحة الرجوع، فغضب السلطان لذلك، وكان المستفتي القاضي شمس الدين الزنكلوني الحنفي، وولده، فأمر السلطان بهما، فضرِبا في المجلس حتى ماتا تحت الضرب، وأمر بشنق المتهمين بالزنا على باب صاحب الترجمة، فشُنِقا، وعُزِلَ صاحب الترجمة من مشيخة القبة الغورية والقضاة الأربعة الكمال الطويل الشافعي، والسَري بن الشحنة الحنفي، والشرف الدميري المالكي، والشهاب الشبشتي الحنبلي، وكانت هذه الواقعة سبباً لتكدر دولة الغورية، وتبادي انحلال ملكه حتى قتل بعد سنتين بمرج دابق، ولا حول ولا قوة إلا بالله"

الطريف أنه بعد سنواتٍ قلائل، عاد ثلاثةٌ من القضاة الأربعة الكبار إلى مناصبهم، فيما مات الرابع، وهو نديم السلطان وصديقه القاضي عبد البر بن الشحنة..من شدة قهره

أما الناس فأخذوا يضربون كفاً بكف، وكانوا يقولون: "جميعُ ما وقع للغوري بسرِ الشيخ برهان الدين"

تابع القراءة

gravatar

جرائم العاطفة في مصر النازفة (12): الحنفي والشافعي..وبينهما امرأة





مصيبةٌ، إن كان في الحب ثلاثة أطراف.. فضيحة، إن أصبح أطراف العلاقة أربعة فما أكثر

قبل غروب شمس العصر المملوكي، حدثت واقعةٌ جمعت بين الحب والمكر والخديعة

كان بطل القصة نور الدين المشالي شاباً في أواسط الحلقة الثالثة من عمره..وظيفته الرسمية: نائب من نواب الحنفية، أي أنه قاضٍ ممن يحكمون على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان. ولم تكن حالته ميسورة نظراً لقلة ومحدودية ما يتقاضاه من المتقاضين. وعلى الرغم من أنه كان متزوجاً وله ولدٌ من هذه الزيجة، فقد ارتبط بعلاقةٍ خاصة مع فاطمة، المتزوجة من أحد نواب "قضاة" الشافعية، ويدعى غرس الدين خليل الذي كان صديقاً للمشالي وأحد رفاقه على المقهى

وظل الأمر على هذه الحال..المشالي على علاقةٍ سرية مع فاطمة، في حين يحتفظ بصداقته لزوجها خليل الذي كان غافلاً عما يحدث، حتى تدخل طرفٌ آخر ليفتح عينيه على ما يجري ويكشف تفاصيل ما يجري في الخفاء: شميس

كان هذا الشاب الملتحق بمجالس القضاة يهوى فاطمة، وكانت بينهما نظراتٌ وعلامات وبشائر اتفاق..وقبل أن تتطور تلك النظرات إلى ما كان شميس يطمح إليه، ظهر الشمالي في أفق فاطمة..وهكذا انصرفت المرأة اللعوب عن شميس وصدَته..من أجل عيني المشالي!

وككل عاشقٍ خائب، فقد ترصدها شميس وأخذ يتحسس أخبارها ليعرف سر انصرافها عنه، حتى عرف أن المشالي هو العاشق الخفي الذي وقعت فاطمة في هواه..وفي 11 ديسمبر كانون أول عام 1513 قرر خليل أن يقضي ليلةً في رحاب مسجد "الإمام الليث" – وهو مسجد بُنيَ بأمرٍ من الملك الأشرف قانصوه الغوري، على مشهد الإمام الليث بن سعد، مفتي أهل مصر، بالقرافة الصغرى، بالقرب من مشهد الإمام الشافعي- مع بعض أصدقائه من الصوفيين يتعبدون وينشدون الأذكار لله ويشكرونه على ما أفاء به من نعيم أعقب شهورالطاعون والكساد

وعندما خرج خليل من بيته قبل صلاة المغرب، كان شميس جالساً على مصطبة أمام منزله المجاور، فألقى عليه الأول التحية وأبلغه بأنه سيقضي الليلة خارج منزله، وعرض عليه أن يصاحبه، لكن شميس اعتذر ورفض العرض

وما إن مضى خليل في اتجاه مسجد الإمام الليث حتى كان شميس قد قرر أمراً: ظل جالساً في مكانه وعيناه مثبتتان على بيت خليل أمامه..تنتقل حيناً إلى المشربية، منتظراً أن يلمح خلفها طيف فاطمة كما كان يحدث في زمن مضى

أخيراً، فُتِحَ الباب

وخرجت من الدار جاريةٌ كان شميس يعرفها تماماً.. إنها كاتمة أسرار فاطمة وموضع ثقتها، وكانت يوماً رسول غرامٍ بينها وبينه..فتبعها إلى أن لمحها وهي تتحدث مع أحد أتباع المشالي في ركنٍ مظلم في أحد الشوارع، فأدرك أن فاطمة قد أرسلت تستدعي عشيقها، وهذا ما تأكد له بعد قليل عندما طرق باب فاطمة أحد أتباع المشالي وهو يحمل بعض اللفافات لم يشك شميس في أنها هديةٌ إلى المعشوقة الفاتنة من عشيقها

وتحت جنح الظلام، لمح شميس من مخبئه غريمه المشالي وهو يتسلل إلى منزل فاطمة. لحظتها قرر الانتقام بدافع الغيرة التي عصفت به، فمضى مسرعاً إلى مسجد الإمام الليث، وهناك وجد خليل مستغرقاً في الذكر بكل جوارحه، فجذبه من كُمه وأخطره هامساً بكل شيء، وركب كلٌ منهما حماره وعادا مسرعين إلى القاهرة. هَمَ خليل بأن يطرق الباب، لكنه خشي أن يخفي الخائنان آثار جريمتهما، فتسلق سور المنزل، وتوجه على الفور إلى حجرة النوم، فوجد المشالي مع زوجته في "الناموسية"، وهما تحت الغطاء متعانقان، فقبض عليهما باليد وأوسعهما ضرباً

أثارت الجلبة فضول الجيران الذين كان معظمهم مستغرقاً في النوم في تلك اللحظة، وسرعان ما فتحت النوافذ وأطل الجميع مستفسرين، ووقف عددٌ من المارة يتسمعون ويحاولون معرفة وفهم ما يجري. فقد المشالي أعصابه - كما يروي صلاح عيسى في كتابه "حكايات من دفتر الوطن"- بعد أن افتُضِحَ أمره في فراش رجلٍ آخر وهو عارٍ ومخمور، لكنه استطاع أن يتمالك ما بقي من أعصابه ليطلب من خليل أن يهدأ، ويتوسل إليه ألا يفضحه، ويعده بأن يكتب له صكاً بألف دينار، فيما قالت له فاطمة إنها مستعدةٌ للتنازل عن جميع أمتعة البيت، على أن يتستر المشالي على الأمر

أصر الزوج على الرفض على الرغم من توسلات المشالي وفاطمة، واستفزه ما عرضاه عليه حتى يصمت ويتستر على الفضيحة، فانهال عليهما ضرباً. وفي النهاية أغلق عليهما باب الحجرة، ووضع عليهما حراسةً من بعض خدم المنزل، وتوجه فوراً إلى دار حاجب الحجاب، أي كبير الأمناء، وهو منصبٌ مملوكي، كان صاحبه يقوم مقام النائب في الولايات، وإليه يشير السلطان، وإليه يرجع عرض الجند وما شابه ذلك، وإليه تُقدّم العروض.. وهو من يقوم بالنظر في مخاصمات الأجناد واختلافهم في أمور الإقطاعات ونحو ذلك (المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، 2/ 219)

بمجرد أن سمع حاجبُ الحجاب، الأمير أنسبائي، تفاصيل القصةِ حتى أرسل فألقى القبض على العاشقين اللذين افتضح أمرهما، وعندما وصلا إلى داره بدأ التحقيق معهما. بدا المشالي مرتبكاً ويود أن يتخلص من الموقف بأي شكل، فاعترف بكل شيء. سمع حاجب الحجاب التفاصيل باهتمام، ثم أرسل لإحضار أحد زملاء المتهم، وهو القاضي شمس الدين بن وحيش، فأعاد التحقيق أمامه، ثم أحضر دواةً وقلماً، فكتب المشالي اعترافه بخط يده، ووقع القاضي ابن وحيش على المحضر بما يفيد أن الاعتراف تم في حضوره، دون ضغطٍ أو تعذيبٍ للمتهم

وبعد أن انتهى التحقيق أمر حاجب الحجاب بضرب المشالي، فضُرِبَ ضرباً مبرحاً حتى كاد يلفظ أنفاسه، ثم رُفٍعَت المرأة على أكتاف الجنود وضُرِبَت هي الأخرى حتى أغميَ عليها..وأمر حاجب الحجاب بالتشهير بهما وتجريسهما في القاهرة

وفي صباح اليوم التالي بدأت عملية "التجريس" وأُركِبَ نور الدين المشالي وفاطمة كلٌ على حمار، وأجبٍرَ المشالي على وضع عمامته وهي الشارة التي تدل على أنه من القضاة..وكان وجه كلٍ منهما إلى مؤخرة الحمار، وطافوا بهما الشوارع المحيطة، والجنود حولهما يدقون الأجراس وينادون على الناس ليجتمعوا حولهما ويسمعوا قصتهما..والمغاني في الخلف يزفونهما بالطارات..وقد وضِعَ في عنق المشالي "ماشة" و"هون". وهكذا طافوا بهما في أحياء "الصليبة" و"قناطر السباع"- حي السيدة زينب حالياً- ثم عادوا بهما إلى دار حاجب الحجاب حيث ضربوهما بالسياط أمام الناس عقاباً لهما

وربما كانت هذه الفضيحة كافيةً لتوقيعها على العاشقين، بعد أن ضُرِبا وعُذِبا و"جُرِسا" في أنحاء القاهرة..وغاية ما هناك أن المرأة كانت ستُطَلَق، أما المشالي فكان المنطقي هو أن يُفصل من وظيفته..لكن الموقف تم تصعيده على نحوٍ غريب ليرسم ملامح أخرى لتلك الحادثة

هنا، بدأ رنين الذهب..وصوت الطمع يعلو فوق الجميع

إذ قبل أن يأمر حاجب الحجاب بالإفراج عن المشالي وفاطمة، فكرَ في أن يكسب من "الجهد" الذي بذله أثناء التحقيق في القضية، فاستدعى الرجل والمرأة وطالب كلاً منهما بمئة دينار كي يفرج عنهما. أبدى المشالي استعدادهلدفع المبلغ، أما المرأة فاعتذرت قائلةً إن زوجها وضع يده على جميع ما تملك من مال

وعلى الفور، أرسل حاجب الحجاب في استدعاء خليل وطالبه بأن يحضِر من مال زوجته مئة دينار على سبيل الرشوة.. إلا أن خليل الذي بدا مذهولاً مما حدث رفض دفع المبلغ، فثار حاجب الحجاب وأمر جنوده بإلقاء القبض على الزوج المخدوع وتعذيبه حتى يذكر مكان مال زوجته ويحضر منه المال المطلوب

دفع المشالي الرشوة فأفرج عنه..وأفرج عن المرأة..وهكذا أفلت المذنبان واعتقل الزوج المسكين وبديء في تعذيبه..لكن خليل الصغير استغل مرور السلطان بالقرب من حوش "الدهيشة" السلطاني في القلعة، فارتمى أمام موكبه وقص على السلطان قانصوه الغوري ما حدث. استفز السلطان ما حدث فاستدعى القضاة وهو غاضبٌ، ثم قال في حضورهم: "والله افتخرتم يا قضاة الشرع..نوابكم شيء يشرب الخمر، وشيء يزني، وشيء يبيع الأوقاف"..ثم سأل عن القاضي ابن وحيش الذي حضر اعتراف المشالي بالزنا..وعندما وقف أمامه طلب منه أن يشهد في المجلس بما صدر عن الزاني من اعتراف. وفي النهاية سأل السلطان القاضي عن رأيه، فقال ابن وحيش: "أنا ثبت عندي رجمهما..لا بد من تطبيق الحد"، فقال السلطان على الفور: "إذاً أصدر حكمك برجمِهما"


غير أن ابن وحيش أثار نقطة شكلية، فقال إنه لا يستطيع أن يصدر حكماً في القضية لأنه مجرد "نائب"، إلا إذا حصل على إذن بالحكم فيها من قاضي قضاة مذهبه، وهو القاضي الشافعي كمال الدين الطويل، فأذن له القاضي الشافعي بذلك. وهكذا أمر السلطان بإعادة القبض على المشالي وفاطمة لتنفيذ حكم الرجم عليهما، وتم اختيار مكانٍ تُحفَرُ فيه حفرةٌ لكلٍ من الزاني والزانية عمقها بطول قامةِ كلٍ منهما، بحيث لا يظهر منهما سوى الرأس فقط، لتكون هدفاً سهلاً للحجارة التي يلقيها الناس عليهما حتى يموتا. أودِعَ المشالي سجن "المقشرة"، وما أدراك ما "المقشرة!

يذكر المقريزي في كتابه "السلوك" الجزء الرابع في حوادث سنة 820هـ أن البرج المجاور لباب الفتوح من سور القاهرة الشمالي بجوار باب الفتوح فيما بينه وبين جامع الحاكم بأمر الله رسم أن يعمل سجنًا لأرباب الجرائم بعد هدم خزانة شمايل، وكان يُعرف باسم برج المقشرة؛ لأنه كان يقشر فيه القمح. ويصفه المقريزي بأنه من أشنع السجون وأضيقها، يقاسي فيه المسجونون من الغمّ والكرب ما لا يوصف‏، وبلغ الأمير فخر الدين أن السجن الذي استجدَّ عند باب الفتوح بالقاهرة- عوضًا عن خزانة شمايل- يقاسي فيه أرباب الجرائم شدة من ضيقه ويقاسون غمًّا وكربًا شديدًا فعين قصر الحجازية بخط رحبة باب العيد ليكون سجناً عوضاً عنه

أما فاطمة فقد ذهبوا بها إلى سجن النساء، وكان يُعرَفُ باسم "الحجرة"، وأفرِجَ عن الزوج المسكين

الغريب أن تطبيق حد الزنا لم يكن يُطبَقُ في مصر منذ عهد الخلفاء الراشدين، ما أثار موجة من الجدل والنقاش في أنحاء القاهرة آنذاك

غير أن الآتي كان أعظم
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator