المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

نجوم على القوائم السوداء (2): هروب الزئبق وسقوط الحوت






لا يكتمل موضوع الهروب من مصر، إلا بالحديث عن الرجل الزئبقي: أشرف السعد
ورجل الأعمال المقيم في لندن والذي يطل علينا من خلال القنوات الفضائية بلحيته الكثيفة مدافعاَ عن نفسه أو معبراً عن آرائه، لم يكن لحظة خروجه في المرة الأولى مدرجاً على قوائم المنع من السفر. فقد فرضت الحكومة المصرية الحراسة على ممتلكات رئيس مجموعة السعد للاستثمار لمدة 15 عاماً، بعد أن تبين تورطه في فضيحة شركات توظيف الأموال، إذ وصلت قيمة الأموال التي كان يديرها إلى نحو مليار جنيه، جمعها من خلال 82 فرعاً لشركاته في فبراير شباط عام 1991 بدأت رحلة السعد الأولى مع الهرب، حيث سافر إلى باريس عام 1991 بحجة العلاج، وبعد هروبه بثلاثة أشهر صدر قرارٌ بوضع اسمه على قوائم الممنوعين من السفر. وحُكِمَ عليه بالسجن لمدة سنتين بتهمة إصدار شيك بدون رصيد
وفي يناير كانون ثانٍ عام 1993 عاد أشرف السعد فجأة لتتم إحالته إلى محكمة الجنايات لعدم إعادته 188 مليون جنيه للمودعين بالإضافة إلى ثماني تهمٍ أخرى
وفي نهاية ديسمبر كانون أول عام 1993 أخلي سبيله بكفالة قدرها 50 ألف جنيه مع تشكيل لجنةٍ لفحص أعماله المالية، إلا أنه سافر مرة أخرى للعلاج في باريس في 4 يونيو حزيران عام 1995 ولم يعد حتى الآن. ومن الغريب أن مسؤولين كباراً كانوا بين المودعين في شركات السعد لتوظيف الأموال، إلا أنهم حصلوا على أموالهم قبل إحالته إلى المحاكمة
وإذا كانت القضايا المطلوب فيها أشرف السعد قد سويت، بعد أن قام المدعي الاشتراكي برد أموال المودعين في شركاته، فإنه مازال يرفض العودة، وانضم مؤخراً إلى جبهة إنقاذ مصر، وهي جماعة سياسية معارضة من الخارج
وعلى غراره أيضاً رجل الأعمال رامي لكح الذي أدرج النائب العام اسمه بعد يأسِ أحد وزراء المجموعة الاقتصادية من محاولة إقناعه بالعودة وسداد مديونياته. وكان الوزير نفسه قد نجح في مرةٍ سابقة في إقناعه بالعودة في ظروفٍ مشابهة. وبالفعل عاد رامي، وفي اليوم الذي نشرت الصحف فيه خبر عودته إلى القاهرة نشرت أيضاً خبر إحالة رجل الأعمال مصطفى البليدي إلى محكمة القيم وفرض الحراسة عليه وعلى أولاده. وكان قرار المدعي الاشتراكي كذلك هو منعه من السفر، إلا أن قرار المنع جاء بعد أن هرب مصطفى البليدي بالفعل قبل أكثر من شهرين

في المطار، أعلن رامي لكح اعتزامه خوض انتخابات مجلس الشعب بصفة مستقل، ونفذ وعده ونجح في الفوز بمقعد نيابي، لكن الصحفيين لاحظوا عند وصوله من باريس أنه دخل البلاد بجواز سفرٍ فرنسي. ولدى سؤاله عن ذلك قال بأسلوبٍ لا يخلو من التباهي: "أنا معي جنسية مزدوجة "

ولم يكن رامي لكح يدرك أن هذه الجنسية المزدوجة ستدخله متاهاتٍ وتقصيه عن مجلس الشعب

فقد نشرت صحيفة "الأهرام" خبر وصوله في اليوم التالي مع إشارةٍ عابرةٍ إلى دخوله بجواز السفر الفرنسي. وكانت هذه الإشارة كافية لفتح ثغرة في جدار قلعة رامي لكح الذي هرب إلى فرنسا، وسط أنباءٍ تتواتر بين فترة وأخرى عن مساعٍ تُبذل لتسوية مديونياته للبنوك الدائنة
وبالرغم من تحديد مكان هروب رامي لكح في فرنسا وضبطه، فإن السلطات هناك رفضت تسليمه وإعادته لمصر، لأنه يحمل الجنسية الفرنسية. ويعيش لكح في باريس حيث يدير شركة "لافاييست" الصحافية وشركة الطيران الخاصة "بورال إير" كما امتلك أيضاً صحيفة "فرانس سوار"

وضمت قوائم الإدراج رجل الأعمال عمرو النشرتي الذي كان يملك فرع شركة "سينسبري" في مصر، والذي لا يعرف أحدٌ كيف نجح في الهروب من مصر إلى بريطانيا. وكانت محكمة مصرية قد أصدرت حكماً بسجن عمرو النشرتي 15 عاماً وشقيقه هشام 7 سنوات وسعيد سيف اليزل 10 سنوات (مسؤول في شركة النشرتي) بعد إدانتهم بالاستيلاء على أموال بنك قناة السويس والبنك الوطني بدون ضماناتٍ أو بعضها وهمية، وغسل الأموال والتربح والرشوة والتزوير في أوراق رسمية
وبعد الهرب من مصر، أقام عمرو النشرتي في لندن، ليدير عدداً من المشروعات التجارية بعد أن استطاع الحصول على توكيلات لشركات عالمية، أما هشام فإنه يمتلك مجموعة فنادق بمدينتي لوزان وجنيف في سويسرا، ويديرها من هناك
وفي قائمة الهاربين أيضاً إيهاب طلعت، إمبراطور الدعاية والإعلان، والذي اتهم في قضايا عدة من قبل مع عبدالرحمن رئيس مدينة الإنتاج الإعلامي
وظل عبد الحكيم عبد الناصر نجل الرئيس المصري جمال عبد الناصر مدرجاً على تلك القوائم إلى أن توسط زعيم عربي لدى السلطات المصرية، قبل أن يساهم في تسوية مديونيات عبد الحكيم وإنهاء متاعبه المالية. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُوضَع فيها اسم أحد أبناء عبد الناصر على قوائم ترقب الوصول، فقد سبقه إلى ذلك شقيقه خالد عبد الناصر، عندما ورد اسمه في قضية تنظيم "ثورة مصر" الذي اغتال وأصاب بعض أعضاء السفارة الإسرائيلية في ثمانينيات القرن الماضي

ولسنواتٍ، تمكن رجل الأعمال الفلسطيني محمد علي الصفدي، أو "حوت السكر" كما كان يطلق عليه، من الهروب - عبر أحد الموانىء - من مديونيات وأحكام في قضايا تتعلق باتهامه بتحرير شيكات بدون رصيد لصالح شركات وبنوك. وكان الصفدي أقام في مصر شركة مجمع "الأخوة العرب" الصناعي وهو شركة مساهمة مصرية، قبل أن يتورط في قضايا مالية، هرب بعدها من البلاد إلى أن تمت استعادته من السعودية في منتصف العام 2004، نتيجة تعاونٍ بين الإنتربول المصري والسلطات السعودية


وسبق الصفدي في الهروب رجل الأعمال حاتم الهواري الذي تم إدراج اسمه مرتين، نجح في الأولى في التفاوض والعودة معززاً مكرماً، لكنه سرعان ما تورط مجدداً في مديونيات وقروض، قبل أن يتمكن من الهروب إثر إدراج اسمه على قوائم المنع من السفر. وقيل إنه هرب عن طريق لنش بحري من الغردقة، ثم استقل بعد ذلك إحدى السفن. وترك الهواري الذي هرب إلى كندا عام 1997، وراءه مديونيات ضخمة للبنوك والشركات والأفراد تقترب من 2 مليار جنيه، معظمها قام بتحويلها في حساباته بالخارج، بمساعدة شركتين ثبت قيامهما بعمليات غسيل أموال، حيث ساعدتا الهواري في تقديم بيانات ومستندات وهمية وبوالص شحن مزورة، واستطاع الهواري من خلالهما أن يحصل على 300 مليون جنيه من بنكي القاهرة والأهلي، ليحولها بعد ذلك إلى البنوك الأجنبية بالدولار. كان والد حاتم الهواري أيضاً قد سبقه بالهروب إلى كندا، بعد أن حصل على عدة ملايين من البنوك، لكن حاتم تفوق على والده وتجاوز المليار جنيه قروضاً من خلال عدد ضخم من الشركات الوهمية تجاوزت 13 شركة، أسند إدارتها إلى عدد من أقاربه . ويقيم الهواري حالياً في شقة أنيقة في لندن، ويمتلك محلاً شهيراً للأزياء يتردد عليه المشاهير في حي "ماي فير" بوسط العاصمة البريطانية
المفارقة في حادث هروب رجل الأعمال متعدد الجنسيات عادل آغا - يحمل جنسيات سورية وأمريكية ومصرية- إلى خارج مصر يوم ٧ يونيو حزيران 2008، المتهم فيها مقدم وأمين شرطة، أن التحقيقات كشفت عن مفاجأة أكبر، إذ تبين أن الهارب كان قد دخل مصر في عام ٢٠٠٦ دون القبض عليه، بالرغم من أنه مدرجٌ علي قوائم ترقب الوصول

وبحسب مقدم الشرطة فؤاد وليم فؤاد، الذي اتهم بتسهيل هروب آغا بأوراق مزورة، فإن الأول كان معيناً في ٧ يونيو حزيران 2008 ضابط إجراءات من الساعة ١٢ بعد منتصف الليل، وتقدم له راكب بجواز سفر أمريكي ضمن ركاب الطائرة المتوجهة إلى فرانكفورت، باسم عادل جوزيف عادل، وأضاف أنه كان رجلاً مسناً، يسير مستعيناً بعكاز


وأضاف وليم في أقواله، أن المسافر قدم جواز سفر دون أختام تثبت دخوله البلاد، وبرر ذلك بأن جوازه فقد واستخرج من القنصلية الأمريكية بديلاً عنه، كما قدم صورة من جواز سفره المفقود يثبت بها تاريخ وصوله في ٧ أكتوبر تشرين أول ٢٠٠٦، فتم الاتصال بقسم التحركات للكشف عن تحركات المسافر. كما تم الاتصال برئيس قسم جوازات مطار برج العرب العقيد يسري خضر، الذي كان في مأمورية بالعلمين، فأوصى بالكشف عليه، وقال: "إذا كان سليم.. أعمل له كارت وسفره"

أما أمين الشرطة خميس محمد إبراهيم فقال في تحقيقات النيابة، إنه ربما سحب أوراق الكشف بشكل خاطئ، فالتصقت ورقتان معاً، ما أدى إلى عدم الكشف عن اسم الراكب عادل جوزيف، فوضع الختم على "الكارت" الخاص به بطريق الخطأ. يذكر أن عادل آغا كان مطلوباً للمحاكمة والمثول أمام جنايات القاهرة في أول سبتمبر أيلول 2008، لاتهامه بالاستيلاء على مليار جنيه من بنك القاهرة، وبلغت مديونياته بالفوائد 2.6 مليار جنيه

وعن الفن وقوائم الترقب والمنع، حدث ولا حرج

وقد تم إدراج اسم الفنانة اللبنانية سوزان تميم - التي عُثِرَ على جثتها مقتولة في دبي في 29 يوليو تموز 2008- على قائمة الممنوعين من السفر من مصر بعد أن أصدر قاضي التحقيق في لبنان مذكرة غيابية بحق سوزان سجلت تحت رقم 41/2386 وذلك بناء على شكوى عادل معتوق.. ثم صدور مذكرة توقيف دولية عن قاضي التحقيق في بعبدا تحت رقم 1425/2004 وعممت بواسطة منظمة الإنتربول الدولية
وفي أغسطس آب 2004، ألقى الإنتربول المصري القبض عليها في مطار القاهرة، أثناء محاولتها مغادرة الأراضي المصرية، وذلك بناء على طلبٍ من نظيره اللبناني الذي يبحث عنها بتهمة "سرقة 230 ألف دولار من زوجها" عادل معتوق في بيروت، ثم أخلت السلطات القضائية المصرية سبيلها بكفالة من السفارة اللبنانية. غير أن سوزان نجحت في الخروج من مصر بالرغم من قرار منع السفر، ولم يعرف أحد بالأمر إلا بعد أن أصبحت في لندن ثم دبي التي شهدت نهايةً دامية لحياتها
ومن نجوم الفن الذين انضمت أسماؤهم إلى قوائم ترقب الوصول
الفنانة ماجدة الخطيب بعد هروبها إلى أثينا لصدور حكم قضائي بحبسها لمدة عام، إثر حادث سيارة قتلت فيه رجلاً بطريق الخطأ، وأقنعها محاميها بالسفر إلى الخارج قبل النطق بالحكم، ولدى صدور الحكم تم إدراج اسمها على قوائم ترقب الوصول، لكنها صممت على العودة إلى مصر وتقديم استشكال. وبالفعل، عادت ونفذت الحكم بالحبس، ثم استأنفت نشاطها الفني بعد الإفراج عنها

ودفع عدد كبير من نجوم الفن العرب ثمن الحب والغيرة

فقد جرى ترحيل الفنانة اللبنانية نبيلة كرم بشكل مفاجىء من القاهرة بحجة أنها شخصية غير مرغوب في وجودها. وألقي القبض عليها أمام باب المسرح، حيث كانت تستعد للمشاركة في بطولة مسرحية جديدة، ولم يشفع لها زواجها من مصري. وقيل إن إبعادها جاء نتيجة نفوذ وزير داخليةٍ سابق، سعى إلى إبعادها عن نجله الذي اشتهر بالمغامرات العاطفية ووقع في حبها
أما المطربة السورية ميادة الحناوي فقد تم ترحيلها من مصر بسبب الغيرة الشديدة من جانب نهلة القدسي زوجة الموسيقار محمد عبد الوهاب، حتى أنها لجأت إلى المطربة فايدة كامل زوجة وزير الداخلية النبوي إسماعيل، وقيل إنها وعدتها بأن تشدو بأغنيةٍ وطنية من ألحان عبد الوهاب إن هي ساعدتها في إبعاد ميادة الحناوي. ونجحت الصفقة في ترحيل ميادة ووضعها على قوائم المنع من دخول البلاد، لتؤدي فايدة كامل الأغنية الموعودة

واللافت للانتباه أن إدراج بعض الفنانين العرب على قوائم المنع من دخول مصر كان شفهياً في أحيانٍ عدة، إذ يتم إبلاغهم بذلك أثناء وجودهم بالخارج، مع "نصحهم" بعدم العودة. وقد يكون ذلك لأسباب سياسية مثلما حدث مع وردة الجزائرية في ستينيات القرن الماضي، وقيل إن الفنانة برلنتي عبد الحميد زوجة وزير الدفاع آنذاك المشير عبد الحكيم عامر، كانت وراء القرار. وبالفعل لم تعد وردة إلى مصر إلا في عهد الرئيس المصري أنور السادات

ومن النجمات اللاتي عانين لفترةٍ من المنع من دون سببٍ واضح المطربة اللبنانية ماجدة الرومي، بعد أن كال لها البعض اتهامات بمهاجمة مصر، مع أن ماجدة نفت ذلك جملة وتفصيلاً، قائلةً إنها نصف مصرية – من جهة الأم- فكيف تهاجم نصف كيانها تكوينها. وبعد سنواتٍ، عادت ماجدة الرومي إلى القاهرة بعد رفع قرار المنع

أما المطرب السوري مجد القاسم فتم ترحيله من مصر بسبب غضب السلطات المصرية من شقيقه فيصل القاسم مقدم برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة، وسط صيحات مجد بأنه غير مسؤول عن تصرفات وأقوال شقيقه. سرى قرار الإدراج لمدة تقترب من ستة أشهر، وحظي مجد بتعاطفٍ شعبي وإعلامي كبير، خصوصاً بعد رسالة استعطافٍ مؤثرة نُشِرَت في "بريد الأهرام"، ما دعا الجهات الأمنية إلى رفع اسمه من قوائم المنع، والسماح له بالعودة


كما تم منع المطربة اللبنانية نجوى كرم من دخول مصر، بعد أن تداولت صحف عربية خبراً - تبين لاحقاً عدم صحته- عن إساءتها إلى الرسول الكريم في حوار لها على إحدى القنوات الفضائية. وهكذا فوجئت نجوى لدى حضورها للقاهرة وبرفقتها شقيقتها على متن الطائرة اللبنانية المقبلة من بيروت بأن اسمها مدرجٌ على قوائم المنع من دخول مصر، ما دفعها إلى العودة على متن الطائرة ذاتها


ومن ألغاز قرارات الإدراج والمنع ما حدث عندما منعت سلطات الأمن في مصر الأمير عبد الرحمن بن ترك من السفر إلى اليابان على متن الخطوط الجوية السنغافورية، لوجود اسمه على قوائم المنع بناءً على طلب النائب العام. وبعد 48 ساعة فقط تم رفع الاسم والسماح للأمير عبد الرحمن بن ترك بالسفر. وقيل إنه كان هناك خطأ في إدراج الاسم، نظراً لانتهاء القضية التي جرى إدراجه على أساسها

وإذا كان كلام كثير قد أثير حول منع الداعية الإسلامي عمرو خالد من العودة إلى مصر، فإن أجهزة الأمن المصرية منعت الداعية الإسلامي الحبيب علي زين العابدين الجفري -اليمني الجنسية- من دخول البلاد. وقيل إن السبب في ذلك تَدخُلُ وزير مرموق، لتأثير الداعية اليمني على عددٍ من نجمات الفن ونجاحه في إقناعهن بالاعتزال. وبعد 48 ساعة سُمِحَ بدخول الحبيب علي الأراضي المصرية، بعد تَدخُل شخصياتٍ عربية كبيرة


ومن أشهر قصص الإبعاد عن مصر، قصة طرد سيدةٍ سورية كانت تحضر حفل زفاف إحدى سيدات المجتمع في مدينة الإسكندرية، بعد أن تعدت على بعض المدعوات بالضرب والسب والقذف وتفوهت بالفاظ وعباراتٍ ماسة بالشرف والعرض، وقالت بالحرف الواحد: "أنتوا المصريات نصفكم خدامات للعرب ونصفكم عاهرات للسواقين العرب". تم تحرير محضر لهذه السيدة برقم 1999 وتقدمت السيدات المعتدى عليهن بطلبٍ إلى وزير الداخلية بطرد السيدة السورية من البلاد، وأرفقن بالطلب صورة من التحقيقات


والأهم من قصة هذه السيدة - التي لا تمثل إلا نفسها ولا تجسد إلا موقفها، بعيداً عن أي نعرة شعبوية لدى البعض- هو منطوق الحكم الذي صدر ضدها والذي وضع بشكلٍ مفصل، ربما لأول مرةٍ، قواعد إبعاد الأجانب عن مصر. وجاء في هذا الحكم "إن الأجنبي عندما يخرج على النظام العام للدولة أو يهزأ بشعبها ويهين كرامة أبنائها ويخدش حياءهم وكبرياءهم ويتطاول على حرماتهم وأعراضهم، وهو قابعٌ على أرضهم ينعم بالإقامة فيها ولا يكترث بأحاسيسهم ومشاعرهم، فإن إبعادَ هذا الأجنبي عن البلاد أو منعَ دخوله إليها لا يكونُ مجرد حقٍ للدولة تترخص في استعماله كيفما تشاء ولكنه يصبح واجباً والتزاماً قومياً"


وفي الوقت الذي كان العالم يتابع فيه أنباء تفجيرات وهجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول في الولايات المتحدة، كانت أجهزة الأمن في صعيد مصر ترصد تحركات عددٍ من الأجانب وفدوا فجأةً إلى مصر بحجة أنهم مراسلون أجانب يجرون تحقيقات صحفية عن أسر المتهمين بالإرهاب
البداية كانت في أسيوط، وبعد أحداث سبتمبر مباشرة، حيث ضبطت أجهزة الأمن المصرية شخصاً أمريكياً يدعى جورجي قال إنه يعمل محرراً صحفياً في جريدة "واشنطن بوست"، وغنه حضر إلى مصر بعد هجمات سبتمبر بنحو أسبوعين وأقام في القاهرة لمدة ثلاثة أيام، ثم سافر إلى أسيوط كمحطةٍ أولى لعددٍ من المدن في صعيد مصر، حاملاً معه قائمةً كاملةً بأسماء القيادات الإرهابية الهاربة وأسرهم وأماكن إقامتهم
واسترعى انتباه الأمن المصري أن هذا الرجل لم يكن يحمل معه أي تصريح من هيئة الاستعلامات بالعمل في مصر، وقد تم ترحيله بعد ضبطه بأسبوعين


وفي الوقت الذي لم تكن فيه أجهزة الأمن في صعيد مصر قد أفاقت من قصة جورجي، وقع في قبضتها مواطن أمريكي ثانٍ يدعى دبلر نزونينست، ادعى هو الآخر أنه يعمل محرراً صحفياً، وكان يجوب أرجاء الصعيد بحثاً عن قيادات إرهابية هاربة. وقد جرى ترحيل دبلر صباح يوم 29 ديسمبر كانون أول عام 2001 برفقة ضابط أمريكي وأحد أعضاء السفارة الأمريكية في القاهرة
وقال المتحدث الصحفي باسم السفارة الأمريكية إن دبلر رُحِلَ من مصر على اعتبار أنه مطلوب جنائياً لدى إحدى محاكم نيويورك، نظراً لأنه مشتبه به، ويواجه اتهاماتٍ عدة
أما ما الذي كان يفعله في صعيد مصر، فهذا هو اللغز الذي يحتاج إلى تأمل


ودائماً، في قضايا الترحيل والمنع من السفر وترقب الوصول، لله في خلقه شؤون..وشجون أيضاً

تابع القراءة

gravatar

عُد للأرض.. كي تستريح






"هزمتكَ يا موتُ الفنون جميعها
هزمتكَ يا موتُ الأغاني في بلاد الرافدين،
مسلةُ المصري، مقبرةُ الفراعنة،
النقوشُ على حجارةِ معبدٍ، هزمتكَ
وأفلتَ من كمائنكَ الخلودُ
فاصنع بنا، واصنع بنفسكَ ما تريد"
("جدارية"، محمود درويش، منشورات رياض نجيب الريّس للكتب والنشر، 2000)




قُل لي: أبَعدَ الموتِ موتٌ؟

هل كنتَ تعرفُ أن الأغنياتِ الأثيرة يسيلُ منها دمك، فآثرت حفظَ مائكَ الفضي واتخذتَ من القلوبِ منازل
لم تقلْ للموتِ هذه المرة: انتظرني قليلاً
لم تفاوضه أو تساومه على قصيدة
فالموتُ يعشقُ فجأةً مثلك.. والموتُ لا يحبُ الانتظار
لم تمنحْ المسافرين هذه المرة آخرَ نظراتكَ الحزينة، التي تشبهُ دمعةً تسيلُ على ساقيةِ القلب
ربما أدركتَ الحقيقة التي تعلمناها في غيابك: عندما نموتُ نصيرُ سادةَ العالم

الأعراسُ والأجراسُ في انتظاركَ، لكن زيتونَ فلسطين يجهشُ في البكاء
وأنتَ الذي بللتَ شفتيَ القصيدة بهواءٍ ناضجٍ كالقمح
علَمتها حُمى الوقت، ودسستَها في حقائبِ السفر، وحفظت قلبكَ كلّه عن ظهرِ قلب

بصوتِكَ المعبأ بالدخان والأحزان، الآتي من غياهبِ بئرٍ عميقة، كنت تَخيطُ روحكَ إلى روحِنا، وأنت تُلقي قصائدكَ وتوزعُ حكمتكَ بعينين نزقتين وطيفِ ابتسامةٍ، وخصلات شَعرٍ - منذ ثلاثين عاماً ـ خائف أن يشيب

شِعرُك أيها المُسجى فوق أرضٍ غريبة، كان الحجارةَ التي تعيدُ بناءَ أنقاض القرى التي أزالوها من على وجهِ الأرض وحذفوها من الخرائط المعدلة
قصائدُكَ كانت تقولُ لليائسين: لكي تبني المحارةُ قوقعتَها، يتوجبُ عليها أن تمررَ في جسمها ما يعادلُ وزنَها خمسين ألف مرةٍ من مياه البحر
يا لها من حكمةٍ نازفة
ظِلُكَ المثقوبُ يُقَلِمُ أغصانَ حيرتنا، وصوتُكَ المجروحُ مطرزٌ بهديلِ النجومِ الشاردة وغَمزِ الغيُومِ التي تراوغُ في وعودِها، وضحكتُكَ المبتورةُ تعانق جذور زهرةٍ يتيمة
طوبى للعاشقِ الذي ينسى دوماً بابَ قلبِه مفتوحاً، ليزفَ النايُ للشتاتِ بشارةَ العودة

أيها الأندلسيُ الذي تسلقَ جدارَ الموتِ، هارباً من نوافذ قرطبة وبحرِ بيروت ومآذنِ القاهرة وشرطة عَمَان، لماذا تركتَ القصيدة عالقة في شِباكِ مَن سرقوا عيونَ البحر كي لا نرى الحقيقة
‎‏
لماذا ضيَعتَ فرصتكَ في الموتِ مُذ كنتَ صغيراً؟ لماذا ضيَعتَ النهايةَ من البداية؟
أترانا أيها الرائقُ، المارقُ، الحاذقُ، محكومين بموتٍ سريعٍ يمُرُّ ببُطءٍ؟

أما الآن وقد امتلأت بكلِ أسبابِ الرحيل، فإنني أوصيكَ: كن رشيقاً كحروفكَ، موجعاً كالكلامِ حين تمضي إلى تلك المسافة الفاصلةِ ما بين حلمٍ واستفاقته


مطمئنونَ نحن إلى أن الموتَ لن يستقبلكَ بفظاظة حارسٍ ليلي، فهو يحفظ قصائدك المغناة ويرددُ في أوقاتِ فراغه قولك: ''وأعشقُ عمري لأني إذا متُ أخجل من دمع أمي''

لكنكَ تموتُ، بعيداً عن قهوةِ أمك وخبزِ أمك ولمسةِ أمك
ها هو الموتُ يُضبطُ متلبساً بالانضمامِ إلى باقي القتلة

متَ يا درويش، والخوفُ كل الخوفِ أن يخرُجَ لنا من الجحور دراويش، يتنازعون على لونِ عينيكَ، وإطارِ نظارتِكَ الطبية، وحبيبتكَ الأولى وقصيدتِكَ الأخيرة، ويتحدثون عن بطولاتٍ زائفة وانتماءاتٍ كاذبة مثل أردأ مساحيق التجميل

"يحبّونني ميّتًا ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا"
("ورد أقل"، محمود درويش، دار العودة، 1993)
أولئك الذين يُمجدون صياغتكَ إعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر، وينسون استقالتكَ من اللجنة التنفيذية لمنظمة
التحرير احتجاجاً على اتفاق أوسلو، حين صرخت بأعلى صوتِك:

"كل شىء مُعَدٌ لنا
فلماذا تطيلُ التفاوض،
يا ملكَ الاحتضار ؟"
("أحد عشر كوكباً"، محمود درويش، دار الجديد، 1993)

أخطأ الأطباءُ في المستشفى الأميركي تشخيصَ الداء..لم تكن المشكلةُ في إصلاح ستة وعشرين سنتيمتراً من الشريان الأبهر لقلبِكَ المُنهَك

كانت الأزمةُ تكمن في 365 كيلومتراً مربعاً هي مساحة قطاع غزة..وفي قولٍ آخر، كانت المشكلة في قلبكَ تمتد 5844 كيلومتراً هي مساحة الضفة الغربية

ولأن أطباءكَ في هيوستن، أيها الغزالُ الحرُ في بريةِ الروحِ، لم يتذوقوا قصائدك، ولم يقرأوا عن فلسطين الجريحة في دواوينكَ الشعرية، فقد أغفلوا احتمالاتٍ أخرى:

السلطةُ الوطنية التي داخت مثلَ ذبابةٍ أصابَها مبيد حشري، الدمُ الفلسطيني الذي لم يعد خطاً أحمر، رائحةُ البرتقالِ التي تختفي يوماً بعد يومٍ عن بيادر يافا
لم يعرفوا خطورة هذه "الأمراض" على رجلٍ كان يُذكِرُنا دوماً بأن فلسطين التي تضيع..لن تضيع


الصراعاتُ التافهةُ قضمت شرايينكَ كعيدان قصبٍ جافة، ولعلَكَ سئمتَ مِنْ تقطيرِ الحزن في قلبِكَ دَمْعَةً دمْعَةً

ولأن العاملين في ذلك المستشفى لا يفقهون اللغة العربية، فإنهم لم يفهموا مغزى الوصيةِ المنقوشة فوق أحدِ أوردتك لأبناء وطنك:

من يحلم بالكرامةِ.. فهو حيٌ ذليل. وحدهم الذين يعرفونَ توقيتَ الصلابةِ ويتقنون فن السيولة، هم الذين لا يتبخرون في فضاءِ الكونِ مثل غازاتٍ ضائعة


وحدهم الذين يملكون بوصلةَ الوعي والنضج، قادرون على أن يبقوا بشراً بدلاً من أن يصبحوا مجردَ كائنٍ رخو

أليست مفارقةً تدعو إلى التأمل أن تُسلِمَ الجسدَ المعطوبَ للجراح العراقي الأصل حازم صافي؟

العراقي الممزقُ بين المنافي يعالجُ الفلسطيني المحترقَ بنارِ وطنٍ محتل

كلاكما تبحثان عن وطن وحرية.. والجميلُ في الحرية أننا نتعلقُ بها في النطاق ذاته الذي تبدو فيه مستحيلة

جيمس جويس رفضَ أن يزورَ مدينته دبلن بعد أن غادرَها، ليظلَ يكتبُ عنها من الذاكرة الخائنة

لكنكَ آمنتَ بأن الكتابة وترٌ مشدودٌ بين الحريّة والتذكّر، فعُدتَ دوماً لتقاومَ بأصابع ينزُ منها دمُ الكلام "ذاكرة للنسيان"

هذه المرة فقط..لن تعود

الغيابُ الآن كفٌّ ملساء من دون خطوط

البروة، قريتُك التي كانت، تئنُ وتقيمُ سرادقُ عزاء تحت الأرض، تقرأ فيه المدنُ ما تيسرَ من "مديح الظل العالي"، وتدرسُ فيها القرى "أحد عشر كوكباً" وتتساءلُ البلدات "لماذا تركت الحصان وحيداً"، فيما الشعراءُ يقتفون "أثر الفراشة"

أنتَ الآن تشبهُ نفسك "كزهر اللوز أو أبعد"
أنتَ الآن طفلٌ يتوجبُ أن يتنازل هذا الكونُ الكاملُ عن ألعابِ طفولته من أجلكَ
أنتَ الآن وحيدٌ في البياض، تمَشِّطُ ضفيرة الريح، وقلبُك قميصُ الشفق
وما بين ضبابِ المخدرِ وبياضِ الغيبوبة، يناديكَ الغمام

"أرى السماءَ هُناكَ في متناولِ الأيدي
ويحملُني جناحُ حمامة بيضاءَ صوبَ
طفولةٍ أخرى. ولم أحلم بأني
كنتُ أحلمُ. كلُّ شيء واقعيّ. كُنتُ
أعلمُ أنني ألقي بنفسي جانباً
وأطير. سوف أكونُ ما سأصير في
الفلك الأخير. وكلّ شيء أبيض"
("جدارية"، محمود درويش، منشورات رياض نجيب الريّس للكتب والنشر، 2000)


أيها العائدُ من تخومِ الموتِ، خُذ "جداريتك" وعُد للأرض كي تستريحَ يا إمامَ التعب


جلجامش، لم يبقَ فوق الأرضِ سوى الرجال الذين يعجزُ الموت عن تطهيرهم من ذنبِ الحياة


أيها المارون بين الكلمات العابرة .. ها هو "أحمد العربي" يحاصرُ حصاره، ويهزمُ الموتَ، ويرتقي مدارجَ البهاء وحيداً حافلاً بالأمنيات

تابع القراءة

gravatar

نجوم على القوائم السوداء(1): هاربون..والله أعلم



يُقلِبُ ضابطُ الجوازات صفحاتِ جواز السفر ويركزُ نظراته على بياناتِ صاحب الجواز، وينقرُ بأصابعه على لوحة جهاز الكمبيوتر أو يحيل الأمر إلى موظفٍ أقل درجةً يجلس في كابينة ملاصقة، قبل أن يضع ختم الوصول أو المغادرة، أو يبلغ المسافر الذي أمامه بأحد أمور ثلاثة: إما أنه مدرجٌ على قوائم ترقب الوصول أو أنه ممنوعٌ من دخول البلاد، أو أنه ممنوعٌ من السفر

وفي مصر، لا تكتفي وزارة الداخلية بقرارات المنع من السفر أو دخول البلاد أو الإدراج على قوائم ترقب الوصول، وإنما تعذب أيضاً كثيرين في المطارات والمنافذ الحدودية تحت عنوان مزعج: تشابه الأسماء


ولعل هذا هو ما دفع محكمة القضاء الإداري في نهاية إبريل نيسان 2007 إلى تأكيد أن امتناع وزارة الداخلية عن إزالة تشابه الأسماء كسبب في وضع الأشخاص على قوائم الممنوعين من السفر أو ترقب الوصول يعد قراراً سلبياً يجب وقف تنفيذه. وأشارت المحكمة إلى أنه من أخص واجبات هيئة الشرطة كأحد قطاعات الوزارة في مجال الحفاظ على الأمن القومي للبلاد، هو توخي الحذر المطلوب في خروج المواطنين بالشروط المنصوص عليها قانوناً، وهو ما يقضي من القائمين على تلك الهيئة بضرورة الإسراع في اتخاذ الإجراءاتِ الكفيلة بإنهاء دخول المواطنين إلى البلاد والتأكد من صحة البياناتِ والإجراءاتِ بما لا يحمل اللبس أو الاختلاط أو التشابه بين الأسماء


بطبيعة الحال، فإن وزارة الداخلية لم تهتم كثيراً بكلام محكمة القضاء الإداري




والفارق بين قوائمِ ترقب الوصول والمنع من دخول البلاد، هو أن الأول يسري على المواطنين، كما يسري أيضاً على الأجنبي إذا كان مطلوباً في إحدى القضايا أو هارباً من تنفيذ حكم قضائي. أما المنع من دخول البلاد فيسري على الأجانب فقط ، إذ تُخطرهم السلطات بأنهم شخصيات غير مرغوب في دخولها البلاد، وتخيَرهم بين العودة على الطائرة نفسها التي أقلتهم إلى البلد الذي جاءوا منه أو اختيار أي دولة أخرى توافق على استقبالهم، أو الترحيل إلى وطنهم الأصلي

وتضم قوائم الإدراج في مصر العديد من أسماء المشاهير الذين تملأ صورهم وأخبارهم الصحف والمجلات. وعلى سبيل المثال فإن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مدرجٌ على قوائم ترقب الوصول في المطارات والموانىء المصرية، ما يعني أن القرضاوي يلقى معاملة المشتبه فيهم على يد سلطاتِ الأمن في زيارته المتكررة إلى بلده، في حين أنه يحظى بمعاملة خاصة لدى زيارته لدولٍ عدة في مختلف أنحاء العالم

ولنتحدث قليلاً عن قرار المنع من السفر

فقد أثيرت دوامات من الجدل بعد صدور حكم القضاء الإداري بمجلس الدولة المصري في يوليو تموز 2008، بأحقية وزير الداخلية في إصدار قرار بالمنع من السفر لكل من تتصف أفعالهم بالخطورة. ففي حين يراه البعض محاولة لتقييد المعارضة السياسية في البلاد، يعتبره آخرون حقاً لمنع تشويه سمعة البلاد في الخارج

ولعل أهمية هذا الحكم تنبع من عوامل متشابكة، بينها ما أوردته المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في تقرير لها من أن عدد الممنوعين من السفر وصل إلى ٥٠ ألفاً، يأتي على رأسهم قيادات جماعة الإخوان المسلمين وعدد من قيادات حركة كفاية، إضافة إلى المتهمين في قضايا جنائية

وبحسب رئيس محكمة القضاء الإداري في مصر المستشار أحمد الشاذلي، فإن الحكم حدد أحقية وزارة الداخلية في المنع من السفر في حالات محددة، مثل أن يكون الشخص مطلوباً في قضية أو صدر ضده حكم قضائي أو يكون قد تهرب من سداد أموال. واستبعد أن تكون الأفكار السياسية سبباً لمنع بعض الأشخاص من السفر، لأن المنع من السفر لابد أن يكون بحكم قضائي، وهو من حق النائب العام والمخابرات العامة، وأخيراً وزارة الداخلية في الحالات المذكورة

غير أن أحقية وزير الداخلية في إصدار قرار المنع من السفر تلقفتها قوى المعارضة السياسية بعين الاعتبار، لقولها إن استخدام أجهزة الأمن هذا الحق لا يكون إلا معها، وحسبما يقول القيادي الإخواني الدكتور جمال حشمت، أحد أشهر نماذج الممنوعين من السفر، إن الداخلية لا تستخدم - وربما لا تنفذ- قرار المنع مع المتورطين في جرائم نهب البنوك، لكنها تستخدمه مع السياسيين والقيادات

إلا أن اللواء فؤاد علام مدير جهاز مباحث أمن الدولة سابقاً يقول إن وزارة الداخلية هي صاحبة النصيب الأكبر من باقي السلطات القضائية في المشاركة في قرارات المنع من السفر، باعتبارها هي التي تحدد الخطر علي أمن الدولة. ويضيف قائلاً: "هذا إجراء متبع في كل بلاد العالم، حيث إن وزارة الداخلية هي الجهة المنوط بها إدراج أسماء من يسيئون للبلاد والخطرين علي الأمن العام ويهددون الأمن في الخارج"

غير أن فكرة حق وزارة الداخلية في المنع من السفر مخالفة للمواثيق الدولية والدستور المصري، لأن المنع من السفر من إجراءات التحقيق، ولا يجوز أن يمنع أحدٌ من السفر إلا بإذن السلطات القضائية وذلك بنص الدستور، حتى في ظل قانون الطوارئ، يجب أن يمنح هذا الحق إلى السلطة القضائية

أما الواقع فإنه يؤكد استعمال أجهزة الأمن هذا الحق بالمخالفة للقوانين، لأن وزارة الداخلية سلطة تنفيذية وليس لها الحق في أن تقول: هذا يُمنع.. وهذا يسافر

إن الناظر إلى بعض القضايا المرفوعة أمام محكمة القضاء الإداري يجد أمرين أساسيين بميزانها: أولاً التفاوت الكبير في تسبب الجهات التي يختصمها المواطنون المصريون المتضررون من قرارات منعهم من السفر أو قرارات وضعهم علي قوائم الترقب.. نجد أن وزير الداخلية يتصدر قائمة المختصمين بنسبة ٦٨% من إجمالي الدعاوى، ويليه النائب العام بنسبة ٦٢% ثم مدير مصلحة الجوازات والهجرة بنسبة ٢٥%، في حين تساوى كل من وزير العدل ومدير وحدة تنفيذ الأحكام ومدير المخابرات الحربية في حصول كل منهم على نسبة أقل من ٧% من إجمالي عدد الدعاوى

وربما كان مستغرباً أن مجلس الشعب المصري عجز حتى كتابة هذه السطور عن صياغة مشروع قانون ينظم مسألة المنع من السفر، بحيث تنص بنوده على أن يكون هناك نص صريح بعدم منع أي مواطن من السفر إلا في واحدةٍ من حالتين: الأولى أن تتطلبه ضرورة التحقيق، بحيث يستخدم المنع من مغادرة البلاد كبديل للحبس الاحتياطي، على أن يكفل للمواطن جميع الحقوق المقررة له في حالة الحبس الاحتياطي، مثل أن يكون قرار المنع سبباً، وأن يصدر من النائب العام وحده، وأن تكون الواقعة محل التحقيق جناية، وأن تتوافر دلائل جدية وكافية على الخشية من هروب المتهم وتعطل التحقيقات، وأن يكون محدداً بمدة زمنية معينة، وأن تكون هناك رقابة قضائية في حالة تجاوز المنع الفترة القانونية المحددة

والحالة الثانية هي سحب الحق في المنع من السفر من أيدي السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الداخلية، مع الاحتفاظ بحق الوزارة في اللجوء للقضاء في حالة وجود ضرورة تقتضي المنع من السفر أو الوضع على قوائم الترقب

ومع أن رئيس مجلس الشورى المصري صفوت الشريف قال إن الحكومة لديها مشروع قانون يضع ضوابط جديدة للمنع من السفر، تمت مناقشته داخل الحزب الوطني، مشيراً إلى أن الحكومة ستتقدم به قريباً إلى البرلمان ("المصري اليوم"، عدد 20 فبراير شباط 2008) فإن الوضع استمر على ما هو عليه بعد هذه التصريحات

من جهة ثانية، فإنه من الضرورة بمكان اعتبار القضايا المتعلقة بالمنع من السفر أو الوضع على قوائم ترقب الوصول قضايا مستعجلة، نظراً لوجود فجوة بين أعداد القضاة وأعداد القضايا التي ينظر فيها، بحيث لا تتعطل مصالح المواطنين، ما قد يؤدي إلى انتفاء السبب في سفرهم، وكذلك ضرورة توحيد وتحديد الجهة التي يتعين على المواطنين اللجوء إليها للتظلم من هذا القرار، حيث ينص القانون على أحقية محكمة القضاء الإداري في الفصل في صحة الأسباب التي يرتكن إليها النائب العام وباقي الجهات القضائية في إصداره لقرارات المنع من السفر


والشاهد أن معظم الهاربين - أو المتهربين من قرارات منع السفر- سافروا أو هربوا إلى خارج مصر عن طريق الموانيء والمطارات بحيلٍ مختلفة، بل إن بعضهم توقف في طريق المغادرة في استراحة كبار الزوار، لصدور قرار المنع من السفر بعد سفرهم مباشرة، أو لاستخدامهم الجنسية المزدوجة وجواز السفر الأجنبي


ومن أشهر الهاربين عضو مجلس الشورى ممدوح إسماعيل، مالك عبارة "السلام 98" التي غرقت في البحر الأحمر في 3 فبراير شباط ألفين وستة وأودت بحياة أكثر من ألف شخص. وعلى الرغم من الملاحقة القضائية فإن ممدوح إسماعيل هرب مع نجله عمرو ليستقرا في بريطانيا، بعيداً عن طائلة القانون المصري الذي حكم في 27 يوليو تموز 2008 بتبرئتهما من التهم الموجهة إليهما


وربما كان أقدم الهاربين هو رجل الأعمال توفيق عبد الحي الذي فر في 18 فبراير شباط 1982 إثر الإعلان عن ضبط صفقة استيراد دواجن فاسدة (1426 طناً) كانت على وشك التوزيع على منافذ البيع، بجانب قضايا مالية أخرى، بعد أن حصل على ما لا يقل عن 15 مليون دولار من ثلاثة بنوك كبرى بلا أي ضمانات أو مستندات. وعندما استدعته النيابة اكتشفت أنه استغل رئاسته لبعثة إحدى الألعاب الرياضية في التسلل إلى الخارج، وبمعنى أصح فقد هرب بقرار وزاري صدر قبل قرار الإدراج على قوائم المنع بيومين فقط. فقد صدر قرار منع توفيق عبد الحي من السفر في 20 فبراير شباط 1982. وسرعان ما كبرت كرة الثلج لتصبح الاتهامات أكبر وأخطر بعد شهر من سفره، أي في مارس آذار من ذلك العام

وفور علمه بقرار إدراج اسمه استقر في اليونان، لعدم وجود اتفاقية بين القاهرة وأثينا تقضي بتبادل تسليم المتهمين الهاربين. وللمفارقة، فإن زوجة توفيق عبد الحي غادرت مصر في مارس 1982، ليصدر قرار منعها من مغادرة البلاد بعد سفرها بيومٍ واحد


وتوفيق عبد الحي، عضو الاتحاد الاشتراكي وقيادي التنظيم الطليعي وعضو الحزب الوطني، وأحد المقربين إلى "المعلم" عثمان أحمد عثمان صهر الرئيس الراحل أنور السادات، هو ابن جيل السبعينيات و"فتى التنمية الشعبية المدلل". وإذا كانت محكمة أمن الدولة العليا قد برأته في 28 إبريل نيسان 1994، فإنه ظل متخوفاً من العودة إلى مصر، خصوصاً أنه ما زال موضوعاً على قوائم الممنوعين من السفر إلى الخارج، بقرارٍ سابق من المدعي العام الاشتراكي
وإذا كان توفيق عبد الحي قد توقف لعب دور التاجر في مصر، فقد ارتدى أخيراً ثوب المفكر، ليُصدِرَ في مطلع العام 2007 كتاب "الإصلاح في مصر.. قضايا للنقاش والرأي" الذي يتحدث فيه عن نفسه وإنجازاته ويقدم رؤيه للإصلاح الاقتصادي. وفي حديثه مع "المصري اليوم" بتاريخ 29 أكتوبر تشرين أول 2006، قال توفيق عبد الحي إن "الرئيس السادات أصدر قراراً بمنح "إيريك" قرضاً من بنك التسليف الزراعي وقعَ عليه نائب الرئيس ورئيس لجنة السياسات في الحزب الوطني حينئذ حسني مبارك وبفائدة ٣% فقط بغرض إنشاء منافذ توزيع، وكنت باعمل كل حاجة بدعم من السادات وعثمان"
يبقى القول إن توفيق عبد الحي نزل بقوة في مجال الاستثمار العقاري في إمارة دبي مع ولديه محمد وتامر، وفي عام ألفين وستة تجاوز حجم استثماراته في الإمارة مليار درهم، إضافة إلى أعماله في اليونان وبلجيكا ووروسيا البيضاء
وعلى القائمة نفسها يبرز اسم سيدة الأعمال هدى عبد المنعم والتي أطلق عليها وصف "المرأة الحديدية" بعد أن اتُهِمَت في القضية التي تحمل رقم 3565 لسنة 1984 وصدر حكم بحبسها ثلاث سنواتٍ مع الشغل لإصدارها شيكاً بدون رصيد بقيمة 50 مليون جنيه. وكانت هدى عبد المنعم التي شغلت منصب رئيس مجلس إدارة الشركة الدولية للإنشاء وهيدكو مصر، قد حصلت على تسهيلاتٍ ائتمانية بموجب أوراق مزورة، وأكد تقرير الرقابة الإدارية وقتها أن هدى حصلت على العديد من التسهيلات من بنوكٍ عدة من دون ضمانات، وأخرى بضمانات مزورة من بنك القاهرة والبنك العربي الإفريقي، وبنك قناة السويس، وأيضا البنك التجاري الدولي
وبالرغم من إدراج اسمها في قائمة الممنوعين من السفر فإن هدى عبد المنعم تمكنت من الفرار باستخدام حيلةٍ ذكية، وبمعاونة أيادٍ خفية. فقد دخلت صالة السفر وهي ترتدي حجاباً وتضع مكياجاً متقناً لتقترب من ملامح ابنتها الكبرى التي كانت تحمل جواز سفرها

سيناريو الهروب كما تخيله رجال الأمن بعد ذلك، تضمن قيام معاونها الذي سهلَ لها السفر بتسليم جواز سفرها وختمه من دون أن يرى الضابط صاحبة جواز السفر، لتتمكن "المرأة الحديدية" من الهروب بجواز سفر الابنة إلى اليونان، التي تمتلك فيها حالياً شركة باسم "جولدن جلف" للشحن البحري ومقرها. وهذه الشركة ليست لها مراكب، ومكتبها عبارة عن غرفة صغيرة في إحدى البنايات، وتم تسجيلها في بنما وتحصل على إعفاءات ضريبية وتمنح الإقامة للجنسيات الأجنبية، وهو ما تستغله هدى عبدالمنعم، حيث تقوم بالمتاجرة والسمسرة في العمالة الآسيوية

ثم توالت عمليات الهروب، والتي شملت عادل مبارك فهمي صاحب شركة "دوارف" وقد هرب إلى لندن ومعه 375 مليون جنيه بعد أن نصب على خمسة بنوك، ومحمود وهبة الذي استولى على 300 مليون جنيه من بنكي الأهلي وأمريكا اكسبريس، وهاني يعقوب شقيق الجراح العالمي مجدي يعقوب والذي هرب بـ 200 مليون جنيه، ومبارك حلمي 500 مليون، وحاتم الهواري بـ 700 مليون ومحمد الجارحي بـ700 مليون ومنى الشافعي 43 مليوناً... إلخ

وكاد رجل الأعمال فوزي السيد أن ينجح في الهروب عن طريق أحد العاملين الذي ختم جواز سفره وطلب من أمين الشرطة عدم عرض الورقة الخاصة ببيانات رجل الأعمال في الكمبيوتر، ما جعل رجل الأمن يرتاب فيه ويعرض الأمر على ضباط المباحث الجنائية، الذين وضعوا الاسم على الكمبيوتر فتبين أنه مدرجٌ على قوائم المنع من السفر، فأحضروه من الطائرة التي كانت تستعد للإقلاع

الطريف أنه في الانتخابات العامة التي أجريت في نوفمبر تشرين ثان عام 2005، أصدر المهندس فوزي السيد المرشح المستقل علي مقعد الفئات عن إحدى دوائر مدينة نصر كتاباً شاملاً يحكي قصة حياته بالكامل والسنوات الثلاث التي قضاها خلف القضبان حتي حصل على البراءة

أما علية العيوطي، العضو المنتدب السابق لبنك النيل والتي تمتلك عائلتها ما يزيد على 50 بالمئة من أسهم البنك، فقد غادرت مصر في يوليو تموز 1999 بطريقةٍ رسمية ما زالت تثير علامات الاستفهام . إذ فوجيء ضابط الجوازات عند وضع البيانات الخاصة بها داخل الكمبيوتر بأنها مطلوبة واسمها مدرج على القوائم بناء على قرارٍ من النائب العام المستشار رجاء العربي. وقبل أن يتكلم ابتسمت له علية قائلةً: معي قرار من النائب العام المستشار رجاء العربي بالسماح لي بالسفر لمرة واحدة بقصد العلاج في باريس". كان ذلك قبل أن يصدر ضدها حكم بالسجن لمدة عشر سنوات في 13 يوليو تموز 2002، في أكبر فضيحة فسادٍ مصرفي، وعرفت بقضية نواب القروض، التي تورط فيها عدد كبير من نواب مجلس الشعب ورجال أعمال ووزير سياحة
وهذه القضية ترجع وقائعها إلى عام 1995، عندما تقدم عيسى العيوطي رئيس بنك النيل ووالد علية بشكوى ضدها زعم فيها أنها سهلت لزوجها رجل الأعمال وعضو مجلس الشعب محمود عزام، الحصول على قروض من البنك دون ضمانات، وصلت إلى 119 مليون جنيه
وبالطبع كانت رحلة واحدة إلى فرنسا تكفي علية، لأنها لم تعد منذ ذلك الحين، فعلاجها الوحيد كان حكم البراءة أو إسقاط الحكم الصادر ضدها، وهو ما لم يحدث

وبقيت علامات استفهامٍ وشبهات تحيط بقرار النائب العام السابق الذي منح علية العيوطي إذناً بالسفر قبل أيامٍ من إحالته إلى التقاعد

السلطات الفرنسية ردت على طلب الحكومة المصرية برفض تسليم علية، لأن الاتهامات الموجهة إليها ليست موجودة في القانون الفرنسي، كما أن فرنسا لم تضمن محاكمة عادلة لها في مصر

إلا أن هناك من هربوا مرتين، ونجحوا في الإفلات من قبضة الأمن وعينه الساهرة..بقدرةِ قادر
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator