المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

وزراء في المصيدة



رجال أعمال ومكتشفو آثار ولصوص تائبون

هؤلاء هم أبرز من نجحوا في النصب والاحتيال على وزراء مصر

فالوزير في بلادنا قد يصبح في لحظةٍ ما صيداً ثميناً لنصاب أو محتال، يرغب في استغلال هذا الوزير ومنصبه

وهكذا لم يكن الشاب محمد جاد الرب القادم من أسوان هو أول نصابٍ في حياة وزير الثقافة المصري فاروق حسني. فقبل هذا النصاب الذي زعم للوزير اكتشافه مقبرةً أثرية في سبتمبر أيلول عام 1996 سعياً وراء اقتناص مكاسب مالية، قبل أن يختفي ويحرج الوزير أمام وسائل الإعلام، جاءت الأثرية اليونانية ليانا سوفاليتزي لترفع شعار: وجدتها

كانت ليانا سوفاليتزي تروج لفكرةٍ مفادها أن مقبرة الإسكندر الأكبر موجودةٌ في واحة سيوة. وقف فاروق حسني إلى جانب الباحثة اليونانية وساندها في وجه كل من رفضوا حكاية مقبرة الإسكندر في سيوة، مع أن فريق المعارضين ضم علماء آثار وباحثين بارزين، بينهم الأثري المعروف المولود في الإسكندرية هاري تزالاس مدير معهد أبحاث الاسكندرية في العصور الوسطى، والذي قدم الأدلة الكافية من وجهة نظره على أن قبر الإسكندر الأكبر كان موجوداً محل مسجد النبي دانيال في قلب الإسكندرية

صدقها فاروق حسني، ربما لأن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر آنذاك د. عبدالحليم نور الدين، كان من أنصار نظرية سوفاليتزي

غير أن سوفاليتزي – التي ظلت تحفر وتنقب في سيوة خلال الفترة بين عامي 1989 و1995- بررت الاعتراضات التي واجهتها بالتنافس المهني الشرس، فقالت إن وراء الحملة التي هدفت إلى إلغاء ترخيص العمل الخاص بها مجموعة من الأثريين اليونانيين عز عليهم أن ينسب هذا النجاح إليها‏،‏ فحرَكوا الحكومة اليونانية، والتي بدورها خاطبت الحكومة المصرية لإلغاء ترخيص البحث الممنوح لها من هيئة الآثار المصرية

وأصدرت الباحثة اليونانية كتاباً باللغة اليونانية‏ بعنوان "قبر الإسكندر الأكبر في واحة سيوة قصة الحفريات الأثرية والخلفية السياسية"، سردت فيه قصة الإسكندر ومعشوقته خميسة التي مازال يطلق اسمها على التل الأكبر في واحة سيوة، وعدَدت من الأدلة والبراهين ما رأت أنه يؤيد فكرتها
زعمت سوفاليتزي في مطلع فبراير شباط 1995 اكتشافها لموقع مقبرة الإسكندر الأكبر، إلا أن وفداً أثرياً رفيع المستوى انتدبته الحكومة اليونانية تفقد الموقع المزعوم في 7 فبراير شباط 1995 وخرج ليقول إنه لم يجد ما يثبت صحة مقولة سوفاليتزي، بل إن الوفد اليوناني قال إنه ليس واضحاً إن كان ما عثرت عليه سوفاليتزي هو معبد أم مقبرة، كما أن ما جرى العثور عليه ينتمي على الأرجح إلى العصر الروماني، أي بعد نحو 300 عام من وفاة الإسكندر الأكبر

وبعد تفنيد نظرية سوفاليتزي، اختفت تماماُ عن الأنظار بعد أن حصلت على ضجةٍ إعلامية ودعائية استفادت منها في إنجاز بعض مشروعات "البيزنس" الخاصة بها في مصر

وأدى ذلك إلى وضع وزارة الثقافة في موقفٍ حرج، سرعان ما دفع الحكومة إلى مراجعة سياساتها بشأن السماح بإجراء أي حفريات أثرية في مصر


وحكاية وزراء مصر مع النصابين حكاية طويلة، ويتذكر البعض كيف أوقع رجل الأعمال نبيل مشرقي رئيس الوزراء السابق د. عاطف صدقي في شراكه، إذ جعله يقص شريط الافتتاح لمشروعاته الوهمية لتلتقط له الصور الفوتوغرافية التي استغلها رجل الأعمال المذكور بعد أن تحولت إلى "عدة النصب" بالنسبة له.. قبل أن يلوذ بالفرار ومعه الملايين من أموال المخدوعين وصورة مكبرة له وهو يتبادل حديثاً باسماً مع رئيس وزراء مصر السابق


نائب رئيس الوزراء وزير الزراعة د. يوسف والي اضطر بدوره إلى نشر تكذيبٍ على صفحات الصحف القومية - نشرته صحيفة "الأهرام" على صفحتها الأخيرة- لمزاعم إحدى السيدات، بعد أن اكتشف والي أن هذه السيدة تدعي أنها زوجته وتستغل ذلك في الحصول على أموال وتسهيلات من جهات مختلفة..علماً بأن والي لم يسبق له الزواج


بعض النصابين يستغل تشابه الأسماء في النصب باسم هذا الوزير أو ذاك، وهو ما حدث مع د. ماهر مهران وزير السكان السابق – أيام كان لدى مصر وزارة للسكان- وقبله بزمنٍ طويل نال أحد النصابين علقةً ساخنةً عندما زعم أنه شقيق الوزير صلاح سالم في حكومة الثورة


أما الذي تولى مهمة تأديب النصاب بنفسه بعد أن اعتقلته أجهزة الأمن في أواخر خمسينيات القرن الماضي، فكان جمال سالم شقيق الوزير صلاح سالم


ومن النصابين باستخدام أسماء الوزراء، نذكر حكاية ياسر كمال الشاذلي

فقد وقع كثيرون ضحية لهذا المحامي النصاب، بعد أن أوهمهم بأن والده ليس هو أباه هو كمال الشاذلي الذي شغل منصب وزير الدولة لشؤون مجلس الشعب كما تولى منصب الأمين العام المساعد للحزب الوطني وأمين التنظيم، قبل أن يصبح المشرف العام على المجالس القومية المتخصصة


وفي الفترة بين عامي 2003 و2004 تقدم للنيابة 22 شاكياً اتهموا ياسر كمال الشاذلي بالنصب والاحتيال


النيابة وجدت نفسها أمام ثلاثة يحملون اسم كمال الشاذلي، الأول هو الوزير الذي استغل النصاب اسمه، والثاني هو والد النصاب ويدعى كمال الشاذلي، أما الثالث فكان مفاجأة، وكان اسمه المركب "كمال الشاذلي" وهو نجل النصاب، ويبدو أن والده كان يأمل في أن يستغل نجله يوماً تشابه الأسماء


الغريب أن المتهم أصر أمام النيابة على وجود علاقة معرفةٍ وثيقة بين عائلته وعائلة الوزير كمال الشاذلي، وقدم نسختين من جريدة "الأهرام"..في الأولى يعزي كمال الشاذلي - الوزير- كمال الشاذلي والد النصاب في وفاة عمة النصاب، والثانية يهنىء فيها كمال الشاذلي - أبو النصاب- كمال الشاذلي الوزير


وفي ظل الفساد، وغياب الشفافية، وانتشار الرشوة، يكونُ للأسماء والمناصب مفعول السحر


غير أن هناك فريقاً آخر من النصابين يرى أن أقصر الطرق إلى النصب تبدأ من الوزير نفسه، ولذا فإن الخطوة الأولى تكون عادة بتقديم النصاب نفسه للوزير أو المحافظ في صورةٍ أنيقة تعطي انطباعاً بالوجاهة والثراء. ثم تبدأ سلسلة خطواتٍ للإيقاع بالوزير أو المسؤول


وفي منتصف يونيو حزيران 2008 نشرت الصحف والمواقع الإلكترونية خبراً مفاده أن الأجهزة الأمنية في أسوان ألقت القبض على شخص حاول النصب عل محافظ أسوان، حيث ادعى أنه عضو مجلس شعب ومستثمر للحصول على مساحة أرض تبلغ 500 ألف متر مربع بطريق أسوان أبو سمبل السريع، بدعوى إنشاء مصنع للإسمنت بأسوان

أبلغ محافظ أسوان مدير أمن أسوان بالواقعة، وتم إعداد كمين لضبطه داخل مكتب المحافظ بعد صدور إذن من رئيس محكمة أسوان الجزئية بتسجيل لقائه مع المحافظ بالصوت والصورة. وحين ألقي القبض على المتهم، تبين أنه موظف سابق من مدينة حلوان


ومن ملف النصب على الوزراء، قصة "اللص التائب" الذي صافحه وزير الداخلية السابق محمد عبد الحليم موسى ومنحه مكافاةً مالية ليبدأ حياةً جديدة، وأصدر توجيهاته بأن تتكفلَ وزارة الداخلية بجميع نفقات أدائه فريضة الحج، ليكتشف الوزير نفسه بعد فترةٍ من الوقت أن هذا اللص -الذي ظهر في برامج تليفزيونية، مثل برنامج "فكر ثواني" مع نجوى إبراهيم- لم يكن تائباً وإنما محباً للشهرة والأضواء، وراغباً في صرف أنظار أجهزة الأمن عنه، حتى يواصلَ ممارسة هوايته في السطو على المساكن بهدوء..بعيداً عن رقابة رجال الشرطة والتحريات


اللافت للانتباه أن وزراء المجموعة الاقتصادية هم الأقل تعرضاً للنصب، ربما بحكم حذرهم في المسائل المالية والقانونية، خصوصاً فيما يتعلقُ بالأموال السائلة والشيكات وحساباتهم المعقدة لأية خطوة من الخطوات التي يتخذونها..هذا إذا استثنينا وزير اقتصاد سابقاً تردد في منتصف التسعينيات أنه تورط في صفقةٍ ساخرة مع أحد كبار تجار العملة، قبل أن يختفي هذا الحوت الكبير بعد أن حوَل أمواله إلى الخارج، كأنه فص ملح وذاب

تابع القراءة

gravatar

كتاب الرغبة (16): مدينة النعناع..ودرب الزعفران





"بعنايةٍ فتحت بيد ثوبها وعرضت لي ثديين ناعمين دافئين كما لو تقدمُ يمامتين حييتين للإلهة. أحبيهما جيّداً، قالت لي، فأنا أحبُهما جداً، إنهما حبيبان، أشبه بطفلين صغيرين. عندما أكونُ وحيدة أهتمُ بهما. ألعبُ معهما، أمتّعهما. أغسلُهما بالحليب. أرشُ عليهما مسحوق الزهر. وشعري الناعم الذي يمسحهما جدُ عزيز على أطرافهما الصغيرة. أداعبُهما برعشة. أمددهما في الصوف ليناما. وبما أنه لن يكونَ لي أطفالٌ أبداً، كوني، يا حبيبتي، رضيعاً لهما، بوّسيهما مكاني، بما أن فمي بعيد عنهما"
(بيير لويس، قصيدة "ثديا مناسيديس"، ديوان "أغاني بيليتيس" (Les Chansons de Bilitis),The songs of Bilitis، 1845)


هذه روايةٌ تدورُ أحداثُها في أفق شخصياتٍ نسائية، وعلاقاتهن المثلية

سهام، ليال، نور، ميمي.. هن نساء الروائية إلهام منصور، وهن في معظمهن مثقفات وتلميذات وجامعيات وربات بيوت ينفردن في قراءة واقعهن وتحليله، وقد يستغرق ذلك صفحاتٍ عدة تخرجُ الرواية عن سِكتها وتدخلها في تداعيات نفسية وتحليلية

وعلى الرغم من تباين مستواهن التعليمي والثقافي فإنهن يطرحن أنفسهن بجرأةٍ، في إطار عالم المثلية النسائية، ويغدو التعبير عن مشاعرهن وعواطفهن لغة يفيض قاموسها بمفرداتٍ وجمل إنشائية، غالباً ما تتبادلها المراهقات فيما بينهن. وفي إطار محاولاتِ التقارب التي يقمن بها باتجاه بعضهن البعض، تسقط الرواية في فخ اللغة المباشرة

في هذه الرواية ("أنا هي أنتِ"، إلهام منصور، رياض الريس للكتب والنشر، 2000) تبرز بكثير من الجرأة والصراحة والعفوية مسألة تشكل هاجساً مرعباً عند كثيراتٍ تقودهن الظروف الاجتماعية والنفسية إلى علاقاتٍ مثلية، لا ترضي فيهن موضعَ الشبق وحسب، وإنما عطشهن إلى المستحيل

أما الكاتبة فهي إلهام منصور، أستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية، والروائية، والتي صدرت لها مجموعة من الروايات والدراسات الفلسفية المختلفة

ومع أنّ روايتها التي بين أيدينا تتناولُ موضوع العلاقات المثلية بين النساء، فإنها تقول إن الجنسَ في كتبها ليس ابتذالاً، بل على العكس هو جزءٌ مهم من الحياة، وهي تضعه في مكانِه الضروري داخل النص


وفي حديثٍ صحفي أُجريَ معها، تقول إلهام منصور: "بعد كتابة "أنا هي أنت" سمعتُ أسئلة من هذا النوع ولو أنها أسئلة غير مباشرة. كان جوابي دائماً: لو كنت سحاقية لما ترددت لحظة في إعلان ذلك. لكن لدي صديقات عديدات أحبهن، وليس الحب لشخصٍ من جنسنا نحن النساء بالضرورة حباً مثلياً، كما يحلو لبعض الأذهان الغبية اعتباره"

وتضيف الروائية اللبنانية قائلة: "الجنسُ في الكتب الأخرى لا يدخلُ في تفاصيل العلاقة ولكنه يدخل في الكتابة الإيروتيكية الإيحائية وبعض القراء والنقاد، خاصة في رواية "أنا هي أنت" طالب بتفصيلات حول هذا الموضوع، ولكنني مقتنعة بما قمت به؛ لأن التفصيل هنا لا يضيفُ شيئاً إلى الرواية"


الرواية التي تقع في 215 صفحة، مليئةٌ بالحشو والدروس التي تربط بين ثقافة الغرب والتحرر الجسدي، والفقرات التي تتحدثُ عن تاريخ المثلية وتفسيرات هذا السلوك لدى فريقٍ من النساء. والمشكلة الحقيقية هي أن هذا العمل الروائي لا هو بالدراسة الاجتماعية أو التاريخية الموثقة، ولا هو بالنص الذي يفيض رقةً وشاعريةً. غير أن مصدر تَفرُدِها يعودُ ببساطة إلى أنها قد تكونُ أولَ روايةٍ عربية معاصرة مكتوبةٍ من السطر الأول وحتى السطر الأخير عن العلاقاتِ المثلية بين النساء، بل إنها رواية يغيبُ فيها الرجل، لتكون كلُ بطلاتها من النساء

نلتقطُ خيطَ البدايةِ مع الفتاة سهام، التي تتذكرُ فِعلَ السحر في لمساتِ أمها لها أمام التليفزيون، وهي تُمسِدُ لها عنقها وظهرها

"أجلسُ بالقرب منها على الأرض أضع رأسي على ركبتها فتُدخل يدها من قبة قميصي وتبدأ حفلة الدغدغة التي كانت تؤدي بي أحياناً إلى النوم وغالباً إلى اللجوء إلى سريري لممارسة تلك العادة" (ص 10)

وللنساءِ ملعبُ خيالاتٍ لا ينضب

بعدها يأتي دور أستاذتها في المدرسة التي كانت تحاول بأية طريقة أن تلامس جسدها. ظلت الفتاة تنفر من أنوثتها ومظاهرها البادية عليها، ربما بسبب سرٍ تفصح عنه لاحقاً: تحرش الأب

"لماذا لم يخلقني الله امرأةً طبيعية، هل يمكن أن يكون ذلك النذل هو الذي أفسد حياتي كلها؟ لقد مات الآن، ويا ليت كل الذين مثله يموتون، الكل يعتقد أنه مات بسكتةٍ قلبية وأنا متأكدة أنه انتحر بعد فِعلتِه الشنيعة تلك. صحيحٌ أنه كان ثملاً ولم يدر ماذا يفعل، لكن هل الإسراف في الشرب جعله لا يميز بيني وبين أمي؟ هل اختلطت لديه الأمور إلى هذه الدرجة كما حاول أن يقول، أم أنه، بلا وعيه، كان يشتهيني أنا؟ إلى متى سأحتفظ بهذا السر الذي كاد يقضي علي وعلى كل ما أطمح إلى تحقيقه؟ ربما كان من الأفضل لي أن أعرض قصتي على طبيبٍ نفساني" (ص 71)

لعبةُ التخيلِ تأخذ أبعاداً أخرى، حين نجد سهام تَعدِلُ عن هذه الرواية التي تتهم فيها الأب، فتلقي عليها ظلالاً من الشك، قائلة: "تريدين الحقيقة؟ ما عدتُ أذكر تماماً إن كان ذلك الحادث قد وقع فعلاً. أحياناً كثيرة يتراءى لي أنه من صنع خيالي. أحياناً كثيرة يتراءى لي أنه من صنع خيالي، كما لو أنني افتعلته لأبرر به ميولي الحالية. في الحقيقة ما عدتُ أدري إن كان قد حصل فعلاً أو أنه كان رؤيةً حصلت لي وأنا بين النعاس والنوم. رأيته يدخل غرفتي وأنا مستلقية على سريري، نام بجانبي وكان عضوه منتصباً، صرختُ به فخرج مهرولاً واختفى. هل أتى فعلاً؟ هل كنت أحلم؟ لا أستطيع الجزم. كل ما أذكره الآن هو أنني كنتُ أغارُ على أمي منه، كنتُ أريدها لي وحدي، كنتُ أنزعجٌ جداً حين كانا يدخلان غرفتهما ويقفلان الباب. ربما كنتُ أريدُ أن يفعلَ ذلك معي كي تكرهه أمي" (ص 103)

ولأن الذنبَ خفي، ولأن الذنبَ مراوغ، نحملُ على أكتافِنا جثة الشمس، لنواريها في فناءِ البيت، أو بين شقوقِ الذاكرة

وبسبب تردي الوضع الأمني في لبنان، تقرر الأم إرسال الابنة إلى باريس حتى تستكمل دراستها في المرحلة الثانوية
في باريس، التقت سهام زميلتها الفرنسية كلير، لتبدأ رحلتها الأولى في عالم المثلية

وفي بلاد الاغتراب، يمكنكَ أن تملأ حلقَ الآخرين بالغبار دون أن تجرحَ القانون أو الهواء

"كانت سهام قد أصبحت لا تستطيع العيش من دون كلير التي ملأت صورتها كل فضائها الواعي واللاواعي تماماً كما أصبحت صورتها هي تسكن كل عالم كلير. عشقٌ متبادل لا تعكّره المحرمات لأنهما من جنسٍ واحد" (ص 14)

مشروعُ ضحيةٍ: الكائن الرخو
رائحة الخضوع، ولون المسايرة، وملمس المجاملة..حواسُ تقود إلى الفريسةِ التي ارتضت طوعاً الانضمام إلى النادي الكبير، المسمى الرخويات

دامت العلاقة بين الفتاتين حتى فترة الربيع، إلى أن قررت الأم زيارة ابنتها والاطمئنان عليها، الأمر الذي أصبهما بالقلق والحزن لأنهما ستفترقان لفترة. "ليلة وصول أم سهام أحضرتا المشروب والأكل والسجائر وجلستا معاً تمارسان كل ما يحلو لهما تحقيقاً لرغباتهما المتماثلة، واستمرتا حتى الصباح في شبه انخطاف، كل واحدةٍ مأخوذة بالأخرى التي تعشق" (ص14)

تلتقطُ الأم تلك التفاصيلَ المربكة عن علاقةِ ابنتها بالفرنسية كلير، وميول سهام المثلية، حتى تحين لحظة المواجهة. "اعترفي الآن ما هي علاقتك بكلير؟ أنا لست غبية وما أحدس به هو حتماً صحيح يا سافلة!" (ص 21)

أمام هذا التعبِ الآثمِ تصمتُ، ربما كي تحميَ خيبتها!
والصمتُ، صراخٌ لا يمكن شرحه

ردُ فعل الأمِ تَمثلَ في الاتصال هاتفياً بكلير ونعتها بأسوأ الصفات، وتهديدها إن هي اقتربت من سهام أو تكلمت معها بعد الآن. تصارحُ كلير في غضبٍ صديقتها بتهديد الأم ثم تسألها بأسلوب استنكاري قائلة: "ألهذه الدرجة أنتم متأخرون في لبنان؟ تقولين إن أمك مثقفة وواعية جداً فما هذه الثقافة وما هذا الوعي؟ أقبلُ بأن تقول لي إنني سحاقية، لكن أن تنعتني بالقذارة والمرض وبتلويثِ ابنتها، فهذا ما لا أسمح به إطلاقاً" (ص23)

الدفاعُ الذي أجرته الروائية على لسانِ سهام لم يتجاوز الجمل والعبارات المحفوظة والمكررة، من عينة "عندنا في لبنان، السحاقية منبوذة ولا تجهر بما هي عليه بل تحاول أن تخفي ذاتها، حتى إن المراقب لمجتمعنا لا يستطيعُ أن يتلمسَ وجودَ علاقةٍ من هذا النوع، وإن وُجِدَت فعلاً، وهي موجودة، فهي تُمارسُ بسريةٍ مطلقة لا يرشح منها شيء إلى الخارج. حتى إن كل حركاتِنا النسائية في لبنان لم تجرؤ على إثارة الموضوع، إنه مُحرٌم وعيبٌ ودليلُ انحطاطٍ ومرض" (ص 24)

تمارسُ سهام والأم لعبة القناع، فالأم تعرف وترفض ما تعرف، والابنة تعرف أن أمها تعرف، لكنها بذكائها تدرك أيضاً أن أمها ترفضُ ما تعرف

هكذا يُولَدُ حيزٌ للمناورة والتهرب من الحقيقة


يقعُ الانفصالُ الحادُ بين سهام وكلير، فتُغرِقُ الأولى نفسها في الحزن ثم تنشغل بالقراءة والبحث عن ذاتها وعن حقيقة ميولها. تكتشفُ الشاعرة اليونانية سافو والفرنسية جورج ساند، وتكتبُ فيما بعد خواطر واستيهامات عن كلير وجسدها، وتخاطبُ نفسها قائلة: "انتهت مرحلة باريس، سألغيها من حياتي، سأضعها بين مزدوجين مقفلين إلى الأبد، سأدفن معها سري الذي لا يعلم به أحد سوى من أخذه معه إلى القبر" (ص34)


إلا أن الجامعةَ تفتحُ لها ذراعيها.. لتبدأ رحلة عشقٍ أخرى في حياة سهام: نور


وحين ترى سهام الدكتورة نور في قاعة المحاضرات لأول مرة يغمرها شعورٌ مبهم. "ولم أنتبه إلى ذاتي إلا حين اختلطت في رأسي صورٌ عديدة: صورة الدكتورة نور وصورة المعلمة الابتدائية تتوسطهما صورة أمي وظهرت صورة كلير كلمع البرق ثم اختفت" (ص 35)
تجد سهام نفسها تقول: "هذه هي، لقد وجدتُ ما أريد" (ص 35)، علماً بأن أستاذتها الجامعية نور "امرأة في منتصف العقد الخامس من عمرها، عيناها زرقاوان، شعرها قصير ولونه يميل إلى الأشقر المحمر، تقاسيم وجهها ناعمة، لا نتوءات فيها، يكسو بشرتها قليلٌ من النمش الذي يعطي لطلعتها نوعاً من الجاذبية" (ص36)


تغرقُ سهام في بحر النمش
"اكتشفتُ لاحقاً أن ذلك النمش العسلي اللون كان منتشراً على جسدها، حتى في الأماكن الحساسة حيث كانت تنقلب تلك الجاذبية إلى رغبةٍ جنسية واضحة" (ص 36)


تقيمُ سهام علاقةً مثلية مع نور، لتتحولَ الأستاذةُ إلى عشيقة
"هي التي كانت تأمرُ وتنهى في الصف. كنا ندخلُ شقتها فتنقلبُ الآية، أصبحث، أنا، السيد وتصبحُ هي، الجارية. تحضر العشاء بعد أن تخلعَ ثيابها وترتدي ذلك القميصَ الأزرق الذي يستثيرني، أقتربُ منها أداعبُ حلمات ثدييها وهي تفرمُ الخضار أو تغسلها، تديرُ وجهها نحوي، تقبلني على ثغري وتطلبُ مني، بكل لطفٍ، أن أمهلها كي تنتهي من عملِها وتقول مبتسمةً: "لدينا كل الوقت". أبتعدُ عنها وأحاولُ مساعدتها قبل أن ننتقلَ معاً إلى تلك الكنبة العريضة، في صالون شقتها، تلك الكنبة التي ما زالت تشهد لكل ما فعلناه معاً والتي ما زالت تنضحُ بعرق جسدينا" (ص 39-40)


لكن الأخيرة تقررُ الابتعاد بعد أن وقعت في غرام زوج أختها، فتسعى سهام إلى الانتقام من المرأة التي تُرَدِدُ عنها وصف "الخائنة" بمحاولة التقرب من أستاذة جامعية أخرى، هي الدكتورة ليال!


وبعد حوار قصير ومباشر بينهما، تدركُ ليال ميولَ سهام، خصوصاً بعد أن حدثتها عن علاقتها السابقة، فتقول لها: "سهام انظري إلي جيداً، أنا لستُ موضوعاً للنقلة transfert. وأنا لستُ مثل أستاذتكِ، فما كان بينكما لن يكونَ بيننا لأنني لستُ "منهن"، وأنت تفهمين ماذا أقصد. أقولُ ذلك من دون أي تقييم أخلاقي لأني أعتبر أن موضوعاً كهذا لا يُعالَجُ من باب الأخلاق" (ص 45)


غير أن سهام تطلبُ منها المساعدة، فتوافق ليال، لكنها ترفضُ أن تزورها في منزلها لتبقى العلاقة بينهما في إطارٍ محدد من البداية، علماً بأنها تشرحٌ في سياقٍ لاحقٍ رؤيتها للعلاقات المثلية بالقول: "لا أحاكمُ أخلاقياً هذه العلاقات ألاحظث وجودها واقبلها لأنها موجودة. قبولي لها أو رفضي لها سيان، فهما لا يغيران الواقع" (ص 93)


تتركُها، تعبثُ بالجهاتِ كفراشةٍ ضالةٍ


تدريجياً، تنقلنا الروائية إلى العمارة التي تسكن بها ليال، وتضم شخصياتٍ مختلفة، بينها ميمي التي تعيش مع زوجها وأولادها، لكنها تبدو معجبةً بجارتها الأستاذة الجامعية، لدرجةِ التساؤل في حوارٍ مع النفس: "لماذا كلما كنتُ أمارسُ الجنسَ مع زوجي فكرتُ بها؟" (ص 47)


والمرأة التي نتمناها، في ظلّها شبقُ السماءِ، أو برودةُ السنين الغائبة، قبل أن يسـري الكلامُ دافئاً كعَزفِ الكمانِ: حلوٌ لذيذٌ، شهيٌّ نديٌّ، أثيرٌ مُثيرٌ


المفارقة أن ميمي على علاقة أخرى بجارةٍ أرملة تقول عنها: "مللتُها، إنها تمارسُ الجنسَ بطريقةٍ واحدة، ما عادت تثير رغبتي، حتى أني كلما كنتُ معها، وهي تداعبُ جسدي وتحاولُ إشباعي وإشباع ذاتها، بلمساتها وتصرفاتها، أفكرُ، أنا، بليال، وأتمنى لو كانت هي التي تمارسُ الجنسَ معي. ثم إن هذه الجارة أصبحت عجوزاً" (ص47-48)


المثلثات هنا تتكاثر، سهام ونور وليال، وميمي وليال والجارة العجوز..إلخ


والرغباتُ تترك في جيوبِ أبطالها الحروفَ التي أضاعتها الأبجدية، والسجائر التي نسوا أن يدخنوها، والابتسامةَ التي عجزَ الباحثون عن اكتشافِ سِرها العظيم


لتبرير الأمر، تحاول الروائية أن تقدم لمحاتٍ عن شخصية وظروف عددٍ من بطلاتها، ولكن ذلك يتم بشكل تقليدي، وبأسلوب لا يخلو من الكلمات المرصوصة دون روح إبداعية أصيلة، مثل كلام ميمي عن زوجها فريد ومقارنته بعلاقتها مع الجارة العجوز، إذ تقول: "أنا لم أشعر يوماً باللذة معه. إني أجدُ معها متعةً أكبر من التي أشعر بها معه. حتى أني بعد أن تعودتها لم تعد تعني لي علاقتي بزوجي شيئاً مهماً، انامُ معه كواجبٍ ليس أكثر. بلى، أحبُ مداعباته لجسدي وأستمتعُ بلمساته وقبلاته قبل أن يدخلني، حينها لا أعود أشعر بشيء. لقد ساعدتني فعلاً على اكتشاف جسدي وهذا ما لم يفعله زوجي، فهو وإن حاول، بعض المرات، أن يؤخرَ نشوته قدر المستطاع فإنه لم يحقق عندي، ولو مرةً، النشوة التي تحققها جارتي" (ص 49)


وما بين محاولاتِ سهام وإغواءات ميمي، تتحركُ الرواية في فضاء الاشتهاء على امتدادِ صفحاتٍ طويلة


غير أن القارىء قد يستوقفه أمرُ الزوج، الذي لا ينتبه إلى ميولِ الزوجة وعلاقتها بالجارة العجوز ثم اهتمامها الزائد عن الحد بليال، إذ إننا نجده لا يمانعُ في أن تُمسِدَ الجارة شعر زوجته أمام ناظريه، ويقول إنه مطمئن للعلاقة بينهما لأن زوجته أصبحت الآن تجيدُ الطبخ "بعد أن أمضينا وقتاً طويلاً لا نأكل إلا البيض المقلي والبيفتاك المحروق" (ص 55)


وهو لا يشعرُ أيضاً بإحساسٍ غريب عندما تكونُ ليال مع زوجته والعائلة في الملجأ تحت دوي القصف أثناء فترة الحرب في لبنان. فالزوجة هنا تضعُ أمامه رأسَها على كتف ليال، في حين تضمها ليال وتشدُ عليها حتى تكادُ تعتصرها بدعوى الخوف من القصف، ولا يتضايق عندما تصعد لزيارة ليال وهي ترتدي ملابس نوم شفافة..وعندما تنبهه الأرملة العجوز في إحدى نوبات غيرتها إلى ما تفعله ميمي يرد ببرودٍ قائلاً: "الست ليال وحدها في البيت وهي امرأة مثلها مثل ميمي، ثم ألم تستقبلك ميمي بالثياب نفسها؟" (ص 79)


وقد تلتقط تفسيراً لموقف الزوج في كلام الزوجة حين تقول لليال: "الرجلُ غبي، لا يشكُ في علاقة امرأة بامرأة، هو مطمئن إذا لم يدخل ذكرٌ ثانٍ على الخط" (ص 143)


تقلبُ المرأةِ على سريرِ الضجرِ، يُوقِظُ فيها رغبةَ الساعةِ الأولى من الليل


وهكذا تحاول ميمي إغراء وإغواء ليال بشتى الطرق، ومن ذلك دعوتها إلى العشاء في منزلها ذات مساء، لتعرض عليها مفاتنها في غياب الزوج المسافر مع الأبناء إلى البلدة في الجبل. وفي تلك الدعوة تلاحظ ليال أن النوافذ مفقولة، والستائر مسدلة، وحدها شمعة حمراء على طاولة السفرة، قبالة الصالون تنير أرجاء البيت. وتنتبه إلى أن ميمي ترتدي فستاناً شفافاً تحته ملابس داخلية صغيرة، لكن الأستاذة الجامعية التي عرفت ميول سهام من الجلسة الأولى لم تدرك – ويا للغرابة- هدف ومغزى تصرفات الجارة التي كررت لها تلميحاتها في أكثر من مناسبة. "سمرَت نظرها بميمي، أعجبت باتساق جسدها شبه العاري. هل تنسحب؟ هل تسأل ميمي عن سبب تعريها بهذا الشكل؟" (ص 110)


بين الغريبتين نعومةٌ تشهق، ورائحة قلقة فى الهواء


وعندما تتحدثان عن الفستان الشفاف الذي ترتديه ميمي، يدور الحوار التالي بينهما: "لست بحاجة إلى "سوتيان" فما زال صدري واقفاً وصلباً
- إنك ما زلت صغيرة. أجابت ليال وهي تنظر بإعجاب إلى ذلك الصدر المنتصب
- لا تنسي أنني حملت مرتين ومع ذلك..انظري، انظري
- حقاً ألاحظ، قالت ليال وهي تمد يدها لتلمس. لكنها أوقفت حركتها وتراجعت: "ماذا تريد ميمي ولماذا هذا الإصرار على عرض مفاتنها؟" (ص 111)
كل هذا، وليال لا تفهم!


ثم إنها تلتصق بها وتمسد لها ركبتها، وتقول لها: "هل تنامين عندي الليلة، فأنا أخاف وحدي والتخت عريض؟" (ص 113)
وهي تدعوها للنوم عندها وتطلب منها ميمي التمدد بجانبها، فتفعل وتأخذ في مداعبة شعرها والكلام معها عن حبها للنساء وكراهيتها للرجال، وتكتفي ليال بأن تقول لنفسها: "الله يمضي هذه الليلة على خير. ميمي جميلة جداً" (ص 113)


وفي هدأة الليل، تسكن العين ويغيب الصوت، باستثناء تأوه الجارة وهي تضاجع ذكرياتها
ها هي تنتظر الليل، دون أن تفترش سريره مع أحد


وفي حفلٍ آخر في بيت ميمي تكون كل مدعواته من النساء، تتابع ليال عالم المثليات عن كثب، فالجارة العجوز تُجلِسُ ميمي على ركبتها وتداعبُ شعرها وبعض نواحي جسدها وهي تقول لها: "أنتِ لي"، وسيدات كُن أزواجاً أزواجاً يتبادلن المداعبات، فكانت من تقومُ للحظةٍ بدور الرجل تنقلبُ في اللحظة التالية إلى لعبِ دور المرأة
"كانت المداعبات بين شبيهين وليس بين مختلفين" (ص 127)


أجسادٌ مُشرعةٌ للظمأ، والفِراشُ يأكلُ تعبَ الجسدِ


وعندما تقتربُ ميمي من ليال وتجلس في حضنها، أخذت الأخيرة في تمسيدِ شعرها ومداعبة ركبتها، لتشتمَ العجوزُ صديقتها ميمي قائلة: "يا عاهرة أتيتِ بالست ليال كي تخونيني، وأمام عيني؟ لن أترككِ لهذه المتعجرفة"، قبل أن يبدأ فاصلُ الرقص بدعوةٍ من ميمي، عرابة الحفل


"اقتربت من ليال، أخذت يدها، التصقت بها وبدأتا بالرقص. استفاقَ جسدُ ليال، ضمت ميمي بشدة وقبلتها. كانت ميمي بدأت بالاسترخاء بين ذراعيها حين أتت العجوز لتجرها إليها. عادت ليال إلى مكانها وهي مغتاظة، لكنها جلست وأخذت تراقبُ المشهدَ أمامها: كانت قبلاتٌ واستعراضات مثيرة، وبعد قليلٍ أخذَ العددُ يتضاءلُ في الصالون إذ إن كل اثنتين حاولتا دخول غرفة من الغرف، وأكثر من اثنتين دخلن إلى غرفة واحدة، ومن تبقى افترشَ أرضَ الصالون وبدأت الممارساتُ الفعلية..فما كان من ليال إلا أن انسحبت بصمتٍ وعادت إلى بيتها" (ص 128-129)


هناك ملذاتٌ يمكن قطفُها، وأخرى يمكن بذرها في صميم الليل


من جهتها، تواصل سهام ملاحقتها لأستاذتها الجامعية ليال، فنجدها تتصل بها هاتفياً باستمرار وتجالسها في الجامعة وتمنحها خواطر وقصائد تتحدث بشكلٍ مباشر وغير مباشر عن غرامها بتلك المرأة. وبعد طول إلحاح، توافقُ ليال على استضافة سهام في منزلها بمناسبة عيد ميلادها، بل إنها تدعوها للمبيت عندها بعد أن اشتدت حدة القصف، وتمنحها بعض ملابس النوم
"يا إلهي هذا الثوبُ لامسَ جسدَ ليال". تحسسته جيداً وغاصت في نوعٍ من الكآبة: "لماذا مدينتها الزعفران ومدينتي النعناع؟" (ص 192)


والعاشقةُ من طرفٍ واحد، تنثرُ في الليلِ وسائدَها المحشوةَ بالوهم
عشقٌ يكون لسان حاله، كما يقول السهروردي: أبداً تحنُ إليكمُ الأرواحُ، ووصالكم ريحانها والراحُ


أما ليال التي تتحول إلى محور الرواية الذي تدور حوله رغباتٌ مثلية فهي ترسم حدود شخصياتها ورغباتها بالقول: "أنا لم أتزوج لأنني أريدُ أن أكون حرة، لستُ ضد الرجل على الإطلاق، لكنني ضد الارتباط الذي يترتب عليه واجبات، أنا مع العلاقةِ الحرة القائمة على التفاهم والحب، فهي تستمر طالما هي ناجحة. وعند الفشل، كل واحد يذهبُ في حال سبيله من دون مراسم ولا دعاوى ولا.." (ص 91)
إلا أنها تقفُ في لحظاتٍ معينة كما أسلفنا على باب المثلية وتكاد تستجيب للجارة ميمي، مثلما تستعين بصديقة لها هي الدكتورة ريا أستاذة علم النفس لفهم طبيعة العلاقات المثلية وأسرارها


وفي ظل رفض أو تردد ليال في الانخراط في علاقةٍ مثلية مع الجارة ميمي أو الطالبة سهام، خرجت علينا الروائية قرب النهاية بمثلثٍ جديد مفاجىء يربط بين ميمي وسهام..وبينهما ليال!


سلسلة مُعقدةٌ وهرمية من العلاقات التي يتم فيها تبادل الأدوار، إلى أن تسافر ليال إلى فرنسا وتترك مفتاح بيتها عند ميمي للتعامل مع أي ظرف طارىء. عندها تلتمع فكرة في رأس ميمي فتدعو ليال لقضاء سهرة خاصة معها، في منزل ليال الخالي من صاحبته


هنا تتداخلُ الصور وتختلطُ الأسماء بشكلٍ متعمد


"وارتمتا على السرير الذي كان لا زال يعبق بعطر ليال، تعرتا وتحول السرير إلى جسدٍ عارٍ بينهما، تحول إلى جسد ليال التي في يوم عيد ميلادها، حيث اضطرت سهام إلى النوم في بيتها، أخذتها من يدها وقالت لها: "تنامين إلى جانبي في السرير". وكانت مضاجعة، شعرت بعدها ليال بنشوةٍ لم تذقها من قبل" (ص214)


عاشقتان تبتكرانِ الدهشةَ


كانت ليال هي الضلع الثالث في تلك العلاقة الجديدة، حتى وإن كانت غائبة


"تمددتا على السرير، أخذت سهام يد ميمي وقالت: كانت رائعة، اليس كذلك؟"
- من، من تقصدين؟
- ليال
- وكيف عرفتِ" (ص 215)

ثَمَّةَ دائماً امرأةٌ ساقاها أكثر دفئاً من أيّ كلامٍ
ثمة دائماً تتمة، للرغبةِ التي تشقُ القميص لِتُبْرِزَ ثدييها
وفي مواقيت اللذة، كم تتمادى الجبال في غي الصعود

تابع القراءة

gravatar

أحمر خفيف..الملائكة حين تتفرق



هذه الرواية نافورةٌ ابتلت بماء الذهب
ففي روايته "أحمر خفيف" يقدم لنا الروائي وحيد الطويلة عملاً يجمع بين الواقعية بكل تفاصيلها الدقيقة، والأسطورة بكل غرائبيتها وملامحها التي تثير الدهشة

وما بين الواقعية والأسطورة يُولَدُ عملٌ إبداعي مهم، يخطو خطوة جديدة فوق أرضٍ بِكر، إذ ينقلنا وحيد الطويلة نقلاتٍ متلاحقة ما بين عالم الريفِ والحضر، ويستدعي حكاياتٍ تتناقلها الأجيال ورموزاً لا تُنسى ويقدم لنا معاني أكثر عمقاً لمفاهيم العائلة، الصراع، النفوذ، الغرام، والرغبة، وكرامة الإنسان

وعبر صفحات الرواية التي تبلغ 265 صفحة، ندركُ أن اللغة مقصٌ وإبرة، تُفصِلُنا على مقاسها، وتمنحنا ثوبَ الرواية كي نغطي به أسرارنا وعوراتنا

تبدأ الرواية الصادرة عن "الدار" للنشر بمنتصف الحكاية أو قرب النهاية بقليل، إذ يرقد البطل "محروس" في المستشفى في حالة خطرة بعد تعرضه لإصابة تكاد تكون مميتة

"النعشُ على باب المستشفى، والملائكةُ أيضاً، وإن تجولوا بسرعةٍ في ردهاتِها القذرة حين يشعرون بالملل، في انتظارِ ساعتِه، وإن بدَدوا سأمهم أحياناً بقبض روح أو اثنتين

رآهم الفناجيلي ابن أخيه، العين في العين، وهم يبصّون من ثقوب الأبواب، وإن تخفَوا في ملابسَ بيضاء كالأطباء وأحياناً الممرضات

وهو كما هو، رابضٌ في نفس السرير، بين الحياة والموت، خيطٌ يشده وخيطٌ يرخيه، ممدد دون ضعف أو أنة، لا آهة ولا توجّع، وجهه محتفظٌ بآلام عراكه الأخير" (ص7)

هكذا يضعنا صاحبُ الرواية منذ اللحظةِ الأولى وجهاً لوجه أمام الموت

لكن للموتِ المراوغ تاريخاً لا يُختصر وهوية لا تُمحى

والموتُ هنا يصارعُ أقوى الرجال: محروس

سيد القرية الذي واجه القاتل المأجور عبد المقصود في معركة شرسة، فقد فيها محروس ذراعه وكاد أن يفقد روحه، لكنه احتفظ بما هو أهم: كرامته

نحن أمام بطلٍ شعبي، حياته حربٌ لا سلام فيها، كأنه منذورٌ للحروب والكفاح، والجسد ليس سوى ساحة قصل

وفي الرواية الصادرة عن "الدار للنشر والتوزيع" عام 2008، نستعيد ذاكرتنا عن ريفٍ غاب عن الروائيين منذ أن أحياه مصطفى نصر في "الهماميل" وعبد الحكيم قاسم في "أيام الإنسان السبعة" وخليل حسن خليل في "الوسية" وقبلهم توفيق الحكيم في "يوميات نائب في الأرياف"

وها هو وحيد الطويلة يتقدم بالرواية عن ريف مصر خطوة أخرى إلى الأمام

".. قوم يا محروس

ابنته إنصاف تربض عند قدميه اللتين تعبران حافة السرير، تلعب بين أصابعه، تفلّي جسده قطعة قطعة، تدغدغه، تنادي عليه بصوتٍ معبأ حتى آخره بالحنان، يغشاه أسىً خفيف حيناً، وجرعةٍ وافية من ثقة أحياناً أخرى.

قوم يا محروس، قوم...،

قلتلك قوم، نبحت قلبي

وهو كما هو، عيناه معلقتان بالسقف، كأنما يقرأ شريط حياته، يحركهما جانباً حتى نهايته، ثم يعود من الأول، كأنما يفرز الأحلام والحسرات ويقف منتصباً بينهما، وحين يفرغ من السطر الأخير، يغمضهما عميقاً ويسلم قدميه في دعةٍ لإنصاف" (ص 8)

الكل خائفٌ يترقبُ مصيرَ كبيرِ البلدة الذي أصيبَ إصابة خطيرة أثناء عراكه مع القاتل المأجور. أهل القرية تركوا أعمالهم، وتساءلوا كغريقٍ يتعلق بعودِ قش عن حالة الرجل الذي يصارع الموت في المستشفى

"والشيخ عثمان يفرك سمرته التي أفلتت من سواد غطيس لأبيه وجده، يقذف تنهيدةً من قلب جوفه ويقول:

- عيّان؟، والله ما عيان إلا اللي عنده عيان" (ص 10)

الريف في الرواية غيمةٌ عملاقة يرضع من ثديها الجميع..ولذا لم يكن مستغرباً أن تكون ملامح محروس مستوحاةً من طمي تلك الأرض الولود

"كلُ من يراه تلبسه الدهشة، جسدٌ عرمرم يملأ السرير، يملأ مركزه، يكاد يهبط من حافتيه لولا صلابته، أنفه الكبير الكبير، كأنف جمل شارخ، بلونٍ وردي ولمعةٍ ظاهرة، لمعة تسرق من الكبر وهنه، ومن المرض وحشته

وطاقتا الأنف، النائمتان على جنب، صاحيتان على الشارب المنتعظ تحت أنفه الكبير، الذي لا تجرؤ ملفحة أن تخبئه تحتها. والأذنان، كل فردة نصف مطرحة قديمة، متربة بالشعر، طولية، كأنها سماعة الميكروفون الذي ينصب في سرداقات العزاء والأفراح لتسمع القرية من أولها لآخرها، ويسمع القابعون في الغيطان بالمرة

وسمرةٌ حنون بحمرةٍ متقدة تجمع كل هذا تحتها وتطويه" (ص 10-11)

قلبُ الأحداث هو حياة محروس التي تكون على المحك في المستشفى، أما الآخرون فهم يدورون حول تلك الساقية طائعين مختارين

"شهورٌ تمر، ومحروس كأنما اختار المستشفى مقراً أخيراً، بيتاً ومقبرة، لا يزيدُ ولا ينقص، المحاليل معلقة، الخيوط مفتوحة بين جسده والحياة، واصلة بين جسده والموت، والقريةُ تركت حالها ومالها ونفرت إليه

شهورٌ، يدعون له، كبير البلد، حبيبها وحاميها، والكبير لا يُهان حتى ولو من موت.. نشف الزرع، والبهائم على وشك الهلاك

تعطلت مصالحُ الخلق، والدعواتُ تُرفَعُ في الصلوات وخُطبِ الجمعة، والدعوات التي كانت تصله بالشفاء، صارت تُكال له بالراحة والرحمة" (ص 12-13)

والروايةُ حافلة بمشاهد تحبسُ الأنفاس، ومن ذلك مشهد الابنة إنصاف وهي تحاولُ انتشالَ أبيها الذي يُحتضر من براثن الموت:

"الموتُ يشدُك أو على الأقل ينوي لك، معركتُه الآن معك، يقفُ الآن على الباب، أو يبصُ من خلف عمود السرير، وأنت تفيق ساعة وتغيب ساعتين
وهو كما هو، اختفى السرير تحته، عضلات وجهه تنقبضُ بقوة وبسرعة، تركب بعضها، تتعارك، وفمه مضغوط في فمه، كأن فكاً سيتعتع الآخر أو يفتك به، أو أسناناً مغتاظة ستغرز في الجهة الأخرى وتنفذ

وجهه يتقلبُ بعنف ويهتز، ينتشُ رجله التي انزلقت من الحافة، الحافة التي يطلُ عليها كل ثانية، ذراعُه مرفوعة لأعلى، متشنجة، وقبضةُ يده مزمومة، وجبهته تكومت يكاد يعصرها، يعصرها، يقاومُ جاذبية الهوة القاتلة متكئاً على جرمه الكبير

ذراعه تترجرجُ، تتطوحُ في الهواء، وجسده ينتفض، وهي ...هي تشدُ ياقة جلبابه بعنف، وتلهثُ، تدفعه بعيداً عن الحافة، تغرز رجليها في الأرض، تنطره بقوة، تشده بعزم الجن لتستعيده، تجذبه لتستعيدَه، ... تستعيدُه

يرمشُ بعينيه، تمشطُ صدره وعنقه حتى يرتخي، يبدأ في الرجوع، وتهدأ الأرجوحة، يسترخي.. مسحة من راحة تعبره، عاد من الحافة سالماً كأنه لن يعود إليها ثانية" (ص 22-23)

الريفُ حاضرٌ بقوة، بكل عاداته وتقاليده، وصوره وملامحه التي تأخذنا إلى عالمٍ لا يعرفه إلا أهله

"لا تلمس البَيضَ يا ناصر، لا تلمسه يا ولدي، سيفسد، الدجاجةُ تنفرث من بَيضٍ به رائحةٌ غير رائحتها، لا تنامُ عليه من بعد، تعافه، وأحياناً تنقره بقسوة، بعد أن كان على شفا الفقس
النسوة يلمسنه بطرف أصابعهن مرة واحدة قبل أن يضعنه في عش أو قنّ، يقلّبنه في عينِ الشمس ليتأكدنَ أن البيضة ملآنة، وأن ماءَ الديك يسبح فيها" (ص 127)

حتى في الزواج والطلاق، الحب والبغض، الشوق والقتل، يطبعُ المكان قُبلته التي لا تُنسى على الناس والأرض

"البطة التي تزوجها دياب العُكّش قطة مغمضة، في السر، غصباً، وفاءً لدين أمها الذي ناءت به، وما من باب رزق لترده
فتحت له رجليها.. ونامت، وتركته وحده يشتعل ويشتغل
وحين ذاقت لذة العشق، وطرف عينها منديل يس العاشق، الصياد العايق، الذي رمت نفسها في شبكته قبل أن يرميها، خيَرت زوجها بين الطلاق أو الفضيحة، رفض، قتله العاشق، ودفنه في غرفتها تحت سريرها، لا من شاف ولا من دري، وناما معاً فوقه، وماء المحبرة الذي فاض وسال روى قبره ليلتها وباقي الليالي
ولأن التبات والنبات لا يُعمِرُ طويلاً فوق الدم، ولا يزهرُ فوق مجراه، أخذته حبةُ طماطم مسمومة وجابت أجله في لمعة عين" (ص 177)

ومن رحمِ المجتمع الريفي تُولَدُ الأسطورة وتنمو حتى ينبتَ لها جناحان من الحقيقة

"يحكون أن أحدهم في الغيط قد قتل ثعباناً أزرق، وقطع ذيل وَلِيفتِه، التي تحورت وتحولت لطائر بجناحين، أغارت على الناس والخوازن، وكادت تفسد ليل الوادي، اصطادها محروس، شواها وأكلها، ومن يومها وشعره ازداد كثافة في كل أنحاء جسمه، ازداد كثافة وسواداً" (ص 17)

الصراعُ على "العهد" و"البشارة" و"السر" للفوز بالوادي والميراث، هو أحد محاور هذا العمل، إذ يقفز النزاع بين أطرافه المختلفة إلى سطح الأحداث، في محاولةٍ من كل طرف للفوز بالوادي الضيق، كأن بالأمر إسقاطاً على حاضرٍ نعيشه وواقع
نعاصر أحداثه

"وبصوتٍ قاطع: السر أمانة، أمانة.. ما يتورثش، ما حدش يديه لابنه، السر لو فلت حيروح عزبة إسرائيل" (ص 121)

وعندما يُوزَعُ الميراث، يكونُ الوادي من نصيب العناني

"الشرُ ينطُ من عينيه، أمسكه من ياقة قفطانه، بيديه الاثنتين، يكاد يفطسُ بينهما
الوادي ليك يا عناني، وادي جلانطه، أمانة في رقبتك، منك وليك، حقك وسرك، وأوعى تغضب ولا ترجع" (ص 38-39)

الطمعُ مغناطيس، يشفط البعيد، يحيلُ النحاس حديداً، ويجذبُ السمك بقوةٍ إلى الشباك


والطمعُ يفتكُ بالعناني

"يقطعُ الوادي في الصباح والمساء كسحليةٍ دائخة، بروح مخنوقة وصوت مسروق، لا يرفع عينه من الأرض، يمد ساقاً خلف ساق بتؤدة وانتظام ، كأنه يقيسه.. في الصباح يعدُ الخطوات من أوله لآخره، ثم يقلب الآية مساءً، يعد الخطوات من آخره لأوله
ومن آن لآخر، يصفق بكفيه، ينفخ:
.. كان فيها إيه لو مد لي العهد على عزبة إسرائيل كمان؟ صبرت، صبرت، وآخر المتمة أكون شيخ على شوية الغجر دول؟، ومن غير سر" (ص 40)

تلحُ علينا إسقاطاتٌ جديدة، حين نعرفُ حكايةَ العزبةِ المجاورة

"ينعتونها بعزبة إسرائيل، القرية المجاورة لأعلى، التي ترميهم بالطوب عند كل معركة بينهما، إلى أن يصعدوا وتتدخل النبابيت، وهي تصفعهم وتسميهم غجر جلانطه" (ص 43)

وأبو الليل ينصحُ العناني كي يحدَ من أطماعِه ونهمِه للحصول على ميراثٍ أكبر

"الطمعُ مقتلة يا عناني، وأنت طماع، احمد ربنا، يا راجل لو أداه لي كنت شفيت، باقولك ايه، تاخدش النص وتديني النص" (ص 45)

ترن في أذني العناني مقولةُ صاحبِ العهد "إن غابت الريح ثلاثاً، عليك أن تسلم السر"، وبعد أن تغيب الريح لمدة يومين نقرأ حاله: "لونه مخطوف، أصفر يابس، مثل حبة ليمون لم يشترها أحد، وبقيت وحيدة، متغضنة، تتفرج على اقتراب نهايتها" (ص 211)

شخصيةٌ أخرى تدعو إلى التأملِ في الرواية هي فرج، شيخ الكُتاب، الذي يقدم لنا تفسيراً جديداً وفريداً للأعراق والأجناس في تاريخ البشرية:

"يمشي بخيلاء، ليعوض انحناءة جده، يدكّ الأرض ليستعيد عزة نفس أبيه، يعلّم أولاد الوادي، ويسبهم بآبائهم أحياناً

بالعمامة والقفطان دائماً، لا يخلعهما إلا عند النوم، يرفع ذيله من حين لآخر ليبين جوربه، يلبسه صيفاً وشتاءً وبالمرة يخفي ساقيه

يمدُ يده في سيالةِ فقطانه، يشخشخ بالنقود، ثم يدبها في ظهره، يدفعُ صدره بالكبرياء.. ويحكي حكايته:

سيدنا حام كان يمشي في السوق إلى جانب سيدنا سام، كلٌ متأبطاً مصحفه، يدعوان الناس أن يعبدوا الله الواحد الأحد الذي لا يفرق بين عباده إلا بالتقوى، وأن يكونوا طيبين، كلُ في حق الآخر، إلى أن فاجأهما المطر تحت سماء مكشوفة
سيدنا حام خبأ المصحف في قفطانه يا ولاد الهرمة
السما انفتحت، وسيدنا حام جرى بالمشوار
يخرج يده، يعدل وضع قفطانه، يضبط عمامته بيد، رافعاً المصحف بالأخرى
وسيدكم سام رفع المصحف بكلتي يديه فوق رأسه، ليمنع المطر عنه، المطر الذي هطل بغزارة، فأسال حبر المصحف على رأسه، ومن يومها اسودّ وجهه وجسمه
يده في الأعلى، ينزلها، متأبطاً المصحف بقوة، كأنه يكفر عن خطيئة جده
ومن يومها يا ولاد الفرطعوس فيه ناس بيض، وناس سمر" (ص 64-65)

وفرج كان عاشقاً وعشيقاً في السر لعزيزة العمشة

"تمشي وحدها.. تظنه على يمينها، ونفس الابتسامة المختفية على وجهه عند عودتهما من واجبهما في العزاء، يمدُ يده فجأة، يشبكها بيدها، يضغط .. يسحبها إلى داخل غيط القمح، يفترشان القش، في وسطه تماماً، لا أحد، الطيور جاءت من كل فجّ، تحوم فوقهما، تغني، تنفرطُ بعيداً وتغني، وعرقهما سقى الأرض والنوى

في كل عام، في نفس الميعاد، تطلع وسط غيط القمح نوارة فول، أرضها مبللة حتى ولو زرعت قطناً" ( ص 238)


شخصياتُ الرواية منحوتة بإزميل فن الوصف، ولا عجب إذاً أن يستمتع القارىء بمتابعة مواقف وتصرفات محروس، وعزت العايق، والفناجيلي، وأبو الليل، وإنصاف، والشيخ العناني، وفرج، وأبو العشم، وعزيزة العمشة

وعائلة محروس تختصرُ الكون وهمومَ البشر

"عزت يبيع الوهم، يعشق النساء والحمير، غارق حتى شوشته، حتى صدق الحكاية وأصبح يبيعه لنفسه
الفناجيلي يتأرجح بين كفنه ونبوّته، يطارد الموت والوهم في الجبّانات والوجوه الباردة
ونَشْأَتْ ابن غزلان هجّ من الوادي بعد أن تهامس الناس من خلفه، على صوت أمه الذي يطلع في الشارع كلما نامت مع زوجها أبو العشم والد عزّت" (ص 132)

ونشأت هذا عانى من عشق أمه لرجلها الجديد، إذ كان جسدها يهتز بالانفجاراتِ من البداية وحتى النهاية، حتى لا يخفى على أحدٍ صراخها

"إلى أن وقعت الواقعة.. تقدم أحدهم منه، والباقون ينتظرون دورهم: صوت أمك طالع في الشارع وواصل للسما، واحنا عندنا بنات وخايفين عليهم
عيناه في الأرض وبواقي كرامته، يبحث عن شق مناسب ليبتلعه، بعدما ابتلع شق أمه كرامته" (ص 208)

أما عزت، فحكايته حكاية

"ريفو، واحد من أسمائه، اسمه الأول عزت العايق، أبو سنة دهب لولي، حيلة أبيه بعد زواجين وعشر نساء في السر، أخذه أبوه للبندر وهو صغير، ركب له غطاءً من الفضة لأسنانه ، لعب به في الموالد وعند الغوازي، من يومها عشق المدينة، جرت في دمه وظلت حلماً يعشش في خياله حتى استوى عوده، يسأل بصدر مفتوح:
هي إيه الكلية اللي بتطلع رئيس جمهورية" (ص 75)

للغرامِ نصيبُه الوافر في هذه الرواية، وخصوصاً عند عزت الذي يسترقُ النظرَ إلى ابنةِ الشيخ العناني وهي "تنشرُ الغسيل، تلعبُ مع الحمام، يرقبُها مختبئاً خلف الأجولة، الخميرة تصعدُ برأسه، المراقبة تطول، رأسه تصعدُ والشمس تلطشه
ترفعُ ذراعيها لأعلى، يتسربُ الضوء تحت إبطيها ومن تحتهما، طاقة نور" (ص 70)

لكن عزت الذي تَصورَ في لحظةٍ أنه طبيبٌ يداوي المرضى بالأدوية والحقن، كان مُغرَماً بالنساء والمؤخرات، حتى إنه كان يدفعُ لامرأتِه كي تمنحه نفسها كما يريد

ولا يمكن أن نغفلَ شخصية أبو الليل، الذي أصابه الجذام فغرقَ في بحر الظلام، بعيداً عن الأعين المشفقة أو المستهزئة

"هو السيد، حامي حمى الليل، الذي تهفو نفسه لعشيقة، نجمة أو امرأة، فإن أنفت أو عفّت، يفتش عن طريدة
يتحسسُ أصابعه مرة، فيقرر أن يقضَ مضاجع من يعايرونه، ويتحسسها أخرى.. فيسرق ليل من يأنفونه
أوجعته عِلتُه كثيراً، عيونُ الناس أوجعته أكثر، وضحكاتهم خلف ظهره" (ص 115)

لكنه يبقى طائراً حراً متفائلاً بعودةِ النجوم إلى سماءٍ تحلم بالضياء

"كل ليلةٍ يخرج، يفردُ عباءةَ الليل، يشمُها، يمرح في طياتها حتى تنفرد تماماً، وتشبع من امتداداتها
يحكي له حكايات النهار الأخير،.. التي وقعت في غيبته، وحين يشم رائحة النهار الجديد خلفه، يشده من ذيله، يطويه تحت إبطه ويعود، يعود من حارة أخرى، حتى لا يراه محروس، يسمع صوته ، ويشّتم رائحته من آخر الدنيا" (ص 40)



ولأن الأوجاعَ تصنعُ الفلسفة، فإن شخصية أبو الليل تتأملُ الحياة من منظورٍ مختلف

"الليل يجعلُ الناسَ كلهم ذوي عاهات، وأنتَ وحدك المعافى، حتى السرقة تبدو لك دائماً ابنة حلم" (ص 117)

ولعل وحيد الطويلة أرادَ أن يجعلَ روايته دائرةً مغلقة، تكونُ فيها النهاية موصولةً بخيط البداية

لنتأمل معاً تلك النهايةَ العجيبة التي تقلبُ الموازين

"ومحروس انتفض، قطعَ الخيوط، رمى المحاليل، انتفضَ في اتجاه دورة المياه، خرطوم ماء كأنه خرطومُ حنفية الحريق، قوياً حتى خرجت الصراصيرُ من مكامنها، طويلاً عفياً حتى خرجت الفئران من مخابئها، والطبيبُ المذهول يرقبُ الموقف، ويبحث بعينيه عن النعش
عادوا بسرعةٍ، جميعاً، دون اتفاق أيضاً، الطبيب يصرخ، الفئران تتجه إليه، في غير اتجاه يصرخ ويهرب، والعناني في ذيله
والباب يترجرجُ، كان الموت يدق حوافره عليه، كأنه أغلق دون الملائكة
فتحته إنصاف، وهم في كعبها،
تسمّروا،
كان قد عاد من قبل، وضع كمامة الأوكسجين فقط على فمه، وراح في نوم عميق
لم يتحركوا، ولا شالتهم أقدامهم، يبصون في اتجاه واحد، كأعمدة زرعت مكانها
النعشُ ليس على باب المستشفى
والملائكة تفرقت" (ص 260-261)

وحين ندركُ أنها حكايات النهار الأخير، نصبحُ متورطين في تلك الحكاياتِ التي لا نتمنى أن تنتهي لفرطِ صدقها وحميميتها، ولقدرةِ الكاتب على نقلِ القارىء إلى عوالمَ لم تنل حقها في الروايةِ العربية المعاصرة

حتى وإن تفرقت الملائكة، ستظلُ عيون القراء معلقةً بباب المستشفى..حيث يرقد محروس

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator