المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

البحث عن وزير (4): تشابه أسماء




في عهد فاروق، دخل الوزارة قوادون وجلساء سوء

ووصل إلى الوزارة أشخاصٌ أهم مؤهلاتهم أنهم يملكون القدرة على إضحاك الملك
هنا يبرز اسم كريم ثابت، المستشار الصحفي للملك
ولا بد أن نوضح أنه في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، أصبحت سمعة القصر السيئة حديث القاصي والداني، وتوالت الفضائح المخزية وارتبط اسم القصر ورجاله بقضايا توريد أسلحة فاسدة وخراب ذمم وصفقات مالية مشبوهة، وبلغ الأمر ذروته باقتراب أجهزة التحقيق القضائي من أبواب القصر لتعقب الذين حامت حولهم شبهات التورط في هذه المخازي
وأصبح الإعلام يتحدث بصورةٍ مباشرة وغير مباشرة عن شخصياتٍ بعينها تلعب أدواراً غير مريحة في القصر، وظهرت أسماءٌ لشخصياتٍ قامت بأدوار البطولة في ما يجري أمثال كريم ثابت المستشار الصحفي للبلاط، وإلياس أندراوس المستشار الاقتصادي للخاصة الملكية، وإدمون جهلان مسؤول التوريدات للقصر، وأنطون بوللي مدير الشؤون الخصوصية، وكفاتش مدرب الكلاب الملكية، وجارو الحلاق الملكي، وغيرهم ممن عرف الناس بأمر تورطهم في أمور غير كريمة كان للقصر دور فيها (د. عبد الوهاب بكر، البلاط الملكي ودوره في الحياة السياسية المصرية من إسماعيل إلى فاروق، دار الشروق، القاهرة، 2008)

يدلل الكاتب أحمد بهاء الدين على حظوة كريم ثابت لدى الملك بالحكاية التالية:

كان إبراهيم عبد الهادي بعد خروجه من رياسة الديوان يروي كثيراً من الصغائر التي كانت تسيء إليه، والتي تدل على نوع حياة الملك ومدى اهتمامه بمستشاريه، من ذلك أنه دخل على الملك مرة ليعرض عليه بعض الأوراق، فوجده جالساً مع كريم ثابت يتبادلان رواية النكات البذيئة باللغة الفرنسية ويضحكان في عربدة، ولما رأى الملك رئيس الديوان قال لكريم: "قول النكتة تاني بالعربي علشان الباشا ما يعرفش فرنساوي"
فرد كريم ثابت: "ولا عربي كمان"
وضج الاثنان بالضحك الشديد ورئيس الديوان واقف والأوراق في يده..لا يدري ماذا يصنع؟!

بل إن الملكة فريدة تقول عن كريم ثابت ما هو أكثر
"بلغ تأثيره على الملك لدرجة أنه أصبح يلازمه ويجالسه في سهراته وجولاته، وأصبح له نفوذ كبير على الملك، وأصبح فاروق كقطعة الشطرنج في يد كريم ثابت..وشارك في نسج شباكه حول الملك عن طريق تقديم النساء، مما جعل له حظوة ونفوذاً وتأثيراً، لذلك أنعم عليه فاروق برتبة البكوية ثم الباشوية ثم وزيراً للدولة في آخر عهد (وزارة حسين سري)"


ذات يوم التقى إلياس أندراوس المستشار الاقتصادي للملك فاروق مع القطب الوفدي فؤاد سراج الدين بعد أن قال له إنه قادم في مسألة مهمة. استوضح فؤاد سراج الدين عن تلك المسألة المهمة، فقال له إلياس أندراوس ببساطة:
إذا كنتم عاوزين تقعدوا عشرين سنة في الحكم تاخدوا كريم ثابت وزيراً
ورد فؤاد باشا سراج الدين وسط دهشته وذهوله:
أنت يا باشا مجنون؟!
وكان رد إلياس أندراوس عليه هو قوله:
"كريم ثابت مصري وصحفي درجة أولى، والمهم أنه عند الملك فرخة بكشك"
كان مصدر الرواية السابقة هو صلاح الشاهد في مذكراته (ذكرياتى في عهدين، دار المعارف، القاهرة، ط 2، 1977)
، الذي يضيف قائلاً: كان كريم ثابت شخصية غامضة تحوط بها الأساطير، ولا مراء أنه لعب دوراً خلال الفترة من 1946 إلى 1952 في تاريخ مصر، وكانت دسائس القصر تحدق بكريم ثابت، وكان يتغلب عليها فيعود منتصراً


ويشير وكيل الديوان الملكي حسن باشا يوسف في مذكراته (القصر ودوره في السياسة المصرية (1922-1952)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام، القاهرة، 1982) إلى أنه عندما تم تكليف علي ماهر باشا تشكيل الوزارة في يناير كانون ثانٍ 1952 اتصل به إلياس أندراوس قائلاً إن الملك يسره أن يُعين كريم ثابت وزيراً في وزارته
واعتذر علي ماهر عن عدم تنفيذ طلب الملك، ولكن حسين سري باشا وافق على الطلب الخاص بتعيين كريم ثابت عند تشكيل وزارته في 2 يوليو تموز 1952


وصباح 22 يوليو تموز 1952 عندما قرر الملك فاروق تكليف أحمد نجيب الهلالي تشكيل الوزارة، كان أول شرط للهلالي للموافقة على ذلك التكليف هو إخراج كريم ثابت من الإذاعة (وكان مستشاراً لها) وألا يدخل الوزارة

وفي حكومة نجيب الهلالي، أذيعت مراسم تأليف الوزارة، وأُبلِغَ الوزراء الجدد أن موعد حلف اليمين بعد ظهر اليوم التالي. وذهب الوزراء مع رئيسهم إلى قصر عابدين، وقيل للوزراء الجدد في القصر إن وزير الصحة قد سبقهم إلى الحضور بالملابس الرسمية. وكان الوزراء يعلمون أن د. إبراهيم شوقي قد اعتذر لنجيب الهلالي في الليلة السابقة عن عدم قبول منصب وزير الصحة، فاضطر رئيس الحكومة المكلف إلى أن يعهد إلى راضي أبو يوسف وزير الشؤون الاجتماعية بوزارة الصحة بالإنابة.. لكن الوزراء فوجئوا داخل القصر بخبرٍ أذهلهم: كان وزير الصحة الجديد الذي سبقهم إلى القصر لحلف اليمين الدستورية هو د. أحمد النقيب، أحد محاسيب الملك فاروق..فتأخر موعد حلف اليمين
واجتمع نجيب الهلالي بحافظ عفيفي أكثر من ساعة، وصمم الأول على عدم قبول د. النقيب وزيراً للصحة، ثم دُعي نجيب الهلالي لمقابلة الملك، ليدور الحوار التالي:


فاروق: لقد طلبت من النقيب أن يحضر ويرتدي الردنجوت، وهنأته بالوزارة، وجاء خصيصاً من الإسكندرية إلى القاهرة لذلك..ومعنى هذا أنك ستكسفه أمام الناس كلها. ولهذا فأنا أريد أن تأخذه وزيراً..ولو ثلاثة أيام
الهلالي: إني آسف أن أقول لجلالتك إنني لا أستطيع أن يكون النقيب وزيراً، ولقد قلت هذا للدكتور حافظ عفيفي
فاروق: قال لي حافظ هذا..ولكنني ظننت أن "ليه خاطر عندك"
الهلالي: يا مولانا..خاطرك على العين والرأس، ولو كانت المسألة تتعلق بشخصي فإنني على استعداد لأن أضحي، ولكن المسألة كما قلت تتعلق بصميم سياسة الوزارة
فاروق: إن المسألة لم تصل إلى هذا الحد، ولكني أعرف أنه لا يرضيك أن يخجل أحد رجالي أمام الخدم وهو مرتدٍ بدلة الردنجوت
الهلالي: أعرف أن هذه "كسفة"، ولكني أعتقد أنه إذا كان النقيب يحب مولانا فإنه سيتحمل هذه "الكسفة"
وإزاء إصرار الهلالي، مرت أزمة وزير الصحة بسلام


وفي مشاورات تشكيل وزارة نجيب الهلالي وقعت سلسلة أحداثٍ طريفة وغريبة، فقد اقترح حافظ عفيفي اسم القائمقام إسماعيل شيرين زوج الأميرة فوزية وزيراً للحربية، لكن نجيب الهلالي رفض هذا الاقتراح. وبدأ البحث عن وزراء للأشغال والزراعة والصحة..ووزير مسيحي. قيل لنجيب الهلالي إن يوسف سعد المفتش بوزارة الأشغال خير من يصلح لوزارة الأشغال، فاتصل به هاتفياً وعرض عليه الاشتراك في الوزارة فوافق..ثم عاد البحث عن وزير مسيحي ثانٍ، فاقترح الصحفي علي حمدي الجمال - وكان موجوداً في منزل نجيب الهلالي- اسم مريت غالي، فاتصل به رئيس الوزراء، وطلب غالي إمهاله بعض الوقت..وبعد ساعةٍ أبلغ رئيس الوزراء قبوله المنصب الوزاري


وبدأ البحث عن وزير الزراعة، وكان المرشح لهذا المنصب محمد سعيد لطفي، لكن تبين أنه في الخارج، فعرضت أسماء كثيرة لم يقبلها نجيب الهلالي. والطريف أنهم أحضروا "الدليل المصري" للبحث عن اسم يصلح وزيراً للزراعة. وقفز اسم حسين كامل الشيشيني، وطُلِبَ من رجال "البوليس المخصوص" أن يعثروا عليه


وللاعتبارات الوطنية دورها في تشكيل عددٍ من وزارات مصر


ففي 2 يناير 1924 اكتسح حزب الوفد الانتخابات العامة. وأثناء تشكيل الوزارة اعترض الملك فؤاد على تعيين اثنين من الأقباط وزيرين في وزارة تضم في مجملها -بمن في ذلك رئيس الوزارة- عشرة أعضاء. واحتج الملك فؤاد بأن الشارع المصري قد لا يرضى عن هذا التعيين، فقال سعد زغلول: أنا زعيم الأمة وأعرف نبض الشارع المصري. وأصر سعد زغلول على رأيه، ليتولى مرقص حنا بك وزارة الأشغال العمومية، ويتولى واصف بطرس غالي أفندي وزارة الخارجية (لمعي المطيعي، موسوعة نساء ورجال من مصر، دار الشروق، القاهرة، 2003)


ويقول د. محمد حسين هيكل باشا (مذكرات في السياسة المصرية، ج1، دار المعارف، القاهرة، 1977، ص 180) إنه "..في اليوم الذي تألفت الوزارة فيه فتح كثيرون عيونهم واسعة من شدة الدهشة. لقد لف الناس منذ عشرات السنين، وفي عهد الإنجليز أنفسهم أن يكون في الوزارة قبطي واحد، أما سعد فقد أخذ في وزارته اثنين من الأقباط". واستمرت تلك الوزارة في الفترة بين 28 يناير كانون ثانٍ 1924 و24 نوفمبر تشرين ثانٍ 1924


ولم يكن الإنجليز بعيدين عن اختيار رؤساء الحكومات، ولعل أبرز مثل على ذلك هو حادث قصر عابدين الشهير في 4 فبراير 1942 عندما حاصرت الدبابات البريطانية القصر وأجبر السير مايلز لامبسون السفير البريطاني في مصر الملك الشاب فاروق على تعيين مصطفي النحاس باشا زعيم حزب الوفد رئيساً للوزراء بعد أن هدده بخلعه من عرشه. وفي أعقاب تصريح 28 فبراير 1922 - الذي اعتبره البعض أساساً لاستقلال مصر، ورآه سعد زغلول "أكبر نكبة على البلاد"- استشار الإنجليز عدلي يكن فيمن يشكل الوزارة، فقال قوله المشهور: "عدلي هو ثروت، وثروت هو عدلي"


وقد كان!


وهكذا شكَّل عبد الخالق ثروت وزارته في اليوم التالي للتصريح لتدوم هذه الحكومة في الفترة بين أول مارس آذار 1922 و29 نوفمبر تشرين ثانٍ 1922، وهي الوزارة التي عمدت إلى التنكيل بقيادات ورموز حزب الوفد، فألقي القبض على حمد الباسل ومرقص حنا وواصف غالي وعلوي الجزار وويصا واصف ومراد الشريعي وجورجي خياط في يوليو تموز 1922، وصدرت ضدهم أحكام بالإعدام في 14 أغسطس آب 1922


الأغرب أنه في إبريل نيسان 1927 شهدت مصر موجة من اضطهاد الوفديين والوطنيين ولاح في الأفق احتمال حل مجلس النواب وإلغاء الحياة البرلمانية، فرأى زعيم الوفد سعد باشا زغلول ترشيح عبد الخالق ثروت لرئاسة الوزارة. وافق ثروت على تشكيل الوزارة، بعد أن رشحه لها زعيم الأمة آنذاك، وأخذ ثروت يتقرب من الوفد، وشكَّل وزارة (25 إبريل 1927- 16 مارس 1928) ضم إليها عدداً من الأحرار الدستوريين وعدداً من المنتمين إلى الوفد


وأثناء تشكيل حكومة الوفد في يناير كانون ثانٍ 1950، فوجىء إبراهيم فرج بزعيم الوفد مصطفى النحاس يقول له: "هات الردنجوت وتعال يا إبراهيم"، وإذا بالنحاس يختاره وزيراً للشؤون البلدية والقروية في حكومة النحاس باشا السابعة (12 يناير 1950- 27 يناير 1952)
وبهذا رد النحاس باشا على موقف الملك فاروق من الوفدي العتيد إبراهيم فرج الذي كان شديد الولاء على طول الخط لبلدياته مصطفى النحاس (سمنود، محافظة الغربية)
وكان فاروق قد رفض الموافقة على القرار الذي نشرته صحيفة "المصري" في 6 أكتوبر تشرين أول 1943 بشأن تعيين إبراهيم فرج مدير المستخدمين في وزارة الداخلية قاضياً في المحاكم المختلطة ضمن حرة تنقلات وترقيات واسعة


على أن الوزارة في مصر كانت تعاني من مشكلات تتعلق أحياناً بشخص رئيس الوزراء. فعلى سبيل المثال، ومع أواخر صيف 1951، كان زعيم الوفد مصطفى النحاس باشا غائباً في عالم خاص به وصفه السفير البريطاني السير رالف ستيفنسون يوم 15 يونيو حزيران 1951 في خطاب إلى هربرت موريسون وزير الخارجية البريطانية قائلاً:
"إن النحاس (باشا) لا يقوم بأي عمل على الإطلاق، ويبدو من كل ما أسمعه أنه يقضي معظم يومه في الحمام، فقد أُصيب بمرض النظافة، ويضَيع ساعات في العناية ببدنه، والواقع أن برنامجه كما بلغني من أقرب الناس إليه أنه منذ استيقاظه وحتى الساعة الحادية عشرة والنصف موجود في غرفة النوم أو في الحمام، وقُرب الثانية عشرة ظهراً يخرج ليجري مقابلة أو مقابلتين أو يقرأ بنفسه ـ أو يسمع ورقة أو ورقتين تُتْلى عليه، ثم يعود إلى جناحه يختفي فيه من الساعة الثانية بعد الظهر حتى الساعة السابعة مساءً، حين يظهر في صالون بيته ويتناول عشاءه ثم يأوي إلى فراشه في الساعة التاسعة"


ويضيف السير رالف ستيفنسون بعد ذلك قائلاً: "لقد جاءني أحد أصدقاء أسرته وهو توفيق مفرج (رجل أعمال ثري من أصل لبناني)، وخلال حديثه معي وجدته حريصاً أن يفضي إليّ بأن النحاس (باشا) أبلغه بأنه لم يعد يهمه أن تخرج القوات البريطانية من مصر. ويضيف مفرج قائلاً "إن ذلك هو أيضا رأي زينب هانم (زينب الوكيل زوجة النحاس)"!
في تلك الأيام كانت وساوس النحاس الصحية قد بلغت أشدها، حتى إنه عندما كان يضطر إلى الخروج من بيته لمناسبة لا يستطيع أن يتخلف عنها، كان يتبعه باستمرار سكرتير (وأحياناً ضابط من حراسته الخاصة) ـ يحمل زجاجة كولونيا لكي يغسل بها الباشا يديه (محمد حسنين هيكل، سقوط نظام!: لماذا كانت ثورة يوليو 1952 لازمة؟، دار الشروق، القاهرة، 2003، ص 333)

غير أن النحاس -وكان قد تخطى آنذاك السبعين من عمره- ظل زعيماً للوفد ورئيساً للوزارة


ويشير علي أمين في كتابه "هكذا تحكم مصر!" (القاهرة، 1951) إلى أن النحاس أدخل في وزارته السابعة (يناير 1950) كلاً من محمود أبو الفتح، وسليمان غنام، ومصطفى نصرت، وأحمد حمزة، ثم يس أحمد باشا، نكاية في مكرم عبيد باشا، صديقه التاريخي وخصمه اللدود لاحقاً
وعندما قرأ النحاس أسماء الوزراء الذين اختارهم أثناء اجتماعٍ ضم هؤلاء المرشحين، اعترض محمد الوكيل على اختياره وزيراً للاقتصاد، وقال: إنني أطالب بوزارة التجارة، فأنا تاجر وأبي كان تاجراً!
فقال النحاس: ولكن غنام وزير تجارة
فقال الوكيل: انقلوا غنام من التجارة إلى التموين أو إلى الاقتصاد!
لكن غنام اعترض، وحدث هرجٌ ومرجٌ، إلى أن تدخل فؤاد سراج الدين المرشح وزيراً للداخلية للتوفيق بين الجانبين، بحيث يبقى الوكيل وزيراً للاقتصاد وغنام وزيراً للتجارة
وأثناء تشكيل الوزارة أخذ النحاس باشا يعتصر ذاكرته بحثاً عن مرشح لوزارة التموين، ثم قال: هناك مستشار كويس اسمه فرحات، أنا فاكر شكله بس ناسي اسمه الكامل..فرحات اللي كان قاضي في الإسكندرية وله حُكم عظيم في قضايا المظاهرات
فقال عبد الفتاح الطويل باشا: مرسي فرحات!
فرد النحاس: تمام، مرسي فرحات. روح اطلبه يا فؤاد (سراج الدين) في التليفون واعرض عليه الوزارة
واتصل فؤاد سراج الدين بمرسي فرحات وعرض عليه وزارة التموين، وقبلها الأخير، فطلب منه الحضور إلى قصر القبة لحلف اليمين قبل العاشرة مساء
وفي الموعد المحدد لمح النحاس باشا شخصاً غريباً لا يعرفه، فسأل:
من هذا؟
فقيل له:
مرسي فرحات وزير التموين!
فقال النحاس: أبداً..مش هو! ده واحد تاني!
فقيل للنحاس: ولكنك كتبت اسمه في المرسوم ولم يبق إلا دقائق لتتشرفوا بلقاء الملك
واستسلم النحاس للأمر الواقع. وعند خروج الوزراء في أعقاب مقابلة الملك، صاح النحاس باشا في الوزراء:
افتكرته..افتكرته. اسمه قطب فرحات، موش مرسي فرحات
غير أن هذا التذكر جاء بعد فوات الأوان. وبقي قطب فرحات بك مستشاراً، ومرسي فرحات وزيراً


لم تكن تلك حالة استثنائية، فقد تولى البعض الوزارة بسبب تشابه الأسماء أو اختلاطها على من يختارون المرشحين للوزارة


فقد جرى تعيين عبد المجيد عبد الحق وزير دولة في حكومة النحاس الأخيرة، ولعبد المجيد عبد الحق شقيق أكثر شهرة نال الوزارة قبله وعمل وزيراً للشؤون الاجتماعية وللأوقاف والتموين. وحين دخل عبد المجيد عبد الحق قيل أيضاً إن المقصود كان هو عبد الحميد عبد الحق وقد أخطأ السكرتير أو مدير المكتب وطلب عبد المجيد عبد الحق بدلاً من عبد الحميد (وكلاهما ينتميان إلى عائلة شهيرة من مركز أبو قرقاص في محافظة المنيا). الرواية تبدو جائزة لأن عبد الحميد كان أكثر شهرة، وكان صديقاً لأهل الفن والصحافة إلى درجة أن الموسيقار محمد عبد الوهاب غنى له أغنية ألفت خصيصاً لمساندته في الانتخابات البرلمانية وكان مرشحاً عن دائرة السيدة زينب في منتصف الأربعينيات على الرغم من مقاطعة الوفد لهذه الانتخابات. وكانت أغنية عبد الوهاب تقول: "يا أهل الحي.. يا أهل الدائرة.. يا مجاورين السيدة نظرة "حلفتكم بالست الطاهرة" لتجاوبوا وتقولوا الحق.. تنتخبوا مين؟ عبد الحق"
ويشكك البعض في قصة عبد المجيد عبد الحق رغم حدوثها بناء استناداً إلى أن أخاه عبد الحميد كان قد عمل وزيراً في وزارة إبراهيم عبد الهادي عام 1949، وهكذا كانت عودته إلى الوزارة مع الوفد 1950 مستبعدة بعض الشيء


وفي مارس آذار 1968 كان د. إسماعيل غانم الأستاذ بكلية الحقوق في جامعة عين شمس وعميد الكلية مرشحاً للوزارة، وحدث أن سكرتارية الرئيس جمال عبد الناصر اتصلت بالدكتور حافظ غانم وكان أستاذاً هو الآخر في كلية الحقوق في جامعة عين شمس أيضاً، وهكذا جاء د.حافظ غانم وزيراً للسياحة في وزارة الرئيس عبد الناصر الأخيرة، وقادت المصادفة إلى ما هو أكثر من هذا، فقد أقيل د. محمد حلمي مراد فجأة من منصب وزير التربية والتعليم، وهكذا أصبح محمد حافظ غانم وزيراً للتربية والتعليم. لكن الفرصة لم تضع من د. إسماعيل غانم بل بالعكس سعت إليه مرتين ودخل الوزارة وخرج منها، ثم عاد ودخلها في حالة من الحالات القليلة في عهد الثورة. ففي 15 مايو أيار 1971 وقع الاختيار على إسماعيل غانم ليكون وزيراً للثقافة في وزارة د. محمد فوزي، وكان د.حافظ غانم لا يزال وزيراً للتربية والتعليم، في حين كان إسماعيل غانم قد تولى بعد العمادة منصب وكيل جامعة عين شمس. وقد بقى الغانمان معاً في مجلس الوزراء منذ مايو أيار 1971 وحتى سبتمبر أيلول 1971، حيث خرج الأحدث وهو د.إسماعيل غانم


ومن حسن حظ الأخير أنه تولى عند خروجه مباشرة منصب مدير جامعة عين شمس، ثم عاد إلى دخول الوزارة مرة ثانية بعد عامين ونصف العام عند تشكيل وزارة الرئيس السادات الثانية في إبريل نيسان 1974 كوزير للتعليم والبحث العلمى، وكان أول قانوني يتولى وزارة البحث العلمي (على نحو ما فعل د. مفيد شهاب لاحقاً) واستمر إسماعيل غانم في الفترة بين 26 إبريل 1974 و15 إبريل 1975 وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي في وزارة الرئيس السادات الثانية ووزارة د. عبد العزيز حجازي الذي كان عميداً لتجارة عين شمس قبل أن يختار وزيراً للخزانة، في الوقت نفسه الذي كان إسماعيل غانم عميدا ًللحقوق في عين شمس ومرشحاً فيه لدخول الوزارة في مارس آذار 1968


ومن الطريف أن د. محمد حافظ غانم كان قد ترك الوزارة بعد إسماعيل غانم بأقل من ثلاثة أشهر حين شكل د. عزيز صدقي وزارته في يناير كانون ثانٍ 1972، وبقي د.حافظ غانم في مناصب رفيعة القدر في الاتحاد الاشتراكي وصلت إلى أن تولى منصب الأمين العام للجنة المركزية، ثم اختير نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للتعليم العالي في وزارة ممدوح سالم في الفترة بين 16 إبريل 1975 و18 مارس 1976 ليخلف صاحب اللقب نفسه في وزارة التعليم العالي، وإن كان يحظى بحكم أقدميته بمنصب نائب رئيس الوزراء، وكأنه "أي حافظ غانم" نال الوزارة بدلاً منه في 1968 وخلفه فيها عند خروجه منها لآخر مرة في 1975، وهكذا فإن هناك غانماً تولى وزارتي البحث العلمي والثقافة بالإضافة إلى التعليم العالي وهو أستاذ القانون الخاص د. إسماعيل غانم، وهناك غانم آخر تولى وزارة التربية والتعليم قبل أن يتولى التعليم العالي، وهو أستاذ القانون الدولي د. محمد حافظ غانم، وكلاهما دخل الوزارة وخرج منها وعاد إليها، وكلاهما أستاذ في حقوق عين شمس، لكن صاحب المصادفة نال حظاً أكثر من المرشح الأصلي

ويروي د. جلال أمين (ماذا علمتني الحياة؟، دار الشروق، القاهرة، 2007) الحكاية بطريقةٍ ساخرة قائلاً: "وقد تناقل الناس بعد ذلك قصة طريفة أعتقد أنها صحيحة، وهي أن عبد الناصر أثناء اختياره للوزراء الجدد عبّر عن رغبته في أن يدخل الوزارة "غانم بتاع الحقوق"، دون أن يلتفت إلى أن في كلية الحقوق غانمين وليس غانماً واحداً، العميد والوكيل. وأغلب الظن أنه كان يقصد إسماعيل غانم، فهو، وليس الدكتور حافظ غانم، المعروف بميوله الاشتراكية وباستقلاله في الرأي. ولكن لسببٍ ما عرضت الوزارة على الوكيل دون العميد"


وفي عهد السادات، رشح محيي الدين عبداللطيف وزيرا للنقل في وزارة السادات الأولى في مارس آذار 1973 لكنه بدلاً من أن يتم استدعاؤه استدعي شقيقه الحسيني عبد اللطيف وعين وزيراً للنقل. كان الحسيني عبد اللطيف من المهندسين العسكريين المميزين أما محيي الدين عبد اللطيف فعُوِضَ عن هذا واختير محافظاً للقليوبية (نوفمبر تشرين ثانٍ 1974 – نوفمبر تشرين ثانٍ 1976)، ثم عُيِنَ نائباً لوزير المواصلات، وبقي في هذا المنصب الرفيع فترة طويلة، فلما طال العهد بسليمان متولي في المنصب الوزاري آثر محيي الدين عبد اللطيف الاستقالة من منصب نائب الوزير واحتفظ برئاسة لجنة النقل والمواصلات في مجلس الشعب


وليس لأحدٍ بعد هذا أن يستغرب المصدر الذي استقى منه كاتب السيناريو وحيد حامد شخصية بطل فيلمه "معالي الوزير" (2002، إخراج سمير سيف) الذي لعب دوره أحمد زكي


وفي الوزارة، كما في الحياة، ينطبق المثل العامي القائل: "قيراط حظ.. ولا فدان شطارة"

تابع القراءة

gravatar

البحث عن وزير (3): رفاق السلاح



كان أحد أحلام الرئيس جمال عبد الناصر هو اختيار امرأة لشغل منصب وزيرة
يقول الكاتب الصحفي مصطفى أمين: "في عام 1960 قلت للرئيس جمال عبد الناصر إنني أرى أن مجلس الأمة يحترم العضوتين وأن الوقت ملائم لكي نعين وزيرة وبهذا تكون مصر هي أول دولة عربية تعين وزيرة، ودارت بيننا مناقشة اقتنع في نهايتها بفكرتي
وفجأة دخل المشير عبد الحكيم عامر فقال لي الرئيس:
قل له على فكرتك عن المرأة!
فهب عبد الحكيم عامر واقفاً وخلع حزام بذلته العسكرية وحلف بالطلاق قائلاً: "عليّ الطلاق بالثلاثة لو ست دخلت مجلس الوزراء لأخرج أنا منه"!
ويقول مصطفى أمين: وماتت الفكرة، وبعد عامٍ أو اثنين كلمني الرئيس تليفونياً وقال لي إن عبد الحكيم عامر سوف يعين نائباً للقائد الأعلى وسيتولى وزارة الحربية شخصٌ آخر، وما دام قد خرج من الوزارة فهي فرصة لتعيين وزيرة، وقال لي عبد الناصر: عندكم في أخبار اليوم أحسن أرشيف، فاختر لي أحسن 10 نساء في مصر وأرسل لي صورهن وتاريخ حياتهن

وفعلاً نزلت الأرشيف واخترت عشراً، بينهن أمينة السعيد وكريمة السعيد وفاطمة عنان المفتشة في وزارة المعارف وعائشة راتب وكانت وقتها أستاذة في الجامعة، واقترحت أن تعين أم كلثوم وزيرة للثقافة والفنون الجميلة، واخترت أيضاً عزيزة أحمد حسين، وكانت آخر سيدة في القائمة حكمت أبو زيد، وأرسلت للرئيس الصور ولم يرد عليّ
وبعد فترة تألفت الوزارة، وفوجئت بأن حكمت أبو زيد عُينت وزيرة رغم أنها رقم 10 بين السيدات اللاتي أرسلت أسماءهن للرئيس، فاتصلت به وسألته:
لماذا اخترت حكمت أبو زيد؟
فقال: "لأنها أوحش واحدة"
(رشاد كامل، حياة المشير عبد الحكيم عامر، دار الخيّال، القاهرة، 2002، ص 139-140)
وهكذا شاءت تصاريف القدر أن تصبح ابنة قرية الشيخ داود بالقوصية محافظة أسيوط، أول وزيرة عربية
شعورٌ بالاستغراب والدهشة سيطر على أستاذة القانون الدولي د. عائشة راتب حين نشرت الصحف المصرية في صفحتها الأولى في 12 نوفمبر تشرين ثانٍ ١٩٧١ خبر تعيين د. عائشة - والتي كانت آنذاك في الثالثة والأربعين من العمر- وزيرة للشؤون الاجتماعية

ففي أعقاب انتخابها لعضوية اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي شاركت في المؤتمر العام وكان النقاش دائراً حول الدستور. ولأنها كانت قانونية فقد ذهبت لزملائها في الكلية وسألتهم عن اعتراضاتهم على مواد الدستور، وجمعت آراءهم. كان النقاش حول اختصاصات رئيس الجمهورية حين اعترضت د. عائشة راتب على توسيع اختصاصات رئيس الجمهورية وظلت تقول "لا يجوز" و"لا يليق" وفق ما هو مدون في محاضر الجلسة الرسمية. استمرت الجلسة ثلاث ساعات وهي مصرة على الرفض فأرسل لها البعض ورقة وقالوا لها فيها "ارحمينا يا دكتورة عائشة"
تقول د. عائشة راتب: "وكان الرئيس أنور السادات موجوداً في الجلسة في الطابق العلوي إذ كان يرأس اجتماعات اللجنة المركزية وقتها، وقد سمعت بعد ذلك منه شخصياً في اجتماع لجنة السياسات واللجنة الوزارية أنه قال للوزراء "إنتو عارفين أنا جبت الدكتورة عائشة وزيرة ليه؟ لأنها في اللجنة المركزية وأنا موجود جلست تناقش اختصاصات رئيس الجمهورية، فقررت تعيينها وزيرة"
أما عن معرفتها بالخبر، فقد أخبروها في المنزل أن مكتب وزير الداخلية اتصل بها، وكانت وقتها تلقي محاضرة في المؤتمر العمالي التابع لجامعة الدول العربية، وكانت في المحاضرات تنتقد رفض العرب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٤٧ الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين إسرائيلية وأخرى فلسطينية، وترى أنه لو قبل العرب ذلك لاختلف الوضع. اعتقدت د. عائشة راتب أن الحكومة لم يعجبها كلامها فاستدعتها. وذهبت إلى ممدوح سالم وكان وزيراً للداخلية، فأخبرها بضرورة الذهاب إلى مجلس الوزراء، فذهبت وقابلت د. محمود فوزي الذي قال لها: "يا دكتورة نحن يسعدنا ويشرفنا أن تكوني وزيرة معنا"، فقالت: "وزيرة إيه؟"، قال: شؤون اجتماعية، قالت: "أنا أستاذة قانون، مالي ومال الشؤون الاجتماعية"! فقال "الشؤون الاجتماعية كلها قوانين ونحن نريدك لذلك"
اشترطت د. عائشة راتب أن تكمل العام الدراسي مع الطلبة وأن ترجع للكلية بعد خروجها من الوزارة. وفي حجرة الوزراء جاءها صوت د. محمد حافظ سالم من آخر الغرفة يقول: "كمان بتتشرطي"، فقالت: "أنا لا أشترط إنما لابد أن أنهي التزاماتي تجاه الطلبة". بعد ذلك حلفت اليمين أمام الرئيس وأصبحت ثاني وزيرة للشؤون الاجتماعية في مصر (عائشة راتب وزيرة الشؤون الاجتماعية والتأمينات في السبعينيات لـ "المصري اليوم": السادات سيدخل الجنة "حدف".. ومصر كلها مديونة لي، جريدة "المصري اليوم"، 4 سبتمبر 2008)

صداقات رفاق السلاح منحت فرصة للضباط الأحرار كي يستوزروا
فقد أصبح المشير عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي وحسين الشافعي وزراء للحربية أثناء عهد الثورة

وحين تشكلت برئاسة علي ماهر الوزارة الأولى في عهد الثورة، والتي تحمل الرقم 70 في تاريخ مصر الحديث، تولى رئيس الوزراء في هذه الوزارة ثلاث وزارات بالإضافة إلى منصب رئيس الحكومة، في حين تولى مدير مكتبه وصديقه الحميم إبراهيم عبد الوهاب وزارتين، وبقيت الوزارة الخامسة عشرة في تلك الحكومة وهي وزارة المواصلات بلا وزير، ثم عُيِنَ لها بعد أسبوع وزير تولاها لمدة يوم أو يومين بصفة شكلية حتى يكون مؤهلاً لمنصب أعلى، وهو رشاد مهنا مرشح الضباط الأحرار لعضوية مجلس الوصاية
وفي الوزارة التالية، وهي وزارة الرئيس محمد نجيب الأولى، تولى فتحي رضوان منصب وزير الدولة، وسرعان ما أنشئت وزارة الإرشاد القومي. ويذهب البعض إلى القول بأن هذه الوزارة أسست لفتحي رضوان أو أنه أسسها هو بنفسه، خاصة أنه كان على علاقة قوية بمجلس قيادة الثورة وبالذات جمال عبد الناصر، مثلما كانت الحال بالنسبة للرئيس أنور السادات وكل من سيد مرعي وعثمان أحمد عثمان اللذين ارتبط بهما السادات بعلاقات مصاهرة
ويروي فتحي رضوان لضياء الدين بيبرس كيف أنه لم يمض 24 ساعة على الاجتماع الذي عقده قادة الثورة للتعارف معه والاستماع إلى آرائه حتى فوجىء باختياره عضواً في الوزارة الجديدة. بل إنه يؤكد أنه في ذلك اليوم اعتذر عن عدم دخول الوزارة أكثر من 20 مرشحاً، منهم محمود محمد محمود ومريت غالي وإبراهيم بيومي مدكور وحامد سليمان وحفني محمود. وكانت طريقة الاستدعاء لدخول الوزارة في بعض الأحيان من أسباب الاعتذار عن عدم دخولها. فعلى سبيل المثال، حفني محمود كان مسافراً إلى الإسكندرية في الطريق الصحراوي، فلحقت به سيارة جيب من سيارات الشرطة العسكرية وأعادته إلى القاهرة من دون أن تقدم له سبباً واضحاً؛ لأن قائد الحملة نفسه لم يكن يعلم السبب. وبهذه الطريقة دخل حفني محمود مجلس قيادة الثورة وهو يظن أنه مطلوب للاعتقال، فلما عرف أنه مرشحٌ للوزارة اعتذر في الحال (ضياء الدين بيبرس، فتحي رضوان يروي أسرار حكومة يوليو، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1967)
ويشير فتحي رضوان إلى أنه هو الذي أقنع عبد الناصر باختيار الشيخ أحمد حسن الباقوري كمرشحٍ للإخوان المسلمين وزيراً للأوقاف، في حين كان عبد الناصر يميل إلى اختيار مرشحٍ إخواني آخر هو حسن العشماوي. أما مسوغات اختيار الباقوري فيرويها فتحي رضوان كالتالي: "فقلت له "عبد الناصر" مبرراً ترشيحي.أنا عاوز في الوزارة دي "عمامة" وعاوزها على رأس شاب. والشيخ الباقوري خطيب ووسيم، ودخل السجن وقاسى أهوال المعتقل، فهو صورة للأزهري غير الصورة المعروفة عنه للناس"
ويحكي عثمان أحمد عثمان في مذكراته عن استدعاء الرئيس أنور السادات له في أكتوبر تشرين أول 1973. في بادىء الأمر، لم يكن عثمان يعرف الغرض من المقابلة التي استمرت ساعة ونصف الساعة كاملة، تحدث السادات فيها عن تصوراته لإعادة المياه إلى منطقة القناة..إلى أن يقول مؤلف الكتاب: "قال لي الرئيس هيا يا عثمان. تصورت أن المقابلة قد انتهت، فقلت: أتركك بخير يا سيادة الرئيس، قال إنه أصدر قراراً بتعييني وزيراً للتعمير. وكانت مفاجأة أخرى بالنسبة لي، مفاجأة سعيدة لا أتمناها، لذلك قلت: إنني أستطيع أن أقوم بهذا الدور على أحسن ما يكون.. وأنا خارج الوزارة يا سيادة الرئيس. وقال: إن تعمير القناة يحتاج إلى وزير
(عثمان أحمد عثمان، صفحات من تجربتي، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1981)
في تلك المقابلة، قال له السادات أيضاً: "عثمان، أنا عاوزك وزير تعمير عشان أضمن إن كل حاجة تمشي مضبوط"
وعندما سأل السادات عن مصور الرئاسة لكي يلتقط صور حلف عثمان أحمد عثمان لليمين الدستورية، تبين أنه ذهب إلى منزله..في حين لم يكن فوزي عبد الحافظ سكرتير السادات، وحسن كامل رئيس الديوان، على علمٍ بالمقابلة التي يبدو أنها فكرة خطرت على ذهن السادات فجأة. وهكذا تم استدعاء المصور فوراً، ليؤدي عثمان اليمين الدستورية وهو يشعر بحجم المفاجأة وهكذا اختير عثمان وزيراً للتعمير في حكومة د. عبد القادر حاتم في 28 أكتوبر تشرين أول 1973، ليظل في الوزارة لمدة ثلاث سنوات عاصر أثناءها ثلاث حكومات متعاقبة. فقد اختير وزيراً للإسكان والتعمير في حكومة د. عبد العزيز حجازي في 26 سبتمبر أيلول 1974، ثم احتفظ بالحقيبة الوزارية نفسها في حكومة ممدوح سالم في 16 إبريل نيسان 1975، إلى أن خرج من الوزارة في نوفمبر تشرين ثانٍ 1976وحكاية عثمان مع السادات تبدأ عندما كان الاثنان يسكنان متجاورين في منطقة الهرم قبل ثورة يوليو 1952، ومن ثم تعارفا وتوطدت العلاقة بينهما لتصبح في فترة من الفترات أشبه بالتوأمة. ويؤكد عثمان أنه كان بينه وبين السادات نوع من "التوافق النفسي"، فقد كانا جارين وبينهما "عِشرة عمر"
يقول عثمان: "عندما أُعلِنَت أسماء وأعضاء مجلس قيادة الثورة لم أجد في الأسماء من أعرفه إلا محمد أنور السادات الذي عاش خلال مراحله الأولى فترة في الإسماعيلية، ثم رأيته في بورسعيد عقب العدوان الثلاثي عام 1956. وكنت قد حضرت من السعودية خصيصاً لكي تشارك شركتي في تعمير بورسعيد، وذهبت أزوره في بيته وفتح لي باب منزله بنفسه وهو يرتدي الجلباب. وكلفني ذات يومٍ بإدخال بعض التعديلات على منزله، وطلب أن نبني فيللا لابنته، ثم طلب بناء فيللا لكريمته الثانية. وتكررت الزيارات العائلية"
ويبدو أن هذه العلاقة القوية بين عثمان والسادات كانت وراء موافقته على تولي منصب وزاري، إذ كان الأول قد سبق له في شتاء 1960 رفض عرض من المشير عبد الحكيم عامر بأن يتولى من منصب وزير السد العالي، إذ قال له عثمان رداً على العرض المذكور: "أنا أنفعكم كمقاول، ولا أنفع مصر إلا كذلك يا سيادة المشير"!
وتكشف حكاية سيد مرعي مع المنصب الوزاري جزءاً من لعبة شد الحبل بين القيادة السياسية والمرشح للوزارة
لقد اشترك في الوزارة عام 1956 كوزير دولة للإصلاح الزراعي، ثم وزيراً للزراعة عام 1957 بالإضافة إلى الإصلاح الزراعي، ووزيراً للزراعة عام 1958 "الإقليم الجنوبي" أثناء تجربة الوحدة مع سوريا، ثم وزيراً مركزياً للزراعة والإصلاح الزراعي حتى أكتوبر تشرين أول عام 1961 "في أعقاب الانفصال"، وعاد وزيراً للزراعة بعد حرب 5 يونيو حزيران 1967، وفي سبتمبر أيلول 1970 وأصبح في نوفمبر 1971 نائباً لرئيس الوزراء لشؤون الزراعة والري، ووزيراً للزراعة والإصلاح الزراعي
وفي أكتوبر تشرين أول 1957 كان المهندس سيد مرعي يشغل منصب وزير الدولة للإصلاح الزراعي، حين فوجىء في أحد اجتماعات مجلس الأمة المصري بوزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية علي صبري يناوله ورقةً صغيرة موجهة له تقول سطورها: "إن الرئيس جمال عبد الناصر يريد أن تتولى وزارة الزراعة إلى جانب عملك كوزير دولة للإصلاح الزراعي
وبعد الاجتماع جلس سيد مرعي مع علي صبري وأوضح له دوافع اعتذاره عن عدم قبول المنصب، وفي الوقت نفسه يبلغ الرئيس عبد الناصر اعتزازه بهذه الثقة من جانبه
وباقي ما جرى يرويه المهندس سيد مرعي في مذكراته كالتالي:
"في اليوم التالي دعاني الرئيس عبد الناصر للغداء معه، وكان علي صبري قد أبلغه برفضي لوزارة الزراعة، وذهبت إلى بيته في منشية البكري ووجدت هناك المشير عبد الحكيم عامر، ودارت أحاديث عادية على الغداء ولم يفتح الرئيس الموضوع ولم يشر إليه. وبعد أن انتهينا من تناول الغداء جلسنا في الصالون نحن الثلاثة وحدنا، والتفت إليَّ المشير عامر وقال لي فجأة:
- هل يجرؤ إنسان في مصر أن يعترض على قرار يصدره جمال عبد الناصر؟
وفهمت على الفور مقصده وقلت له:
- لا طبعاً.. هي المسألة مش رفض لأمر أو اعتراض على قرار..إنما هي مسألة هل الإنسان يستطيع القيام بالعمل المطلوب منه أو لا يستطيع؟
قال لي عبد الحكيم عامر:
ما توضح كلامك.. إيه المسألة بالضبط؟
فقلت له: في الحقيقة هناك اعتباران جعلاني أعتذر عن وزارة الزراعة.. الأول انشغالي بالإصلاح الزراعي، والثاني وهو الأهم وجود مديرية التحرير
وتدخل الرئيس عبد الناصر في الحديث وقال لي:
- طيب بنشيل مديرية التحرير من وزارة الزراعة.. إذا كانت هي دي المشكلة"
ويختتم سيد مرعي الواقعة السابقة بقوله:
"ولم تعد لي حجة أخرى، فقلت له: وأنا أقبل وزارة الزراعة على هذا الأساس" (سيد مرعي، أوراق سياسية ــ الجزء الثالث، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1977)

أما الدكتور أحمد خليفة فيروي في مذكراته "الرأي والرأي الآخر" كيف أنه في 29 سبتمبر أيلول 1965 كان في منزله يقوم بتنظيف وطلاء حذائه، حين دق جرس الهاتف، حيث أبلغه سكرتير زكريا محيي الدين بأن الأخير يطلب لقاءه في منزله صباح اليوم التالي. وفي الموعد المحدد عرض عليه زكريا محيي الدين منصب نائب الوزير لوزارتي الشؤون الاجتماعية والأوقاف. وبعد تشكيل وزارة صدقي سليمان في سبتمبر أيلول 1977 التي أصبح فيها د. أحمد خليفة وزيراً للأوقاف والشؤون الاجتماعية، سأل د. خليفة الرئيس جمال عبد الناصر عن سبب تكليفه بوزارةٍ يعلم مسبقاً أنه غير مُلِم بأوضاعها، فكان رد عبد الناصر "يمكن علشان تكمل بناء الجامع"، ويقصد الجامع الذي أصبح يحمل الآن اسم عبد الناصر ويضم ملحقه الآن رفات الرئيس الراحل
ويتعين ألا ننسى أن د. ثروت عكاشة أحد أبرز وزراء الثقافة في تاريخ مصر فوجىء بخبر اختياره للمنصب الوزاري عبر أثير الإذاعة
فقد كان د. عكاشة مع زوجته يشغلان مقعدين في أحد الصفوف الأمامية من دار الأوبرا في العاصمة الإيطالية روما في مساء 8 أكتوبر تشرين أول 1958. وبعد أن انتهى العرض الممتع وغادر الأوبرا، أخذ يستمع كالعادة إلى نشرة أخبار الحادية عشرة من إذاعة القاهرة، فأصيب بدهشةٍ بالغة عندما وجد أن الخبر الأول يذيع اسمه كوزير للثقافة ضمن تشكيلٍ وزاري جديد. ويروي الرجل في مذكراته (ثروت عكاشة، مذكراتي في السياسة والثقافة، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1988) أنه عاد إلى مصر فوراً وطلب من الرئيس جمال عبد الناصر إعفاءه من شغل المنصب الوزاري الذي لم يُستشر في أمر إسناده إليه، لكن عبد الناصر أقنعه بالمنصب الوزاري، ليقدم د. عكاشة العديد من الأعمال الثقافية المهمة أثناء فترة توليه هذه الحقيبة الوزارية
أما أطرف وأغرب الاختيارات لمنصب الوزارة فقد جاءت من رفاق السجن والزنزانة
فقد اختار الرئيس أنور السادات رفيق السجن في قضية اغتيال أمين عثمان لمنصب وزير الخارجية. وقد أشار الرئيس المصري الراحل إلى محمد إبراهيم كامل ووسامة هذا السجين الأشقر في مذكراته "البحث عن الذات" (أنور السادات، "البحث عن الذات"، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1978). الطريف أيضاً أن محمد إبراهيم كامل يروي في مذكراته "السلام الضائع في كامب ديفيد" أنه كان في زيارة لوالدته في حي الزمالك في 25 ديسمبر كانون أول 1977 قبل أن يعود إلى منزله في حدود الساعة 5:30، ليفاجأ بزوجته تبلغه بأن الراديو والتليفزيون قد أذاعا نبأ تعيينه وزيراً للخارجية خلفاً للوزير السابق إسماعيل فهمي
وفي استراحة الإسماعيلية عاتب إبراهيم كامل السادات على تعيينه وزيراً للخارجية من دون أخذ رأيه، فرّد عليه السادات قائلاً إنه سمح لنفسه بتعيينه من دون سؤاله لأنه كان في منزلة ابنه (كان السادات يكبر إبراهيم كامل بتسع سنوات) وإنه اختاره لأنه يراه شخصاً يثق فيه تماماً ويتصف بالوطنية والشجاعة. وقال السادات له: لو علمت عدد الذين كانوا يتهافتون على هذا المنصب لما أسفت" (محمد إبراهيم كامل: السلام الضائع في كامب ديفيد، كتاب الأهالي رقم 12، القاهرة، 1987)
غير أن البحث عن وزير في العهد الملكي كان بدوره أشبه بالبحث عن فضيحة
تابع القراءة

gravatar

البحث عن وزير (2): شلة باريس




يحرص الرئيس مبارك على أن يستشير بنفسه الوزراء السابقين فيمن يرونه قادراً على أن يخلفهم في مواقعهم

ولعل أبرز نموذج على ذلك هو اختيار وزير العدل السابق أحمد ممدوح لخلفه المستشار فاروق سيف النصر (1987). وأسلوب الرئيس مبارك يعتمد على السؤال والاستفسار عن عددٍ من الأشخاص من دون التركيزعلى اسمٍ بعينه أو الكشف عن اهتمامه بهذا الشخص، لأنه بطبيعته ميالٌ إلى التحفظ والتكتم
والشاهد أن مبارك يحرص على أن تكون له يدٌ في اختيار أو استبعاد الوزراء، وفقاً لتقييمه لأدائهم وانسجامهم مع الخط الرسمي للدولة
وفي حالة د. محمود أبو زيد وزير الموارد المائية والري الذي خرج من حكومة د. أحمد نظيف في 11 مارس آذار 2009، قيل كلامٌ كثير حول عدم رضاء الرئيس مبارك شخصياً عن أسلوب معالجته لقضايا المياه وحصة مصر في نهر النيل، الأمر الذي أدى في النهاية الأمر إلى خروجه من الوزارة

وترشيحات الوزراء أنفسهم قد تسهم في اختيار من يتولى المنصب الوزاري
فقد جاء د. عبد السلام عبد الغفار بترشيح من د. مصطفى كمال حلمي عندما وقع الانفصال بين وزارة التعليم العالي التي استبقاها د. مصطفى كمال حلمي لنفسه، والتربية والتعليم التي تولاها عبد السلام عبد الغفار (1984). وأسهم كمال حسن علي في ترشيح د. عصمت عبد المجيد ليصبح وزيراً للخارجية (1984) عندما أصبح الأول رئيساً للحكومة
ومن المحافظات أيضاً يخرج الوزراء، حيث إن نجاح المحافظ في أداء مهامه أو بروز اسمه إعلامياً قد يزكيه للعمل الوزاري بشكل تلقائي، وهو ما حدث لأول مرة في حالة محمد صبري زكي محافظ أسوان الذي اختير وزير دولة للصحة (1982)، ثم حدث في حالة يوسف صبري أبو طالب محافظ شمال سيناء الذي اختير وزيراً للدفاع (1982)، وفي حالة سعد الدين مأمون الذي اختير وزير دولة للحكم المحلي (1983) من منصب محافظ القاهرة، وهو ما حدث أيضاً مع د. محمود شريف (1991) بالترتيب نفسه


وقد اختير ناجي شتلة في الوقت نفسه وهو محافظ كفر الشيخ وزيراً للتموين (1993). كما حدث هذا مع أحمد جويلي محافظ الإسماعيلية الذي اختير وزيراً للتموين في أغسطس آب 1994. وفي 27 أغسطس آب 2006 صدر قرارٌ جمهوري بتعيين محمد عبدالسلام المحجوب ابراهيم وزير دولة للتنمية المحلية، وقد كان من أبرز من تولوا منصب محافظ الإسكندرية (1997-2006) واكتسب شعبية ضخمة، حيث بدأ ورشة من إعادة البناء والصيانة لعدد كبير من منشآت ومرافق المدينة العامة، ومنها كورنيش الإسكندرية الشهير. وتكررت مسألة التوزير مع ثلاثة محافظين لأسيوط اختيروا وزراء للداخلية وهم زكي بدر (1986) ومحمد عبد الحليم موسى (1990) وحسن الألفي (1993)



واختير عددٌ من الشخصيات البارزة من خارج ديوان الوزارة نفسها، كما حدث مع د. عبد العزيز كامل عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين الذي تولى وزارة الأوقاف في نهاية عهد جمال عبد الناصر، والذي احتفظ بالمنصب الوزاري في بداية عهد السادات. كذلك الحال مع د. مفيد شهاب رئيس جامعة القاهرة الذي اختير وزيراً للتعليم العالي (قبل أن يصبح وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية)، ومن قبله الشيخ جاد الحق علي جاد الحق الذي عُينَ مفتياً للديار المصرية في أغسطس 1978 ثم اختير وزيراً للأوقاف في 3 يناير كانون ثانٍ 1982، وظل في المنصب شهوراً قليلة، اختير بعدها شيخاً للجامع الأزهر في 17 مارس آذار 1982
وأصبح عادل طاهر وزيراً للسياحة (1982) بعد أن كان رئيس هيئة التنشيط السياحي. وعُينَ محمود محمد محمود وزيراً للاقتصاد في حكومة د. عاطف صدقي الثالثة (1993) وكان رئيساً لبنك مصر الدولي، ود. نوال التطاوي التي انتقلت خلال شهرٍ واحد من رئاسة بنك الاستثمار إلى عضوية مجلس الشعب، ثم إلى عضوية مجلس الوزراء كأول وزيرة للاقتصاد (1996) في تاريخ مصر



وعلى هذا الغرار، اختير المشير محمد حسين طنطاوي للدفاع (1991) وكان أحد القيادات البارزة في وزارة الدفاع، وعمرو موسى (1991) بعد أن كان سفيراً لامعاً ومندوب مصر لدى الأمم المتحدة، وعبد السلام عبد الغفار الذي اختير وزيراً للتربية (1984) وكان من أقدم عمداء كليات التربية، ود. أحمد هيكل الذي اختير وزيراً للثقافة (1985) وكان أستاذاً بالجامعة يشارك في الندوات والحوارات مع الجماعات المتشددة، وهي حوارات كانت محط اهتمام وسائل الإعلام، الأمر الذي زاد من أسهمه ورشحه للوزارة



د. يوسف والي كان أحد الذين وقعوا لحزب الوفد على بيانه التأسيسي في الشهر العقاري، وإذا بالجماهير الوفدية تفاجأ باختياره وزيراً في أول حكومة تمت فيها اختيارات جديدة في عهد الرئيس مبارك، وهي وزارة د. فؤاد محيي الدين الأولى في يناير كانون ثانٍ 1982. أما حلمي الحديدي الذي كان قد وصل إلى عضوية مجلس الشعب نائباً عن حزب العمل الاشتراكي، فقد أصبح وزيراً للصحة في حكومة د. علي لطفي (1985)، قبل أن يترك هذا المنصب عند أول تعديل
ومن رؤساء مجالس الإدارات، وبالذات في قطاع الصناعة، جاء عدة وزراء بينهم المهندس فؤاد أبو زغلة (1982) من شركة الحديد والصلب، ومحمد عبد الوهاب من شركة النصر للسيارات (1984)، وسليمان رضا (1996) من مجمع الألومنيوم في نجع حمادي، وتولوا وزارة الصناعة. وفي السياحة جاء فؤاد سلطان (1985) من رئاسة بنك مصر إيران، وفي الإسكان جاء صلاح حسب الله (1993) من رئاسة مجلس إدارة شركة المقاولون العرب. وفي الاقتصاد جاءت د. نوال التطاوي (1996) من رئاسة بنك الاستثمار العربي، وجاء محمود محمد محمود من رئاسة بنك مصر الدولي
وعلى بساط الحزب الوطني جاء وزراء إلى الحكومة، فقد اختير د. علي لطفي للوزارة وكان رئيساً للجنة الاقتصادية في الحزب الوطني، وجاء د. إسماعيل سلام من رئاسة اللجنة الصحية إلى مقعد وزير الصحة (1996)، وبالمثل جاء د. حلمي الحديدي من منصب الأمين العام المساعد للحزب إلى المقعد نفسه (1985)، وجاء د. محمود شريف من منصب الأمين السابق للشباب ليصبح وزيراً للإدارة المحلية (1991)


وفي حالة د. ممدوح البلتاجي ود. محيي الدين الغريب جاء الاختيار من الرجال الثواني في وزارة أخرى. فقد كان الأول رئيساً لهيئة الاستعلامات والرجل الثاني في وزارة الإعلام، لكنه اختير وزيراً للسياحة قبل أن يصبح وزيراً للإعلام (يوليو تموز 2004- 15 فبراير شباط 2005) لينتقل بعد ذلك وزير الشباب أنس الفقي ليحل في وزارة الإعلام محل د. البلتاجي الذي ذهب بدوره ليكون وزيراً للشباب‏. أما د. الغريب، فقد كان رئيس هيئة الاستثمار لمدة عشر سنوات (86 ـ 1996) والرجل الثاني في وزارة الاقتصاد ثم أصبح وزيراً للمالية لمدة ثلاث سنوات. غير أن الغريب تحول في 28 فبراير شباط 2002 من وزير إلى مسجون لمدة 25 شهراً، وبين يوم وليلة تحول من وزير تفتح له كل الأبواب إلى مسجون أغلق عليه باب الزنزانة، بموجب قضية الجمارك الكبرى


ومن نواب رؤساء الجامعات البارزين جاء د. أحمد هيكل للثقافة (1985)، ود. أحمد فتحي سرور للتربية (1986)، وأحمد سلامة للحكم المحلي (1986)، ود. محمود حمدي زقزوق للأوقاف (1996)، ومحمد ناجي شتلة للتموين (1983). أما من رؤساء الجامعات فجاء د. عادل عز رئيس أكاديمية السادات لوزارة البحث العلمي (1986)، ود. مفيد شهاب رئيس جامعة القاهرة لوزارة التعليم العالي (1997)


ومن رجال رؤساء الوزارات أنفسهم جاء عادل عبد الباقي وزيراً لشؤون مجلس الوزراء (1982) في وزارة د. فؤاد محيي الدين، ود. عاطف عبيد وزيراً لشؤون مجلس الوزراء والدولة للتنمية الإدارية (1984) في وزارة كمال حسن علي، وجلال أبو الدهب وزيرأً للتموين والتجارة الداخلية (1986) في وزارة د. عاطف صدقي، ومعه د. محمد الرزاز وزيراً للمالية ود. يسري مصطفى وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية ود. أحمد فتحي سرور وزيراً للتربية والتعليم ود. أحمد سلامة وزيراً للحكم المحلي (1986)، وبالطبع وزير شؤون مجلس الوزراء طلعت حماد الرجل القوي في وزارة د. الجنزوري، وظافر البشري وزير الدولة للتخطيط في حكومة د. الجنزوري


وقد لا يعرف كثيرون أن أول وزير لقطاع الأعمال العام لم يكن هو د. عاطف عبيد، وإنما كان د. عاطف صدقي نفسه، وهكذا فإن د. عاطف عبيد ورث د. عاطف صدقي على مرحلتين، في البداية ورثه في منصبه الأحدث عام 1993 في وزارة د. عاطف صدقي نفسها كوزير لقطاع الأعمال العام وتنازل يومها عن إحدى الحقائب الثلاث التي كان يتولاها وهي حقيبة شؤون مجلس الوزراء، فيما احتفظ مع القطاع العام بحقيبتين أخريين هما التنمية الإدارية والدولة لشؤون البيئة. وفي 1997 في أثناء وزارة د. الجنزوري تنازل د. عاطف عبيد ربما بغير إرادته عن وزارتين أخريين من الثلاث التي كان يتولاها منذ 1984، وهكذا أصبح د.عبيد في 1997 يتولى وزارة التخطيط بدلاً من الوزارات الثلاث التي جمع بينها في 1984
لم يكن عاطف عبيد أول أستاذ إدارة أعمال يصل إلى منصب الوزارة، كان هناك قبله زميل له في القسم نفسه أكبر منه سناً وهو د. علي عبد المجيد عبده، الذي كان قد وصل إلى منصب وكيل كلية التجارة في جامعة القاهرة، وكان في شبابه ينتمي إلى الإخوان المسلمين. ود. علي عبد المجيد هو صاحب الفضل في اختيار زوجة د. عبيد، وهي د. نجدة محمد خميس، ابنة الوكيل السابق لجماعة الإخوان المسلمين
وقدم البرلمان والحزب الوطني رافداً آخر للوزارة
ويأتي كمال الشاذلي كنموذج بارز لهذا النوع من الاختيار، فقد كان يُوصف بأنه "الغول" و"المايسترو" تحت قبة البرلمان، إذ كان يخشاه الجميع ويحسبون له ألف حساب. غير أن كمال الشاذلي بدأ يفقد أنيابه في أعقاب تعيينه في حكومة د. عاطف صدقي الثالثة (1993) وزير دولة لشؤون مجلسي الشعب والشورى. وقبله ظهر توفيق عبد إسماعيل الذي اختير وزيراً للسياحة والطيران (1982) ولشؤون مجلسي الشعب والشورى.. لكنه دخل السجن مساء يوم ١٧ يوليو تموز ١٩٩٩ في قضية نواب القروض، وكانت ليلة عيد زواجه. قضى توفيق عبده إسماعيل الليلة الأولى داخل تخشيبة الخليفة، وهو يقول إنه "لن ينسى هذا اليوم الذي نامت فيه الصراصير إلى جواره"، قبل أن تمر ٨ سنوات ويعود إلى منزله في حي الزمالك (جريدة "المصري اليوم"، الثلاثاء ٨ مايو ٢٠٠٧)

كذلك يبرز اسم د. مصطفى السعيد وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية (1982) في وزارة د. فؤاد محيي الدين الثانية. ويأتي أيضاً السيد علي السيد (1985) ووليم نجيب سيفين (1985) في وزارة د. علي لطفي. وجاء أمين الحزب الوطني في الإسكندرية د. زكي أبو عامر (1993) وزيراً لشؤون مجلسي الشعب والشورى ثم التنمية الإدارية

وبرزت قيادات عمالية لتدخل الوزارة، مثل سعد محمد أحمد وعاصم عبد الحق (1986) وأحمد العماوي (1993). وقدمت القوات المسلحة عدة وزراء بينهم وزراء مجلس قيادة الثورة، واللواء حسين صدقي الذي اختير وزيراً للإسكان في حكومة كمال حسن علي

وقد يتم اختيار الشخص لمنصبٍ وزاري لأسبابٍ تبدو غامضة، على الأقل في ظاهرها
اللواء حسن أبو باشا فوجىء بضمه إلى وزارة د. فؤاد محيي الدين التي تشكلت في أول يناير 1982، وقد أبلغه بالخبر اللواء نبوي إسماعيل الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية. فلما سأل أبو باشا عن أسباب اختياره وزيراً للداخلية، قيل له إن ذلك يعود لاعتباراتٍ داخلية عدة تحتم هذا الاختيار

وللصداقة دورٌ في التوزير

واستفاد د. عاطف صدقي من شلة باريس، وبينهم د. أحمد فتحي سرور (التربية) ود. محمد الرزاز (المالية) وفاروق حسني (الثقافة). فأما د. سرور فقد فشل في موقعه كوزير للتربية في الفترة من 11 نوفمبر تشرين ثانٍ 1986 إلى 12 ديسمبر كانون ثانٍ 1990، وقيل أيامها إنه صاحب بدعة الدفعة المزدوجة التي ضاعفت من قوة الدروس الخصوصية وأباطرتها في مصر
أما د. الرزاز فقد كان صديقاً مقرباً من د. صدقي حتى قبل الوزارة، وكثيراً ما كانا يقضيان أوقات فراغهما في لعب الطاولة (النرد). والطريف أن د. الرزاز كان أول من استدعاه د. صدقي عندما علم بنبأ تكليفه بتأليف الحكومة في مطلع يناير كانون ثانٍ 1986، وجلس معه نحو نصف ساعة في مجلس الوزراء قبل أن يتوافد عدد من الوزراء الذين اشتموا رائحة التغيير الوزاري ورأوا أنه من الضروري أن يذهبوا إلى د. صدقي لمعرفة الخبر اليقين
ويبقى اسم د. الرزاز في ذاكرة المصريين مرتبطاً بالضرائب والجمارك والدمغات التي أرهقتهم إلى حدٍ كبير، علماً بأنه صاحب أطول فترة قضاها وزير مالية في المنصب ، إذ شغل هذا الموقع 10 سنوات كاملة منذ حكومة د. عاطف صدقي في 1986 وحتى 1996


والأمر كما يرى الجميع في حال الوزير "الفنان" فاروق حسني، الذي ارتبط عهده كوزير - بدءاً من 1987- بحريق قصر ثقافة بني سويف (2005) وحريق المسرح القومي (2008)، وقضايا الآثار الكبرى وتهريب الآثار للخارج، وسرقة المتحف الإسلامي والمتحف المصري ودار الكتب
على أن د. صدقي عاد بعد سنواتٍ طويلة ليتبرأ من اختياراته، إذ أكد -ربما نتيجة خلافاته مع وزير الثقافة- أنه لم يكن صاحب اختيار فاروق حسني لهذا المنصب بشكلٍ مباشر، وقال إنه كان قد وضع اسم فاروق حسني في الترتيب الرابع أو حتى الخامس بعد أسماء أخرى رشحها قبل أن يحسم الرئيس مبارك الأمر ويختار فاروق لهذا المنصب من بين البدائل المطروحة أمامه

وكان د. عاطف صدقي مولعاً بالاستفادة من قدامى البيروقراطيين، وهكذا استفاد من أحمد رضوان كوزير لشؤون مجلس الوزراء ومحمد فؤاد اسكندر كوزير دولة لشؤون الهجرة (1987) وموريس مكرم (1987) وزير دولة للتعاون الدولي. ولقد اختار د. صدقي لمنصب وزير الصحة د. علي عبد الفتاح المخزنجي (1993) عميد طب عين شمس السابق، وتربطهما معاً صلة نسب ومصاهرة. كما جاء أساتذة جامعة متقاعدون أو على وشك التقاعد إلى الوزارة، مثل د. فينيس كامل جودة وزيرة دولة للبحث العلمي (1993)، ود. ماهر مهران وزير دولة لشؤون السكان والأسرة (1993)
الشللية والصداقات التي تقود إلى مقعد الوزارة، لم تكن وليدة الأمس القريب.. وإنما البعيد أيضاً

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator