المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

إعصار في استاد القاهرة



أول القصيدة إنكار

ففي الطريق إلى المباراة الأولى، نفت آلة الإعلام في مصر واقعة الاعتداء على حافلة المنتخب الجزائري[1]، وزاد عليها اتحاد الكرة المصري بالقول إن لاعبي الجزائر هم الذي حطموا نوافذ الحافلة من الداخل وأصابوا أنفسهم لافتعال أزمة[2].
ترويج إعلامي لرواية غير صحيحة، علمـًا بأن ثلاثة من أعضاء الاتحاد الدولي (الفيفا) كانوا يستقلون سيارة خلف الحافلة، ومعهم ممثلون عن التليفزيون الفرنسي، وهؤلاء سجلوا ما حدث وصوروه. الحادث الذي نلمس فيه أيضـًا تقصيرًا في إجراءات الأمن اللازمة[3]، دفع الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة إلى إجراء اتصالين هاتفيين بالرئيس المصري آنذاك حسني مبارك، ليطمئن مبارك نظيره الجزائري بأنه سوف يتخذ جميع الإجراءات الأمنية الكفيلة لحماية الفريق الجزائري وأنصاره.

الغريب أن الإعلام المصري لم يسكت فقط عما جرى للحافلة، لكنه تجاهل أيضـًا ما جرى للمشجعين الجزائريين في مصر، الذين تقول وزارة الصحة المصرية إن 20 منهم أصيبوا بجراح مقابل 12 مصابـًا مصريـًا، في حين سجلت السفارة الجزائرية أن عدد المصابين 51 وقالت إن أحد المصابين الجزائريين طُعن بمطواة في بطنه[4].

هذا الإنكار الذي بدا نوعـًا من المكابرة، دفع كاتبـًا لبنانيـًا إلى أن يقول "أنا خجول بما حدث في مصر. أو بما قيل إنه حدث في مصر. أو بما نفي أن يكون قد حدث في مصر. أي أن تتحول مباراة "رياضية" إلى رشق بالحجارة، وتكاد تشعل حربـًا بين بلدين"، مؤكدًا أنه "لم يكن أبشع من الحجارة المصرية على الفريق الجزائري سوى بعض التعابير والمقالات في بعض صحف الجزائر. ولم يكن أبشع من أقوال المستفتين في الشارع المصري سوى أقوال العابرين العابسين والغاضبين في الشارع الجزائري"[5].

وإذا كان الإعلام المصري في أغلبه قد أنكر الواقعة، فإن صحيفة "الشروق" الجزائرية على سبيل المثال كتبت في المانشيت الرئيسي صبيحة يوم مباراة القاهرة في 14 نوفمبر: "اللاعبون المصابون في الاعتداء يتعهدون: حقرونا.. وسنحول حجارتهم إلى أهداف". العناوين الأخرى في الصفحة الأولى شملت: "الشروق كانت شاهدة على حادثة الاعتداء على الخضر: ليلة مشؤومة واجتماع عاصف"، "الرئيس بوتفليقة اتصل بالبعثة مرتين وروراوة رفض استقبال زاهر"، "رفيق حليش: الدم الجزائري غال ولن يذهب هدرا"، "كريم زياني: ضربونا وشتمونا لكننا سنفوز.. وتحيا الجزائر"[6]. وفي الصفحات الداخلية نقرأ عنوانـًا مفاده: "فضيحة "بجلاجل" تلاحق مصر وشهود زور لاغتيال حقيقة الجريمة"[7]!، وعنوانـًا ثانيـًا: "رغم استفزازكم.. سننتصر.. موتوا بغيظكم"[8]، وثالثا يقول: "السطايفية يبكون لدماء لموشية وزملاءه ويصرخون.. "ما دمتم تحسنون الرشق بالحجارة لماذا لا تحاربون الكيان الصهيوني؟"[9].

وتحت عنوان "فعلها أشباه الأنصار!" نقرأ ما يلي: "ما حدث للفريق الوطني أثناء دخوله للأراضي المصرية أوضح بشكل صارخ أن بعض المصريين فعلوها واستجابوا لنصيحة السيد زاهر الخبيثة"[10].

وأكد جمال لعلامي أن "هناك تواطؤ في مصر سهّل الاعتداء السافر على المنتخب الجزائري"، قبل أن يقول "على الجزائر أن تتحرك الآن، وقد انتقل مصريون  من مرحلة التلفيقات والإساءات والاستفزازات والسب، والغارات الفضائية على شهدائنا وثورتنا ولغتنا ورموز الدولة ورئيسنا وصحافتنا، إلى مرحلة الاعتداء  والضرب والإجرام"[11].

أما المدير العام مسؤول النشر في جريدة "الشروق" علي فضيل فقد كتب تحت "عنوان التفوق"، قائلا إن "أشقاءنا المصريين لم يتخلصوا بعد من "عقدة" التفوق المصري التي تمثلها مقولة "مصر أم الدنيا" وأن مصر - الشقيقة الكبرى- لا يجب أن "تزعل". وأضاف أنه "عندما تنطع أحد الإعلاميين المصريين الموتورين عقب مباراة الجزائر ورواندا، وتقيأ كلاما مهينا للجزائر والجزائريين، قال لنا بقية الزملاء المصريين: "لا مؤاخزة.. دا عيّل صايع لا يمسل الإعلام المصري". وأضاف: "لكن العدوان الذي تعرض له الفريق الوطني بعد وصوله القاهرة أمس والهبة الإعلامية المصرية الشاملة لطمس الحقائق وتضليل الرأي العام تركتنا مشدوهين مذهولين من الصدمة"[12].

الصحف المصرية شحذت أسلحتها أيضـًا صبيحة يوم مباراة القاهرة، وظهرت عناوين في الصفحة الأولى من عينة "يا منتخبنا فجّر إعصارك.. كأس العالم في انتظارك"[13]. وقبلها بأيام نقلت عن المهاجم المصري محمد زيدان قوله: "سنحرق قلب الجزائريين بعد الفوز عليهم في استاد القاهرة كما حرقوا علم مصر"[14].

عواطف وعواصف، أنست كثيرين أن اللقاء الكروي المرتقب بدأ بعزف السلام الوطني المصري الذي لحنه عبقري التلحين في مصر سيد درويش، قبل أن يبدأ عزف السلام الجمهوري الجزائري الذي لحنه الملحن المصري محمد فوزي وكتب كلماته الجزائري مفدي زكريا[15].

لنتوقف قليلا مع مشاهد داخل استاد القاهرة أثناء لقاء منتخبي مصر والجزائر، كما رواها شاهد عيان[16].

كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة، حين طلب المذيع الداخلي من الجماهير أن تصمت لرفع الأذان، فساد الصمت للحظات لتعود المدرجات الملتهبة إلى ثورتها العارمة المزدانة بعلم مصر، ليعود بعدها المذيع بدعوة الجماهير لترديد فاتحة الكتاب وراءه لتكرار ما حدث عام 1989. يستجيب الجمهور، ثم يعاود المذيع ترديد "قل هو الله أحد"، ثم يهتف "الله أكبر" ثم "يا رب"، والجمهور وراءه، لدقائق.

 وإذا كان الدين حاضرًا طوال اللقاء فإن السياسة لم تغب، ولعب المذيع الداخلي الدور نفسه بترديد اسم مبارك، راعي الرياضة - كما قال- لاصطياد تصفيق الجماهير، وقد نجح في ذلك لكنه لم يفلح في انتزاعه عند ذكر اسم نجليّ الرئيس المصري حينذاك، ليسود صمت مع استهجان ضعيف من المدرجات، وعلى المنوال نفسه استقبلت الجماهير حسن صقر، رئيس جهاز الرياضة في مصر، وإذا ما قارنت ما حصده محمد أبوتريكة أو نجوم المنتخب من تصفيق فالفارق شاسع كما هو بين الأرض والسماء.


"دعاء الساعات الحاسمة: يا رب"[17].

جمهور.. يشتم ثم يطلب مددًا من السماء!

إنه الجمهور المصري، فهو متقلب، يخدعك، لا تستطيع أن تتصور ردود فعله، هكذا بدا طوال المباراة، يغضب، يحزن، يهتف، يشتم، يصفق، يلعن، يفرح، بدأ بهتاف "كل الناس بيقولوا يارب" لكنه لم يتوان عن سباب جماهير الجزائر ودولتهم، وبعبقرية يحسد عليها قام بتأليف هتافات وشعارات يخجل القلم من كتابتها منها تحريف لأغنية "دقوا المزاهر"، وكان مؤدبـًا جزئيـًا عندما قال بكل حرارة "واحدة واحدة تاتا.. الجزائر هتشيل تلاتة".

إنهم حقـًا  "المصريون الرائعون وتناقضاتهم القاسية"[18]!

"المنتخب يهدي مصر وردة التحية في الدقيقة الأولى وقبلة الحياة في اللحظة الأخيرة"[19].

هكذا أعلنت الصحف المصرية صبيحة اليوم التالي للمباراة[20]، بعد اقتناص فوز صعب جعل الفريقين بحاجة إلى مباراة فاصلة، وسط ارتباك البعض في التقدير، قبل أن يتضح أن الفيفا لم يعتمد قاعدة احتساب الهدف خارج الأرض بهدفين لكسر التعادل، في لوائحه المنظمة للتصفيات المؤهلة لمونديال جنوب إفريقيا[21].

فرحة طاغية في مصر، قابلها بركان غضب في الجزائر، التي كانت تغلي تحت وقع مانشيت صحيفة "الشروق": "الخضر يحطمون غرور الفراعنة.. والحسم في الخرطوم"[22]، قبل أن تختار الصحيفة نفسها عناوين أخطر في اليوم التالي: "شهود عيان يكشفون لـ "الشروق" سقوط ضحايا وحجار ينفي: مناصرو الخضر قضوا ليلة رعب في القاهرة"، "لقنت مواطنا جزائريا الشهادة وهو يلفظ أنفاسه بالفندق: "رضا سيتي 16" يروي لـ"الشروق" تفاصيل العدوان"، "الشروق ساهمت في تحرير 400 جزائري بعد محاصرتهم داخل الملعب"، "الأمن المصري تعمد نقل حافلات المناصرين للأحياء الشعبية للاعتداء عليها"[23].

وصدرت تصريحات نارية عن وزير التضامن الوطني والأسرة الجزائري جمال ولد عباس الذي كان ضمن البعثة الجزائرية في مباراة القاهرة، إذ قال في حديث صحفي: "هجموا علينا كالوحوش وبحوزتنا شريط فيديو يكشف العدوان" و"كنا ضحية مسرحية أبدعت أبدعت السلطات المصرية في لعب أدوارها بكل نفاق" و"لم نسلم حتى في المنصة الشرقية ولجأوا إلى التصفير خلال عزف النشيد الوطني قبيل المباراة"[24]. وفتحت صحف جزائرية بابـًا للنواح المبالغ فيه، فنقلت - على سبيل المثال- عن أحد المشجعين الذين حضروا لقاء القاهرة قوله: "جوّعونا وتبولوا علينا وأحضروا لنا الرقاصات ليشوهوا سمعتنا"[25].

وظهر على الساحة ناشرو الصحف الجزائرية الذين أصدروا بيانـًا أدانوا فيه "أعمال العنف التي ارتكبت في حق الجزائريين والجزائريات بالقاهرة، والتي مست بالكرامة الوطنية، أمام مرأى ومسمع السلطات المصرية المتواطئة"، كما شجبت "هذه الأفعال الهمجية المبيّتة والإجرامية المخطط لها، منذ وصول الفريق الوطني لكرة القدم إلى القاهرة"[26].
وإذا كان أول خروج على قواعد "العراك الكروي" من نصيب الإعلام الرياضي المصري قبل أن تنساق الصحافة الجزائرية إلى لعبة التحريض، فإن الجماهير الجزائرية نقلت التجاوزات إلى مستوى أسوأ
 
هوامش

[2]  إيهاب الفولي ومحمد يحيى، اتحاد الكرة يرسل إلى "الفيفا" ملفا بأدلة "فيلم الجزائر"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 14 نوفمبر 2009.
[3]    John Leicester; Associated Press, Egypt-Algeria: When Fair Play Died, New York Times, http://www.nytimes.com/aponline/2009/11/17/sports/AP-SOC-John-Leicester-171109.html, November 17, 2009.
[4]  فهمي هويدي، بعد صدمة الخرطوم: الخطايا العشر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 1 ديسمبر 2009.
[5]  سمير عطا الله، حروب الكرة، جريدة "الشرق الأوسط"، لندن، 17 نوفمبر 2009.
[6]  ___________، اللاعبون المصابون في الاعتداء يتعهدون: حقرونا.. وسنحول حجارتهم إلى أهداف، جريدة "الشروق"، الجزائر، 14 نوفمبر 2009، ص 1.
[7]  جمال لعلامي، فضيحة "بجلاجل" تلاحق مصر وشهود زور لاغتيال حقيقة الجريمة، جريدة "الشروق"، الجزائر، 14 نوفمبر 2009، ص 5.
[8] رشيد فيلالي، رغم استفزازكم.. سننتصر.. موتوا بغيظكم، جريدة "الشروق"، الجزائر، 14 نوفمبر 2009، ص 20.
[9]  سمير منصوري، السطايفية يبكون لدماء لموشية وزملاءه ويصرخون.. "ما دمتم تحسنون الرشق بالحجارة لماذا لا تحاربون الكيان الصهيوني؟"، جريدة "الشروق"، الجزائر، 14 نوفمبر 2009، ص 21.
[10]  _________، فعلها أشباه الأنصار!، جريدة "الشروق"، الجزائر، 14 نوفمبر 2009، ص 2.
[11]  جمال لعلامي، بص.. حرامية ونص!، جريدة "الشروق"، الجزائر، 14 نوفمبر 2009، ص 4.
[12] علي فضيل، عقدة التفوق، جريدة "الشروق"، الجزائر، 14 نوفمبر 2009، ص 2.
[13] بليغ أبو عايد ووائل عباس، يا منتخبنا فجّر إعصارك.. كأس العالم في انتظارك، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 14 نوفمبر 2009.
[14]  محيي وردة ومحمد، اتحاد الكرة يختار "السودان" لـ"المباراة الفاصلة" وزيدان يتعهد بحرق قلوب الجزائريين،  جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 11 نوفمبر 2009.
[15] سارة سند، ٥٠ عاما بين تلحين محمد فوزي للنشيد الوطني الجزائري.. ومعركة ١٤ نوفمبر، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 13 نوفمبر 2009.
[16] علاء الغطريفي، مذيع الاستاد فشل في انتزاع التصفيق لجمال وعلاء مبارك.. وسائق تاكسي رئيسًا للوزراء، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 16 نوفمبر 2009.
[17] __________، دعاء الساعات الحاسمة: يا رب، مصدر سابق.
[18]  ياسر أيوب، المصريون الرائعون وتناقضاتهم القاسية، موقع "اليوم السابع" الإلكتروني، 11 نوفمبر 2009.
[19]  محيي وردة، المنتخب يهدي مصر وردة التحية في الدقيقة الأولى وقبلة الحياة في اللحظة الأخيرة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 15 نوفمبر 2009.
[20]  في هذا اللقاء، فاز منتخب مصر على منتخب الجزائر بهدفين دون مقابل، أحرزهما عمرو زكي وعماد متعب، ليتساوى الفريقان في النقاط وفارق الأهداف، ويتم الاحتكام إلى مباراة فاصلة لتحديد هوية المنتخب المتأهل عن تلك المجموعة إلى كأس العالم في جنوب إفريقيا عام 2010.
[21] ________, Regulations 2010 FIFA World Cup South Africa, FIFA.com, http://www.fifa.com/mm/document/tournament/competition/fifa_wc_south_africa_2010_regulations_en_14123.pdf, FIFA, Zurich, July 2007, p. 21, §17.6.
[22]  الخضر يحطمون غرور الفراعنة.. والحسم في الخرطوم، جريدة "الشروق"، الجزائر، 15 نوفمبر 2009، ص 1.
[23]  ____________، شهود عيان يكشفون لـ "الشروق" سقوط ضحايا وحجار ينفي: مناصرو الخضر قضوا ليلة رعب في القاهرة ، جريدة "الشروق"، الجزائر، 15 نوفمبر 2009، ص 1.
[24]  سميرة بلعمري، وزير التضامن جمال ولد عباس ينقل لـ"الشروق" شهاداته حول الجحيم بالقاهرة: "هجموا علينا كالوحوش وبحوزتنا شريط فيديو يكشف العدوان"، جريدة "الشروق"، الجزائر، 17 نوفمبر 2009، ص 3.
[25]  نوال بليلي، شاهد عيان من مناصري الخضر يفضح بطش المصريين: جوّعونا وتبولوا علينا وأحضروا لنا الرقاصات ليشوهوا سمعتنا، جريدة "الشروق"، الجزائر، 18 نوفمبر 2009، ص 6.
[26]  محمد مسلم، ناشرو الصحف ينددون ويطالبون الدولة بحفظ كرامة الجزائر، جريدة "الشروق"، الجزائر، 17 نوفمبر 2009، ص 3.
تابع القراءة

gravatar

مصر والجزائر.. المصائر


"نحن في منتهى الغرابة والسذاجة أو منتهى التطرف في مشاعرنا.. إما أن نستقبل الجزائريين بالطوب والحجارة كما في مباراة القدم وإما أن نستقبلهم بالورود والأحضان والقبلات كما جرى في بطولة اليد.. كأنه حرام علينا أن نكون طبيعيين وموضوعيين.. لا نشتم ولا نضرب ولا نجرح ولا نهين أحدًا ونحترم الجميع.. ولكننا في نفس الوقت نغالي بشكل ساذج وفج فنرقص طربـًا فجأة في حضور من كنا قبل قليل لا نريد أن نراهم ولا نريد حتى أن نلعب معهم"[1]



الحماقة هذه المرة رياضية الطابع.

فقد شهدت العلاقات المصرية- الجزائرية مراحل صعود وهبوط منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين وصولا إلى يومنا هذا. وحين يحاول صنّاع القرار في الدولتين دفع هذه العلاقات اليوم نحو معطيات الواقع فإنهم يجدون أنفسهم امام تحديات كبرى عنوانها الأبرز هو تراجع دور الدولة – على الجانبين- في دوائرها الثلاث، المحلية والإقليمية والعالمية.

ومرت العلاقات بين البلدين بمحطات فاصلة معلنة، وأخرى ظلت متوارية، وواجهت تلك العلاقات أزمات ثلاث، يعود أولها إلى السنوات الأولى من استقلال الجزائر، وذلك حين اختارت مصر أن تقف إلى جانب الرئيس أحمد بن بلة باعتباره قيادة شرعية بعد ما يعرف في الأدبيات الجزائرية بالتصحيح الثوري، وبالانقلاب عند بعض المحللين وحتى الجزائريين في السنوات الأخيرة. لقد اعتبرت القاهرة بقيادة عبد الناصر يوم 19 يونيو 1965 - تاريخ الانقلاب الأبيض، الذي أوصل بو مدين إلى الحكم والرئيس بن بلة إلى الإقامة الجبرية لسنوات- فشلا للدور المصري في الجزائر بعد الاستقلال، فأصاب العلاقات الثنائية نوع من الفتور انتقل سريعـًا إلى خانة التوتر فالقطيعة[2].

وتعرضت العلاقات المصرية- الجزائرية لأزمة ثانية في أعقاب إبرام مصر معاهـدة "كامب ديفيد" مع إسرائيل، قبل أن تقع الأزمة الثالثة: صراع في ملاعب الكرة انتقل إلى ملاعب الحياة.

في الأزمتين، الجزائرية - المصرية الخالصة والثانية العربية - المصرية العامة، كان مجال الخلاف والتوتر، الفضاء السياسي على مستوى القادة، ولكن منذ نوفمبر 2009 تحول الخلاف إلى محنة أصابت العلاقات بين الشعبين بصدع يتطلب رأبه جهودًا كبيرة ووقتـًا ليس بالقصير. مواجهة كروية انحرفت عن معناها الرياضي لتؤسس لعداوة بين الشعبين المصري والجزائري، وعاصفة غضب مرتبطة أساسا بالأقدام، لكنها أضاعت العقول وأساءت إلى كرامة دولتين كبيرتين. الأزمة هذه المرة لم تكن على مستوى السياسات العليا، لكنها أزمة من نوع جديد تقود فيه الشعوب الدول. ليس بالمعنى الديمقراطي (حكم الشعوب) ولكن بمعنى السير وراء فوضى العواطف[3].



في ظل هذا الجو الغوغائي، انتقلت أزمة مباراة في الكرة من جمهور المدرّجات إلى كواليس الحكام، ومن اللعب إلى السياسة، في تسييس مراوغ يدغدغ عواطف الغوغاء وغرائز القتال لدى جماهير لا تستمع إلا إلى هدير عواطفها الغاشمة. وإذا كانت الأزمة كشفت عن اتجاه الدولتين نحو تسييس الرياضة – خصوصـًا لعبة كرة القدم- وهو اتجاه يضر بالاثنتين معـًا، السياسة والكرة، فإن الأزمة كشفت أيضـًا عن مخزون من الغضب والإحباط لدى شريحة عمرية من الشعبين المصري والجزائري (الشباب)، كانت مباراة الكرة فقط فرصة للتفريج عنها ولكنها مختزنة ويمكن أن تنفجر في أي وقت. وهنا يكون من المهم مراجعة الموقف ووضع استراتيجية لدفع هذه الشريحة العمرية إلى الانخراط في الحياة العامة والمشاركة فيها[4].

ينبغي أن نفهم أن ما حدث كان زلزالا كبيرًا يتجاوز في أبعاده حدود المنافسة في مباراة لكرة القدم.

ولعل ما جرى بين الشعبين المصري والجزائري بسبب مباراة يعكس حجم مخزون الحساسية ولا نقول الكراهية بين البلدين، وهو "أمر يدعو إلى الحزن والتأمل في وقتٍ واحد، ويؤكد أن درجة سوء الفهم عالية بين البلدين، وأن هناك عددا من العوامل المركبة التي تتحكم في طبيعة العلاقات بين القطرين الشقيقين، فالحساسيات متزايدة والمخاوف متبادلة كما أن حالة من التربص قد امتدت من مجال كرة القدم إلى مجالاتٍ أخرى بين البلدين الشقيقين، وهو أمر مؤسف لما له من دلالات سلبية ومؤشرات مرفوضة"[5].

والعجيب أن تكون نار الكرة قد تسببت في هذا الغضب العارم في مصر والجزائر، في حين لم يحدث شيء من هذا في أزمات بين مصر ودول عربية وأجنبية أخرى. وعلينا أن نتذكر - على سبيل المثال لا الحصر- الاشتباكات الدموية التي حدثت بين مصريين وكويتيين في منطقة خيطان، وأدت لأعمال تخريب، ومثلها حدث في ليبيا بين مصريين وليبيين، وكلها تخللتها أعمال قتل وترتبت عليها محاكمات انتهت إلى لا شيء، ومشكلات أخرى تكررت في حي المهندسين في القاهرة أدت إلى مقتل أكثر من عشرة لاجئين سودانيين معظمهم من الجنوب، ومعارك في العاصمة الخرطوم بين سودانيين ومصريين وتدخل الشرطة ضد المصريين، وخلافات مع السعودية بسبب عقود العمل ومحاكمة مصريين بتهم مختلفة، ومشكلة مع ألمانيا بسبب مقتل مروة الشربيني أعقبتها مظاهرات واحتجاجات، ومع إسرائيل التي قتلت جنودًا وضباطـًا لنا[6].

هنا قد نجد من قطع خطوة إضافية فقال: "سكت النظام إذن عن المقتولين المصريين في العراق والمجلودين في السعودية والمطرودين في ليبيا وعن المضروبين في الجزائر.. فكانت الخرطوم"[7]!

الأزمة الكروية بين مصر والجزائر انتهت، أو في أضعف الأحوال تراجعت، وقد يجادل البعض بأنه آن الأوان للأعصاب المتوترة والنفوس المشحونة أن تهدأ، ولكن الأخطر في نظرنا أنها كشفت مدى جهل المجتمعين المصري والجزائري ببعضهما البعض، ومدى مغازلة السلطة هنا وهناك لجماهير تتسم سلوكياتها وردود فعلها بالغوغائية والاندفاع غير المدروس.



في البداية، كان شحن المشاعر انتظارًا للحدث السعيد بالتأهل إلى مونديال جنوب إفريقيا، بعد غياب استمر 20 عامـًا بالنسبة لمصر و24 عامـًا بالنسبة للجزائر. وبعد بداية متعثرة، استهلها المنتخب المصري بالتعادل على أرضه أمام منتخب زامبيا بهدف لكل منهما، والخسارة أمام الجزائر على استاد مصطفى تشاكر في البليدة في 7 يونيو 2009 بنتيجة 3-1، تمكن المنتخب المصري من تحقيق الفوز في مبارياته الثلاث التالية في المجموعة، لتصبح مباراته مع الجزائر في القاهرة ذات طابع خاص.. فإما الفوز بفارق هدفين على الأقل، أو الإعلان عن حجز الجزائر بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2010.

 عند هذه النقطة الفارقة من مشوار المنتخبين في التصفيات، أقيمت في الفضائيات خاصة ووسائل الإعلام بشكل عام سوق كرة القدم التي تشحن الجماهير بأمل الفوز والتأهل على حساب المنتخب المنافس. اندلعت شرارة الأزمة المباراة التي جمعت الجزائر ورواندا، حين أطلق عمرو أديب مقدم برنامج "القاهرة اليوم" على قناة "أوربت" الدعاء الشهير "يا رب نكِّد على الجزائريين"، وتساءل في هذه الحلقة عن سر الكراهية التي يكنّها الجزائريون للمصريين في مباريات كرة القدم تحديدًا. بعد هذا التصريح، اندلعت الصيحات الغاضبة من الجمهور والإعلام الجزائري على حد سواء ضد عمرو أديب باعتباره ممثلا للإعلام المصري وضد شبكة "أوربت" التي أمّنت له منبرًا لإطلاق هذه الكلمات[8].

وانتهزت أبواق في الإعلام المصري إمكانية الفوز الصعب على الجزائر في شحن استمر عدة أسابيع، وصوَّرت الأمر على أنه حلم ينقلب إلى حقيقة، بدعوى أن الجمهور المتحمس لفريقه هو أداته للنصر المؤزر. وفي صحيفة "الغارديان" البريطانية، قال الكاتب محمد الدهشان إنه "في اليومين السابقين للمباراة، احتفل مصريون كأنهم فازوا بالفعل"[9].

في بيزنس الصراع الكروي بين مصر والجزائر، برز لاعبون مؤثرون خارج المستطيل الأخضر، من سياسيين يصرفون الأنظار عن ألعابهم، وشركات من كل نوع، من رجال الأعمال نزولاً إلى صناع الأعلام والشارات والصور ورعاة المباريات من شركات المياه الغازية والاتصالات، وأخيرًا قنوات فضائية تبحث عن إعلانات الرعاة[10]. ودخل رجال الأعمال على الخط، حين قال رئيس اتحاد الكرة المصري سمير زاهر إنه اتفق مع أكثر من عشرين رجل أعمال على دعم المنتخب بمكافآت مجزية في حالة الفوز باللقاء والتأهل للمونديال[11].

وانساق الإعلام قبل مباراة القاهرة في 14 نوفمبر 2009 في شحن الجماهير تارة تحت شعار رومانسي "في حب مصر"، وتارة أخرى تحت شعار به نزعة استعلاء "مصر فوق الجميع"، مع مسحة دينية صاحبت الحجيج إلى الاستاد تجلت في ابتهال صوفي عنوانه "لا  إله إلاَّ الله.. منتخب الساجدين حبيب الله".. وتحدث مصدر كنسي عن صلاة البابا شنودة الثالث، بطريرك الأقباط الأرثوذكس، من أجل فوز مصر في المباراة[12]. وفي الخلفية كانت الأغاني الوطنية والحماسية التي لازمت الأحداث الكبرى في تاريخنا المعاصر تجعل من المباراة مشروع مصر القومي، ومن لاعبيها رموز الكرامة الوطنية، انتصارهم هو المجد لمصر والمنجاة لها من عثراتها، وخسارتهم ليست في حسبان أحد[13]. تحول الأمر إلى حدث قومي، يستدعي الهتاف "يا ليالي يا ليالي يا ليالي.. والحضري السد العالي"، وإذاعة الأغاني الوطنية الشهيرة، حتى داخل حافلة المنتخب المصري[14]، فيما وزع مسؤولو اتحاد كرة القدم المصري كلمات أغنية "يا حبيبتي يا مصر" على الجماهير لترديدها بصوت جماعي[15]، لتستبدل لاحقـًا مشاهد الجنود في لحظات النصر التي كانت تذاع مع مثل تلك الأغاني بمشهد اللاعب عماد متعب أثناء إحرازه الهدف الثاني في لقاء القاهرة[16].

لا صوت خارج سياق التعبئة الكروية.

الرئيس المصري السابق حسني مبارك نزل بنفسه من مقره الرئاسي ليحضر تدريبـًا للمنتخب المصري قبل المباراة بساعات، ويتحدث إلى اللاعبين بصيغ الحث والشحن، ما أشعر البعض بأننا مقبلون على معركة حربية لا مباراة كرة قدم[17]. أما الجزائر فقد أرسلت طائرة تقل 200 نائب وثلاثة وزراء لحضور المباراة[18]، في تمثيل سياسي وبرلماني من العيار الثقيل.

التنافس في ظل هذه المبالغة ألغى الذاكرة المتبادلة واختزل مصر في منتخب كرة القدم واللون الأحمر، كما اختزل الجزائر في فريقها الكروي واللون الأخضر، وهذا الاختزال المخل هبط بمستوى الإدراك، كما أنه صغّر كثيرًا من البلدين وهوّن من شأنهما، ما أوقعنا في "مصيدة التفاهة".

هوامش

[1]  ياسر أيوب، كرة القدم.. وحرب أهلية جديدة في مصر، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 19 فبراير 2010.
[2]  خالد عمر بن ققه، العلاقات الجزائرية - المصرية... ثلاثة توترات في خمسين سنة، جريدة "الحياة"، لندن، 10 يوليو 2010.
[3]  وائل عبد الفتاح، دول الغرائز، جريدة "الأخبار"، بيروت، 2 ديسمبر 2009.
[4]  د. حمدي صالح، الأزمة وصوت العقل، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 28 نوفمبر 2009.
[5]  د. مصطفى الفقي، الفراغ القومي.. مباراة مصر والجزائر، جريدة "الحياة"، لندن، 24 نوفمبر 2009.
[6]  حسنين كروم، هل سيهاجم أعداء عروبة مصر في الحزب الحاكم "مبارك"؟، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 25 نوفمبر 2009.
[7]  إبراهيم عيسى، الكرامة المهدرة.. مَنْ المسئول عما حدث للجماهير المصرية في السودان ؟، 20 نوفمبر 2009، جريدة "الدستور"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[8]  محمد عبد الرحمن، عمرو أديب رأس الفتنة الجزائرية- المصرية، جريدة "الأخبار"، بيروت، 21 نوفمبر 2009.
[10] عزت القمحاوي، مصر والجزائر.. قراءة في بيزنس الحرب، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 17 نوفمبر 2009 .
[11] محيي وردة، علاء وجمال مبارك يساندان المنتخب.. بلاتر لن يحضر.. وزاهر يحشد رجال الأعمال، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 10 نوفمبر 2009.
[12]  محيي وردة وعمرو بيومي، شحاتة يطلب "بلياردو وبلاي ستيشن" لتهدئة لاعبيه.. والبابا شنودة يصلي للفوز.. وصحيفة جزائرية تتهم مصر بـ"السحر"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 17 نوفمبر 2009.
[13] حمدي قنديل، أطالب وزير الإعلام بالاستقالة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 7 ديسمبر 2009.
[14]  محمد ربيع ومحمد مراد، الأغاني الوطنية حيلة شحاتة لاستنفار طاقة اللاعبين، موقع "اليوم السابع" الإلكتروني 13 نوفمبر 2009.
[15]  __________، دعاء الساعات الحاسمة: يارب، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 15 نوفمبر 2009.
[16]  ولاء نبيل، الأغاني الوطنية غذاء للتعصب.. ودعوة للشحن، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 18 نوفمبر 2009.
[17]  علاء الغطريفي، ١٤ نوفمبر .."تكوير" السياسة، جريدة "المصري اليوم"، مصدر سابق.
[18]  رمضان بلعمري، اقتراح عربي بمنع حضور السياسيين والفنانين مباريات الجزائر ومصر، موقع العربية نت، http://www.alarabiya.net/articles/2009/11/23/92112.html، دبي،  23 نوفمبر 2009.
تابع القراءة

gravatar

اقرأوا.. يرحمكم الله


تلك الأبواب المغلقة التي أمامنا، لن تفتح إلا بمفتاح العلم والمعرفة.
المعرفة وعي، يقودنا إلى فهم أعمق للحياة والحضارات والأمم، والقراءة هنا هي الخطوة الأولى على طريق تحصيل العلم وإثراء العقل في مواجهة تراجعنا، الذي لا يخفى على أحد.
دعونا نقرأ، ونفهم، ونبحث، ونترجم، حتى نتقدم ونتطور ونواجه مشكلاتنا بنضج أكبر، وقدرة أكثر تأثيرا على مجتمعاتنا وعالمنا.
 هنا، يجب أن نضع تحت كلمة القراءة خطوطا كثيرة.. فالمطلوب هو القراءة الجادة من الكتب المفيدة؛ لأن المشكلة لا تتعلق فقط بفكرة: ماذا تقرأ، وإنما ترتبط أيضـًا بسؤال: كيف تقرأ؟
أن نقرأ، يعني ببساطة أن نصبح فاعلين في مجتمعاتنا، إيجابيين في مواقفنا، وحكماء في قراراتنا.
القراءة فريضة.
اقرأوا، يرحمكم الله.
اقرأوا، واكتبوا، وابحثوا في أمهات الكتب والمراجع الأساسية، ولا تغفلوا أحدث الدراسات والإصدارات، وناقشوها بعقول متفتحة وواعية تقبل تعدد الآراء وتحترم الاختلاف في الرأي، وخذوا منها ما ينهض بالأمة، ويسهم في التغيير والتطوير؛ لأننا ببساطة ندرك واقع الحال، ونعلم أنه لا خلاص لنا كأفراد وأمم إلا بالعلم والمعرفة، والعمل والأمل.
إن أول العلاج هو المواجهة مع النفس والوقائع، والقراءة الواعية مثل الكتابة الرصينة: سعيٌ إلى استنهاض الأمة، وتنبيه إلى العطب الذي أصاب كيان المجتمع والوطن، وعمل على رسم معالم طريق الإصلاح، وقرع لأجراس الوعي والمعرفة بما يهدد كياننا ووجودنا من مخاطر؛ لأنه لا سبيل لنا للخلاص إلا بحسن الفهم ودقة التخطيط وإخلاص العمل من أجل بناء الدولة الحديثة.. والاستعداد لدفع استحقاقاتها.
وأثمان تقدم الأوطان ثلاثة: المعرفة، والعمل، والديمقراطية
لتكن قراءة الكتب إذن هي نقطة بداية على طريق الوعي بالحاضر وصناعة المستقبل.
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator