المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

معركة البرابرة



فجأة، تحولت الكرة إلى عالم من الكراهية

إذ إنه ما إن أعلن حكم اللقاء إيدي ماييه، من سيشل، انتهاء مباراة منتخبي مصر والجزائر وتأهل محاربي الصحراء إلى نهائيات كأس العالم 2010، حتى عمت الفوضى المكان، وتبين أن تلك المباراة بين مصر والجزائر فاصلة تمامـًا بكل ما تحمله الكلمة من معان.
لنفسح المجال قليلا أمام سامح الخطيب محرر وكالة "رويترز" الذي وصف في تقرير له ما جرى على النحو التالي: "في الطريق إلى المطار كانت المفاجأة، إذ قطعت بعض الجماهير الجزائرية المتعصبة التي استطاعت الخروج عنوة من الاستاد وأخرى لم تستطع أساسـًا دخول الملعب، الطريق على الحافلات التي تقل الجماهير المصرية ووقعت اشتباكات بين الجانبين أسفرت عن إصابة نحو 20 مصريـًا بإصابات مختلفة نتيجة رشق حافلات الجماهير المصرية بالحجارة ومهاجمتها بالأسلحة البيضاء"[1].
وأضاف محرر "رويترز": داخل المطار تكدست الجماهير المصرية التي تتطلع للعودة إلى بلادها في أسرع وقت بعد الهزيمة أمام الجزائر ومطاردة بعض الجماهير الجزائرية المتعصبة لهم. وتابع: "ومع توالي هبوط الطائرات المصرية، هرول المشجعون المصريون إلى صعود الطائرات دون أي إجراءات مغادرة وبدا المشهد كأنه هروب جماعي من أرض السودان".


وهكذا رأينا أشخاصـًا يظهرون على شاشات التليفزيون ويصيحون بأن هناك مذبحة مروعة يتعرض لها المصريون في الخارج‏،‏ لكن التليفزيون المصري عجز عن إظهار صورة واحدة لمصري واحد تسيل منه قطرة دماء واحدة‏.. وعجز التليفزيون عن إثبات حالة واحدة لإصابة خطيرة أو متوسطة الخطورة أو مصري يعالج في أحد مستشفيات الخرطوم[2]. بل إن لقطات الفيديو التي انتشرت آنذاك ويظهر فيها جزائريون يلوحون بالسكاكين، لم تكن سوى لقطات من مظاهرة في الجزائر تعود إلى يناير 2009 تضامنـًا مع أهل غزة[3]، وقد أشار كُتاب مصريون إلى أن الصور تعود إلى تاريخ يسبق مباراة أم درمان بفترة[4]. نُذّكر هنا بأنه في أعقاب المباراة الفاصلة في أم درمان، قال مجلس الوزراء في مصر إن إصابات المصريين في واقعة أم درمان لم تتجاوز 23 إصابة[5]، بينهم 12 مصابـًا رفضوا نقلهم إلى المستشفيات بناء على طلبهم، حيث تلقوا الإسعافات اللازمة فور وصولهم إلى القاهرة[6]، في حين لم يتم تحرير سوى 9 محاضر فقط لمشجعين مصريين في كل أقسام الشرطة السودانية، وكلها مقيدة ضد مجهول[7].
من استاد المريخ انطلقت الشرارة. والمريخ، كما هو معروف، أحد كواكب المجموعة الشمسية، ويرمز بحسب الأساطير إلى إله الحرب. أثارت المباراة، قبلها وبعدها، حربـًا إعلامية شرسة و"سيّئة"، إذ اتهم كل طرف الآخر بقتل رعاياه وتحطيم الممتلكات.
"معركة برابرة الجزائر"!


عنوان رئيسي اتسم بالتحامل وربما اتهم بالعنصرية، في صحيفة مصرية قالت إن الجماهير الجزائرية "مارست هوايتها وغلبت عليها الطبيعة البربرية وقامت بأعمال شغب واعتدت على جماهيرنا"[8]، واشتكت من أنه في أعقاب المباراة بدأت حرب العصابات من تحطيم زجاج الحافلات والتحرش بالنساء واستخدام الأسلحة البيضاء بوحشية واعتراض الحافلات ومطالبة سائقيها بإنزال المصريين حتى يتمكنوا من الاعتداء عليهم بالضرب والإيذاء، وأشارت إلى أن المطرب محمد فؤاد تعرض للضرب هو وابنه على يد مشجعين جزائريين قذفوا بالحجارة حافلة تقل عددًا من المشجعين المصريين فحطموا زجاجها.
حمل فؤاد هذه الشحنة، وفر مع من فروا إلى مكاتب شركة طارق نور للإعلانات في قلب الخرطوم (سودانا). وبينما كانت الثورة عارمة، والجميع يجري اتصالات بالقاهرة، بما فيها اتصالات بمؤسسات رسمية، تلقى أحدهم اتصالا هاتفيـًا من أحد أفراد سكرتارية الرئيس السابق مبارك.. وقال له: الرئيس يريد أن يكلمكم ليطمئن عليكم.. مَنْ إلى جوارك؟.. فأعطى متلقي المكالمة الهاتف لمحمد فؤاد.. وسمع استفسارات مبارك الذي بدا على اطلاع كامل بالأمر.. وفي المضمون، قال الرئيس المصري حينذاك كلامـًا تضمن التوعد - وليس التعهد فقط- بأن ينتهي هذا الموقف خلال ساعة. وكانت تلك هي الشحنة النفسية الثانية التي تمت تعبئة محمد فؤاد بها.. والاثنتان لم يتدرب عليهما جهازه العصبي من قبل[9].
 وكذلك الحال بالنسبة إلى إيهاب توفيق وهيثم شاكر وعدد آخر من الفنانين والمواطنين العاديين، الأمر الذي أدى إلى اختبائهم في المنازل ومقار شركات في الخرطوم، كما قال الصحفي وائل الإبراشي إنه حاول الابتعاد عن مسيرة الجمهور الجزائري بالاختباء في أحد المطاعم القريبة من السفارة الكينية، في حين أكدت المذيعة سلمى الشماع أنها عاشت أصعب أيام حياتها وأنها اختبأت هي وآخرين في منزل الوزير المفوض.
وذرف فنانون الدموع وهم يروون معاناتهم بعد المباراة، وسمعنا عن بكاء غادة عبدالرازق  في مطار الخرطوم وهي تطالب المسؤولين عن شركة مصر للطيران بمساعدة المجموعة المصاحبة لها بالدخول إلى المطار خشية أن يتعرض لهم الجزائريون، في حين اضطرت الفنانة فردوس عبدالحميد، ومعها كل من غادة إبراهيم وميسرة ونهال عنبر وأحمد عبدالوارث وأشرف عبدالغفور وبسام رجب، إلى افتراش الرصيف إلى أن يتم توفير طائرة تقلهم إلى مطار القاهرة[10].


وبينما قالت جريدة "الأهرام ويكلي" إن الحافلات المخصصة لنقل المشجعين المصريين إلى المطار تعرضت للتخريب، ما أجبرهم على التحرك تحت حراسة قوات سودانية[11]، دارت روايات مثيرة حول تفاصيل 160 دقيقة في شارع إفريقيا المجاور لمطار الخرطوم تحت عنوان: حرب الشوارع بين 22 عضوًا في مجلس الشعب، وحافلات المشجعين الجزائريين! وروى شهود العيان حكايات عن 7 ساعات احتجاز داخل الطائرة في المطار لنحو 300 مشجع من الفنانين والسياسيين بسبب منع الطائرة من الإقلاع بناء على تعليمات من سلطات المطار التي عجزت عن السيطرة على الموقف وفشلت في إدارته بين جمهور الجزائر الذي امتلأت به أرض المطار والمشجعين المصريين الذين اختفى بعضهم وسط السودانيين[12].
تقرير الوفد البرلماني المصري، الذي سافر إلى السودان لمؤازرة المنتخب، قال إن ما حدث لم يكن عفويـًا أو حوادث فردية. وأضاف التقرير الذي أعده النائب آنذاك محمد أبو العينين، رئيس الوفد البرلماني، أن أعضاء الوفد وجدوا في السودان ميليشيات من المرتزقة والبلطجية تم نقلهم على نفقة الدولة الجزائرية إلى السودان، و"أقامت لهم الحكومة الجزائرية معسكرات وخيام إيواء، وقاموا بشراء الأسلحة البيضاء من السودان وأعدوا العدة للاعتداء على المصريين"[13].


وتتواصل سطور التقرير:
"لاحظنا من جماهير الجزائر في المدرجات التربص والحقد على المصريين، ووضح ذلك من السباب والإشارات البذيئة والتهديدات بذبح الجماهير المصرية، ووجود لافتات مسيئة لمصر، وخلال المباراة قام بعض المشجعين الجزائريين برشق الضيوف في المقصورة الرئيسية بعلب العصائر الفارغة، ومن بينهم أعضاء الوفد البرلماني المصري، وفور خروجنا من الاستاد استقللنا السيارات متوجهين إلى المطار، فتعرض الوفد البرلماني لاعتداء من الجماهير الجزائرية التي لم تدخل الاستاد، حيث قامت برشق السيارات بالحجارة ووجهت إشارات بذيئة وسبابـًا لأعضاء الوفد. وفي أعقاب ذلك بدأت تتوالى الأحداث، حيث كان عدد كبير من المرتزقة الجزائريين متربصين في أكمنة للجماهير المصرية، وقطعوا الطريق على سياراتهم وتجمهروا حولها وقذفوهم بالحجارة وروّعوهم واعتدوا عليهم باستخدام الأسلحة البيضاء ولم يراعوا حرمة وجود نساء وأطفال"[14].
ومن الواضح أن جهود مصر لإجلاء جمهورها في مباراة أم درمان، كانت تعاني من ارتباك ما بعد المباراة.. خصوصـًا بين وفود الجهات التي لم تنظم الأمر بطريقة دقيقة. بدا إجلاء المصريين من الخرطوم إلى القاهرة كأنه يسير بطريقة الجزر المنعزلة. أحد التقارير التي قدمت إلى رئيس الوزراء المصري حينذاك د. أحمد نظيف بعد الأحداث قال "إن عملية نقل الجماهير من مصر إلى السودان خضعت للاجتهادات الفردية من مختلف الجهات دون تنسيق متكامل ولم يتم تشكيل لجنة منظمة.. تمثل فيها الجهات المختلفة للتنسيق بين مختلف الجهات لتنظيم عملية النقل وتتابع الرحلات وأماكن وجودها وطرق الإخلاء وخطة التحرك"[15].
ومن الجزائر، تلقَّى مذيع رياضي في القاهرة استغاثة جمدت الدماء في عروق كثيرين: "نحن محاصرون.. أنقذونا". لقد عاد حصار المصريين العاملين في الجزائر، بعدما هدأت نار الانتقام لـ"شهداء القاهرة". لكن لم يكن في القاهرة شهداء، وهذا ما أكده السفير الجزائري في القاهرة، عبدالقادر حجار، عندما أوقظه المذيع الرياضي من نومه. السفير أبلغ المذيع أنه كذّب الخبر، لكن صحفـًا لم تنشر التكذيب[16].
الأكاذيب هي الابنة البكر للكراهية والغوغاء.



ونتيجة للغوغائية التي سادت، تعرضت منشآت مصرية في الجزائر لأعمال تخريب، وعاد مصريون على متن طائرات هاربين من خطر يهدد سلامتهم الشخصية. وكشف تقرير لجنة حصر تلفيات وخسائر الشركات المصرية بالجزائر، التي تم تشكيلها من وزارات الخارجية والبترول والاستثمار والاتصالات والإسكان، أن التقديرات المبدئية لإجمالي الخسائر لن تقل بأي حال عن ملياري جنيه مصري، تكبدتها شركتا "أوراسكوم" و"المقاولون العرب" وعدد من سلاسل المطاعم والمحال المصرية، إلى جانب شركات بترول وغاز مصرية توقف نشاطها هناك بعد أحداث الشغب وعمليات التخريب والنهب الواسعة التي قامت بها جماهير جزائرية متعصبة ضد المنشآت المصرية هناك[17].
ووجهت الحكومة الجزائرية فجأة صفعة لشركة الاتصالات المصرية العملاقة "أوراسكوم"، عندما طالبت وحدتها في الجزائر "جيزي" بدفع ضرائب تصل إلى 596 مليون دولار[18]، وهي مطالب اعتبرت "أوراسكوم" أنها "عارية عن الصحة وغير مقبولة." ومنذ تلك المباراة، واجه رجل الأعمال نجيب ساويرس صعوبات في الجزائر، بعد أن اضطر لخوض مباراة في كرة التعنت، عرقلت مساعيه لبيع حصته في شركة "جيزي"، انتظارًا لعرض شراء رسمي تتقدم به السلطات الجزائرية[19] أو صفقة يتخلص بموجبها من هذا المأزق.
وزادت حدة الأزمة الدبلوماسية عندما أُرسلت طائرة مصرية لإنقاذ مصريين عالقين في الجزائر، لكن السلطات هناك رفضت منحها الإذن بالهبوط[20].

وكأن كل ما حدث قبل المباراة وأثناءها وبعدها لم يكن كافيـًا!


هوامش




[1]  __________، شاهد من "رويترز" يروي تفاصيل ساعات "الرعب" في السودان، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 22 نوفمبر 2009.


[2]  شريف الشوباشي، إعادة نظر في الإعلام، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 2 ديسمبر 2009.


[3]  رشيد ولد بوسيافة، التليفزيون السوداني والفضائيات العربية يفضحون الإعلام المصري.. شريط الفيديو قديم ولا سُحب في سماء الخرطوم يا أغبياء، جريدة "الشروق"، الجزائر، 21 نوفمبر 2009، ص 32.


[4] Dina Ezzat, Start of the second half, Al-Ahram weekly online http://weekly.ahram.org.eg/2009/974/eg7.htm, Cairo, November 26, 2009.


[5]  خليفة جاب الله ومحمد عبدالعاطي ومحمد المهدي وشيماء عادل، مجلس الوزراء يكشف: مصر طلبت إقامة المباراة الفاصلة في قبرص أو دون جمهور، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 26 نوفمبر 2009.


[6]  طارق أمين وفاطمة أبو شنب، حصيلة الاعتداءات: 21 مصابًا مصريًا، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.


[7]  أسامة هيكل، مذيع أم مثير، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 28 نوفمبر 2009.


[8]  محمد ثابت، أهوال الليلة الحزينة.. وتفاصيل معركة برابرة الجزائر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.


[9]  عبدالله كمال، كل الذي جرى: أول وأكبر تحقيق سياسي موثق عن مباراة مصر والجزائر، مصدر سابق.


[10]  إيناس عبدالله وزياد حسن وإنجي عزام، الفنانون دفعوا ضريبة شهرتهم ضربـًا وسبـًا في الخرطوم، جريدة "الشروق"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.


[11] Ahmed Morsy, Broken in every sense, Al-Ahram weekly online, http://weekly.ahram.org.eg/2009/974/sp1.htm, Cairo, November 26, 2009.


[12]  محسن سميكة، 160 دقيقة من "حرب الشوارع" ضد 22 برلمانيا وأعضاء "وطني"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 21 نوفمبر 2009.


[13]  محمد عبدالقادر، تقرير برلماني: الاعتداءات الجزائرية لم تكن عفوية.. والدولة شاركت بالتخطيط والتحريض، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 23 نوفمبر 2009.


[14]  المصدر السابق.


[15]  عبدالله كمال، كل الذي جرى: أول وأكبر تحقيق سياسي موثق عن مباراة مصر والجزائر، مصدر سابق.


[16]  وائل عبدالفتاح، ليلة الهروب من الخرطوم: حين تقود الغوغاء الشعوب، جريدة "الأخبار"، بيروت، 20 نوفمبر 2009.


[17]  مصباح قطب وأشرف فكري ومحمد المهدي، الحكومة تقدّر خسائر الشركات المصرية في الجزائر بـ"٢ مليار جنيه".. واتجاه للمطالبة بالتعويض أمام "القضاء الدولي"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 2 ديسمبر 2009.


[18]  حسن المستكاوي، 5 أسئلة لن ترد عليها حكومة الجزائر؟، جريدة "الشروق"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.


[19] عصام كامل، ساويرس والجزائر.. مباراة في كرة التعنت، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 23 سبتمبر 2010.


[20]  Jack Shenker, Crackdown in Cairo as football violence erupts, The Guardian, http://www.guardian.co.uk/world/2009/nov/20/egypt-algeria-riots-world-cup, London, November 20, 2009.
تابع القراءة

gravatar

أم المباريات




في الأزمة المصرية- الجزائرية، كان أول خروج على قواعد "العراك الكروي" من نصيب الإعلام الرياضي المصري قبل أن تنساق الصحافة الجزائرية إلى لعبة التحريض

 غير أن الجماهير الجزائرية نقلت التجاوزات إلى مستوى أسوأ حين اعتدى بعضها على مصريين أبرياء مقيمين في الجزائر. وتعالت استغاثات مصريين في الجزائر قالوا إنهم حوصروا في منازلهم ومقار سكنهم، خصوصـًا بعد أن نشرت صحيفة "الشروق" الجزائرية خبرًا غير صحيح عن سقوط قتلى جزائريين في القاهرة[1]، علمـًا أن السفير الجزائري تحدث عن إصابة أحد عشر جزائريـًا بجراح[2].

وهاجم مشجعون متعصبون مقار سكن وعمل مصريين في وهران والعاصمة الجزائرية، خصوصـًا في شركات "جيزي" للهواتف النقالة المملوكة لـ"أوراسكوم تليكوم"[3] وقد أقرت الصحافة الجزائرية بأن أعمال التخريب طالت 15 فرعـًا ومركزًا لهذه الشركة في العاصمة الجزائرية[4]- و"المقاولون العرب"، و"مصر للطيران" التي تحطم مقرها الرئيسي. واختلط الغضب بأعمال نهب وسلب. وزادت على ذلك لاحقـًا شكاوى من شركات المقاولات المصرية العاملة في السوق الجزائرية، وصلت إلى حد تفكيرها في إغلاق فروعها وتصفية أنشطتها في الجزائر، بسبب التضييق الاقتصادي عليها وعدم إسناد عطاءات جديدة لها[5].

"من باب رد الفعل"!

هكذا حاول السفير الجزائري في القاهرة تبرير ما يحدث من اعتداءات على المصريين، قائلا إن ما جرى في الجزائر جاء ردًا على ما نُشِرَ عن اعتداءات وقعت على الجماهير والمنتخب الجزائري في مصر.

واتهم السفير الجزائري الإعلام المصري - ممثلا في الفضائيات الخاصة- بالوقوف وراء حالة الشحن الجماهيري. وقلل حجار، في تصريحات صحفية بمقر وزارة الخارجية المصرية عقب استدعائه، من مسؤولية الصحف ووسائل الإعلام الجزائرية عن هذه الحالة.

وقال: ليست هناك مقارنة بين نسبة المشاهدة بين الفضائيات التي حددها بالاسم ("مودرن" و"الحياة" و"دريم")، وبين الصحف الجزائرية وعلى رأسها "الشروق". حجار جدد نفيه الأنباء التي نقلتها وسائل الإعلام الجزائرية عن سقوط قتلى من المشجعين الجزائريين في مصر، لكنه قال لـ"الشروق" إن إصدار بيان حول عدم سقوط أي قتيل جزائري في القاهرة "لا يعني أننا أغلقنا ملف القتلى بصفة نهائية"[6].

يُذكر أنه بينما كان التليفزيون الجزائري يكتب أسفل شاشته لفترة ليست قصيرة أنه لا يوجد قتلى جزائريون في القاهرة، كان السفير عبدالقادر حجار يرسل خطابـًا إلى الخارجية المصرية يقول فيه إنه نمى إلى علمه أن هناك قتلى.. ويطلب إبلاغه إن كان هذا قد حدث[7].

حجار قال للصحفيين: "لقد حذرنا كثيرًا من الشحن الجماهيري، وقلنا إن مصر لها مصالح في الجزائر وهي المستثمر الأول هناك"[8].

وتلك هي الخطيئة الأولى.



 لقد تحول الحدث الرياضي إلى قضية وطنية وسياسية، لذلك وجدنا إسرافـًا في تعبئة الجمهور لصالح الفوز في الخرطوم. صحيح أن التعبئة واسعة النطاق كانت حاصلة أثناء المباراة الأولى في القاهرة، إلا أن فوز المنتخب المصري فيها ضاعف كثيرًا منها، الأمر الذي ألهب مشاعر الجماهير ورفع من سقف توقع وصول مصر إلى التصفيات النهائية لكأس العالم، من ثم أصبح كسب مباراة الخرطوم الشاغل الأول للإعلام والمجتمع في مصر.

وتمخضت صراعات الكرة فولدت "أزمة دبلوماسية وحرب باردة بين الجزائر ومصر"، وتحدثت الصحافة الجزائرية بلا مواربة عن هذه الأزمة، مشيرة إلى أن "خير دليل على الانسداد الذي أصاب العلاقات بين البلدين، هو استنكار رئيس المجلس الشعبي الوطني عبدالعزيز زياري، ونواب الأمة الاعتداءات السافرة ووصفها بالخسيسة السافلة، التي تعرضت لها الجماهير الجزائرية"[9].

واستمرت الهوجة.

حيث سارع إلى تسجيل أغنيات وطنية جديدة أكثر من 10 مطربين، بينهم شيرين عبدالوهاب، ومحمد فؤاد، وحمادة هلال، وأحمد فهمي، وحكيم، ومحمد حماقي، ومصطفى كامل، ومنة فضالي، ودنيا سمير غانم، وأخذت الفضائيات تذيع تلك الأغنيات التي تم تسجيلها على عجل تفاؤلا بالفوز[10]. وطنطنت بعض الفضائيات وشهدنا الزفة البلدي في عدد من البرامج، بل ورقص بعض مقدمي البرامج على شاشات التليفزيون، واستمر الفرح حتى يوم المباراة الفاصلة، لنشاهد في أحد البرامج حشدًا من الحسناوات والشباب مع الطبول والدفوف استعدادًا للرقص بعد انتهاء المباراة الفاصلة[11]، لكن جاءت الرياح بما لا تشتهيه السفن.


وكما أن بعض الغلاة في الجزائر اعتبروا أن الفوز على المنتخب المصري حدث تاريخي يأتي بعد تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي، فإن نظراءهم في مصر اعتبروا الهزيمة في الخرطوم من جنس الهزيمة التي لحقت بمصر وأدت إلى احتلال سيناء في عام 1967[12].

ولم يُجد نفعـًا في ظل هذا الاحتقان، تدخل علماء الدين على الخط للمطالبة بالتهدئة قبل المباراة الحاسمة. ويبدو أن القيادتين السياسية والرياضية لم تقفا طويلا عند بيان أصدره الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس هيئة علماء المسلمين آنذاك، يدين التصعيد المتبادل بين الشعبين المصري والجزائري، ويناشد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة أن يبادر بالعمل على إطفاء الفتنة التي أوقدها الشيطان، على حد قوله، وأضاف في بيانه: "المباراة ليست معركة بدر ولا معركة حطين، ولا معركة عين جالوت. إنها مباراة توصل إلى بداية السُلَّم في كأس العالم، وهيهات أن نصل إلى نهايته، أو إلى القرب من نهايته، كما شاهدنا خلال الدورات والسنين الطويلة. وهب أننا وصلنا إلى كأس العالم، وحصلنا عليه فعلا، هل سيدخلنا ذلك الجنة ويزحزحنا عن النار؟"[13].

غير أن ترمومتر المواجهة بلغ أعلى درجاته، قبل يوم واحد من لقاء الحسم.

فقد استقبل الرئيس السوداني عمر حسن البشير أعضاء اتحادي كرة القدم المصري والجزائري، كما استقبل مسؤولين من البلدين عشية المباراة الفاصلة. وفي ختام اللقاء مع الرئيس السوداني، رفض رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم محمد روراوة مصافحة نظيره المصري سمير زاهر[14]. ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن روراوة قوله: "أرفض مصافحة من يقف وراء كل ما حصل في القاهرة؛ لأنه هو الذي بدأ بإطلاق التصريحات وطلب من مشجعيه زلزلة الأرض تحت اقدام الفريق الجزائري"[15].

"المريخ مقبرة الفراعنة"[16]!

عنوان عمود صحفي لكاتب جزائري، ينم عن قدر من الوعيد والاحتقان.

فجأة أصبحت الخرطوم هي محط أنظار المصريين والجزائريين على حد سواء.

وخلال اليومين السابقين للمباراة، حطت في الخرطوم 100 طائرة تقل مشجعين، بينها 64 طائرة تابعة للجزائر تحمل 8500 مشجع و34 طائرة تابعة لمصر تحمل 3500 مشجع.

وذهبت تقارير إعلامية مصرية إلى القول بأن نسبة كبيرة من مشجعي الجزائر في مباراة أم درمان كانوا ميليشيات ذات طابع أمني أو إجرامي، وأضافت أن أغلبية المشجعين الجزائريين وزعت عليهم وجبة موحدة، مطبوع عليها العبارات التالية بالعربية والفرنسية: وجبة فردية للقتال - وزارة الداخلية - المديرية العامة للأمن الوطني -  مكتب الإعاشة[17]. وكانت الحكومة الجزائرية قد تحدثت قبيل المباراة عن تعليمات للرئيس بوتفليقة لنقل المشجعين إلى الخرطوم، "وتقول الحكومة إنه يمكن إذا اقتضت الضرورة أن يتم أيضـًا تجنيد طائرات النقل للجيش الوطني الشعبي" مع "تهيئة مخيم للشباب يتسع لـ2000 مكان سيكون وجهة للمناصرين"، مضيفة أنه "سيكون مناصرونا مرفوقين بأزيد من 200 طبيب وعون من الحماية المدنية والشرطة لتأطيرهم بالوسائل المناسبة بما فيها الخيم"[18].



هستيريا المباراة أعمت البصائر، لدرجة أن عددًا من مشجعي الجزائر تجمع أمام فندق المنتخب المصري في الخرطوم صبيحة يوم المباراة الفاصلة، وأحرقوا علم مصر، بعد أن تناوبوا على دهسه بأقدامهم، مرددين شعارات ضد مصر وسياستها، وحاصرت مجموعات منهم الفندق الذي يقيم فيه إعلاميون مصريون، ما دفع السفارة المصرية بالخرطوم إلى مطالبة الصحفيين بملازمة غرفهم حرصـًا على حياتهم[19].

والثابت أنه عندما وقعت الواقعة في أم درمان[20] في 18 نوفمبر 2009، أعيد الشحن الجماهيري منتقلا هذه المرة من كرة تلهو بها الأقدام إلى كرامة ديست تحت الأقدام. في "الأربعاء الأسود" أصبحت الكرامة "وجهة نظر"، فالذين تشنجوا دفاعـًا عن كرامة مصر التي مستها حجارة - أو حتى أسلحة بيضاء- جزائرية هم في الحقيقة من يسطون على معنى الكرامة ويقومون بتزويره.

"كرامة المصريين فوق كل اعتبار"[21]!

هكذا عنونت إحدى الصحف اليومية في مصر مانشيتها الرئيسي، في وقت تلقف المصريون الغاضبون مصطلحين من نوعية "عدوان الجزائر على الكرامة المصرية" و"الدفاع عن كرامة المصريين"، لكنهم لم يلتفتوا في حمى غضبهم إلى أن الذين روَّجوا المصطلحين هم أول من اعتدى على كرامة المصريين[22].

في أعقاب المباراة التي أقيمت على استاد المريخ ووصفتها صحيفة "ديلي تليغراف" البريطانية بأنها "أم المباريات"[23] وقالت إنها "مشحونة سياسيـًا"، بلغت نتيجة الشحن المعنوي مبلغها حين اغرورقت عيون بعض المذيعين ومقدمي البرامج في مصر وهم ينعون إلى الأمة خبر ضياع ما يسمونه "حلم التأهل إلى كأس العالم"، وشاهدنا حالات من التشنج والعصبية والانفلات لبعض الوجوه التي تظهر في هذه الفضائيات، والتي تقوم بدور "السنيدة" للبطل المذيع[24].

غير أن الآتي كان أعظم!



هوامش

[1]  _________، المصريون في الجزائر يدفعون ثمن الفوز، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 17 نوفمبر 2009.
[3] أمير حيدر، الجزائريون يحرقون مصنعا تابعا لـ"أوراسكوم".. وساويرس يقدر الخسائر بـ"عشرات الملايين من الدولارات"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 18 نوفمبر 2009.
[4]  كريمة خلاص، "جيزي" تؤكد سلامة كل موظفيها وتتبرع بالملايير لنقل المناصرين الجزائريين، جريدة "الشروق"، الجزائر، 17 نوفمبر 2009، ص 5.
[5]  محمد عبدالعاطي، شركات المقاولات المصرية تدرس الخروج من السوق الجزائرية بسبب التضييق عليها، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 22 سبتمبر 2010.
[6]  سميرة بلعمري، سفير الجزائر بالقاهرة يؤكد لـ"الشروق".. "ملف الضحايا الجزائريين بمصر لم يغلق بعد"، جريدة "الشروق"، الجزائر، 17 نوفمبر 2009، ص 3.
[7]  عبدالله كمال، كل الذي جرى: أول وأكبر تحقيق سياسي موثق عن مباراة مصر والجزائر، مجلة "روز اليوسف"، القاهرة، 28 نوفمبر 2009.
[8]  جمعة حمدالله وخليفة جاب الله وعمرو بيومي ويسري البدري وشيماء عادل وجمال نوفل وهاني عبدالرحمن، "الخارجية" تستدعي السفير الجزائري بالقاهرة.. و"حجار" يعد بتوفير الحماية للمصريين في بلاده، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 17 نوفمبر 2009.  
[9]  سميرة بلعمري، أزمة ديبلوماسية وحرب باردة بين الجزائر ومصر، جريدة "الشروق"، الجزائر، 18 نوفمبر 2009.
[10]  محسن محمود، "الثنائي" شيرين وحكيم وحمادة وفؤاد وحماقي يشجعون المنتخب بـ10 أغنيات وطنية، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 17 نوفمبر 2009.  
[11]  أسامة دعبس، هزيمة المنتخب الوطني من الجزائر كشفت القنوات الفضائية وبرامجها، جريدة "الدستور"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[12]  فهمي هويدي، بعد صدمة الخرطوم: الخطايا العشر، مصدر سابق.
[13]  يوسف القرضاوي، نص رسالة الشيخ القرضاوي للشعبين الجزائري والمصري: نداء إلى الإخوة في مصر والجزائر.. أطفئوا النار التي أوقدها الشيطان قبل أن تحرق الجميع، جريدة "الشروق"، الجزائر، 24 نوفمبر 2009، ص 7.
[14]   ____________, Raouraoua: “I refused to shake hands with Zaher because he was responsible for the incidents of Cairo”,  Ennahar online, http://www.ennaharonline.com/en/sports/2459.html, November 19, 2009.
[15]  وكالة الأنباء الفرنسية، روراوة يتهم الاتحاد المصري بالوقوف وراء أعمال العنف في القاهرة، موقع العربية نت، http://www.alarabiya.net/articles/2009/11/17/91621.html، دبي، 17 نوفمبر 2009.
[16]  جمال لعلامي، المريخ مقبرة الفراعنة!، جريدة "الشروق"، الجزائر، 18 نوفمبر 2009، ص 4.
[17]  عبدالله كمال، كل الذي جرى: أول وأكبر تحقيق سياسي موثق عن مباراة مصر والجزائر، مجلة "روز اليوسف"، مصدر سابق.
[18]  سميرة بلعمري، طائرات الجيش تحت أنصار الخضر، جريدة "الشروق"، الجزائر، 17 نوفمبر 2009.
[19]  ____________، باق من الزمن "90 دقيقة".. الليلة الفاصلة: "هيستريا" في الجزائر.. توتر في الخرطوم.. ودبلوماسية في القاهرة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 18 نوفمبر 2009.
[20]  في تلك المباراة، فاز منتخب الجزائر على منتخب مصر بهدف دون مقابل، أحرزه اللاعب الجزائري عنتر يحيى، لتحجز الجزائر مكانـًا لها في نهائيات كأس العالم 2010، ويعود المصريون إلى وطنهم خاسرين.
[21] ____________، كرامة المصريين فوق كل اعتبار، جريدة "الأهرام المسائي"، القاهرة، 21 نوفمبر 2009.
[22]  حمدي عبدالرحيم، السطو على الكرامة، جريدة "الشروق"، القاهرة، 4 ديسمبر 2009.
[23]  Ian Chadband, Algeria versus Egypt World Cup play-off is the 'mother of all matches', The Daily Telegraph, London, November 18, 2009.
[24]  د. طارق الغزالي حرب، هذا ما كان يجب أن تبكوا عليه.. يا رجال، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 30 نوفمبر 2009.
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator