المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

كتاب الرغبة 4: المناضل عاشقاً






غسان كنفاني الذي رحل ككاتب، عاد كعاشق في ذكراه العشرين، ليثير سجالاً من نوع آخر حول صورته الرمزية ككاتب وناشط سياسي فلسطيني قال عنه محمود درويش يوماً إنه "نقل الحبر إلى مرتبة الشرف"

وبنصف اعتراف من الأديبة غادة السمان، أثير جدلٌ كبير حول صاحب "رجال في الشمس"، وتساءل البعض في غضبٍ: هل يصلح المناضل عاشقاً؟

بالنسبة إلى هؤلاء بدا أمراً ممجوجاً وغير أخلاقي أن يتزوج المناضل بغير القضية، فكيف إذا أحب على القضية وعلى زوجته الفعلية؟


لم يستطع هؤلاء استيعاب فكرة أن غسان- الذي صادف الثامن من يوليو تموز عام 2007 الذكرى الخامسة والثلاثين لاغتياله- في النهاية بشر، من لحم ودم ومشاعر. ولم يتمكن هذا الفريق من تقبل فكرة الجانب الهش داخل كيان هذا الأديب والناشط السياسي الذي كان الحب الخاص والعام يملأ شرايين قلبه

تحت الضوء الخافت لعشقٍ أتلف صاحب "ما تبقى لكم"، يمكن أن نستعيد سطوراً فاتنة لم يكترث فيها غسان العاشق بما سيقوله الناس لو قرأوها. لم يهمه سوى أن يكون صادقاً حين كتب لغادة: "يقولون هذه الأيام في بيروت، وربما في أماكن أخرى، إن علاقتنا هي علاقة من طرف واحد، وإنني ساقط في الخيبة. قيل في الـ"هورس شو" إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد. يُقال إنك لا تكترثين بي، وإنك حاولت أن تتخلصي مني..لكنني كنت ملحاحاً كالعَلَق. يشفقون عليّ أمامي ويسخرون مني ورائي..."

بالرغم من أعماله وكتاباته الكثيرة، فإن غسان كنفاني، الأديب وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجد وقتاً ليحب أيضاً.. تصوروا

غير أن هناك من رأى في هذا العشق فضيحة

والشاهد أنه ليس في حب امرأة ما يلغي صورة الأديب المناضل التي احتفظ بها غسان كنفاني في أذهان كثيرين. وربما أمكننا التساؤل: كيف يستطيع أحد النضال دون حب؟ يقول تشي غيفارا إن النضال هو أسلوب حب

غادة السمان نشرتْ رسائلَ حبٍ كتبها لها غسان في أجمل لحظات عمره تحت عنوان "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان" صدر عن دار الطليعة في شهر يوليو تموز عام 1992. كان ذلك من حقه، وطبيعي أن يكون من حقها. الرسائل المنشورة كانت عاصفة ومفاجئة، خاصة أن بعض رسائل غسان كانت تستجديها كثيراً وتوحي بشعور الاضطهاد الذي كان يشده أكثر إليها

تبدأ غادة السمان كتاب الرسائل بمحاولة إهداء: "إلى الذين لم يُولدوا بعد"، وهي نفسها الكلمات التي أهداها إياها ذات يوم كاتب مبدع لم يكن قلبه مضخة صدئة، "وإلى الذين سيولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل. وهي تتحدث عن محاولة "الوفاء بعهد قطعناه"

وهنا تنطلق غادة كحصان يتحرك ببطء ولكن بخطوات واسعة، مظهرٌ منكسر وأعماق جامحة، مقاطع طويلة كلها تبدأ بـ "نعم كان ثمة رجل يدعى غسان كنفاني"..وجه طفولي وجسد عجوز، نحيل منخور لا تفارقه إبر الأنسولين. إنها لا تعرضه بصورة العاشق القوي البنية، فغسان لم يكتمل بالنسبة لها كعاشق ولذلك كان هناك آخرون..إذ تقول: "لا أستطيع الادعاء- دون أن أكذب- أن غسان كان أحب رجالي إلى قلبي كامرأة كي لا أخون حقيقتي الداخلية مع آخرين سيأتي دور الاعتراف بهم – بعد الموت – وبالنار التي أوقدوها في زمني وحرفي ..لكنه بالتأكيد كان أحد الأنقياء القلائل بينهم"

وربما كانت غادة محقة بشأن شعورها النرجسي، الفخر بعلاقتها برجل استثنائي بإبداعه ودفاعه عن قضيته، إذ تقول: "ها أنا أستجوب نفسي في لحظة صدق وأضبطها وهي تكاد تتستر على عامل نرجسي لا يستهان به: الفخر بحب رجل كهذا أهدى روحه لوطنه وأنشد لي يوماً ما معناه: مولاي وروحي في يده ...إن ضيعها سلمت يده"

يقول غسان كنفاني، في إحدى رسائله لغادة السمان: "أعرفُ أن شيئاً واحداً أستطيع أن أقوله وأنا واثقٌ من صدقه وعمقه وكثافته، وربما ملاصقته التي يخيل إليّ الآن أنها كانت شيئاً محتوماً، وستظل كالأقدار التي صعقتنا: إنني أحبك"

دعونا لا ننسى أن أشهر العشاق قد قضوا دون أن ينالوا من الحب سوى حلم الحب ولذته المتوهمة. بالنسبة للعشاق، فعل الحب هو المهم، أما نحن الذين نطالع آثارهم ونقرأ أعمالهم فإننا ننظر إليهم كأننا في مختبر، ولا نحاول أن نضع أنفسنا مكان هؤلاء العاشقين

الصبي الذي غادر عكا نازحاً مع أسرته إلى الجنوب اللبناني ثم إلى دمشق أصبح شاباً يرتاد جامعتها، وهناك التقى غادة لأول مرة أمام باب قاعة الامتحانات الشفهية في جامعة دمشق، لكن علاقته بها لم تتوطد إلا في بيروت حين كانت مكسورة بموت والدها ومحكومة بالسجن، حينها بادر بمساعدتها بجواز سفر إلى لندن

بعدها كانت الحبيبة البعيدة عنده مفقودة إلا من الرسائل التي لم تكن تجود بها بسهولة

الرسالة التي كتبها غسان لأخته فائزة في نهاية عام 1966تعطينا فكرة عن علاقته بغادة، وتعد الرسالة الأطول بين الرسائل المنشورة.. إذ حكى فيها عن غادة التي لم يستطع أن يكف عن حبها، فيقول "أحياناً أنظر إلى عينيها وأقول لنفسي: ينبغي أن تكره هذه المرأة التي يروق لها إذلالك على هذه الصورة، ولكنني لا أستطيع". وبالرغم من أن الرسالة كُِتبَت لفائزة فإنها في الحقيقة تخاطب غادة بضمير الغائب.. كان مجروحاً منها، عاملته باستغباء وكانت أقوى منه، بل إنها كانت توحي له بضعفه: "تُراها سألت عني؟ ذلك لن يكون إلا إذا كانت تريد أن تراني معذباً، أو تريد أن تنصحني تلك النصيحة التافهة: اذهب إلى بيتك باكراً"

وعندما هاتفها ذلك اليوم طالباً رؤيتها ردت عليه بفظاظة وأخبرته أنها عائدة إلى البيت: "إنني أدفع معها ثمن تفاهة الآخرين..أمس صعقتني، مثلاً، حين قلت لها إنني أرغب في رؤيتها فصاحت: أتحسبني بنت شارع؟"، ثم فوجيء بأنها خرجت للسهر برفقة صديق، فيقول: "ثم هتفت لها فأبلغتني أنها كانت تشرب نبيذاً، وأنها كانت تسهر مع صديق..وسألتني: لماذا تأخرت؟"

كان ذلك جرحاً إضافياً جعله يحتسي كأس كحول لكل صفحة من صفحات الرسالة حتى تعطلت كتفه وراح يطل من على حاجز الروشة ناسياً لأول مرة إبرة الأنسولين، وبعد شروق يوم 28 ديسمبر كانون أول عام 1966 عرج على شقة غادة ليسلمها الرسالة بنفسه ويمضي غاضباً

وفي رسالة أخرى نجد غسان يسترسل في بث لواعج أشواقه المتدفقة، فيقول: "أيتها الشقية الحلوة الرائعة! ماذا تفعلين بعيداً عني؟ أقول لك همساً ما قلته اليوم لك على صفحات الجريدة: (سأترك شعري مبتلاً حتى أجففه على شفتيك!) إنني أذوب بالانتظار كقنديل الملح. تعالي!

"أحس نحوكِ هذه الأيام – أعترف – بشهوةٍ لا مثيل لها. إنني أتقدُ مثل كهفٍ مغلق من الكبريت وأمام عيني تتساقط النساء كأن أعناقهن بُتِرَت بحاجبيك. كأنكِ جعلتِ منهن رزمةً من السقط محزومة بجدولتك الغاضبة الطفلة..لا. ليس ثمة إلا أنت. (إلى أبدي وأبدك وأبدهم جميعاً)..وسأظلُ أضبط خطواتي وراءك حتى لو كنتِ هواءً.. أتسمعين أيتها الشقية الرائعة؟ حتى لو كنتِ هواءً! ولكنني أريدكِ أكثر من الهواء. أريدكِ أرضاً وعَلَماً وليلاً..أريدكِ أكثر من ذلك. وأنتِ؟"



وعقب نشر تلك الرسائل، تباينت ردود الفعل..من ترحيب البعض بهذا الكشف الأدبي المهم، حتى أن إلياس خوري اعتبر أن "غسان كنفاني اليوم يسطع كما لم يسطع من قبل".. إلى استنكار مزدوج لدى فريق آخر يصل إلى حد التشكيك في صحة أمر العلاقة والرسائل أصلاً، ثم استهجان نشرها. وذهب البعض إلى الاستعداء من أجل مقاضاة غادة السمان، والتلميح إلى مؤامرة تتصل بالنظام العالمي الجديد، حسب إلياس العطروني في مقاله المنشور في جريدة "السفير" بتاريخ الأول من أغسطس آب عام 1992 والذي رأى في نشر الرسائل أمراً "يمكن وصفه بالعورات"

في إحدى الرسائل يخاطب غسان غادة قائلاً: "لقد صرتِ عذابي، وكُتِبَ عليّ أن ألجأ مرتين إلى المنفى، هارباً أو مرغماً على الفرار من أقرب الأشياء إلى الرجل وأكثرها تجذراً في صدره: الوطن والحب

"وإذا كان عليّ أن أناضل من أجل أن أسترد الأرض فقولي لي: أنت ِأيتها الجنيةُ التي تحيك، كل ليلةٍ، كوابيسي التي لا تحتمل ..كيف أستردكِ؟

"أقول لكِ، دون أن أغمض عينيّ ودون أن أرتجف: إنني أنام إلى جواركِ كل ليلة، وأتحسس لحمكِ وأسمع لهاثكِ وأسبح في بحر العتمة مع جسدكِ وصوتكِ وروحكِ ورأسِك، وأقول وأنا على عتبة نشيج : يا غادة يا غادة يا غادة...

"وأغمض عينيّ

"وحين أكتب ليس ثمة قاريء غيركِ، وحين أقود سيارتي في تعب الليل وحيداً أتحدث إليكِ ساعات من الجنون، أتشاجر، أضحك، أشتم السائقين، أسرع، ثم أقف: أحتويكِ وأقبلكِ وأنتشي"

كان غسان كنفاني – الذي تحول جسده إلى شظايا وأشلاء متناثرة يوم السبت الموافق 8 يوليو تموز عام 1972- في مناطق ومساحات كاملة من الرسائل شخصاً في حالة انعدام الوزن. وربما جاز القول بأن الرجل الشرقي في حالات العشق والتضرع والتدله يبدو خفيفاً وطائشاً ومتهوراً ومراهقاً، ولا يحسب لرزانة العمر حساباً


وهو يتحدث في إحدى رسائله عن زوجته الدنماركية آني التي تعرف عليها عام 1961 وطلب الزواج منها بعد أقل من عشرة أيام من تعارفهما، فيقول: "لقد جاءت آني حين كنت قد شرعت، مختاراً ومرغماً، في الانزلاق على هضبة الوحل المغرية والجذابة ، وفي ذات الصباح الذي قررت في مسائه أن أتزوجها كنت على وشك الاتفاق مع امرأة نصف ثرية نصف جميلة ونصف تحبني ونصف شابة على أن نعيش معاً. كانت تلك المرأة نصف الطريق إلى السقوط وأردت أن أجعلها محطتي كي أقبل الرحلة كلها فيما بعد إلى قرار القاع السحيق والمنسيّ

"وجاءت آني ذلك اليوم مثلما تجيء رسالة البشرى من مكان قصيّ مجهول فجعلتها ملجأي للفرار في واحدة من ومضات النبوّة التي تبرق في ضمير كل إنسان على ظهر هذه الأرض. أقول لك الآن: كانت فراراً"

وهو يقول عن الزوجة إنها كانت "بعيدة عني في كل شيء. واحتجت إلى خمس سنوات كبيرة أظل مشغولاً خلالها في ردم الهوة المفتوحة بيننا، وارتكبت مرة أخرى خطأ الاحتيال: فحين عجزت عن ردمها كما ينبغي ردمتها بطفلين"


في حديث صحفي قالت غادة السمان إن "ملف غسان كنفاني مفتوح للحقيقة وللتاريخ ..فقد شكل كتاب "الرسائل" وما جاء بعده, أقوى ضوء ُسلِطَ على غسان كنفاني, وكانت له أصداء أكثر من مهرجانات التأبين التي أقيمت له على مدى عقدين من الزمن..لقد أعاده هذا الكتاب حياً بكامل بهائه الإنساني؛ لأنني وجدت حقيقته أجمل من تمثاله, ولم يسيء أحد إلى غسان كنفاني بقدر ما أساء إليه الذين اتهموني بتشويه صورته, فأنا لم أزور الرسائل ولم أستتر عليها لأنني لم أر فيها ما ينتقص من عظمة غسان, بل ما يضيف اليها"

يقول غسان لغادة في رسالة: "إنني على عتبة جنون ولكنني أعرف قبل أي إنسان آخر أن وجودكِ معي جنونٌ آخر له طعم اللذة، ولكنه- لأنك أنتِ، التي لا يمكن أن تُصلح في قالبٍ أريده أنا- جنون تنتهي حافته إلى الموت!

"أمس رن الهاتف في المنزل، ورفعت السماعة..لم يكن ثمة أحد يتكلم على الطرف الآخر وهمست، بعد لحظةٍ، بصوت جبان: غادة؟

"وهذا كله لا يهمك ..أنت صبيّة وفاتنة وموهوبة..وبسهولة تستطيعين أن تدرجي اسمي في قائمة التافهين، وتدوسي عليه وأنت تصعدين إلى ما تريدين..ولكنني أقبل..إنني أقبل حتى هذه النهاية التعيسة!

"ماذا أقول لكِ؟ إنني أنضح مرارة..يعصر لساني الغضب مثلما يعصرون البرتقال على الروشة، لا أستطيع أن أنسى، ولا أستطيع أن أبعد عن وريدي شفرة الخيبة التي بذلتِ جهداً، يشهد الله كم هو كبير، لتجعلينني أجترعها بلا هوادة!

"لا أعرف ماذا أريد. لا أعرف ماذا أكتب. لا أعرف إلى أين سأنتهي. والآن – خصوصاً – أنا مشوش إلى حد العمى : إن النقرس يفتك بي مثل ملايين الإبر الشيطانية. أشفقي عليّ أيتها الشقية ...فذلك، على الأقل، شيء يقال

"قلتِ: نتحادث في الهاتف..أما أنا فليس لدي قرشٌ أستطيع أن أصرفه، وأن أصرفه خصوصاً على عذاب لا أحتمله. لقد تقوّض هذا الشيء الذي كنته، وأنا حطام، وأعرف أن ذلك شيء لا يسرّك كثيراً، ولكنه حدث: عنوان القصة"حازم؟ أجل حازم، من نوع أكثر صميمية: إنني أكثر شجاعة منه في وجه العدو المعذ َِّب، ولكنني أقل منه شجاعة في وجه الحب"

"حازم :أحد أبطال قصص كتاب غادة السمان "ليل الغرباء

الطريف حقاً في الجدل الذي أثير حول كتاب الرسائل أنها المرة الأولى التي ينافح فيها العربُ عن سمعة رجل ارتكب "خطيئة" الحب، دون أن يبالوا بسمعة ومشاعر الأنثى التي أعلنتْ هذا الحب

في ليل الأول من فبراير شباط عام 1967 يكتب غسان لمحبوبته التي تتجاهله قائلاً


"عزيزتي غادة
يلعن***!

"ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي؟ اليوم في الطائرة قال لي سليم اللوزي أنك كتبت له أو لأمية لم أعد أذكر ، وأمس قال لي كمال إنه تلقى رسالة منك... وآخرين! فما الذي حدث؟ لا تريدين الكتابة لي؟ معلش! ولكن انتبهي جيداً لما تفعلين: ذلك سيزيدني تعلقاً بك!"

أمية : أمية اللوزي زوجة سليم اللوزي رئيس تحرير مجلة "الحوادث"، وكانا صديقين حميمين لغادة وغسان

كمال : كمال طعمة، صديق مشترك كان يشاركهما السهر هو وعاطف السمرا وسواهما من الأصدقاء

وعندما نتأمل تلك الرسائل، سيلفت انتباهنا أن رسائل غسان كنفاني لغادة السمان خطابات "إنسانية" تختلط فيها الصداقة العميقة بلغة العصر وأوجاع الزمن. تختلط فيها الصداقة بالقضايا. ولهذا جاءت رسائل غسان وثيقة "عشق عاقل" إن صحت العبارة

وقد يتساءل القاريء عن رسائل غادة السمان إلى غسان كنفاني..وهي ترد على ذلك بوضوح في كتاب الرسائل قائلة: "وريثما أحصل على رسائلي إليه فأنشرها ورسائله معاً، أكتفي مؤقتاً بنشر رسائله المتوافرة، بصفتها أعمالاً أدبية لا رسائل ذاتية أولاً ووفاء لوعد قطعناه على أنفسنا ذات يوم بنشر هذه الرسائل بعد موت أحدنا"

وهي بالمناسبة لم تنشر رسائله كلها، فقد ضاع بعضها – بحسب غادة- إثر احتراق منزلها ببيروت عام 1976، وما تبقى نشرته بعد حذف المقاطع السياسية التي لا بد أنها قد حملت جزءاً كبيراً مما لم يتضمنه أدب غسان كنفاني

وربما جاز لنا أن نشير إلى أن أرشيف غادة السمان غير المنشور والذي أودعته في أحد المصارف السويسرية، يضم مجموعات من الرسائل تعد غادة بنشرها "في الوقت المناسب". ولأن غادة كانت نجمة في سماء بيروت الثقافية في عقد الستينيات فإنه من المتوقع أن تؤرخ هذه الرسائل لتلك الحقبة

ومن المنتظر أيضاً أن تكشف عن علاقات عاطفية لم تكترث غادة لإخفائها آنذاك، خاصةً مع ناصر الدين النشاشيبي الصحفي الفلسطيني الذي كشف عن وجود رسائل عاطفية موجهة له من غادة في أواسط الستينيات. وقد تحدث النشاشيبي عن "علاقة حب عاصفة جمعتني بالأديبة غادة السمان، وجمعتني لقاءات بها قبل أن تتزوج، وشرفتني بالزيارة إلى منزلي بجنيف وأقامت معي. وما كتبته في كتابي "المرأة تحب الكلام" تحت عنوان "كاتبة الليل" كان عن غادة السمان". ومن الأسماء الأخرى المرشحة لنشر رسائلها مع غادة، الشاعر الفلسطيني كمال ناصر الذي اغتيل في أبريل نيسان عام 1973 في حي فردان في بيروت على يد فرقة كوماندوز إسرائيلية قادها إيهود باراك

استقبلت غادة – حسب تصريحها– أكثر من مئتي مقالة نقدية كانت قد كُتبت حول ذلك الكتاب، نصفها مؤيد للنشر ونصفها ضد خطوة النشر. وأصدرت غادة المحاورات التي دارت معها على هامش انفجار "رسائل غسان" في كتاب حمل عنوان "محاكمة حب" وصدر في نوفمبر تشرين الثاني عام 2004

تتعدد إهداءات هذا الكتاب كتعدد وجوه قطعة الألماس التي كان غسان تمثيلاً رائعاً لها، فهي تهدي كتاب المحاورات الساخنة: "إلى الذين دعموني في خطوتي البيوغرافية غير المسبوقة" رسائل غسان إلى غادة" والمليئة بالثقوب لأنها محاولة أولى، وشجعوني بلا تحفظ ، وإلى الذين وقفوا بتحفظ مع صرختي ضد همجيتنا الأبجدية المتمثلة في إحراق بعض أوراق راحلينا المبدعين في غياب مؤسسة عربية ترعى الميراث الثقافي للراحلين، وأهديه أيضا إلى الذين هاجموني، فقد تتبدل بعض قناعاتهم المتكلسة".. ثم تهديه أولاً إلى: "الذين حاوروني حوله، ومنحوني الفرصة للتعبير عن وجهة نظري التي لا تخلو من الهنات ككل ما هو بشري"

لقد أحب غسان كنفاني هذه المرأة حباً زلزل كيانه، إلى الحد الذي يقول لها فيه: " لم أعرف أحدا في حياتي مثلك، أبداً أبداً. لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبداً أبداً ولذلك لن أنساكِ، لا...إنك شيء نادر في حياتي. بدأت معكِ ويبدو لي أنني سأنتهي معكِ"

لكن غسان لم ينته.. فقد بقي، في حين زال واندثر آخرون

تابع القراءة

gravatar

خلافات أهل الثورة 2: الضرب قبل الحوار أحياناً



قطار الشقاق والإهانات والشتائم من جانب رجال ثورة يوليو، اجتاز كل المحطات

وفي أزمة مارس 1954 اتخذ مجلس قيادة الثورة قراراً بالتنحي وترك رئاسة الجمهورية لمحمد نجيب ورئاسة الوزراء لخالد محيي الدين، وذلك بعد توتر الموقف واعتصام ضباط الفرسان ..لكن صلاح نصر اتصل بالبكباشي محمد سيد عبد الرحمن قائد الكتيبة 13 مشاة، وقوات الأمن في بعض الأسلحة الأخرى لمحاصرة سلاح الفرسان بهذه القوات، لإبطال تأثير خروج المدرعات. كما اتصل صلاح نصر بعلي صبري وكان في منزله وطلب منه إخراج طلعة جوية فوق معسكر سلاح الفرسان لتخويفهم وتهديدهم

في لحظات الأزمة كان الجو مكهرباً بين أعضاء المجلس .. والبعض منهم تدمع عيونه. وما إن سمعوا أزيز الطائرات حتى فهم عبد الحكيم عامر أن صلاح نصر فعل شيئاً، فخلع علامات رتبه العسكرية وألقاها على الأرض وقال له: "تعال اشتغل أنت قائد بقى". وحدث بين عامر وصلاح نقاش حاد حول هذه التحركات بدون تعليمات منه بصفته قائد القوات المسلحة آنذاك

وكان لجمال سالم – الذي اشتهر بعصاه التي كان يحملها معه دائما- مواقف خاصة، منها رفضه خروج مظاهرات شعبية لاستقبال عبد الناصر عقب عودته من باندونغ، بالرغم من اتفاق زملائه أعضاء المجلس على ذلك ..واستدعى جمال سالم إلى مكتبه زكريا محيي الدين وأحمد طعيمة وإبراهيم الطحاوي لمناقشتهم فيما ورد إليه من أنباء حول هذا الموضوع، فأنكروا أمامه أنهم يدبرون استقبالاً شعبياً. وهنا قال لهم ساخراً: "يبقى لازم السفير البريطاني هو اللي بيرتب الاستقبال"

بل إن جمال سالم أجرى تحقيقاً مع خليل عبد الناصر عم جمال عبد الناصر أثناء وجود الأخير في باندونغ. وعندما طلب المجلس من علي الشمسي الاستقالة من عمله كمحافظ للبنك الأهلي ورفض الشمسي التنفيذ، استدعاه جمال سالم إلى مكتبه واعتدى عليه بالضرب والسباب بالرغم من قرابته لعلي صبري

وعصبية جمال سالم كانت سبباً أيضاً في استقالة كمال الدين حسين الأولى (فكلهم استقالوا أكثر من مرة)، لكن الأخير سحب استقالته بعد عودة عبد الناصر من باندونغ. وجاءت استقالة كمال الدين حسين النهائية بعد خطابه الشهير إلى عبد الناصر الذي بدأه بقوله: "اتق الله.." وبعد ذلك بثلاثة أيام، أي في 15 أكتوبر تشرين أول عام 1965، صدر الأمر باعتقال كمال الدين حسين وتحديد إقامته في فيللا بالهرم عليها حراسة مشددة ومدعمة بالمدافع.. ثم أرسل كمال الدين حسين رسالة أخرى مماثلة إلى عامر وصفها الأخير في رده على كمال بأنها تبدو وكأنها مرسلة من كمال رسول الله إلى عبد الحكيم كسرى أنو شروان"

وعندما نشب خلاف بين جمال سالم وصلاح نصر في يونيو حزيران عام 1953 بعد أن دار حديث جاف بينهما في مكتب عبد الحكيم عامر.. أبلغ عباس رضوان صلاح نصر بأن جمال غاضب بدرجةٍ كبيرةٍ منه وأنه يهدد بقتله لأنه يعتبره قد أهانه.. وعرض عليه التصالح مع جمال سالم في حضوره.. لكن صلاح نصر اضطر إلى حمل طبنجته معه أثناء جلسة الصلح بعد إحدى ثورات غضب جمال سالم، الذي كان معروفا عنه إفلات زمام أعصابه لأتفه الأسباب

وفي فبراير شباط عام 1954 حينما بدأت أزمة مارس تتبلور، وجه أحد الضباط الأحرار، وهو الصاغ ربيع عبد الغني من سلاح المدفعية في مكتب المشير عامر، عبارة إلى جمال سالم لم تعجبه، إذ قال له حينما سمعه يسب محمد نجيب: "اللي مش عاجبه يستقيل".. وإذا بجمال سالم يمسك بربيع عبد الغني ويلطمه على خده.. وصاح ربيع قائلاً: "أتضربني يا جمال؟!".. فتدخل الواقفون لمنع تدهور الموقف

وكان جمال سالم أكثر أعضاء مجلس الثورة تحمساً للتخلص من نجيب، لدرجة أنه صرح بأنه على استعداد لأن يطلق النار على محمد نجيب ويخلص البلاد من شروره ثم يسلم نفسه إلى المجلس لمحاكمته، ويكون بهذا قد أدى واجباً وطنياً لمصر!.. بل إن جمال سالم اعتدى بالفعل على الرئيس نجيب بالضرب أثناء توديع العاهل السعودي الملك سعود لمصر في نهاية مارس آذار عام 1954، فطلب نجيب من سعود حمايته

وجمال بعصبيته المفرطة كاد يفتك بسائقه الخاص عندما تأخر عليه بضع دقائق فأوسعه ضربا بالأيدي وركلاً بالأقدام .. ثم أعطى السائق خمسة جنيهات ليسترضيه عندما وجده يبكي ويبرر تأخره بتناول طعام الإفطار

وبعد الإنذار البريطاني الفرنسي وعمليات إنزال القوات المعتدية أثناء العدوان الثلاثي على مصر، كان رأي صلاح سالم أن الاستمرار في الحرب سيؤدي إلى تدمير مصر وإن على المجلس أن يسلم إنقاذا للبلد، فوصمه جمال عبد الناصر بالجبن .. وقد أثر هذا في صلاح سالم فشكا لعدد من زملائه في المجلس بمرارة وقال: "أنا لست جباناً وسأتحرك إلى السويس لأحارب كجندي تحت قيادة القائد العسكري هناك".. وبالفعل سافر جمال، وأصبح مسؤولاً عن الدفاع عن منطقة السويس

ومثلما هاجم صلاح سالم من قبل نجيب والبغدادي وغيرهما من أعضاء المجلس، فقد انبرى للهجوم عليه عقب استقالته كلٌ من إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة

وكان عدد من رجال ثورة يوليو وراء واقعة الاعتداء على العلاَّمة الدكتور عبد الرزاق السنهوري رئيس مجلس الدولة، في 29 مارس آذار عام 1954، كما أوردها من دبرها وشارك فيها أي اليوزباشي حسين عرفة رئيس إدارة المباحث الجنائية العسكرية في 1954، والتي تضمنها كتاب أحمد حمروش عن "شهود يوليو"

يعترف عرفة بأن ما يسميه حادث مجلس الدولة أبرز ما قامت به المباحث الجنائية، إذ استدعاه أحمد أنور قائد الشرطة العسكرية عندئذ وقال له: نريد منع اجتماع مجلس الدولة بالعنف أو بالحسنى، ولكنه حذره من وفاة أي شخص، وأعد عرفة خطة بالتعاون مع كل من إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة المسؤولين في هيئة التحرير التنظيم الذي أنشأته الثورة وتوجه هو إلى مقر مجلس الدولة، وطلب مقابلة الدكتور السنهوري، بدعوى تحذيره من حدوث مظاهرات ضد المجلس، ولما رفض السنهوري المقابلة، أرسل عرفة شاويشا إلى طعيمة والطحاوي فتدفقت المظاهرات التي قاما بتدبيرها، ومعها بعض جنود المباحث الجنائية في ملابس مدنية نحو المجلس وهي تهتف الموت للخونة وتحاصر المجلس الذي كانت أبوابه مغلقة بسلاسل حديدية

ويضيف عرفة قائلاً: طلب رئيس المجلس أي السنهوري مندوبين عن المتظاهرين ففتحت الأبواب وتدفق المتظاهرون، وهجموا يعتدون على أعضاء الجمعية العمومية، وتظاهرت بأني أمنعهم من ذلك.. وعندما حاول السنهوري وأحد المستشارين الآخرين مخاطبتهم من بلكونة المجلس اعتدوا عليهما بالضرب أيضاً. توتر الموقف، فاقترحت أن يعد أعضاء المجلس بياناً تذيعه الإذاعة، وفعلا كتبوا بياناً لا يؤيد الثورة، قرأه مستشار اسمه عبد الخبير فضربوه أيضاً هاتفين تحيا الثورة، تسقط الرجعية وأعاد المستشارون صياغة بيان جديد، أخذته منهم، وافتعلت تمثيلية بأنه قد أغمي علي من الجهد وأنا في موقف المدافع عن أعضاء المجلس.. وهنا كان قد حضر صلاح سالم فأعطيته البيان الجديد وخرج به إلى مجلس الثورة

أما توفيق عبده إسماعيل فقد حدث أثناء أزمة سلاح الفرسان أن اصطحبه ذات ليلة أحمد أنور ومجدي حسنين وإبراهيم الطحاوي إلى المنزل ..حيث اقتادوه إلى القيادة بعد أن أخذوا معهم منشورات الضباط الأحرار .. وهناك قابل عبد الحكيم عامر الذي قال له هامسا ً: "الأولاد عايزين يدبحوك ..خليك جامد وأوعى تنخنخ"

وشكلت لجنة تحقيق معه مؤلفة من البغدادي وصلاح سالم وزكريا محيي الدين حول الأزمة التي أعقبت حركة اعتقالات ضباط المدفعية في 15 يناير كانون أول عام 1953 .. وفي 18 يناير كانون أول عام 1953 قال له عامر: "أنا نجحت في إخراجك من الموضوع. خذ عربتك وسافر إلى بلدكم لمدة أسبوعين ,وبعدين تعالى!"

خالد محيي الدين كاد أن ينال علقة على يد الضباط بعد الاقتراح بتعيينه رئيساً للوزراء، لكن جمال سالم ضربهم ركلاً بالأقدام، في حين سحبه عامر إلى خلف مكتبه.. ولكن جمال سالم نفسه أيد مع صلاح سالم وكمال الدين حسين وأنور السادات وحسن إبراهيم، اعتقال خالد محيي الدين بعد اتهامه بتشجيع ضباط السواري على التحرك ضد قيادته وإحداث شرخ في الجيش .. واقترح هذا الفريق تحديد إقامة خالد في مرسى مطروح.. في حين رأى عامر سفره إلى الخارج .. لكن ناصر حسم الموقف

كما اعتدى وحيد الدين جودة رمضان على خالد محيي الدين أثناء هذه الأزمة بالسباب، فآثر خالد العودة ثانية إلى غرفة مجلس قيادة الثورة بالطابق الثاني من المبنى. وكان ضباط الثورة يزورون زملاءهم في السجن.. بل إن عامر وهو قائد عام القوات المسلحة ذهب إلى السجن عدة مرات وقام بزيارات ودية لبعض الضباط الأحرار المسجونين

الطريف أنه لم تتعد مدة سجن الضباط المحكوم عليهم بالمؤبد مثلاً، أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات.. حتى انتشرت طرفة رددها الضباط قائلين: "لو عاوز تروح مدير شركة، اعمل انقلاب .. ولو صوري!"

هكذا كانت قيادات مجلس الثورة .. وهكذا كان يتعامل الضباط الأحرار مع بعضهم البعض بعد أن وصلوا إلى السلطة وتبوأوا المناصب وأصبحوا مستوزرين ومسؤولين رفيعي المستوى

وهكذا كانت الثورة تمحو آثار ملكية فاسدة لتبني فوقها جمهورية فاسدة أيضاً
تابع القراءة

gravatar

خلافات أهل الثورة 1: القطط..والرفاق

قالوا إنها ثورة، ورأى البعض أنها انقلاب، وتصور فريق ثالث أنها تمرد.

لكن ما يشغلنا بعد مرور خمسة وخمسين عاما على ثورة 23 يوليو - حسب التسمية الرسمية- هو أهلها، صناعها، ورجالاتها..فالذي يطالع صفحات التاريخ يصدمه هذا الكم المؤسف والمؤذي من المشاحنات والصدامات بين هؤلاء الضباط الذين عصفت بوحدتهم الخلافات ولعبة الصراع على السلطة.

لم يفلت "الضباط الأحرار" من الجملة المأثورة: الثورات تأكل أبناءها.
معمعة الخلاف والشقاق وألوان الشتائم وأصناف الإهانة، انفتحت ثغرةٌ معيبة ربما كانت من أهم الثغرات التي ولدت منها هزيمة يونيو حزيران 1967 التي بلغت سن النضج بعد تجاوزها عامها الأربعين.. وبالرغم من أننا نشعر بالأسى ونحن نتحدث عن هذه الخناقات - التي نرى الفرق بينها وبين الخلافات واضحاً جداً، فهى تلك التصرفات الهوجاء والألفاظ المهينة والسلوكيات الطائشة التي أقدم عليها بعض أهل الثورة ورجالاتها في مصر- فإننا مضطرون إلى فتح هذه الصفحة في رحلتنا للبحث عن الحقيقة.. حقيقة ثورة يوليو وجذور هزيمة يونيو.

فلنبدأ بالزعيم المصري جمال عبد الناصر نفسه .. ففي أثناء أزمة سلاح الفرسان يروي صلاح نصر رئيس المخابرات العامة آنذاك أن عبد الناصر اضطر إلى سحب طبنجته ووضعها على رأسه وهو واقف فوق مائدة الاجتماعات ..وهدد بقتل نفسه إذا ما حدث صدام بين وحدات الجيش وأسلحته المختلفة.


وأثناء أزمة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 يروي صلاح نصر أيضاً أن عبد الناصر اقترح على أعضاء مجلس الثورة الانتحار كحل أخير في حالة الهزيمة بدلا من الإذعان لفكرة الاستسلام للإنذار الغربي التي روج لها عدد من أعضاء المجلس. وبالفعل كلف عبد الناصر زكريا محيي الدين كي يعد كمية من عبوات سيانيد البوتاسيوم تكفي أعضاء مجلس الثورة لاستخدامها لو لزم الأمر.

ولا يخفي على أحد أن عبد الحكيم عامر، قائد عام القوات المسلحة والصديق الحميم لعبد الناصر، اختلف معه أكثر من مرة .. وكانت خلافاتهما حادة ومباشرة لصداقتهما القوية ورفع التكليف بينهما. ويذكر الكثيرون كيف أن خلافاتهما تصاعدت في أعقاب هزيمة يونيو حتى وصلت إلى حد الخصام والقطيعة..وتبادل الاثنان الشكوى لزملائهما الضباط الأحرار من تعنت الطرف الآخر وتشدده دون أن يحسب حساباً لمصلحة مصر بعد الهزيمة المريرة ..وكم رفع خصوم عنوان حب مصر ومصلحة البلد لتبرير مواقفهم وقراراتهم الخاطئة.
عبد الحكيم عامر بدوره لجأ إلى بلده ومسقط رأسه "اسطال" - مركز سمالوط بمحافظة المنيا- بعد أن رفض عروضاً لتسوية الخلاف مع عبد الناصر، منها تنحيهما معا عن السلطة أو تعيين عامر نائباً للرئيس ..والأهم من ذلك كله عزل عامر من منصب قائد القوات المسلحة. وكلما اختلف عامر مع ناصر كان الحل المناسب الذي تكرر كثيراً هو الاختفاء عن الأنظار .. فتارةً يذهب إلى مرسى مطروح، وتارة أخرى يلجأ إلى بلدته اسطال.. إلى أن انتهت الصداقة بالقطيعة التامة..والوفاة الغامضة للمشير.

خلاف آخر نشب بين عبد الناصر وعامر حول مبدأ الانسحاب من سيناء أثناء فترة العدوان الثلاثي. وحين أصدر عامر قراراً بسحب القوات من سيناء اعترض عليه عبد الناصر وبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة مثل عبد اللطيف البغدادي وزكريا محيي الدين، إلى الحد الذي جعل عبد الحكيم عامر يثور ويطلب التنحي عن قيادة القوات لزكريا محيي الدين.. الأمر الذي دفع عبد الناصر إلى الاستجابة لرأيه.

وقد ترك هذا الأمر أثراً سيئاً في نفس كل من عبد الناصر وعامر، وربما تكون هذه الواقعة بداية الحساسية التي استمرت بين الصديقين عامر وعبد الناصر حتى عام 1967 رغم حدوث مصالحات بينهما على مدار تلك الأعوام.

وكان عبد الناصر على خلافٍ مع عامر بشأن مجموعة من القضايا والأحداث، إذ كان يعتبر الأخير سبباً رئيسياً من أسباب الانفصال وفشل تجربة الوحدة مع سوريا، فحاول الحد من اختصاصاته باتخاذ قرار من مجلس الرئاسة.. لكن عامر قدم مشروعاً يطلب فيه زيادة صلاحياته ومنحه سلطة رئيس الجمهورية، فغضب جمال من تفكير عامر وتقديمه لمشروعه وقال لعبد اللطيف بغدادي إنه لن يحضر جلسة مجلس الرئاسة ولن يقوم بعمله كرئيس للجمهورية إلى أن يبت في هذا الموضوع..غير أن عامر انسحب من جلسة مجلس الرئاسة التي نظرت في قرار يحد من سلطته وخرج ليقدم استقالته، بعد أن غادر القاهرة إلى مرسى مطروح دون أن يبلغ أحداً عن مكان إقامته. ولم تهدأ النفوس إلا بعد تراجع عبد الناصر عن قبول الاستقالة وتنفيذ القرار.

وفي الخامس والعشرين من أغسطس آب عام 1967، وفي حضور أعضاء مجلس قيادة الثورة، اتهم عبد الناصر صديق عمره المشير عامر بالتآمر، فلم يتمالك عامر أعصابه وبدأ ينفعل بشدة، فقال له عبد الناصر: "الأمور واضحة، أنت رجل متآمر، وعليك أن تقدر الموقف الصعب اللي بنمر فيه وعليك أن تلزم بيتك من الليلة"
.

وعندما رفض عبد الحكيم عامر هذا القرار، حاول بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة - وفي مقدمتهم أنور السادات- إقناع المشير بقبول هذا القرار، إلا أنه قال لهم في غضب: "أنتم بتحددوا إقامتي وبتحطوني تحت التحفظ.. قطع لسانك يا...".

في تلك الليلة نال السادات وابلاًَ من الشتائم التي يعف اللسان عن ذكرها.


ولأن اللواء محمد نجيب بعد اختياره أول رئيس لمصر بعد الثورة بدأ يتصرف على أساس أنه زعيم الثورة وليس مجرد واجهة، فإن زملاءه من أعضاء مجلس القيادة ثاروا عليه، فكان المجلس يتجاهله في كثير من المناسبات ولا يدعونه لحضور الاجتماعات في حين كان البعض يسبه بأقذع الشتائم جهاراً. وقد تزعم هذا الفريق الشقيقان جمال وصلاح سالم، والأخير استطاع أن يؤلب المجلس على نجيب، فبينَّ لهم خطورة نشاطه وخاصة عقب زيارته بلاد النوبة في الأسبوع الأخير من نوفمبر تشرين ثان عام 1953.

وبالطبع لم يكن عبد الناصر راضياً عن تصرفات نجيب الذي كان حريصاً على تأكيد زعامته للثورة إعلامياً.. ولما كان مقرراً أن يسافر عبد الناصر بالقطار من القاهرة إلى الإسكندرية بصحبة كل من عامر وصلاح سالم لحضور مؤتمر شعبي هناك، علم عبد الناصر أن نجيب قرر السفر معهم، فاستقر رأي عبد الناصر على السفر مع زملائه بالسيارات وترك نجيب وحده يسافر بالقطار. وأثناء المؤتمر ألمح عبد الناصر في الكلمة التي ألقاها بما أثار نجيب.. عندما ناشد الحاضرين ألا ينخذعوا وراء أي منافق أو مخادع، فبدت على نجيب علامات الغيظ والعنف بعد أن أدرك أن هناك محاولات للحط من هيبته وإظهاره بمظهر الواجهة السياسية فقط لا غير.

وازداد الخلاف بين محمد نجيب وأغلب أعضاء مجلس الثورة.. فكان المجلس في البداية يجتمع في مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة مرةً كل أسبوع، وهو يوم الأحد، وكانت تظهر أثناء المناقشات خلافات في الرأي تزعج عبد الناصر الذي أراد تفويت فرصة استغلال نجيب لهذه المسألة، فأقنع باقي أعضاء المجلس بالاجتماع في منزله قبل اجتماع يوم الأحد لمناقشة الموضوعات والاتفاق عليها بعيداً عن نجيب حتى لا تظهر الخلافات بينهم.


وبالعودة إلى الشقيقين جمال وصلاح سالم، فإننا نلاحظ أن الكثير من المراجع والمصادر تؤكد أنهما تهجما على نجيب مراراً ..وكثيراً ما كان يسمع سبابهما له في كل مكان. وأثناء مناقشة الخلاف بين مجلس الثورة ونجيب وذلك في مكتب عامر، كان يضرب على منضدة بالمكتب تمثال نصفي متوسط الحجم لمحمد نجيب مصنوع من الجبس. وفجأة دفع جمال سالم في ثورة غضبٍ التمثال بقدمه، فسقط على الأرض وتهشم إلى قطع متناثرة.


أما جمال عبد الناصر فقد قال لمحمد نجيب في اجتماع مجلس قيادة الثورة في 20 ديسمبر كانون أول عام 1953: "أنت عارف إزاى جبناك" ووصفه بالانعزالي، فاشتكى نجيب لعامر بأن المجلس يريد أن يجعل منه "طرطوراً" .. بل إن عبد الناصر – كما يروي صلاح نصر في مذكراته – أخذ يسب نجيب، وأوصى إسماعيل فريد – ياور نجيب– بأن يبلغ الرئيس هذا السباب، وكانت المناسبة إصرار نجيب على حضور الذكرى السنوية لوفاة الشيخ حسن البنا المرشد السابق لجماعة "الإخوان المسلمين" في 12 فبراير شباط عام 1954.

وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير لتفجر الموقف في 21 فبراير شباط عام 1954 عندما حضر محمد نجيب إلى مبنى مجلس قيادة الثورة لحضور اجتماع المجلس الأسبوعي.. وكان من المعتاد أن يصعد أعضاء المجلس إلى مكتب نجيب حيث كان يعقد الاجتماع ..لكن الرجل ظل ما يقارب الساعتين دون أن يصعد إليه أحد يخبره بالاجتماع، فأرسل سكرتيره الخاص إسماعيل فريد إلى أعضاء مجلس الثورة الذين كانوا مجتمعين في مكتب عبد الناصر ليستفسر منهم عن سبب تأخرهم في الصعود إلى نجيب لعقد الاجتماع ..فما كان من جمال سالم إلا أن ثار كعادته وأخذ يسب نجيب ويلعنه. وعلم نجيب بما حدث فآثر السلامة وغادر مبنى مجلس قيادة الثورة.


ووصلت الخلافات بين محمد نجيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة إلى ذروتها عندما اتخذ المجلس قراراً في غيبة نجيب بإعطاء صلاحياته في حالة عدم انعقاده إلى جمال عبد الناصر الذي تفرغ لمنصب رئيس الوزراء، ثم تعيين زكريا محيي الدين وزيراً للداخلية وجمال سالم وزيراً للمواصلات دون أن يحلفا اليمين أمامه.

وقبل أزمة مارس آذار عام 1954 أصدر مجلس قيادة الثورة بياناً اتهم فيه نجيب بأن لديه نزعة ديكتاتورية.. وبعد مظاهرات الجماهير في الشوارع مطالبة بعودة محمد نجيب رئيساً لمصر، قرر مجلس الثورة إعادته لرئاسة الجمهورية وتعيين خالد محيي الدين رئيساً للوزراء..لكن بعد ساعات من هذا القرار، فوجيء محمد نجيب باليوزباشي كمال رفعت واليوزباشي داود عويس يعتقلانه تحت تهديد السلاح ويصطحبانه عمداً إلى "ميس" سلاح المدفعية بألماظة، حيث بقي محتجزاً في غرفة مغلقة حتى الظهر عندما حضر حسن التهامي وأبلغه بأن خالد محيي الدين كان يدبر انقلاباً، واتهمه بالضلوع في الأمر.

وبعد إعفاء محمد نجيب من منصب رئيس الجمهورية، جرى تحديد إقامته لينتهي به الأمر حبيساً في قصر زينب الوكيل في ضاحية المرج أقصى شرق القاهرة حتى عام 1982، إلى أن نقلوه إلى شقة أكثر ضعة لحين وفاته عام 1984.

لم يجد نجيب طوال سنوات إقامته الجبرية من سلوى إلا تربية القطط والكلاب التي كان يردد أنها أكثر وفاءً من كثير من البشر.

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator