المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (4): الرجل الأول..والأول مكرر




كانوا يطلقون عليه سراً اسم الرجل الأول "مكرر"

ارتبط اسمه برتبته العسكرية: "المشير"، واختارت دائرته المقربة أن تناديه "يا ريس".. لكن نفوذه الأبرز ظل حتى النهاية مستوحى من صفته الأهم: صديق الرئيس

وصداقة الرجل الأول في بلادنا تعني الكثير

كانا معاً في كل مكان: الكلية الحربية في القاهرة عام 1937، السودان عام 1941، حرب فلسطين 1948، إنشاء وتكوين تنظيم الضباط الأحرار الذي قاد ثورة 23 يوليو 1952
مدنٌ وشوارع ومنازل لا تُنسى، التقت فيها مصائر الرجلين الأول و"الأول مكرر"، حتى انتهى الأمر بينهما بموتٍ مأساوي

الفراق بين الصديقين حمل عنواناً لافتاً: الحب..والحرب
وما بين الحب والحرب حرف واحد..وعلاقة من أخطر ما يكون

الحب كان اسمه برلنتي..والحرب كان قناعها حرب السويس 1956 وجوهرها حرب يونيو حزيران 1967
والأكيد أن ما أقامته الصداقة بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر في سنوات، هدمته حرب يونيو 1967 في ساعات
لقد ابتلعت الهزيمة العسكرية كل ما أمامها، وتدحرجت رؤوس على مذبح السلطة..وكانت رأس عبد الحكيم عامر أبرز تلك الرؤوس التي أسقطتها حرب 1967
وتبقى قصة المشير عبد الحكيم عامر مأساةً تستحق أن تُروى، فالصداقة القوية بين عبد الناصر وعامر دفعت الأول
للتراجع في أكثر من مناسبة كلما احتدم الخلاف مع المشير لحرصه على العلاقة الشخصية بينهما، الأمر الذي أعطى عامر حقوقاً يرى كثيرون أنها أكثر مما يستحق

وفي المقابل، يؤمن أنصار المشير عامر بأنه تحول إلى كبش فداء في محرقة ما بعد حرب يونيو 1967، وإنه ليس المسؤول الأول أو الوحيد عن تلك الهزيمة العسكرية لمصر والعرب

كان عامر يقولُ عن نفسه: "أنا لا أفهم في السياسة..أنا أفهم فقط أن الخط المستقيم أقصر مسافةٍ بين نقطتين"
وبالرغم من ذلك، فقد تنقل عامر بين أرفع المناصب السياسية، وقاد المؤسسة العسكرية لكي تكون درعاً للسلطة التنفيذية

وإذا كان عامر قد نجح في أن يصبح السند الأساسي والأمين للنظام طيلة السنوات الأربع عشرة التي قاد خلالها القوات المسلحة، فإن الأكيد بالمقابل هو أن ثمن ذلك كان باهظا على تركيبة النظام وسمعته وأدائه

والشاهد أن عبد الناصر كرر خطأ الملك فاروق، وكأن الجمهورية في مصر تسير على خُطى الملكية..حتى في أخطائها


يقول الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل إن المشير عامر لبعض الفترات ونتيجة للظروف كان أحبَ أعضاءِ مجلس قيادة الثورة إلى جمال عبد الناصر. ويرى هيكل أن جزءاً من مأساة 1967 كان نتيجة حب عبد الناصر لعامر، ذلك أن هذا الحب حال دون أن يقتنع عبد الناصر بدرجةٍ كافية بأن عبد الحكيم عامر لا يصلح للقيادة

وبكلماتٍ دالة، يقول هيكل: "إن عبد الحكيم عامر كان نصف فنان ونصف بوهيمي، ولطيفاً جداً، ولكنه عسكرياً توقف عند رتبة الصاغ، أي أنه يستطيع أن يقود كتيبة لكنه لا يستطيع أن يقود جيشاً"

ويأخذ المؤرخون على الملك فاروق عجزه عن اختيار قائد محترف للجيش، إذ استند إلى حيدر باشا، الذي كان موضع ثقته ويدين بالولاء المطلق له، لكنه لم يكن يعرف كثيرا عن الجيش ولا اهتم بتدريبه وتسليحه، كان في الأصل ضابط مطافئ ونجح مدير مكتبه أو سكرتيره صلاح سالم في أن يحجب عنه ما يريد من معلومات ووقائع، وكان أن ظهر ضعف الجيش في حرب ١٩٤٨، والتي سميت النكبة

ويبدو أن عبد الناصر وقع في الخطأ نفسه، فقد أسلم الجيش لموضع ثقته المطلقة المشير عبد الحكيم عامر، الذي توقفت معلوماته وتدريباته العسكرية عند رتبة "رائد" وكان أن ترك الجيش لمدير مكتبه شمس بدران، وكانت النتيجة أن وقعت الهزيمة في ١٩٦٧ وسميت هذه المرة "النكسة"

وفي 17 يوليو تموز 2007 وتحت عنوان "اللواء فؤاد نصار يواصل حواره لـ "المصرى اليوم": (٢-٤) أمريكا شاركت في القتال خلال حرب أكتوبر .. وأسقطت طائرة مصرية" نشرت جريدة "المصري اليوم حديثاً حملَ فيه اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية أثناء حرب أكتوبر ومدير المخابرات العامة الأسبق، المشير عبد الحكيم عامر والرئيس جمال عبد الناصر مسؤولية الهزيمة، مؤكداً أن تعيين عامر الذي كان مجرد رائد رئيساً للأركان رسَّخ عادة مصرية استمرت بعد ذلك وهي تعيين أهل الثقة وليس أهل الخبرة


وبالحرف الواحد قال اللواء نصار عن النكسة: "نعم.. عامر هو المسؤول عنها. كيف يتحول رائد شاب إلى مشير بقرار واحد وليكون قائداً للقوات المسلحة.. عملية الترقية هذه كانت ذات دوافع شخصية كاملة"


لم تصمد الصداقة أمام نيران القصف الخارجي، فتحولت إلى قصف داخلي
الصداقة التي بدأت بالأحضان، انتهت بلعبة لي الذراع
ومن صداقةٍ أذهلت الجميع بقوتها ومتانتها، إلى نهاية غامضةٍ قيل إن سببها سمٌ داخل علبة جوافة


إنها صداقة عُمرٍ ولدت عام 1937 وماتت عام 1967.. 30 سنة هي عمر تلك الصداقة التي جمعت بين الرئيس جمال عبد الناصر والمشير محمد عبد الحكيم عامر

لم يتجاوز فارق السن بينهما عامين، إذ ولد جمال عبد الناصر في 15 يناير 1918، في حين ولد عبد الحكيم عامر في 11 ديسمبر كانون ثانٍ ١٩١٩.. غير أن شهر سبتمبر أيلول جمع بينهما عند الرحيل، فقد مات عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، فيما فارق عامر الحياة في 14 سبتمبر 1967
كلاهما من أبناء الصعيد، الأول من بني مر، مركز الفتح بمحافظة أسيوط، والثاني من أسطال مركز سمالوط بمحافظة المنيا..لكن القاهرة شهدت لقاءهما الأول والأخير
صداقة ربما تكون ابنة واقع تكامل الشخصيتين: جمال الجاد القارئ والساحر بغموضه.. وعبد الحكيم المرح الدافئ والآسر للقلوب

ويذكر أمين عام رئاسة الجمهورية عبد المجيد فريد أن: "علاقته (أي عبد الناصر) مع المشير عامر علاقة خاصة وتحتاج إلى دراسة، لأنه هو الوحيد الذي كان تتميز علاقته مع الرئيس بحاجة خاصة، وقال لي مرة الرئيس في جلسةٍ من الجلسات: "إحنا أصلاً صعايدة سوا، وطلعنا ضباط سوا ..وأخذنا شقة مع بعض في القاهرة.. وهو اللي علمني السجاير.. ورحنا سوا مع بعض في منقباد وجه قبلي، وعبد الحكيم أنا الوحيد اللي أدخل بيته، وأدخل أسرته حتى لو ما كانش موجود..والعكس عندي بييجي ويدخل عندي وعند أسرتي دون إذني.. الوحيد".. فكانت علاقته مع عبد الحكيم علاقة خاصة جداً"


والثابت أن ما غلب على عامر من شعور طوال نحو ثلاثة عقود من العلاقة مع عبد الناصر - بمدها وجزرها - هو خليطٌ من إعجاب وولاء ومحبة، متراكبة مع بعض من غيرة، ومن سعي حثيث للندية
يقول عضو تنظيم الضباط الأحرار أحمد لطفي واكد: "قبل أن ألتقي بعبد الحكيم عامر لأول مرة في أوائل عام 1951، كان عبد الناصر قد حدثني عنه بكثيرٍ من المحبة والثقة حتى تصورتهما "توأمين"، ولما عرفت عبد الحكيم اكتشفت أن ما بينهما من علاقةٍ يتجاوز الالتقاء الفكري والوطني والسياسي إلى حبٍ أخوي صوفي"
وكان عبد الناصر يقول: "إذا أردت أن أفكر في أي موضوعٍ أو أحل أية معضلة فإنني أتكلم بكل حريةٍ مع عبد الحكيم إلى أن تتبلور أفكاري"

صداقة تشبه اللغز

الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين يقول: "في تقديري أن فك لغز شخصية جمال عبد الناصر الشديدة التميز والتفرد في التاريخ المصري، والعملاق الذي خرج من تراب مصر بعد قرونٍ من الرقاد كفرعون جديد جبار، لا يمكن أن يتم فهمه إلا إذا أمكن فك لغز علاقته بثلاث شخصياتٍ وصداقات كان لها أكبر الأثر في حياته. علاقته ب"عبد الحكيم عامر" الذي سلمه الجيش بكامله، وانشق عليه وصار نداً له دون أي ند منذ الستينيات، ومع ذلك ترك له كل هيلمانه وتأثيره في أهم أحداث حكمه حتى النهاية المُرة
"وعلاقته ب"أنور السادات" الذي كان يبدو أنه يختلفُ عنه، في كل شيء، ومع ذلك فقد اختاره لأن يكون خليفةً له. ولستُ من أنصار النظرية أو النظريات التي تعتبرُ هذا من باب الملابسات غير المقصودة، ولكن أعتقد أنه كان اختياراً مدروساً ومقصوداً، رغم التشهير الذي لا مثيل له الذي قاده السادات بحنكةٍ ومهارةٍ وشراسة ضده بعد وفاته
وعلاقته ب"محمد حسنين هيكل" الصحفي الذي لم يكن من أقرب الناس إليه في أول الثورة، ولكنه صار بعد ذلك أقرب الناس إليه على الإطلاق، فجعله شريكاً في الحكم على أعلى مستوى"

لقد لاحظ عبد الناصر بذكاء أن عامر يجيد مد جسور الصداقة بسرعة آسرة، وعززت ذلك قدرته الفذة على تجنيد أعضاء في تنظيم الضباط الأحرار. كل هذه العوامل البدئية كونت له في نفس ناصر مساحة لم ينافسه فيها أحد. في المقابل، أيقن عامر منذ بدء تقاربه مع ناصر أنه وجد ضالته في عقل هادئ وقماشة قائد يضمه تحت مظلته ويعامله بتكامل لا تفاضل
ويصف وزير الداخلية السابق عباس رضوان علاقة الرئيس والمشير منذ بداية التعارف بينه وبينهما في عام 1949 بأنها "صداقة ليس لها مثيل، ووصلت إلى حد الوفاء النادر الذي لا يشكك فيه أحد بأي شكلٍ من الأشكال، بل الذي يحاول أن يشكك فيه فهو الخاسر"


ويضيف عباس رضوان قائلاً: "قال لي جمال عبد الناصر أكثر من مرة إن الوحيد الذي يمكن أن يتقبل عني الرصاص هو عبد الحكيم عامر ، الوحيد الذي يمكن أن يفديني بروحه هو عبد الحكيم عامر"
ويشير عباس رضوان إلى الخلافات في الرأي التي تزايدت بين الصديقين، قبل أن يقول: "ولكن للأسف أستطيع أن أقول إن هناك أناساً حاولوا بقدر المستطاع أن يزيدوا من سعة هذه الفجوة حتى لوعادت الأمور لوضعها الطبيعي ويترقبوا وينتهزوا فرصة أي خلاف ليزيدوا من اتساعه إلى أن وصلت الأمور إلى ما حدث بين الصديقين"

وفي حديث لمجلة "الوادي" في أغسطس آب 1982 سُئِلَ الفريق أول متقاعد صدقي محمود قائد سلاح الطيران عن الصراع بين عامر وعبد الناصر ، فقال: "هذا الصراع لم ألمسه إطلاقاً رغم صلتي الشديدة بهما وبحكم العمل وبحكم الصداقة، ولكن حدث مرةً أو مرتين خلافٌ بين عبد الناصر والمشير، وأراد المشير أن يستقيل ولكنني تدخلت ومنعته من تقديم استقالته"
وحتى آخر يوم لي في الخدمة كنت أعتبر عبد الناصر والمشير توأمين"
ويضيف صدقي محمود قائلاً: "أذكر أنه في حفل قران حسين عبد الناصر شقيق الرئيس جمال عبد الناصر على ابنة المشير، كنتُ أقف مع الرئيس ثم جاء حسين وسلم علينا ثم قلت لعبد الناصر: لو كان عندي 30 % في القوات الجوية من الضباط الذين في رتبة حسين في كفاءته وأخلاقه لكنت سعيداً جداً، وهذا ليس لأنه شقيق سيادتك
فقال لي عبد الناصر:
فعلاً يا صدقي..حسين هو الهدية الكبيرة التي أقدمها لعبد الحكيم عامر"



ويحكي الفريق أول متقاعد صدقي محمود قصة أخرى عن متانة الصداقة بين عامر وعبد الناصر، فيقول: "في زيارة لنا لموسكو كنت أنا والمشير والمرحوم الفريق أول سليمان عزت (قائد القوات البحرية) دعانا السفير مراد غالب على عشاءٍ خاص جداً في منزله، وكان حاضراً معنا المرحوم علي شفيق (مدير مكتب المشير أيامها وزوج الفنانة مها صبري) ثم تطرق الحديث عن الحب، ثم قال المشير:
ما هي أسمى درجات الحب؟
فقال كلٌ منا إجابته، فقال المشير:
لا..إن أسمى درجات الحب هو حب الصديق للصديق!
فقلت له: تقصد علاقتك بالرئيس جمال عبد الناصر؟
فقال المشير عامر: بالضبط"


واختتم الفريق أول صدقي محمود شهادته بقوله: "لذلك فأنا مندهش لأن يقال إنه كان هناك صراع على القمة بين عبد الناصر والمشير فذلك شيء لم أشعر به مطلقاً"


ويؤكد الفريق عبد المحسن مرتجي إن "عبد الحكيم عامر ده ظل لعبد الناصر"


هذا الظل لم يكن شبيهاً في جوانب عدة من الأصل


وإذا كان عامر شخصية وطنية تؤمن بالقومية العربية وتتسم بالأريحية ونزاهة اليد وتملك القدرة على كسب صداقة وولاء من حوله، فإن هناك من نظر إليه أيضاً على أنه رجل ملذاتٍ، يخلط العام بالخاص، منساق وراء عاطفته أكثر من عقله، يحيط نفسه ببطانة سيئة الخلق والسيرة، وينشغل بالشللية على حساب كفاءة الجيش


وفي حديثه للكاتب الصحفي عبد الله إمام، رسم سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبد الناصر لشؤون المعلومات ملامح شخصية المشير عامر، إذ قال: "رؤيتي لشخصية المشير عامر إنه كان دمث الخلق، شهماً، لطيف المعشر، ضاحكاً، حبوباً، لا يرفض طلباً لأحد. تلك هي الصورة التي كونتها عن عبد الحكيم عامر خلال ثمانية عشر عاماً كنت إلى جواره ومشاركاً في جميع مهامه بالخارج كمستشارٍ له، ومتصلاً به كل يوم ربما أكثر من مرة، فقد كانت تعليمات الرئيس أن كل ورقةٍ تُعرَض عليه تُرسَل إلى المشير في نفس اللحظة دون استشارة، والقرارات التي تصدر دون أن يكون شريكاً فيها يكون أول من يعرفها
"كان عبد الحكيم هو الوحيد الذي يعرف تحركات الرئيس السرية
"هذه مقدمة ضرورية حتى أوضح ما أطلق عليه اسم علاقة "التوأمة" التي كانت تربطهما، ولم يكن عبد الحكيم يقول إن صوته في جيب عبد الناصر، لأن عبد الناصر لم يكن يحتاج إلى من يضع صوته في جيبه"

ولكن ما الذي حدث بالضبط وأدى إلى إنجاح عملية فصل التوأمين السياميين: ناصر وعامر؟
كيف بدأت هذه الصداقة، وكيف استمرت، وكيف تحطمت، وما هي المطبات التي اعترضتها، والأحداث التي كانت تدور خلف الكواليس، وكيف تحدى عبد الناصر جميع رفاقه أعضاء مجلس الثورة بعامر، وانتصر له، وأيده، وفرضه قائداً للجيش؟

للإجابة على ذلك، ربما يتعين أن نبدأ من داخل أسوار الكلية الحربية
تابع القراءة

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (3): "اضربهم بالجزمة يا ريس"





بدهاءٍ يُحسدُ عليه، تحرك عثمان في المساحات الفارغة، حتى تمكن من تحريك بيادقه إلى الأمام على رقعة شطرنج الوطن

وبسلاسةٍ، استيقظ المصريون على حقيقة أن "المهندس عثمان" أصبح أحد أفراد الدائرة الضيقة لصنع القرار، في بلدٍ كانت تتبدل فيه الخرائط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتنقلب رأساً على عقب، لتقود طبقة المُلاك ورجال المال والأعمال الجدد أغرب عملية استيلاءٍ على مقدرات الدولة والمجتمع

وفي سبعينيات القرن الماضي التي شهدت سطوع دور عثمان السياسي ونفوذه، بدا أن مصر تنتقل من موقعٍ إلى موقع ومن بنيةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية إلى بنيةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية أخرى، عبر علاقةٍ محرمةٍ شرعاً وقانوناً بين رجال المال الجدد ورموز الحكم والإدارة

كان حِلفُ الدولة ورجال المال يعلن كل يومٍ عن مجدٍ جديد، والناس يرزحون تحت وطأة أزمةٍ جديدة
أبواق الإعلام التي تدور في فلك النظام تتحدث عن أخبارٍ ترفع الرأس..والشعب يعاني من أوضاعٍ ترفع الضغط

ومع رياح التغيير..تغير موقع عثمان أحمد عثمان

تحت عنوان "كيف نشأت وتطورت الدولة الرخوة في مصر؟ (٢-٤) رخاوة السبعينيات" يقول د. جلال أمين في دراسة نشرتها جريدة "المصري اليوم" في 8 مايو أيار 2007 : "من أبرز الأمثلة على الفارق بين نظام الحكم في السبعينيات ونظام الستينيات ما طرأ على مركز عثمان أحمد عثمان وشركته "المقاولون العرب" في الاقتصاد المصري وعلى علاقته بالدولة، كان عثمان أحمد عثمان في ظل عبد الناصر يبدو مع كل قوته وثرائه، كالموظف الذي يتلقى الأوامر من رئيس الدولة، ويخشى أن يفقد رضا الدولة عنه، فأصبح في ظل أنور السادات، وكأنه شريكٌ أساسي في الحكم، يوجه النظام ويعطي النصائح التي يستمع إليها الرئيس، ويستجيب لها برضا كامل إلى درجة التزاوج من الأسرتين
"

وعثمان في رأي فريقٍ من معاصريه، رجلٌ مثير غامض، يبتسم في وجهك مؤكداً أنه مجرد "رجل بسيط مؤمن بالله والوطن" ثم يخشع ويحرك حبات مسبحته حين يتحدث عن رسالته التي هي رسالة كل مخلوقٍ على وجه الأرض: عمارة الكون، أي تعميره

وفي ظل ما أطلق عليه أحمد بهاء الدين وصف "انفتاح السداح مداح"، وقعت ثلاث ظواهر مهمة، فقد انتشرت الرأسمالية العائلية، واختلطت السياسة بدوائر المال والأعمال، وبالتالي تطورت أشكال الفساد وآلياته

وربما كانت مجموعة (عثمان أحمد عثمان) هي الأكثر تعبيراً عن هذا التغيير، فقد انتقلت المجموعة (وليست الشركة) من قطاع المقاولات والتشييد إلى قطاعات متعددة أخرى بينها قطاع المصارف حيث دفع المهندس عثمان أحمد عثمان لإنشاء سلسلة البنوك الوطنية وبنك المهندس وبنك قناة السويس، وكلها ظهرت أسماؤها فى قضية نواب القروض
كذلك فقد أنشأ المهندس عثمان أحمد عثمان - الذي كانت مجلة "فوربس" تورد اسمه طوال فترة رئاسة السادات ضمن قائمة أغنى أثرياء العالم- شركاتٍ خاصة ملحقة بالمقاولين العرب، وتحتل بعض مواقع ومكاتب الشركة الأم وتنقل ثمرات "المقاولون العرب" لجيوب غير حكومية

هنا يقول الكاتب الصحفي محمود المراغي في مقال نشره الموقع الإلكتروني لجريدة "الشعب" في أكتوبر تشرين أول 2002: "وبنفوذٍ خاص جرى احتلال المناصب والمواقع المختلفة، ثم حدث الصدام المكتوم بين المجموعة وجهاز الرقابة الإدارية الذي تم إنشاؤه في الستينيات وجرى تجميده (أو إلغاؤه) بقرار من الرئيس السادات عام 1980، واستمر التجميد لمدة عامين حين أعاد الرئيس مبارك الجهاز للحياة، وإن كان السؤال ظل معلقاً: أين ذهبت أوراق الرقابة الإدارية؟"

وفي كل الأحوال، فقد حرص عثمان حتى قبل توليه الوزارة على تعزيز علاقاته مع الوزراء وكبار المسؤولين. ومن ذلك أنه طرح في مطلع السبعينيات مشروعاً في ميدان الحجاز بحي مصر الجديدة لبناء عماراتٍ من ثلاثة أدوار ببدروم خاص، ثمن كل منها عشرين ألفا بالتقسيط المريح، فكان للوزراءِ - باستثناء قلةٍ بينهم وزير الأوقاف عبد الحليم محمود- نصيبُ الأسد من هذا المشروع

وفي كتابه "شخصيات لها تاريخ" (دار الشروق، القاهرة، 2008) يتحدث د. جلال أمين عن عثمان أحمد عثمان، المقاول الذى بدأ مسيرة صعوده فى عهد عبد الناصر، وواصل تألقه فى عهد السادات. وينال عثمان بعض من سهام المؤلف، الذي يرى أن فهمه لمعاني الوطنية والانتماء والإيمان والعمل والإخلاص والثروة، كان أقرب إلى فهم السادات منه إلى عبد الناصر، وقد كان الأخير يفهم هذه المعاني فى أبعادها وأطرها الاجتماعية، أما السادات فقد فهمها بمنطق فردي، بما تضيف إليه شخصياً وما تحققه له من منفعةٍ ذاتية

على أن هناك من يرى أن أحد أبرز أسباب التحول الاقتصادي في عهد السادات هو ذلك الاقتراب بين الرئيس وأصهار ينتمون للطريق الرأسمالي ولقطاع الأعمال، مثل عثمان أحمد عثمان وسيد مرعي وأحمد عبد الغفار


ويلاحظ أحمد بهاء الدين أن السادات كان ينظر إلى عثمان كأنه عثر على توأمه وشقيق روحه.. ومن بعد نسب الأرواح، تم نسب وشائج الدماء ليتزوج محمود ابن عثمان الأكبر بجيهان صغرى بنات أنور السادات


وإذا كانت اختيارات الرجلين‏-‏ اللذين كانا ينتميان للجيل نفسه وللطبقة نفسها‏-‏ قد اختلفت في مرحلة البداية،‏ فاتجه عثمان إلى عالم المقاولات،‏ واتجه السادات نحو العمل الوطني،‏ فإن السادات وعثمان بلغا طوال عقد السبعينيات نقطة الوفاق والاتفاق. وهنا يطرح صلاح عيسى تساؤلاً مشروعاً، إذ يقول: "فهل اكتشف السادات في كهولته أنه أخطأ حين أصبح ثائراً ولم يواصل السير في طريق المقاولات،‏ وآمن بأن المقاولين ينفذون ما يعجز الثوار عن تنفيذه من أحلامهم؟ وهل اكتشف عثمان أنه أخطأ حين لم يسع هو وأمثاله من المقاولين للحكم مع أنهم ينفذون أكثر مما يتكلمون بل دون أن يتكلموا؟‏!‏ الغالب أن ذلك هو ما حدث‏"


لم تكن تلك المرة الوحيدة التي يتحدث فيها أحد عن تبادل الأدوار بين عثمان والسادات..أو بين المقاول والرئيس


ففي حوار مع ماهر حسن في جريدة "العربي" التابعة للحزب الناصري بتاريخ 3 ديسمبر كانون أول 2007، وتحت عنوان "نقيب النقباء كامل زهيري: حرية الصحافة هي الحل.. وهذه نصيحتي لمكرم" يقول نقيب الصحفيين المصريين سابقاً كامل زهيري: "وقد رفضت طلباً بتأييد السادات حرصاً على استقلال النقابة وتخوفاً من نكوصه، ورغم ذلك فقد بلغني أنه في زيارته لإحدى مدن القناة في أحد مؤتمرات الحزب سألوه عن النقابة فقال: آه ما أنا قلت نحولها لناد. ومثلما كان للسادات عيون علي فقد كانت لي عيون عليه أيضاً، وكان لي زملاء صحفيون في الرئاسة كان منهم فتحي رزق، وطلبت منه أن يصف لي ما دار هناك فقال لي إنه ظل يمشي مع عثمان أحمد عثمان ثم دخلا غرفة للاستراحة فطلبت وصف الغرفة فقال لي إن الغرفة كان بها سريران سفريان تمددا عليهما وتحدثا بعد فترة رياضة المشي.. فقلت: يعني هناك رئيس يريد أن يكون مقاولاً، ومقاول يريد أن يكون رئيساً"


نموذجٌ يرشحه البعض لرصد إخفاق معادلة المقاول والرئيس، تمثلَّ في مشروع الصالحية


فقد أقنع عثمان صديقه الرئيس بمشروع الصالحية لتعمير الصحراء. والصالحية الجديدة التي تقع في مركز الحسينية بمحافظة الشرقية ، كانت نواة لمشروع استصلاح كان مخططاً لها منذ أيام عبد الناصر، لكن المشروع ظل يحبو حتى انطلق فعلياً في عام 1979. فقد اصطحب عثمان السادات والكاتب أحمد بهاء الدين في طائرة ليريهما الأرض على الطبيعة، وإن كان عثمان لم يذكر الكاتب الكبير بكلمة واحدة في حكاية الصالحية. وفي الطائرة ذهل السادات بما نهب من أموال الدولة على أرض الصالحية التي أُنفِقَ عليها ما يقرب من 630 مليون جنيه ولم يُستصلَح منها سوى 1% فقط. هنا ردد السادات مقولته الشهيرة: "أخيراً وجدنا نقطة البداية لحل مشكلاتنا وسنحصل على كفايتنا من الطعام عام 1985"، وافتتح مشروع "الثورة الخضراء"، وعيَّن حسين عثمان - شقيق المهندس عثمان- مشرفاً على المشروع بدرجة نائب رئيس وزراء


وبينما يقول فريقٌ إن شركة "المقاولون العرب" تسلمت الأرض وحوَّلتها إلى أرضٍ مستصلحة زراعياً وإنها نجحت في المشروع الزراعي وملحقاته من الإنتاج الحيواني ومحطات الألبان ومشروعاته ومحطات الدواجن الضخمة، إلى أن بدأ ضربها في 1988 بعد ضمِّها إلى وزارة الزراعة، حتى وصلت إلى مستوى يسمح ببيعها بثمن ..يصر فريقٌ آخر على أن المشروع لم يحقق النتائج التي كانت متوقعة، وأنه كبَّد الدولة خسائر مالية تقدر بملايين الجنيهات. ومن هؤلاء المنتقدين وزير الإسكان والتعمير الشهير المهندس حسب الله الكفراوي الذي قال في حديث صحفي أجرته معه "المصري اليوم" في 23 مارس آذار 2008 إن "مشروع الصالحية فاشل ولم - ولن - ينفع حتى الآن" وأضاف موضحاً "لأن رفع المياه فيها مكلف، والتربة ليست الأفضل وتوجد مناطق أفضل منها.. ولو كنت "مزنوق" وليس أمامي سوى هذا الموقع ربما كنتُ تقبلت الأمر، ولكن لو كان لدي خيارات أخرى أفضل، إذاً هناك خطأ ما.. وهذا المشروع درسته شركة المقاولون العرب"

كان هذا طبعاً قبل أن يبيع هذه المشروعات لاحقاً وزير الزراعة د. يوسف والي، بأقل من 326 مليون جنيه، بالرغم من أنها تكلفت ملياراً و900 مليون جنيه

ويردد البعض أنه بعد استيلاء الحكومة على المشروع جاء أحد الخبراء الأجانب لزيارة المشروع، فقال تعليقاً ظريفاً مفاده أنه "أثناء وجود "المقاولون العرب" كانت الأرض خضراء واللافتات صفراء، أما بعد ذلك أصبحت الأرض صفراء واللافتات خضراء". والأرض الخضراء تشير إلى الإنتاج والمحصول، أما اللافتات الصفراء فهي تشير إلى شعار "المقاولون العرب". ولاحقاً، فإن الأرض الصفراء تشير إلى الخراب مع اللافتات الخضراء التي ترمز إلى شعار وزارة الزراعة

ولم تكن الصالحية المشروع الوحيد الذي تبناه عثمان وأثير حوله الجدل. القائمة تشمل أيضاً مشروع إنشاء مزرعةٍ سمكية في مريوط، وغيرها من المشروعات الخاسرة

وكان لعثمان رجاله في عالم المال والأعمال والسياسة

ومن هؤلاء توفيق عبد الحي - الهارب من مصر منذ اتهامه بأنه "تاجر الفراخ (الدجاج) الفاسدة"- والذي أجرت معه جريدة "الشرق الأوسط" حواراً في قصره في مدينة أنتويرب البلجيكية ونُشِرَ في 3 مايو أيار 2001
جاء في الحوار ما يلي

"* كنت تُصنَفُ قبل خروجك من مصر باعتبار أنك من المقربين للمهندس عثمان أحمد عثمان أنك "فتى التنمية الشعبية المدلل"، ومن خلال ذلك حصلت على الكثير من التسهيلات؟
ـ كنت أمثل الجانب المعارض داخل الاتحاد القومي أو الاتحاد الاشتراكي، وكان هناك كثير من الاعتراضات على سياسة الحكومة كنا نبلغ بها "المعلم" عثمان، وبعد هزيمة 67، حدث تغير في عمل "التنظيم الطليعي" التابع للاتحاد الاشتراكي، وكنت على رأس المظاهرات عام 1968 كما ذكرها محمد حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب"، التي طالبت بمحاكمة المسؤولين العسكريين الذين تسببوا في النكسة"
"* كيف كانت علاقتك بالمهندس عثمان أحمد عثمان وزير التنمية الشعبية وصهر السادات؟
ـ أنا الذي كنت أقوم بكل شيء، وكثيراً ما كنت أبلغه عن اعتراضات الشباب عن سياسات معينة انتهجها السادات، ولكن افترقت مع عثمان بعد أن أشيع أنني ناصري حتى النخاع، ومن ضمن تلك الاعتراضات ما نشرناه ايام عبد الناصر في "صوت الجماهير" مقال بعنوان "أهل الثقة أم أهل الخبرة"، وأيام السادات قدنا أول منبر ديمقراطي، ضد سياسات الاتحاد الاشتراكي، وضد رئيس الجمهورية، ولا أنكر أن عثمان كان يقلل كثيراً من حدة المواجهات مع الحكومة"

امتدت علاقة عثمان مع السادات لتضع تحت مظلتها السلطة الرابعة: الصحافة
فقد كان عثمان صديقاً مقرباً ومؤثراً في عقل ومواقف رئيس مجلس إدارة "الأهرام" سابقاً عبد الله عبد الباري، الذي لم ينس لعثمان أنه لم يتخل عن أسرة عبدالباري طوال فترة اعتقاله في السجن بعد إدانته بتهمة لقائه بأحمد أبو الفتح صاحب جريدة "المصري" في الخارج

وتحكي الكاتبة الصحفية سناء البيسي في مقال بعنوان "عثمان أحمد عثمان‏..‏المعلم" منشور في جريدة "الأهرام" بتاريخ 30 أغسطس آب 2008 كيف استقبلها السادات هي وعدد من الصحفيين ذات يومٍ في استراحته بالإسماعيلية. وتقول: "ويومها في تجوالنا وقعدتنا وطعامنا وشرابنا وضحكاتنا وإنصاتنا ظل علي يمينه عثمان‏..‏ عثمان أحمد عثمان‏..‏ مؤانساً موافقاً مداعباً مقرظاً مرابطاً مستشاراً وخبيراً‏..‏ ويومها تجول السادات بعينيه فينا يستشف جوهرنا نحن مجموعة الصحفيين والكتاب الذين وقع اختياره علينا لتحقيق حلمه في إصدار جريدة "مايو" التي أسند رئاسة تحريرها للكاتب الصحفي القدير إبراهيم سعدة‏..‏ وبعدما اطمأن إلى حسن اختياره مال على عثمان ليقول له بصوتٍ مدو كان رَجعُه في آذاننا زغاريد موكبِ العروس القادم‏:‏ أنا رأيي يا عثمان إنك تبني لكل واحد منهم فيلا بجنينة‏..‏ سامع يا عثمان‏..‏ وسمع عثمان ساعتها،‏ لكنه لم يسمع بعدها،‏ فهناك أوامر يصدرها الناس الكبار لها نفس وقع إمضاءاتهم على نوعية من الطلبات يذيلونها بعبارة للأهمية ليتعرف عليها طاقم التنفيذ كي تنام في عسل رفوف الأرشيف،‏ والظاهر أن جملة سامع يا عثمان كانت من تلك الفصيلة‏!"

وفي السياق نفسه، تأتي شهادة الكاتب محمود السعدني في مجلة "المصور" في عدد ‏7‏ مايو أيار ‏1999‏ حول وساطة عثمان لدى السادات ليعفو عن السعدني ويسامحه بعد هجومه عليه من المنفى لسنواتٍ عدة، إذ قال له السادات: "خلاص يا واد يا محمود والله ما في حاجة في نفسي من ناحيتك أبدا‏..‏ ارجع يا وله وكل شيء ح ينحل ووعده بالعودة". وكانت المرة الوحيدة التي تدخل فيها عثمان بالحديث عندما قال الرئيس أنور السادات لمحمود السعدني‏:‏ "بس أنت لسانك وسخ يا وله وعاوز قطعه‏"..‏ فعقب عثمان قائلا‏:‏ "ده يستاهل قطع رقبته"‏..‏ وضحك، فقال محمود له بحدة‏:‏ أنت ما تشتمش خالص يا عم عثمان اللي يشتم الرئيس وبس‏"!‏..وضحك السادات وتم الصلح


حتى الفن، كان عثمان رسول السادات إلى أهله


وفي حديث لجريدة "المصري اليوم" في 24 سبتمبر أيلول 2008 يحكي الفنان نور الشريف كيف علم بأن الرئيس السادات غضب منه ذات مرة، فيقول: "حدث ذلك بسبب مسرحية "بكالوريوس في حكم الشعوب" التي عرضت قبل إعلان عودة تعدد الأحزاب، فالمسرحية كانت ضد الحكم العسكري في دولة ما، وفوجئت بالراحل عثمان أحمد عثمان يقول لي "الرئيس السادات زعلان منك لأنك تسخر منه في مسرحيته"، وطلب مني عرض المسرحية في قصر عابدين فقلت له "لا المسرح صغير ولا يوجد به تكييف.. ووقت ما يحب الرئيس هنعرض المسرحية في أي مسرح آخر تحت أمره"

"وبعد ساعة وجدت الوزير عثمان أحمد عثمان يقول لي إن مجلس الشعب كله سيحضر العرض اليوم في المسرح نفسه؟ وكان المجلس كله برئاسة صوفي أبو طالب في العرض يومها، وكان أول يوم أقابل فيه منصور حسن وزير الإعلام. ويومها سألني الممثلون في العرض "هنغير حاجة في النص؟".. فقلت لهم "ولا كلمة لأننا مش بنقول حاجة غلط"، وبعد العرض كنت أتصبب عرقا وخائفا جدا إلا أن الترحيب والتصفيق شجعاني"

دعونا لا ننسى أن "المعلم" الذي تمتع بعلاقاتٍ واسعة في صفوف أهل الفن، سمح لصديقه نور الشريف بتصوير فيلمه "قطة على نار" (بطولة بوسي ونور الشريف وفريد شوقي، إخراج سمير سيف إنتاج عام 1977) في عزبته الخاصة

ويذكر لنا التاريخ القريب التطور الدرامي لصعود المستشار أنور عبد الفتاح أبو سحلي (1919 - 11 يناير 2000). إذ إنه حين توجه عثمان إلى القاهرة بعد حصوله على الابتدائية ليكمل دراسته، التحق بالقسم الداخلي بالمدرسة السعيدية، والتقى في هذه المدرسة زميله الصعيدي أنور عبد الفتاح أبو سحلي. وكان أبو سحلي ينتمي إلى عائلة إقطاعية تأثرت بالإصلاح الزراعي فأبُعِدَ عن مناصب القضاء، وعمل لفترةٍ مستشاراً قانونياً لدى شركة "المقاولون العرب
وبوساطة من عثمان أحمد عثمان أعيد إلى القضاء، ليصبح رئيس محكمتي شمال وجنوب القاهرة عام 1977 والنائب العام في عام 1978، ووزير العدل في العام التالي. وأثناء رئاسته محكمة جنوب القاهرة، تفرغت هذه المحكمة وهذا القاضي للإجهاز على جريدة "الأهالي" التي يصدرها حزب التجمع المعارض، ومصادرة أعدادها الواحد تلو الآخر

ويأخذ كثيرون على عثمان أنه كان أحد الذين لا يكفون عن تحريض السادات ضد خصومه السياسيين في كل المناسبات،‏ إذ تعود أن يقول له كلما تطرق الحديث إلى المعارضين،‏ سواء كانوا أفراداً أم أحزاباً أم دولاً،‏ "اضربهم كلهم بالجزمة يا ريس"..‏ ويبدو أن تلك هي النصيحة التي استمع إليها السادات،‏ حين أمر بشن حملة اعتقالات سبتمبر أيلول ‏1981‏ ضد خصومه من مختلف الأطياف والاتجاهات السياسية والفكرية والدينية


وفي حوار مع نقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد في جريدة "المصري اليوم" في 10 سبتمبر أيلول 2006 تحت عنوان "مكرم محمد أحمد: السادات طلب مني الهجوم على هيكل.. ورفضت" يقول النقيب: "لي تصورٌ حول رجال السادات في هذه المرحلة.. وأعتبر هذا التصور مهماً لفهم تداعيات الأحداث فيما بعد. كان حول السادات فريقان، الأول عاقلٌ وناضج وهم: سيد مرعي ومنصور حسن وجيهان السادات، وفي مرحلةٍ مبكرة كان هيكل "قبل الخصومة بين الاثنين". هؤلاء كانت لديهم القدرة على رؤية العلاقة الصحيحة بقوى المثقفين.. وكانت تعملُ على تهدئة ثورة الرئيس ضد البابا والأقباط والمثقفين، الفريق الثاني كان أبرز رموزه عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل". ثم يضيف قائلاً: "وأعتقد أن هذا الفريق الأخير هو المسؤول بشكل ما عن انتصار تيار توسيع الأزمة والفجوة بين السادات وتيارات المجتمع"

وقبل أيام من حادث المنصة، تجاهل السادات تحذيرات الأمن وذهب إلى المنصورة في قطار خاص وسيارة مكشوفة وافتتح مشروعات استصلاح أراض في الشرقية والبحيرة وشارك في مؤتمر حزبي. وأثناء عودته من المنصورة عاد بالطائرة فوجد عثمان أحمد عثمان فسأله: "أنت رايح فين يا عثمان"، فقال له "رايح مصر"، فقال له السادات "تعال معي في الطائرة
وبحسب شهادة وزير الداخلية آنذاك النبوي إسماعيل، فإن السادات قال: "شفت يا عثمان الناس بتعمل إيه.. واقفة من الصبح بكل هذا العدد لتحييني"، فقال له: "عثمان هذا استفتاء لا يقبل الشك عليك يا ريس". فرد السادات بالقول: "انظر إلى شعور هؤلاء وشعور الآخرين الذين يريدون قتلي"، فاندهش عثمان وقال: "مين يا ريس اللي عايز يقتلك؟"، فقال السادات:
"النبوي كلمني هذا الصباح وأخبرني أنه تم اكتشاف تنظيم يسعى لاغتيالي"
قال له عثمان: "خلاص يا ريس نهدي شوية وبلاش تنقلات كثيرة حتي نترك الفرصة لـ "النبوي"، حتى ينظف البلد من هذه الأشكال"، فرد السادات قائلاً: "أما أنت عبيط يا عثمان.. العمر لا يتقدم دقيقة ولا يتأخر دقيقة.. والبرنامج لازم يسير كما هو"

أرسل إلى عثمان يطلب منه الاستعداد لمصاحبته في رحلته إلى وادي الراحة في سيناء،‏ التي كان يعتزم القيام بها في أعقاب العرض العسكري احتفالا بعيد النصر في ‏6‏ أكتوبر تشرين أول ‏1981..لكن السادات‏-‏ الذي كان قد ضرب الجميع بجزمة عثمان القديمة، على حد قول صلاح عيسى‏-‏ لم يعد من العرض،‏ لأن بعضهم كان قد رد على ذلك باغتياله
حكم القدر، وضع حداً لصداقة عثمان والسادات التي بدأت خيوطها تتجمع منذ أربعينيات القرن الماضي، حتى أنهتها الرصاصات التي دوَّت في حادث المنصة..ليتوقف بشكل مبدئي الجدل حول "المعلم" عثمان، قبل أن يبدأ الحديث عن اتهامات وجهتها نقابة المهندسين إلى نقيبها السابق عثمان، ووصلت إلى الرقابة الإدارية، ومنها اتهامه في مشروعات
"الوفاء والأمل" و"بنك المهندس" و"إسكان النقابات المهنية" الذي تأسس عام 1980
بعد رحيل السادات، بدا أن نشاط ودور "المقاولون العرب" يتقلص ربما نتيجة تضييقٍ وحصار حكومي استهدف بنيتها ومشروعاتها التى ازدهرت وقت السادات مثل الصالحية وفوديكو وغيرهما. إلا أن العمل في "المقاولون العرب" استمر حتى بلغ حجم مشروعاتها في 1997-1998 نحو 4.7 مليار جنيه مصري
المقولة التي ترددت على ألسنة البعض وقتها أن العهد الجديد ينظر بعين الريبة إلى تعاظم نفوذ عثمان في عهد السادات، وأن مبارك لم يكن سعيداً بالتقارب بين الرئيس السادات وصهره، الذي بدا في وقتٍ من الأوقات أكثر تأثيراً على القرار السياسي من نائب الرئيس

غير أن "شيخ القبيلة" - والد محمود وأحمد وإبراهيم ومحمد وهادية‏- فضَّل الهدوء ولزم الصمت في سنواته الأخيرة، ربما لانشغاله بقضايا أخرى أكثر أهمية بالنسبة له، مثل خلافه مع نجله المهندس محمد، الذي كان يطالب بنصيبه في شركات والده حتى وصل الأمر إلى ساحة القضاء.. قبل أن يوافيه الأجل في 30 إبريل 1999عن عمرٍ يناهز ‏81‏ عاما في مستشفى المقاولون العرب، إثر أزمة قلبية بسبب وعكةٍ صحية ألمت به نُقِلَ على إثرها إلى المستشفى قبل وفاته بعشرة أيام

ومن جامع عمر مكرم شُيعت جنازة عثمان‏، الذي‏ عاش حياته بالطول والعرض، قبل أن يُنقَل الجثمان إلى مدينة الإسماعيلية، حيث شُيع أيضا وسط حشدٍ هائل من محبيه والعاملين في شركاته - الذين بلغ إجمالي عددهم آنذاك 70 ألف عامل- من جامع أبو بكر الصديق ومنه إلى مدفنه
وعلى موقعٍ من امتداد جسر 6 أكتوبر في حي مدينة نصر، علَق العاملون في "المقاولون العرب" لافتة ضخمة مجللة بالسواد كُتٍبَ عليها "سنواصل العمل ونحن نبكي، لأن هذا ما تعلمناه منك". كان ذلك شعوراً بالوفاء لرجل بنى الشركة العملاقة، وصنع لنفسه شعبية كبيرة في صفوف أبناء شركاته

ومع اكتمال الدائرة، طُوِيت صفحة لا تُنسى من دولة بناها المقاول..واعترف بها الرئيس
تابع القراءة

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (2): "ساكن قصادي"




من الفوز بمناقصة بناء جسم السد العالي عام 1957 إلى انتخابه عضواً في مجلس الأمة عن دائرة أبو المطامير في محافظة البحيرة في 9 يناير كانون ثانٍ 1969، وقعت أحداث ومحطات كثيرة في حياة عثمان أحمد عثمان

بعض هذه المحطات طريف، مثل عضويته الشرفية في النادي الأهلي في 8 يناير كانون ثانٍ 1966، ورئاسته لمجلس إدارة النادي الإسماعيلي - الذي قدم له خدمات لا تُحصى- في 2 يوليو تموز 1966، ثم رئاسته لنادي "المقاولون العرب" في أول ديسمبر كانون أول 1968 - وفي أغسطس آب 1977 أصبح رئيساً فخرياً للمقاولون العرب لمدى الحياة- كما أصبح رئيساً شرفياً لنادي الاتحاد الليبي في 26 فبراير شباط 1970





لكن كل هذا يبدو عادياً في حياة ومسيرة رجل مثل عثمان أحمد عثمان

وما يهمنا هنا هو علاقة الصداقة المتينة التي جمعت بينه وبين الرئيس المصري أنور السادات

وحكاية عثمان مع السادات تبدأ عندما كان الاثنان يسكنان متجاورين في منطقة الهرم قبل ثورة يوليو 1952، ومن ثم تعارفا وتوطدت العلاقة بينهما لتصبح في فترة من الفترات أشبه بالتوأمة. ويؤكد عثمان أنه كان بينه وبين السادات نوع من "التوافق النفسي"، فقد كانا جارين وبينهما "عشرة عمر"

يقول عثمان: "عندما أُعلِنَت أسماء وأعضاء مجلس قيادة الثورة لم أجد في الأسماء من أعرفه إلا محمد أنور السادات الذي عاش خلال مراحله الأولى فترة في الإسماعيلية، ثم رأيته في بورسعيد عقب العدوان الثلاثي عام 1956. وكنت قد حضرت من السعودية خصيصاً لكي تشارك شركتي في تعمير بورسعيد، وذهبت أزوره في بيته وفتح لي باب منزله بنفسه وهو يرتدي الجلباب. وكلفني ذات يومٍ بإدخال بعض التعديلات على منزله، وطلب أن نبني فيللا لابنته، ثم طلب بناء فيللا لكريمته الثانية. وتكررت الزيارات العائلية"




وعندما استدعاه السادات لكي يشغل منصب وزير التعمير، قال له: "عثمان أنا عاوزك وزير تعمير عشان أضمن إن كل حاجة تمشي مضبوط"

وهكذا اختير عثمان وزيراً للتعمير في حكومة د. عبد القادر حاتم في 28 أكتوبر تشرين أول 1973، ليظل في الوزارة لمدة ثلاث سنوات عاصر أثناءها ثلاث حكومات متعاقبة. فقد اختير وزيراً للإسكان والتعمير في حكومة د. عبد العزيز حجازي في 26 سبتمبر أيلول 1974، ثم احتفظ بالحقيبة الوزارية نفسها في حكومة ممدوح سالم في 16 إبريل نيسان 1975، إلى أن خرج من الوزارة في نوفمبر تشرين ثانٍ 1976

واللافت للانتباه أن عثمان كان ينتقد جميع أعضاء الحكومات الثلاث التي شارك فيها، حيث قال عنهم: إن عقولهم لم تستطع أن تطوع نفسها لكي تتعلم منه (ويقصد السادات)، سياسة الخط المستقيم التي بح صوته وهو يتحدث عنها. شتان ما بين هذا العملاق الذي لا يخاف إلا ربه ويثق في قدراته وبين هؤلاء الأقزام الذين يخافون من كل رجلٍ ناجح (يقصد نفسه) حتى ولو كانوا هم الذين سيجنون ثمار نجاحه

والسادات عند عثمان كان "حاجة ثانية".. فقد كان يقول عنه: "هو الإنسان الوحيد الذي عندما يرى أمراً لا أراه..لا أملك إلا ان أسلم برأيه"!



وبدا طبيعياً أن يرافق عثمان الرئيس السادات في زيارته الشهيرة للقدس في 19 نوفمبر تشرين ثانٍ 1977، والتي يؤكد عثمان أنها وراء استرداد مصر لسيناء. يقول عثمان: "وتحدد موعد زيارته لإسرائيل في نوفمبر عام 1977. وقلتُ له بتلقائية سأذهب معك يا سيادة الرئيس". ويؤيد ذلك ما قالته جيهان السادات قرينة الرئيس المصري لمحاورها أحمد منصور في حلقة برنامج "شاهد على العصر" التي عرضتها قناة الجزيرة الفضائية في 5 مارس آذار 2001: "والله هأقول لحضرتك، عثمان أحمد عثمان هو اللي قال له عايز آجي معاك، وكان قدامي الحديث"


أما اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن في 17 سبتمبر أيلول 1978، فهي في نظر "المعلم" عثمان حركة سياسية كبيرة وحركة بارعة من سياسي بارع

ولا بد من القول إنه عندما دخل عثمان الوزارة، تحول إلى رفيق السادات وشريكٍ له في عددٍ من القرارات الاقتصادية، حتى إن الكاتب الصحفي موسى صبري –رجل السادات المخلص- قال إن الموافقة على أي مشروعٍ اقتصادي كانت تمر من بين أصابع عثمان أحمد عثمان

وحين كان عثمان بعيداً عن الوزارة، لم يخل من مناصب أخرى، إذ شغل منصب أمين الحزب الوطني بالإسماعيلية في نوفمبر 1978، كما كان رئيساً للمجموعة البرلمانية بالإسماعيلية عام ‏1976


وفي مارس آذار 1979 أصبح عثمان نقيب المهندسين

وقيل إن الدولة ساندت عثمان في دخول نقابة المهندسين لإجهاض الصوت المعارض للسادات داخلها. وهكذا ظل عثمان نقيباً للمهندسين لسنواتٍ، وانتخب نقيباً لفترة ثانية عام 1983

ولعب عثمان دوراً في التقريب بين السادات و"الإخوان المسلمون" بحكم صداقة عثمان لهم


ويتعين أن نشير هنا إلى أن "المعلم" أفرد في سيرته الذاتية مكاناً لتفاصيل كثيرة عن علاقته بالإخوان المسلمين،‏ حيث كان حسن البنا مؤسس الجماعة ومرشدها الأول هو في الوقت نفسه مدرس اللغة العربية والدين في مدرسة عثمان الإسماعيلية الابتدائية،‏ وكان البنا وقتها لم يزل في العشرينيات.‏ هكذا تفتحت عيناه على الرجل الذي قُدِرَ له أن يؤسس جماعة الإخوان المسلمين. ولعل هذه الصلة بين مدرس وتلميذه تركت أثرها في نفس الصبي، وآتت ثمارها فيما بعد ليرتبط بجماعة الإخوان المسلمين. كان البنا مدرساً للغة العربية والدين في مدرسة الإسماعيلية الإبتدائية، وكان خال عثمان هو الشيخ محمود حسين من علماء الدين في الإسماعيلية. وقدم شقيقه الشيخ محمد حسين إلى حسن البنا، وتأكدت أواصر الصداقة بين الشيخ حسن البنا وبين الشيخ محمد حسين خال عثمان. وكان حسن البنا يذهب كل يوم بعد صلاة العشاء إلى "مندرة" الشيخ محمد حسين ليبحثا في أمور الدين. وأصبحت الجلسة دائرة المنتدى الديني وحسن البنا يتصدر ذلك المنتدى. وتطورت جلسات المنتدى من "المندرة" لتصبح الإسماعيلية كلها منتدى



والثابت أن الجماعات الإسلامية في مصر بدأت تظهر بشكل فعال في عام 1972 بعد أن أفرج السادات بالإفراج عن قيادات الإخوان المسلمين بالمعتقلات، وقرر التحول عن التوجه الاشتراكي للدولة. وفي حوار أُجري معه بعنوان "النبوي إسماعيل وزير الداخلية الأسبق يكشف لأول مرة: اعتقالات سبتمبر ناقشتها لجنة رباعية.. "أنا والسادات ومبارك وأبو غزالة".. والسادات صاحب القرار"، سئل النبوي إسماعيل: "من أشار على السادات بخروج الجماعات من السجون؟" فرد قائلاً: "عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل الذي تولى محافظ أسيوط"



ويتوقف كثيرون عند اجتماعٍ شارك فيه رؤساء اللجان الدائمة بمجلس الشعب، في أعقاب المظاهرات التي اندلعت بالجامعات احتجاجاً على سياسة حكومة د. عزيز صدقي، وكان يتزعم الطلاب قوى اليسار والناصريين إذ كانت تسيطر على اتحاد الطلاب واللجنة الوطنية العليا بجامعة القاهرة

في هذا الاجتماع اقترح بعض الأعضاء، مثل عثمان أحمد عثمان ويوسف مكاوي ومحمد عثمان إسماعيل، إنشاء تنظيم للجماعات الإسلامية في الجامعات بهدف الرد على جماعات اليسار والاشتراكيين، وبادر بعض أعضاء اللجنة بالتبرع بالأموال اللازمة لإنشاء هذا التنظيم. وتم إنشاء تنظيم شباب الإسلام بجامعة القاهرة وجامعات أخرى، وحظي هذا التنظيم بمساندة صريحة من الأمن واستُخدِمَ لمواجهة وتصفية قوى اليساربدأ تنظيم شباب الإسلام بالقيام بالعديد من الأنشطة داخل الجامعة من معسكرات صيفية وتنظيم لرحلات الحج والعمرة وذلك بتمويل مباشر من الدولة


وعملت جماعة شباب الإسلام على تغيير بعض أنماط وأشكال الحياة الجامعية، مثل تغيير البرنامج الدراسي ودعوة الطلاب إلى الاشتراك في الأنشطة ودروس القرآن والحديث وفرضت وقف المحاضرات والأنشطة الأخرى في أوقات الصلاة، والفصل بين الجنسين في قاعات المحاضرات ومنعت إقامة الحفلات الموسيقية والراقصة وأي صور أخرى للهو داخل الجامعات


ومن هنا يمكن فهم دور عثمان في التقريب بين جماعة الإخوان المسلمين والسادات


ففي كتابه "ذكريات لا مذكرات" (دار الاعتصام، القاهرة، 1985) يقول المرشد العام للإخوان المسلمين عمر التلمساني: "وفى مرةٍ أخرى طلب منا السيد" عثمان أحمد عثمان" وقد كان وزيرا للإسكان حينذاك أن تلقاه مجموعة منا فذهبت مع الدكتور أحمد الملط والحاج حسني عبد الباقي والأستاذ صالح أبو رقيق وقابلناه فرأى أنه من الخير أن نقدم للسادات وجهة نظرنا في الإصلاح كتابة حتى يدرس الأمر في رويةٍ وعلى مهل فكتبنا له وجهة نظرنا في تسع صفحات فلوسكاب حملها اليه السيد "عثمان أحمد عثمان" ثم كانت لي مقابلات مع السيد محمد حسني مبارك وكان نائباً لرئيس الجمهورية في ذلك الحين لقيته في منزله في مصر الجديدة منفرداً مراراً . ومعي الأستاذ مصطفى مشهور مرات أخرى لبعض استفسارات عن بعض ما جاء بتلك الصفحات التسع" (ص 61)


الرئيس السادات قال من جهته في تصريحاتٍ مسجلة: "جمعية الإخوان المسلمين غير شرعية زي ما قلت للتلمساني لكن بروح العائلة قلت له روح سجل وخذ الإذن لكن من هنا لهناك خلي الدعوة ماشية بس لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة"


وعلى الرغم من أن هذا الظهور بدأ باتفاق الضوء الأخضر الشهير بين الإخوان المسلمين والرئيس السادات الذي حاول الاستفادة منهم في ضرب اليسار، وبالرغم من أن العثمَانين اللذين توسطا بالاتفاق عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل أبلغا الإخوان بأنه لا موافقة قانونية ولكن سماح بالعمل دون عقبات، فإن الحركة الإسلامية الشابة التي كانت بدأت تموج بها جامعات ومساجد مصر وقتها هي التي جعلت من هذا الضوء الأخضر جماعة حقيقية من لحم ودم، بعد أن كانت الجماعة القديمة قد اختفت أو أوشكت على الاختفاء

وأفرزت الجامعات المصرية في فترة الاحتضان الرسمي تلك، رموز الجيل الوسيط مثل عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وإبراهيم الزعفراني وحلمي الجزار، خاصة أبو الفتوح الذي يُنسب الفضل في ضم القسم الأكبر من هذه الحركة إلى الإخوان المسلمين التي ضخت الدماء في شرايين وعروق كانت قد جفت تماماً. ومع تقدم العمر وحكم الموت كان الوافدون الجدد قد أصبحوا كل جسم الحركة تقريباً

وحتى عام 1977 كانت الجماعات الإسلامية التي تساندها الدولة مالياً وأمنياً هي الطرف المسيطر على الجامعات المصرية، بعد أن تمكنت هذه الجماعات بمساعدة الأمن من منع أي نشاط للجماعات اليسارية داخل الجامعات، وجرى منع واستبعاد أعضاء تيار اليسار من الانضمام إلى اتحادات الطلاب، وذلك إما بالشطب أو الاعتقال أو التصادم المباشر

غير أن الطلاق وقع بين الدولة والجماعات الإسلامية في نهاية عام 1977 وتحديداً بعد زيارة الرئيس السادات للقدس ومحادثات السلام مع إسرائيل، لتبدأ تلك الجماعات رحلة المواجهة مع نظام الحكم، وعقد مؤتمرات وتوزيع نشرات ضد الحكومة والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية




وبعد اختطاف وزير الأوقاف السابق د. حسين الذهبي من منزله الكائن في منطقة حدائق حلوان جنوب القاهرة ، صباح يوم الأحد الثالث من يوليو تموز عام 1977، أصدرت جماعة المسلمين المعروفة إعلامياً باسم التكفير والهجرة بياناً تعلن فيه مسؤوليتها عن الحادث، وحددت مطالب عدة لكي تفرج عن الشيخ المختطف، وهي الإفراج فوراً عن أعضاء الجماعة المقبوض عليهم وكذلك المحكوم عليهم في قضايا سابقة، دفع مئتي ألف جنيه مصري كفدية، وأن تعتذر الصحافة المصرية عما نشرته من إساءات في حق الجماعة، وكذلك نشر كتاب شكري مصطفى "الخلافة" على حلقات في الصحف اليومية


ويقول د. محمد الذهبي نجل وزير الأوقاف السابق "برنامج "الجريمة السياسية: اغتيال الشيخ الذهبي ج 1"، قناة الجزيرة الفضائية، 10 مايو أيار 2007) ما يلي: "في بعض أصدقاء الوالد وزملاؤه يعني أفتكر منهم دكتور اسمه دكتور إبراهيم الخولي وكان في دكتور إبراهيم نجدة كان نائب رئيس جامعة الأزهر وأعتقد يمكن شيخ الأزهر نفسه في ذلك الوقت أعتقد كان الدكتور بيصار (ملاحظة: الإمام عبد الحليم محمود كان شيخاً للأزهر آنذاك، وخَلَفه في المنصب وزير الأوقاف الشيخ محمد عبد الرحمن بيصار في عام 1979) أن هما راحوا يعني حسب ما أنا عرفت أن هما راحوا لعثمان أحمد عثمان لأنه كان برضه علاقته بالوالد كويسة أن هما عرضوا أن عثمان أحمد عثمان عرضوا أنه يدفع المبلغ المطلوب. فاللي فهمته أن رئيس الوزراء في ذلك الوقت قال لهم لا يعني دول شوية عيال وكده وإحنا كله ساعة ولا اثنين وهنمسكهم يعني"

وهذا يعني ببساطة أن البعض رأى في عثمان بنكاً يمكن أن يدفع فدية مالية لجماعة إسلامية اختطفت وزير الأوقاف السابق

من هنا، يرى من رصدوا تلك الفترة من عمر مصر أن عثمان ورفاقه أطلقوا قوى إسلامية لمواجهة تيار اليسار، فإذا بالوحش الذي صنعوه يخرج عن السيطرة

ولعل هذا الأمر يثير في الأذهان سؤالاً له وجاهته ومشروعيته: هل يصلح المقاول في عالم السياسة؟

دعونا نشير هنا إلى واقعة ذات دلالة


في عام ‏1961‏ طلب المهندس عثمان أحمد عثمان، رئيس مجلس إدارة شركة المقاولون العرب‏، التي كانت تقوم بالأعمال الإنشائية الخاصة ببناء جسم السد العالي‏، مقابلة المشير عبد الحكيم عامر الذي كان الإشراف على تنفيذ المشروع،‏ ضمن مهامه السياسية الكثيرة آنذاك‏،‏ ليعترض على اقتراح تقدم به وزير السد العالي‏، بتمديد الفترة اللازمة لتنفيذ المرحلة الأولى منه،‏ بحيث تنتهي عام ‏1966 ‏


وقال عثمان للمشير‏ إن العقبات التي تواجه التنفيذ يمكن التغلب عليها لو أن الدولة وفرت له ما يوازي نصف مليون جنيه من العملات الأجنبية ليشتري معدات متطورة للحفر والنقل، بما يؤدي إلى تسريع الإيقاع‏، وبذلك توفر الدولة أكثر من مئتي مليون جنيه‏، ستضيع في حالة التمديد‏‏


اقتنع المشير عامر برأي عثمان‏، واتصل بوزير الاقتصاد وطلب منه أن يصرف له العملات الصعبة التي يحتاجها، وقال له مداعباً‏:‏ "إيه رأيك نعينك وزيرا للسد العالي يا عثمان؟‏!‏"وقال عثمان‏:‏ "يا سيادة المشير،‏ أنا لا أنفعكم، ولا أنفع مصر إلا كمقاول"‏


ويقول الكاتب الصحفي صلاح عيسى في مقال له بعنوان "كلٌ مُيسر لما خلق له" (مجلة "الأهرام العربي"، 29 سبتمبر أيلول 2007) إنه "من سوء الحظ أن عثمان أحمد عثمان عدل عن هذا التقييم المنصف لنفسه،‏ وللآخرين فيما تلا ذلك من سنوات،‏ ولو أنه تمسك به،‏ لما ترك ما يتقنه،‏ إلى ما لا يعرف فيه، ولما خاض عباب السياسة،‏ وزيرا ونائباً لرئيس الوزراء وقطباً من أقطاب الحزب الحاكم،‏ ليصبح‏-‏ في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السادات‏-‏ أقرب الناس إلى قلبه،‏ وأكثرهم تأثيراً فيه،‏ وأقواهم نفوذاً في بلاطه،‏ على نحو استثار ضيق كثيرين ممن كانوا يحيطون بالرئيس،‏ كانوا يعتقدون‏-‏ عن حق‏-‏ أن تأثيره كان سلبياً،‏ وإن ما كان يقنعه به من آراء في السياسة العامة،‏ كان يفتقد للحصافة،‏ أو على الأقل يصدر عن رجل لا خبرة له بهذه الأمور،‏ ولا علم له بها،‏ فهو قد يكون مقاولاً عظيماً،‏ لكن تفكيره السياسي لم يكن يزيد على تفكير عوام الناس،‏ فضلاً عن هذا فقد كان نفوذ عثمان الكبير في بلاط السادات من الأمور التي أثارت الريب حول نزاهة الحكم،‏ حتى شاع مصطلح الدولة العثمانية على ألسنة الناس في تلك السنوات تعبيراً عن الشك في أن الصلة القوية بين الرجلين،‏ تخفي في ثناياها نوعاً من التربح من المال العام،‏ وهي كلها أقاويل،‏ لم تثبت بعد ذلك صحتها‏"



وبعد السد العالي، دخل عثمان مرحلة حائط الصواريخ بتكليف مباشر من الرئيس السادات


يقول عثمان "إن ميزانية المشروع كانت أربعين مليوناً.. وعندما كلفني بها الرئيس طلب مني إنجازها في شهرين فقط وحذرني من أن يضرب اليأس نفسي لأن الإسرائيليين لن يتركوني أنهي عملي.. ومع ذلك انتهى العمل في أقل من الزمن الذي كان محدداً سلفا.. ورغم كل الصعوبات التي واجهتنا التي كان أقلها ضربات الجيش الإسرائيلي التي أسقطت من كتيبة المقاولون العرب ما يقرب من خمسمئة شهيد"


وكانت إسرائيل تقصف هذا المشروع الضخم بإصرار، حتى إنها هدمت القواعد أكثر من خمس مرات بعد بنائها،‏ وفي كل مرة تعجن مواد البناء بدم القتلى، إلى أن بنيت دشم الطائرات وقواعد الصواريخ على امتداد الجبهة كلها



شهادة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين تلقي مزيداً من الضوء على صداقة الرجلين

"كنتُ قد كتبتُ خطاب السادات الذي كان سيلقي في السويس وقتها وبعد أن عدت من الإسماعيلية استمعت إلى السادات وهو يلقي خطابه ولم يغير حرفاً واحداً فيه ولم يقدم كلمة ولم يؤخر أخرى، ولكنه غيَّر شيئاً واحداً فقط، ففي الحديث عن مشاركة كل العمال من خلال كل شركات المقاولات في بناء حائط الصواريخ غيَّر الرئيس هذه الجملة وقصر الفضل فيها على ذكر شركة المقاولون العرب وعمال المقاولون العرب عثمان أحمد عثمان"


في تلك الفترة، احتاج السادات جهود عثمان كي يتخلص من رجال ونفوذ عبد الناصر، وقرَّبه إليه كي يساعده في تعمير مدنه المهجرة وبناء مدن جديدة، مثل مدينة العاشر من رمضان،‏ ومدينة السادات،‏ ومدينة الملك خالد،‏ ومدينة العبور،‏ ومدينة ‏15‏ مايو.‏ كما كان السادات في حاجة لعثمان كي يتولى توسعة قناة السويس بعد تطهيرها من الألغام، بهدف استثمارها كممر رئيسي للملاحة الدولية والعلاقة بين السادات وعثمان أحمد عثمان - نجم الانفتاح الكبير- يطول شرحها، لكنها وصلت في مرحلةٍ من المراحل إلى علاقة مصاهرة، بعد أن تزوج نجله محمود عثمان من جيهان ابنة السادات في 2 يناير كانون ثانٍ 1977

واستقر في ذهن الجميع أن عثمان هو رفيق السادات في رياضة المشي اليومية – كان السادات يمشي لمدة ساعتين يومياً- ومستشاره وصهره، وصديقه الذي لا يطيق فراقه،‏ فإذا اختفى من مجلسه سأل عنه بإلحاح وقلق،‏ شأن من يشعر بأن شيئاً منه ينقصه‏


ويرى الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل "إن أكبر إنجاز لعثمان كان في الطريقة التي وثَّق بها علاقته وصداقته بالسادات، حتى أصبح كل شيء في حياته الشخصية والسياسية"‏. أما موسى صبري فيذهب إلى القول بأن عثمان وصل إلى قلب الرئيس لأنه ابن بلد لا يتكلف الكلام المنمق،‏ بل يتحدث بتلقائية وبساطة ويبدي للرئيس آراءه بلا تكلف،‏ ومعنى ذلك أن عثمان كان يخاطب الجانب السطحي في شخصية السادات الذي لم تكن له طاقة على دراسة الأمور،‏ أو التعمق في التفاصيل


في هذه الأثناء، كبرت شركة "المقاولون العرب" وتضخمت، وتحولت إلى ما وصفه ديفيد هيرست مراسل صحيفة "غارديان" البريطانية إلى "شركة الوزراء"، إذ كان يعمل لدى عثمان في وقتٍ من الأوقات - حسب قول الجريدة البريطانية- 30 وزيراً ومستشاراً ومحافظاً ومسؤولاً، شغلوا مواقع حساسة


جاء ذلك في وقتٍ جمع فيه عثمان بين منصب عضو البرلمان ونائب رئيس الوزراء، وأصبح "إكسلانس"، كما سماه ذات مرةٍ توفيق عبد الحي، الذي اتهم بالتربح من بيع طيور جارحة ودواجن منتهية الصلاحية لمعدة المصريين


من جهته، رأى عثمان أنه يستفيد من خبراتٍ وكفاءاتٍ معينة ليس ذنبها أن أصحابها كانوا وزراء ومحافظين. والشيء المؤكد أن "المقاولون العرب" مع مجيء السادات للحكم وصدور القانون رقم 43 لسنة 1974، تحولت إلى شركة متغلغلة في مختلف المجالات الاقتصادية، من المقاولات إلى الاستثمارات والمنتجات الخشبية والعمل المصرفي والمواد الغذائية..إلخ


لقد خرج المارد من القمقم..ولم يعد بمقدور أحدٍ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator