المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (10): الموت في عصير الجوافة





غرقت مصر في ظلام هزيمة حرب يونيو حزيران 1967، وسط ضباب التساؤلات والشائعات والأسرار

وبعد دقائق من إذاعة عبد الناصر بيان التنحي أو الاستقالة مساء 9 يونيو حزيران اتصل وزير الإرشاد محمد فائق بمحمد حسنين هيكل ليبلغه بأن المشير عامر اتصل به صاخباً وغاضباً ليقول إن لديه بياناً يريد أن يذاع على الناس، وأنه –أي فائق- رد عليه بعدم استطاعته إذاعة أي شيء إلا بعد الاتفاق مع هيكل. وأضاف فائق قائلاً لهيكل إنه يرجح أن المشير سوف يتصل به الآن

ويروي هيكل ما جرى قائلاً: "صدق ما توقعه السيد محمد فائق، فلم أكد أضع سماعة التليفون بعد حديثي معه إلا والمشير عبد الحكيم عامر على الخط مهتاجاً بطريقةٍ لا يبين منها كلامٌ مفهوم، وحاولت تهدئته قدر ما أستطيع بأن طلبت منه أن يبعث إليَّ بالبيان الذي يريد إذاعته مع رجائي له بأن يكون ما فيه مساوياً لحرج الموقف كله
"..ودق جرس التليفون ثانية وكان المتحدث هو المشير عبد الحكيم عامر مرة أخرى يقول إنه يفضل إملائي البيان بدلاً من إرساله اختصاراً للوقت، وكان البيان الذي يريد إذاعته هو إعلان بأنه قدم استقالته من جميع مناصبه ابتداءً من الساعة السابعة والنصف مساء وأن استقالته قُبِلَت، وسألته من قبلها؟! واستغرب السؤال وقلت له إن الرجل الذي كان في اختصاصه قبول الاستقالة أعلن على الناس استقالته في الساعة السابعة، ولم يعد في إمكانه أن يقبل شيئاً أو يرفضه

"وفوجيء المشير، وقال إنه سوف يعود إلى الاتصال بي بعد دقائق، وعاد وكان اقتراحه أن يصدر إعلانٌ عنه ب "أنه ابتداءً من الساعة السابعة والنصف تخلى عن كل مسؤولياته". ورجوته في صياغة ما يريده وإرساله مباشرةً إلى الإذاعة اختصاراً للوقت، وأنني سوف أتصل بالسيد محمد فائق، والواقع أن هدفي كله في تلك الساعة كان كسب الوقت بأقل قدرٍ ممكن من دواعي التفجير، وكان غضبه قد بدا يتزايد، ولكني أشهدُ أن كلمةً خارجةً لم تصدر عنه"

كان الموقف مختلفاً في مكتب معلومات عبد الناصر، الذي كان تحت رئاسة سامي شرف

ويقول سامي شرف في شهادته: "بعد انتهاء الرئيس جمال عبد الناصر من إلقاء خطاب التنحي اتصل بي المشير عبد الحكيم عامر في مكتبي وقال لي: يا سامي حابعث لك بيان للإذاعة باستقالتي وكمان شمس بدران، وطلب مني تبليغ ذلك للرئيس، وكلمت الرئيس وأبلغته بهذه الرسالة، وفي نفس الوقت اتصلت بمحمد فائق وزير الإعلام وطلبت منه التزام اليقظة توقعاً لإرسال المشير عامر أو شمس بدران بيانا أو يذهبا بنفسيهما أو أحدهما لإذاعة بيان استقالتهما وقلت له إن تعليمات الرئيس تقضي بعدم السماح لأي شخص أيا كان بإذاعة بيانات لا بالتأييد ولا الاستقالة إلا بعد الاتصال بي شخصياً ورجوته ألا يترك مكتبه ويمنع دخول أي أشخاص لمبنى الإذاعة والتليفزيون. وبالطبع فقد أثارت هذه التعليمات مشكلاتٍ كثيرة وكبيرة بين محمد فائق وبين العديد من المسؤولين وغيرهم"

من جهته، يكمل منير حافظ الرجل الثاني في المكتب تفاصيل ما جرى قائلاً: "دق التليفون ورد سامي (شرف) عليه فإذا به عبد الحكيم عامر يصرخ ثائراً:
بقى أنت با بن (ال....) على آخر الزمن تمنع إذاعة بيان لي؟!
"ويرد سامي: أنا يا فندم! أنا يكون لي ميت سنة في القبر لو أرفع عيني في وش سيادتك..ده أنا تلميذك يا فندم، ولو جيت ضربتني بمسدسك مش حارفع عيني في وش سيادتك!
ولم توقف هذه الاعتذارات سيل الشتائم المريرة التي تدفقت على أسماع سامي شرف والقريبين من مكتبه


وبينما كانت مصر غاضبة من الهزيمة، كانت تلك الفترة تشهد محاولات يبذلها الرئيس جمال عبد الناصر للصلح مع المشير عبد الحكيم عامر
لعب دور الوساطة بين الرئيس والمشير أكثر من شخصية بارزة: صلاح نصر، عباس رضوان، أنور السادات، ثروت عكاشة، ومحمد حسنين هيكل
يقول السادات في مذكراته إنه دعا المشير إلى العشاء في منزله واستقبله أحسن استقبال كأن شيئاً لم يكن. ثم يضيف قائلاً: "وفي نهاية لقائنا رجوته أن يقبل منصب نائب رئيس الجمهورية الذي عرضه عليه عبد الناصر، ولكنه قال بجفوةٍ: "لا..طول ما جمال عبد الناصر بيشتغل رئيس جمهورية، أنا لازم أشتغل قائد على القوات المسلحة..لا كده لا بلاش"
كان جوهر القضية هو أن المشير ينظر إلى الجيش على أنه إقطاعيةٌ تابعة له ولا يريد التنازل عنها تحت أية ظروف، ويرى أيضاً في استرداده سلطاته في الجيش ردَ اعتبارٍ له في ضوء مسؤوليته الكبرى عن وقوع الهزيمة العسكرية
وبعد نحو شهرين من الحرب، وتحديداً في 3 أغسطس آب 1967، روى جمال عبد الناصر في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي (حسب ما جاء في محاضر اجتماعاته العربية والدولية، إعداد عبد المجيد فريد) جانباً من اتصالاته مع عامر بعد حرب يونيو حزيران، إذ قال: "حاولت شخصياً إحضار المشير إلى مكتبي في المنزل لمحاولة إفهامه واستعنت بصلاح نصر لإحضاره ولكنه رفض الحضور، بعد ذلك قابلت عبد الحكيم وحاولت دون جدوى إقناعه بأنه ليس منطقياً أن يبقى بعد الهزيمة العسكرية قائداً عاماً، ويكتفي بأن يكون نائباً لرئيس الجمهورية. رفض المشير كلامي رفضاً باتاً وسافر غضباناً إلى بلدته في المنيا، ثم اتصل بهيكل من هناك وأبلغه استنكاره التام لجميع تصرفاتي! بعدها حضر شمس بدران إلى منزلي وأبلغني أن الموقف العام يزداد سوءاً يوماً بعد يوم وأن البلد كله ضدي وأن الجيش ضدي وأن الحل الوحيد هو إعادة عبد الحكيم عامر لمنصبه القديم من أجل استقرار الأوضاع!"


وفي أعقاب إعفاء عامر من جميع مناصبه وإحالته إلى التقاعد، دخلت مصر في دواماتٍ لا تنتهي


ففي حوالي العاشرة من صباح يوم 11 يونيو1967 حضر إلى مبنى السكرتارية الخاصة لرئيس الجمهورية بمنشية البكري، بعض القادة العسكريين وطلبوا مقابلة الرئيس وحددوا مطالبهم في بند واحد هو "عودة المشير عبد الحكيم عامر إلى قيادة القوات المسلحة". ورفض عبد الناصر مقابلتهم ثم أصدر قرار باسم رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة بإحالتهم إلى المعاش وهم الألوية عبد الرحمن فهمي وعبد الحليم عبد العال وحمزة البسيوني


وانتقل المشير عبدالحكيم عامر بعد ذلك إلى منزله في الجيزة، وكان المنزل يتكون من طابقين وبدروم ويطل على النيل في المنطقة بجوار فندق شيراتون القاهرة وفيه حديقة كبيرة ومحاط بسور عال، وكان يوجد بالبدروم مكاتب السكرتارية والحراسة الخاصة للمشير. وفي هذا المنزل ازدادت الحركة حيث أخذ يتصل به الضباط من الذين عادوا حديثاً من سيناء وبعض العناصر المدنية والعسكرية الأخرى، إلى جانب إخوته وأقاربه الذين قدموا من أسطال بلدة المشير في محافظة المنيا وقد حضر عدد منهم بناء على طلبه للإقامة معه في منزله بالجيزة

ومع اتساع الحركة غير العادية في منزل المشير عبد الحكيم عامر بالجيزة، كلف الرئيس عبد الناصر مدير المخابرات صلاح نصر بالاتصال بالمشير وإبلاغه بأن هذا الوضع لا يليق بعبد الحكيم وغير مقبول، وأنه يجب إنهاؤه.. لكن المشير عامر رد عليه بأنه سوف يغادر منزله إلى بلدته أسطال في محافظة المنيا في صعيد مصر، وفعلاً سافر إليها.. وأخذ يلتقي أفراد عائلته وأبناء البلدة ويردد في جلساته معهم.. أنه لن يرضى إلا بالعودة لقيادة الجيش.. وأنه لن يقبل أن يكون "طرطورا".. أو تشريفاتي كصلاح الشاهد

سافر عامر إلى قريته أسطال في المنيا، ثم عاد في أول يوليو تموز 1967 بعد لقائه محمد حسنين هيكل الذي تمكن من إقناعه بأن بقاءه في أسطال يعني رضاءه بالنفي الاختياري بعيدا عن القاهرة


وبدأ في اليوم نفسه تنفيذ حملة اعتقالات وتطهير شملت عددا من قادة القوات المسلحة وبعض الضباط من دفعة 1948 وهي دفعة شمس بدران، الذين كانوا يشكلون تنظيما خاصا كان يتولاه شمس بدران بشكل سري، لم يعلم به القائد الأعلى للقوات المسلحة وكانت قد ضبطت نوتة في مكتب شمس بدران في مبنى القيادة العامة بكوبري القبة تحوي أسماء هذا التنظيم وسلمها الفريق محمد فوزي للرئيس عبد الناصر، وبناء على ذلك اتخذت إجراءات التحفظ، وأودع الضباط في إحدى الفيلات في منطقة المعادي، إضافة إلى عدد من أعضاء مجلس الأمة عن محافظة المنيا بعد إسقاط المجلس لعضويتهم عنه
لكن النشاط المسلح أخذ يتزايد في منزل عامر. وسرعان ما تحول منزل المشير إلى ثكنة عسكرية نقل إليها الكثير من العناصر والمعدات، ووصل به الأمر إلى استدعاء نحو ثلاثمئة رجل من أسطال للمشاركة في حراسته، علاوة على بعض أفراد من الشرطة العسكرية
وصلت عبد الناصر أنباء عن تخطيط المشير عامر ورجاله لمؤامرة لقلب نظام الحكم يتم تنفيذها يوم 27 أغسطس آب 1967 . وعلى الفور، أمر عبد الناصر بتشكيل مجموعة عمل ثلاثية من شعراوي جمعة وأمين هويدي وسامي شرف لوضع خطة لمواجهة وإفشال هذا المخطط، وهو ما بالفعل بعد إطلاق اسم كودي لهذه الخطة هو: "العملية جونسون"
وهكذا دعا الرئيس جمال عبد الناصر صديقه المشير إلى منزله في منشية البكري في السابعة من مساء يوم الجمعة 25 أغسطس لتناول طعام العشاء، وقد حضر اللقاء كل من زكريا محيي الدين وأنور السادات وحسين الشافعي، ولم يكن أحد منهم يعلم أي شيء عما سيحدث إلا زكريا محيي الدين فقط الذي كان على دراية بالخطة كلها بالتفصيل

وعندما دخل عامر إلى المنزل ووجد أعضاء مجلس قيادة الثورة قال: "هي محكمة ولا إيه؟!". ويقول سامي شرف إن عبد الناصر أخذ يشرح الموقف ثم طلب من عبد الحكيم أن يلزم منزله، فتساءل المشير قائلاً: "يعني بتحددوا إقامتي؟" فرد عليه عبد الناصر والآخرون بالإيجاب. ويضيف سامي شرف قائلاً: "وتدخل السيد أنور السادات في المناقشات محاولاً إقناع المشير عامر بقبول القرار. إلا أن المشير عامر تطاول عليه بألفاظٍ جارحة لم يتفوه بها مثلاً للسيد زكريا محيي الدين عندما كان يحاول إقناعه أيضاً. وقد جاء ضمن ما قاله: "قطع لسانك أنت بتحاكمني يا رقاص.. يا.. ابن ..."



يقول وزير الحربية أمين هويدي الذي كان موجوداً في منزل الرئيس ليلة الواقعة: "وقد سمعت الرئيس وهو يقول للمشير: "عليك يا عبد الحكيم تقدير الموقف الصعب الذي تمر فيه البلاد. وعليك أن تلزم منزلك في هذه الفترة الحرجة". وسمعت المشير وهو يرد على الرئيس قائلاً: "يعني بتحدد إقامتي وبتحطني تحت التحفظ. قطع لسانك" وكرر ذلك أكثر من مرة

وبعد فترةٍ، دخل أمين هويدي إلى الصالون، في حين استأذن الرئيس وصعد إلى الطابق العلوي من المنزل. يقول هويدي إن عامر بدا له هادئاً بالرغم من حرج موقفه ودقة الظروف. ثم خرج المشير ذاهباً إلى دورة المياه، لكنه أعد للجميع مفاجأة لدى عودته، إذ يقول هويدي: "وفجأة خرج المشير من دورة المياه وفي يده كأس زجاجي به بعض المياه وقال بأعلى صوته وهو يرمي الكأس على طول ذراعه: "اطلعوا بلغوا الرئيس أن عبد الحكيم خد سم لينتحر". ودخل في هدوء إلى حجرة الصالون ليجلس على الأريكة ذاتها وهو يبتسم في هدوء وكأنه لم يفعل شيئاً. وقد انزعجت أشد الانزعاج حين سمعت بذلك وصعدت إلى الدور العلوي حيث يوجد الرئيس قفزاً فوق الدرج واستقبلني الرئيس من أعلى السلم وقلت له: "المشير خد سم وانتحر"، فقال لي الرئيس: "عبد الحكيم أجبن من أن ينتحر. لو كان عاوز ينتحر كان انتحر لما ودَّانا في داهية". ويبدو أن درجة انزعاجي كانت شديدة لدرجة أن الرئيس كان يحلو له بعد ذلك أن يحكي عن ذلك في مناسباتٍ عديدة وكان يضيف قائلاً: "تمثيلية عبد الحكيم خَالَت على أمين"


وأثناء حوار عبد الناصر وعبد الحكيم عامر توجه وزير الحربية ورئيس الأركان الجديدان محمد فوزي وعبد المنعم رياض إلى بيت المشير وأمرا القادة المعتصمين بمنزل المشير بتسليم أنفسهم والأسلحة التي بحوزتهم, وتحت التهديد باستعمال القوة استسلم هؤلاء القادة وانتهى الاعتصام. وفي فجر يوم 26 أغسطس خرجت سيارة ليموزين سوداء من منشية البكري وهي تقل المشير عامر ، وزكريا محيي الدين وحسين الشافعي، وتوجهت السيارة إلى منزل المشير، حيث تم تحديد إقامته فيه.. لكنه لم يحتمل ذلك خاصة في ظل الانهيار النفسي الذي كان يعاني منه عقب الهزيمة

وفي 14 سبتمبر أيلول 1967 تم الإعلان عن موت عامر منتحراً، ودفن في قريته أسطال التي ولد فيها قبل 48 عاما من وفاته

وأصدر النائب العام قراره فى الحادث يوم 10 أكتوبر تشرين أول 1967 وجاء فيه " وبما أنه مما تقدم يكون الثابت أن المشير عبد الحكيم عامر قد تناول بنفسه عن بينة وإرادة مادة سامة بقصد الانتحار، وهو في منزله وبين أهله يوم 13 سبتمبر أيلول 1967، قضى بسببها نحبه في اليوم التالي، وهو ما لا جريمة فيه قانوناً. لذلك نأمر بقيد الأوراق بدفتر الشكاوى وحفظها إدارياً"


أُثِيرت أقاويل تذهب إلى أن الجهاز الرسمي دفع عامر إلى الانتحار، أو دس السم له، وهو ما دفع عائلته وكذلك زوجته الممثلة برلنتي عبد الحميد، إلى المطالبة باستخراج جثته وتشريحها للتأكد من حقيقة موته. ونشر خبير السموم الدكتور علي محمد دياب في صحيفة "أخبار اليوم" في 27 سبتمبر أيلول 1975 أن المشير لم ينتحر، وإنما دس له سم (الإكونتين) في كوب عصير الجوافة الذي قُدِمَ إليه
وتقول برلنتي في كتابها "الطريق إلى قدري" إنه "تم الادعاء عليه بأنه انتحر، وتم تشويه سمعته الشخصية وتصويره بأنه الذي جر الهزائم، وتم قتله في عملية دنيئة لا يزال يحملُ بعضُ الأحياء وزرها"
على أن الصراع بين الرجلين استمر بعد وفاة عامر، وبقيت جذوره متغلغلة في المؤسسة العسكرية، إذ إن عبد الناصر واصل محاولاً اقتلاعها حتى يناير كانون أول 1967 –أي قبل رحيله بثمانية شهور فقط- عندما بادر إلى تطهير صفوف القوات المسلحة من الضباط الذين يدينون بالولاء لصديقه المشير عامر

في كتابه: "الافتراء على ثورة يوليو: هزيمة يونيو - مؤامرة رجال المشير عامر.. وانتحاره - الصلح مع إسرائيل" (دار الخيَال، القاهرة، 2003) يعيد المؤلف عبد الله إمام قراءة أوراق قضية رجال المشير عامر من خلال أقوالهم، واعترافاتهم أمام المحكمة التي حاكمتهم على مخططاتهم لإعادة عامر إلى موقعه كقائد عام للقوات المسلحة.. وهي الخطط التي أُعلِنَ رسمياً عن القضاء عليها بعد إبعاد عامر عن منزله، وعندما عاد إليه وجد أن رجاله قد ألقى القبض عليهم، وضاع أمله في العودة كقائد عام للقوات المسلحة. ويضم الكتاب النص الكامل للتقرير الذي أعده النائب العام وبه جميع التحقيقات التي أجراها حول واقعة وفاة المشير عامر


في مذكراته عن حرب أكتوبر، تطرق اللواء محمد عبد الغنى الجمسي رئيس هيئة العمليات بحرب أكتوبر إلى فترة النكسة، قائلاً: "بينما كنت أجلس مع اللواء أحمد إسماعيل ليلاً في جبهة القناة نراجع كالمعتاد يومياً نشاط العدو في سيناء وكذا نتائج أعمال قواتنا، قبل أن يتوجه كلٌ منا إلى خندق النوم المخصص له، دق التليفون وكان المتحدث هو الفريق أول محمد فوزي من القاهرة. كان هدف المكالمة هو إخطارنا بانتحار المشير عامر في منزله بمادةٍ سامة شديدة المفعول كان يخفيها ملاصقة لجسمه تحت الملابس الداخلية"

وتابع الجمسي قائلاً: "أخذ اللواء أحمد إسماعيل يناقشني في رد الفعل المنتظر لهذا الحادث بين القوات في الجبهة، ووصلنا إلى نتيجةٍ مؤكدةٍ هي أن انتحار المشير عامر لن يكون له تأثيرٌ عام، فما زالت حرب يونيو بأحداثها ونتائجها المريرة تترك أثرها العميق في نفوس كل العسكريين بعد أن فقدنا سيناء، واستشهد لنا الآلاف من رجال القوات المسلحة، ولم يكن أحد قد نسي دور عبد الحكيم عامر في الهزيمة كقائد عام للقوات المسلحة، واستعدنا معا الحالة السيئة التي وصلت إليها القوات المسلحة في ظل قيادته، وكان ذلك سبباً رئيسياً من أسباب الهزيمة"

أحد قيادات الضباط الأحرار وهو عبد المحسن أبو النور - الذي كان أول قائد للحرس الجمهوري لأول رئيس جمهورية مصري اللواء محمد نجيب- يحكي في كتابه "الحقيقة عن ثورة يوليو" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2001، أن عبد الناصر أصبح في حالة نفسية سيئة جداً وأنه انعزل عن الجميع بعد انتحار المشير عبد الحكيم عامر، ويقول أبو النور إن السادات جاءه في هذه الفترة منزعجاً من الحالة التي عليها عبد الناصر وطالبا منه المشورة، فلم يكن من أبو النور إلا أن نصح السادات بأن يذهب إلى عبد الناصر وأن "يستحضر بعض القفشات والنكات المسلية" من أجل إخراجه من الحالة السيئة التي هو فيها
ويقول أبو النور إن السادات جاءه في اليوم التالي فرحاً وممتناً له لأن عبد الناصر تكلم معه كثيراً بعد أن ألقى عليه بعض النكات والقفشات فطلب منه أبو النور أن يستمر في دوره، بل إنه طلب منه أن يأخذ لعبد الناصر "شريط فيديو مسلياً"
أما المُسلي حقاً، وربما المأساوي أيضاً، فهو ما عاشته مصر ودفعته ثمناً لتلك الصداقة بين ناصر وعامر
تابع القراءة

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (9): أسرار دولة..على سرير المشير





فجأة، وجد عبد الناصر في مواجهة مع صديق عمره الذي كان يصفه بأنه "قطة مغمضة"، فإذا بالقطة تفتح عينيها على اتساعهما
في عام 1962 شكل عبد الناصر مجلس الرئاسة ليكون القيادة الجماعية العليا والتي من شروط عضويتها الابتعاد من المناصب التنفيذية
التزم كل رفاق ثورة يوليو بهذا الشرط إلا عامر الذي أصر على الاحتفاظ بمنصب القائد العام وإلا فهو لا يضمن الجيش. كان الحل الوسط هو تسمية القائد العام بنائب القائد الأعلى –الذي هو رئيس الجمهورية- كناية عن خضوع الأول للثاني .. على الأقل رمزياً
وفي أواخر نوفمبر تشرين ثانٍ 1962، أراد عبد الناصر أن ينتفع من جو القيادة الجماعية ممثلة في مجلس الرئاسة لينتزع من "نائب القائد الأعلى" صلاحياته في تعيين الضباط العظام وإحالتها على المجلس. هذه المرة اختلف رد فعل عامر عن أي وقت مضى: لقد اختفى في مرسى مطروح معتصماً فيها عن الظهور، ومرسلاً بيان استقالة لعبد الناصر هو أقرب إلى بيان انشقاق كلي عن النظام، ثم مستحثاً قادة الفروع والأسلحة على إرسال العرائض لعبد الناصر معلنين أنهم لا يعترفون بغير عامر قائدا
انتهت الحكاية بعدول عامر عن استقالته واعتزاله، وعدول عبد الناصر عن مشروع قانون الضباط، واتفاقهما على تأجيل المسألة إلى يوليو تموز 1963
في عام ١٩٦٤ أصبح عبد الحكيم عامر نائباً أول لرئيس الجمهورية
لكن شيئاً لم يتغير في عامر: البشاشة والبساطة، والعصبية والفوضوية
وتفاصيل الحكاية التالية ربما تكشف طبيعة شخصية المشير عامر
وقائع الحكاية جرت في أوائل عام 1965 ويرويها أمين هويدي الذي شغل آنذاك منصب سفير مصر لدى العراق. يحكي هويدي عن زيارة المشير عامر على رأس وفد لبغداد، رداً على زياراتٍ متعددة قام بها الرئيس العراقي عبد السلام عارف. وقبل الزيارة أرسل هويدي إلى عامر مذكرة مختصرة عن الوضع في العراق والقضايا والموضوعات المهمة التي يمكن أن تُثار ومعلومات عن الشخصيات التي سيقابلها عند وصوله إلى بغداد. وعندما وصل عامر سأله هويدي عما إذا كان قد قرأ المذكرة التي أرسلها له، وهنا يقول هويدي: "فقال: مذكرة إيه! لم تصلني مذكرات!
واستدعى علي شفيق وسأله عن المذكرة فقال له:
آه دي وصلت من زمان
فرد عليه: طيب يا (.....) لِمَ لم تعرضها عليّ؟!"
ولا يحتاج الأمر إلى تعليق
الأخطر من ذلك، ما يرويه أمين هويدي في السطور التالية:
"أقام المشير في قصر بغداد هو ومرافقوه، وفي الصباح الباكر لليوم الثاني من الزيارة اتصل بي تليفونياً في منزلي عضو السفارة الذي خصصته للإقامة مع الوفد في قصر بغداد وطلب مني الحضور فوراً إلى القصر، ورفض الزميل أن يزيد حرفاً واحداً على ذلك. وحينما وصلت إلى هناك كان أحد ضباط القصر في انتظاري على الباب ومعه عضو السفارة وسلمني مظروفاً ذكر أن به أوراقاً وجدوها متناثرة بالأمس على سرير المشير أثناء وجوده بالقصر الجمهوري ورأوا من الأمانة أن يعيدوها داخل مظروف مغلق. وفتحت المظروف وكدت أصعق! كان بداخله عدة تقارير اصطحبها المشير معه من القاهرة ليقرأها وهو في بغداد وتسيء إلى العلاقة بين عبد الناصر وعارف وتتحدث عن عارف حديثاً شائناً مشككاً"
كانت التقارير – كما يقول أمين هويدي- سرية للغاية، ومع ذلك فقد تُرِكت على سرير المشير، ليطلع عليها من يشاء
وبطبيعة الحال، فإن الرئيس العراقي آنذاك اطلع عليها أو على نسخة منها، قبل أن تُعاد إلى الجانب المصري
يقول هويدي: "وذهبت إلى المشير لأقص عليه ما حدث. لم ينزعج الرجل بل قابل الموضوع بمنتهى السخرية والاستهزاء ولم يكن في يدي اكثر من أن أُعَنِفَ المسؤول عن جمع أوراق المشير. ولما ذهبنا للاجتماع مع الرئيس عارف كان الرجل بادي التأثر وأخذ في حديثه يرد على ما أثير في التقارير- مما يؤكد اطلاعه عليها – وأخذ يحذر بين وقتٍ وآخر ممن يحاولون الوقيعة بين بغداد والقاهرة"

ويورد الضابط أحمد حمروش مجموعة من الصفات الدقيقة لعبد الحكيم عامر فيقول: "أحاط المشير نفسه بحاشية سرعان ما عرفت فيه أسوأ الصفات، فتمادت في سلوكها اللا أخلاقي، واستغلت أموال الدولة أسوأ استغلال، وكان الذين يقتربون من رجال مكتبه ـ الذين يقودهم الصاغ علي شفيق ـ تأخذهم الدهشة من الجموح الكاشف، في مجال اللهو والبذخ المبالغ فيه، الأمر الذي أثر تأثيرا شديدا على قمة القيادة العسكرية، وانعكس على بقية مستويات الضباط"
ويستطرد حمروش قائلاً: "كانت المتعة الشخصية هي الفلك الذي يعيش فيه عامر، وأصبح ذلك معروفا ومتداولا، وكانت هذه المتعة تشمل تدخين الحشيش، والاتصال ببعض الفنانات، والبذخ، الذي وصل إلى حد السفه، ونتيجة لعلاقة الضباط بالفنانات تزوج المشير من برلنتي عبد الحميد، وعلي شفيق من مها صبري، وعبد المنعم أبو زيد من سهير فخري" (أحمد حمروش، مجتمع عبد الناصر، ص 233)
بهذه الشخصية التي تستحق الدراسة، قاد عامر القوات المسلحة، وظل نداً لعبد الناصر وصديقاً له في الوقت نفسه
واصل عبد الحكيم عامر رحلة الصعود بالرغم من السقطات والعثرات المتلاحقة التي مرت به أو تسبب فيها، غلى أن وقع ما عطل رحلة صعوده هذه بل قوضها، ووضع نهاية لمستقبله وحياته: حرب يونيو حزيران ١٩٦٧
والشاهد أن وقائع الأسابيع الثلاثة التي سبقت نشوب حرب 1967 تدلُ على اضطرابٍ كبير في تفكير وتصرف عبد الحكيم عامر، وعلى انفراده بقرار السلطة العسكرية، وتأثره بأشباح الماضي
فقد وصل عامر إلى سيناء في 20 مايو آيار مع الحشد العسكري ليرى بنفسه ويحاسب، ووصل إلى قرار بتغيير معظم قادة الفرق المحتشدة محملاً إياهم وزر الحشد. تبنى عامر نظرية أهل الثقة، حيث حل محلهم قادة آخرون لم تعرف عنها الخبرة المشهودة ميدانياً بل فقط الولاء السياسي. لم يكن هؤلاء القادة العسكريون يعلمون عن وحداتهم إلا القليل، ولم تكن أهميتهم نابعة إلا من كونهم "رجال المشير" أو أتباع شمس بدران..ومن هؤلاء اللواء عثمان نصار الذي عُيِنَ قائداً للفرقة الثالثة الآلية مكلفا بحماية خط الدفاع الثاني
ثم ضاعف عبد الحكيم الفوضى بقراره يوم 20 مايو استدعاء الاحتياطي للخدمة، الأمر الذي يعني أن من لم يتدرب دوريا على حمل السلاح أضيف في تلك المرحلة الحرجة وذلك التوقيت الدقيق إلى الجيش العامل مع عدم توفر عدد الضباط المناسب لقيادتهم، ما أدى إلى قرار أشد سوءاً وهو توسيع الوحدات العاملة بضم عناصر الاحتياط لها، والذي أضعف بنيانها وذوَّب فاعليتها
وسط هذه المعمعة، أضاف عبد الحكيم عاملاً جديدا على المعادلة المستجدة، وهو الضغط لإغلاق خليج العقبة
وعشية زيارته التفقدية لسيناء، قام عامر يوم 19مايو بنقل كتائب مظلات – لا مشاة – على عَجَلٍ إلى شرم الشيخ استعداداً لإقفال المضيق. وبعد عودته من سيناء حضر اجتماع القيادة السياسية العليا مساء 21 مايو في منزل عبد الناصر وأعلن فيه استعداد قواته التام لتأمين إغلاق الخليج حتى لو كلف ذلك حرباً مع إسرائيل، ثم كرر الإجابة نفسها عند سؤاله من عبد الناصر عن مدى الاستعداد للحرب أعلن الأخير إغلاق الخليج مساء 22 مايو من مطار أبو صوير، وبدأ سلسلة اجتماعات مع القيادة العسكرية أولها مساء 25 مايو وفيه حدد عبد الناصر رؤيته حول إدارة المواجهة، معلناً أن الضربة الأولى متروكةٌ لإسرائيل مع توقي نتائجها بالاستعداد لتلقيها وامتصاصها، وأن شرم الشيخ وقطاع غزة هما جزء من غطاء الدفاع المصري ما يستدعي تعديلاً على خطة قاهر للدفاع عن سيناء والتي جرى تبنيها في ديسمبر كانون ثانٍ 1966
لم يُخطِر عامر عبد الناصر بأنه كلَّف أركانه وضع خطة هجوم جوي على مطارات النقب اسمها الكودي "أسد"، وخطة هجوم بري على إيلات اسمها الكودي "فهد"
عرف عبد الناصر من السوفيت في الثالثة من فجر 26 مايو أن الأمريكيين والإسرائيليين علما بالخطتين وينذران بإيقافهما، وإلا فإن الولايات المتحدة ستكون مضطرة للاشتراك المباشر في الحرب دفاعاً عن إسرائيل. وفي الحال أمر عبد الناصر عامر بإلغاء الخطتين
والشاهد أن صورة حرب 1956 كانت مسيطرةً على عقل القائد العام للقوات المسلحة وكان تقديره أنها مقياسٌ لكل حرب. أراد عامر إزالة آثار تلك الحرب الانفصال وسوء إدارة حرب اليمن من سجله، ومن ثم تعزيز موقعه في النظام. لذلك فإن قرار الانسحاب كان شيئاً عادياً يصدره من دون ألم، أو دون أن يتحقق كقائدٍ عام من أن التشكيلات أدت واجبها العسكري أولاً
عاد عبد الناصر مساء 28 مايو للاجتماع بالقيادة العسكرية ليرى ما الذي تم بخصوص تأمين قطاع غزة إن نشبت الحرب، وليكرر التزامه بالضربة الثانية بعد استيعاب ضربة العدو الأولى
ليلتها كان شمس بدران قد عاد من موسكو لينضم للاجتماع ناقلاً لعبد الناصر رسالة تفتقر إلى الدقة عن تأييد مطلق من القادة السوفيت لمصر، علماً بأن السوفيت نصحوا في المباحثات الرسمية مع شمس بدران بعدم الاستمرار في الأزمة
ضاعف من سوء الموقف، غياب الديمقراطية على المستوى الاستراتيجي، حيث انفرد المشير عامر برؤية عن اتجاه هجوم العدو المنتظر، مفادها أن محور الهجوم الرئيسي لن يكون المحور الأوسط: أبو عجيلة – الإسماعيلية ولا حتى الشمالي: العريش – رمانة بل الجنوبي: الكونتيلا – متلا، ما دعاه لإعادة توزيع القوات في سيناء بما قضى على بقايا خطة قاهر الدفاعية في سيناء، وأرهق الوحدات المقاتلة في الذهاب والمجيء إلى مواقع جديدة تتغير بصفةٍ شبه يومية، من دون الوصول إلى قرارٍ أو تصورٍ لشكل الحرب المقبلة
عاد عبد الناصر مرة ثالثة للاجتماع بالقيادة العسكرية مساء 2 يونيو ليبلغهم أن معلوماته تؤكد قيام إسرائيل بشن هجوم جوي شامل على مصر إما الأحد 4 يونيو أو الاثنين 5 يونيو على أبعد تقدير. وفرت تلك المعلومات فرصة يومي 3 و 4 يونيو أمام قيادة الطيران لتقوم بإخلاء مطارات سيناء والقنال وإرسال القاذفات للسودان والمقاتلات للجنوب ..لكنها، وكما فعلت في السويس 1956، امتنعت عن ذلك بحجة أن خطوة كتلك ستفسد معنويات الطيارين
والأكيد أن عامر وشلته في الطيران (صدقي محمود وجمال عفيفي وغيره) مسؤولون عن فقر استعداده إذ إن عدد الطيارين لم يتجاوز 150 طيارا وهو أقل بكثير من عدد الطائرات (ما فوق الـ 300)، وليس هناك دُشم للطائرات واقية، والتدريب قاصر عن تهيئة الطيارين لأكثر من طلعتين في اليوم. بل إن تقييد نيران الدفاع الجوي، ووجود قادة التشكيلات الميدانية بالكامل في أحد مطارات سيناء لاستقبال المشير ترتب عليه النجاح المطلق للضربة الجوية الإسرائيلية
والثابت أن الإهمال كان سيد الموقف عبر أسلحة القوات المسلحة كلها مثال ذلك ما حدث ذات يوم من ربيع 1965 عندما وقع انفجارٌ على ظهر المدمرة "القاهرة" أثناء حضور عبد الناصر وعامر مناورات بحرية في المتوسط. طلب عبد الناصر إقالة سليمان عزت قائد البحرية ورفض عامر فكان للأخير ما أراد
لكن الطامة الكبرى في سلوك عامر العسكري كانت في قرار الانسحاب الشامل من سيناء في اليوم الثاني للحرب.. 6 يونيو
جاء ذلك على خلفية انهياره الصامت منذ ظهيرة الخامس من يونيو، أي بعدما عاد من سماء أبو صوير إلى مطار القاهرة الدولي أثناء الهجوم الجوي الإسرائيلي الشامل ليركب سيارة تاكسي مدنية مهرولا إلى مقر قيادته. وفي سحابة ذلك اليوم كان عامر يحاول شن هجوم مضاد على المحور الأوسط باستخدام الاحتياط الاستراتيجي، أي الفرقة المدرعة الرابعة الرابضة على خط الدفاع الثالث عند سفوح المضائق الشرقية، استنقاذاً للقسيمة التي وقعت بسرعة في يد قوات شارون المهاجمة
كان بذلك يحاول تصحيح خطيئته في التركيز على المحور الجنوبي بخطيئة أكثر إيلاما
مع بداية اليوم الثاني للحرب كلف عامر مجموعة أركان تضم علي عامر ومحمد فوزي وأنور القاضي رسم خطة انسحاب من سيناء. تداعت المجموعة للعمل ووضعت خطة تقضي بالانسحاب على مدى 4 أيام/3 ليالي تكفل الحفاظ على سلامة القوات مع تكبيد العدو خسائر مهمة
في الثالثة عصر يوم 6 يونيو توجهت المجموعة للقاء عامر وإبلاغه بنتيجة مداولاتها لتفاجأ بخبر وقع عليها كالصاعقة وهو أنه قد قام منذ برهة بالاتصال بقائد الجيش الميداني وقادة الفرق والألوية المستقلة آمراً إياهم بالانسحاب العاجل والتام من سيناء في غضون 24 ساعة تبدأ مع آخر ضوء من نفس اليوم وتنتهي مع منتصف ليل 7/8 يونيو


كان عامر قد أبلغ عبد الناصر بفكرة الانسحاب وبتكليفه مجموعة أركان بإعداد خطته. وافق عبد الناصر لعلمه أن الانسحاب المنظم والتدريجي وإلى خط المضائق واجب ومطلوب نظرا لسيادة العدو الجوية فوق سيناء. ما لم يخطر على باله أن يكون عامر مع تقدم ساعات النهار ومع وصول اضطرابه العصبي إلى الحضيض قد غير رأيه في شكل ومدى وطريقة الانسحاب لتكون وفق الصيغة السالفة الذكر
عندما علم عبد الناصر الأربعاء 7 يونيو بما فعله عامر مساء اليوم السابق عنفه مؤنباً، ومشيرا إلى ضرورة الاحتفاظ بخط المضائق. ذلك التعنيف قاد عامر إلى أمر صدقي الغول قائد الفرقة المدرعة الرابعة - والذي كان الأسرع في الانسحاب ليس فقط إلى الإسماعيلية بل وإلى الطريق بينها وبين القاهرة – بالعودة من حيث أتى طلباً لتأمين خط المضائق
كان الوقت قد فات إلا على تعرض هذه الفرقة للمزيد من التدمير من الجو بسبب خليطٍ من رعونة القائد العام وفرار القائد الميداني
أحس عامر منذ صباح الثامن من يونيو أنه قد تسبب بكارثة محققة فبدأت تراوده نزعات الانتحار، لكن حضور عبد الناصر ذلك المساء للقائه – وبعد امتناع دام طيلة يومي 6 و 7 يونيو والنصف الأخير من يوم 5 يونيو – أثناه عن ذلك
هذا الانهيار يعزوه الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجي قائد القوات البرية سابقاً إلى أن عامر كان في رتبة رائد ثم وجد نفسه برتبة لواء ثم مشير..واستمر يقود القوات المسلحة..وشيء طبيعي أن تهتز شخصية عامر بعد قفزته من رائد إلى مشير من دون أن تتهيأ الظروف المناسبة ليكون قائداً يمارس القيادة فعلاً..إلى جانب انشغاله بالنواحي السياسية عن القوات المسلحة، ما جعل معلوماته العسكرية لا تزيد عما كانت عليه أيام كان برتبة رائد أركان حرب كتيبة..ولذا انهار المشير بسرعة في أعقاب بدء حرب يونيو 1967 وأصدر قراراً بالانسحاب، فقلب الهزيمة إلى كارثة



يقول الفريق أول محمد فوزي رئيس أركان حرب القوات المسلحة سابقاً في شهادته أمام لجنة تسجيل تاريخ الثورة إن عبد الناصر وعامر كانا متفقين عاطفياً ووطنياً..اتفقا على تحقيق أهداف الثورة..ولكنهما في الوقت نفسه كانا متصارعين على قيادة القوات المسلحة صاحبة الثورة وأداة التغيير في الدولة في ذلك الوقت. ويضيف الفريق أول محمد فوزي في شهادته أن الصراع بين الصديقين نشأ من تحميل عبد الناصر مسؤولية الانفصال الأدبية والعسكرية بين القيادة السياسية والقوات المسلحة للمشير عامر..وتطور الصراع بعد هزيمة يونيو 1967 ليصل في نهايته بالتطورات التي أعقبت الهزيمة وصولاً إلى وفاة عامر (سليمان مظهر، اعترافات قادة حرب يونيو، كتاب الحرية، القاهرة)


لقد دخلت الشوكة في عيون الجميع..بقي أن نعرف كيف جرت محاولة اقتلاع تلك الشوكة..وماذا كان مصير العيون التي أدماها الحزن والانكسار
تابع القراءة

gravatar

حرف يبلله المديح



اختارت هيئة تحكيم مسابقة دويتشه فيله العالمية للمدونات -البوبز- مدونة "قبل الطوفان" ضمن المواقع المرشحة في المرحلة النهائية للفوز بجائزة أفضل مدونة عربية

الأكيد أن هذا الخبر يسعدني، فلا حرف يجد زهوته إلا حين يبلله المديح، فضلاً عن أن هذه المسابقة يُنظر إليها على أنها أوسكار المدونات، علماً بأن القائمين على الاختيار هم لجنة تضم نخبةً من المدونين والصحفيين والأكاديميين وخبراء الإعلام

وإذا كنت أشكر بصدقٍ وامتنان من رشحوني للجائزة، فإنني أؤكد أن جائزتي الأولى والأخيرة هي دائرة القراء الأعزاء الذين يمرون هنا ويتفاعلون مع ما أكتبه ويهتمون بقراءة هذا الجهد المتواضع الذي أتمنى أن يضيف ويثري فضاء التدوين


إننا نتعرف على هذا العالم عبر الكتابة، وكلما عرفناه أفضل، كلما خفت وطأته على رؤوسنا

ولفضاء التدوين مذاقٌ خاص، قدم لي حزمة من الأفكار، وأعطاني نمطاً مختلفاً من الحياة، وأورثني الشغف بأن أكون هنا والآن حاضراً في قلب التجربة وان أتعلم منها باستمرار

والموهبة هي أن تكتب كل ذلك الذي تستطيع أن تكتبه، دون أن تجرح غيرك أكثر مما تجرح نفسك

لا بد من القول إنه ابتداء من 27 أكتوبر وحتى 26 نوفمبر، بإمكان زوار موقع المسابقة التصويت لمدونتهم المفضلة، حيث تم ترشيح أفضل المدونات المتقدمة للمسابقة في 16 فئة

"فِي القَصَائِدِ وَحْدَهَا نُعِيدُ بِنَاءَ الْعَالَمَ"
هكذا قال يوماً الشاعر الأمريكي وِليَام كارلوس وِليَامز
ليته يعلم الآن أن جملته تنطبق أشد ما تنطبق على عالم التدوين

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator