المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

أثرياء مصر زمان.. والآن (10): سعادة المليونير في المصحة





لم يستمتع الأمير أحمد سيف الدين يوماً بثروته

والأمير سيف الدين الذي احتل المرتبة الثانية في قائمة أغنى أغنياء مصر عام 1920 هو حفيد إبراهيم باشا نجل محمد علي باشا، وكان بطل حادثة إطلاق النار على الأمير أحمد فؤاد – ملك مصر لاحقاً- في 7 مايو أيار عام 1898 في الكلوب الخديوي في شارع المناخ. وبعد محاكمته والحكم بسجنه سبع سنوات تحسب منها مدة الحبس الاحتياطي، صدر قرارٌ في عام 1900 من مجلس حسبي مصر يمنع الأمير سيف الدين من التصرف في أمواله
وبعد أسابيع من قرار الحجر، صدر قرارٌ بالإفراج عن سيف الدين وإرساله إلى انجلترا وفقاً لترتيباتٍ خاصة قام بها لورد كرومر، ثم المفوضية العليا البريطانية إلى مصر، سواء فيما يتعلق بإجراءات السفر أو الإيداع في مصحةٍ للأمراض النفسية

وفي عام 1925 ووفقاً لتقرير رفعه مدير قسم إيرادات بلدية الإسكندرية، فإن أملاك الأمير سيف الدين تضمنت 20 ألفاً و252 فداناً من الأطيان الزراعية ومجموعة من العقارات في القاهرة والإسكندرية، علاوة على 20 ألفاً و343 متراً مربعاً من الأراضي الفضاء، منها 18 ألفاً و403 أمتار بقصر الدوبارة. وأشار التقرير المذكور إلى أن أملاك الأمير في الثغر تشمل التالي: عمارتان في شارع أديب ونصف عمارة في المنشية (ميدان محمد علي) وشونة بالقباري وقطعة أرضٍ مسورة بجوار الشونة وأربعة عشر منزلاً بمحرم بك. أما في العاصمة فكانت الأملاك كالتالي: منزل بجهة الأزبكية وآخر بشارع محمد علي ومنزلان بجهة المواردي ومحال بخان الخليلي وسلاملك بقصر الدوبارة ومنزل صغير بجوار السلاملك ومنزل كبير بقصر الدوبارة ومكان مستعمل أجزاخانة بقصر الدوبارة ومكان قبلي الأجزاخانة

أضاف الخبير الذي قدم كل تلك المعلومات، ويدعى إبراهيم بك فؤاد سيد أحمد، بعض المعلومات ذات الطابع الدرامي، ففي حين بلغت جملة إيرادات الأمير من أملاكه الزراعية والعقارية عن ذلك العام 119 ألفاً و483 جنيهاً و222 مليماً، هذا بعد ما تعرضت له من سرقة طبعاً، بلغت مصروفات شؤون الأمير المحجور عليه 3860 جنيهاً و28 مليماً، أما بقية المبلغ فقد وقع في الغالب بأيدي القيّمين
وما بين سنواتٍ في المصحة في بريطانيا، وخطة ناجحة للهرب انتهت به في تركيا، ظل الأمير سيف الدين يمتلك الملايين من الجنيهات على الورق، إذ لم يكن يحصل سوى على 4000 جنيه سنوياً، في حين بلغ ريع ثروته نحو 120 ألف جنيه مصري سنوياً
أما الأمير يوسف كمال الذي حل ثالثاً في قائمة أغنياء مصر عام 1920، فقد كان واحداً من أبناء الأسرة المالكة في مصر، وممن يمتلكون ثروة كبيرة، ويحبون العمل الاجتماعي
وقد جاءت الترجمة الشخصية للأمير يوسف كمال في كتابيّ "صفوة العصر" و"دليل الطبقة الراقية" لتوضيح أن نسبه كالتالي: "يوسف كمال باشا بن أحمد كمال بن أحمد رفعت بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا..وهو أمير من الأسرة العلوية ورحالة جغرافي مصري. كان شديد الولع باصطياد الوحوش المفترسة وغامر في سبيل ذلك إلى إفريقيا الجنوبية وبعض بلاد الهند وغيرها واحتفظ بالكثير من جلود فرائسه وبعض رؤوسها المحنطة وكان يقتنيها بقصوره العديدة بالقاهرة والإسكندرية ونجع حمادي مع تماثيل من المرمر ومجموعة من اللوحات النادرة. لقد كان مغرماً بأحداث التاريخ وجغرافية البلاد ومن هنا أنفق على ترجمة بعض الكتب الفرنسية التي اختارها فنقلت إلى العربية وطبعت على حسابه منها "وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن إفريقيا الشرقية" من تأليف مسيو جيان و"المجموعة الكمالية في جغرافية مصر والقارة" (13مجلداً) بالعربية والفرنسية وكتاب "بالسفينة حول القارة الإفريقية" و"رحلة سياحة في بلاد الهند والتبت الغربية وكشمير 1915". وكان يوسف كمال من أغنى أغنياء مصر، ففي عام 1937 قدر إيراده بمئة ألف جنيه وفي عام 1934 قدرت ثروته بحوالي 10 ملايين جنيه وكان في هذا العام أغنى شخصية في مصر بينما في عام 1948 كان يمتلك حوالي 17 ألف فدان تدر دخلاً يقدر ب 340 ألف جنيه في العام"


اشتهر يوسف كمال بحبه للفنون الجميلة، وقد أنشأ أول مدرسة للفنون الجميلة في أحد بيوته في درب الجماميز بالقاهرة وذلك في 12 مايو أيار 1908، وأوقف عليها مساحة قدرها 127 فداناً من الأراضي الزراعية الواقعة بزمام مديرية المنيا بصعيد مصر، وأوقف عليها أيضاً عدة عقارات بمدينة الإسكندرية، وقد نص في حجة وقفه على أن يصرف ريعها "فيما يلزم لتدريس وتعليم مئة وخمسين تلميذاً، يكون الثلثان منهم من المصريين، والثلث من الأجانب، بدون التفات إلى الجنسية والدين، ويكون تعليمهم مجاناً -بغير استثناء- العلوم العصرية التي منها الخطوط العربية، والنقوش البارزة، وأشغال العمارات، والتصميمات والرسومات وغير ذلك"

وقد أجازت محكمة مصر الشرعية الكبرى حجة وقف الأمير بما تضمنته من تلك الشروط الفنية، وذلك بتاريخ 14 جمادى أولى 1327هـ - 3 يونيو 1909م، الأمر الذي يستفاد منه عدم وجود مانع شرعي للوقف على مثل تلك الأغراض -الفنون الجميلة وتعلمها- طبقاً لما ورد بنص حجة الوقف بما في ذلك اشتراطه "أن يقوم بالتدريس مدرسون من فرنسا وإيطاليا، وأن تمنح ميدالية برونزية لكل من الطالب الأول والثاني من الناجحين بالفرقة النهائية، مكتوب على أحد وجهي الميدالية "إنَّا فتحنا لك فتحًا مبيناً" وعلى الوجه الآخر "تذكار من الأمير يوسف كمال". ثم عاد الأمير وغيّر من شروط وقفيته في عام 1927 وجعل ريعها مخصصاً لإرسال بعثات علمية من الطلاب ليتعلموا الفنون الجميلة في جامعات فرنسا وإيطاليا

قدم الأمير يوسف كمال الكثير من أجل الفن والثقافة خاصةً مجموعة المقتنيات التى ساهم بها للمتحف الإسلامي وهى عبارة عن آثار وقفية من الثريات ومنابر المساجد والسيوف والمشغولات الذهبية والمصاحف والدروع قدمها تباعاً من أوائل القرن التاسع عشر وحتى عام 1927. وقد حرص على تسجيل كل قطعة مع وصف تفصيلي لكل منها وذكر منشأها وتاريخ صنعها. كما أهدى مجموعة من الطيور المحنطة ورؤوس الحيوانات المفترسة من صيده إلى متحف فؤاد الأول الزراعي، وبعضها ضم إلى متحف محمد علي بالمنيل. وأهدى أيضاً آلاف الكتب المصورة عن الطيور والحيوانات إلى دار الكتب المصرية وجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن) وتضمها حالياً المكتبة المركزية بالجامعة

كان شديد الاهتمام باقتناء النفائس النادرة والعناية بالفنون الجميلة، وقد شمل سخاء الأمير يوسف كمال الجامعة فوهبها 125 فداناً في مديرية القليوبية ومبلغاً كبيراً لاستصلاح تلك الأراضي، كما انتخب عضواً بمجلس إدارة الجامعة منذ عام 1912. وفي تلك الأثناء طلب الأمير يوسف كمال من مجلس إدارة الجامعة تولي إدارة مدرسة الفنون الجميلة التي كان قد أنشأها في القاهرة عام 1908 وأجيب إلى طلبه، غير أنه عدل عن قراره بعد ذلك

وفي مارس آذار عام 1914 عرض مجلس إدارة على الأمير رئاسة الجامعة لكنه اعتذر وطالب بالاكتفاء بأن يكون عضواً بمجلس إدارتها، ثم لم يلبث أن اختير رئيساً للجامعة عام 1916 حينما اضطر حسين رشدي باشا إلى التخلي عنها، ولكنه لم يمكث في الرئاسة إلا عاماً وبعض عام. وفي تلك الفترة من رئاسته للجامعة أرسل بعض طلبتها إلى الخارج للدراسة على نفقته. وبعد أن ترك رئاسة الجامعة ونظراً لظروف الحرب العالمية الأولى والضيق الاقتصادي الذي حل بالبلاد انصرف معظم الأفراد عن دعم الجامعة، إلا أن الأمير يوسف كمال تبرع للجامعة بمبلغ ألفي جنيه لمساعدتها على التغلب على ما تتعرض له من مصاعب

أسهم الأمير يوسف كمال في تنمية عددٍ كبير من القرى المصرية في صعيد مصر، وأدخل بعض التقنيات الزراعية الحديثة في منطقة نجع حمادي، وعُرف بالوطنية، حتى إنه أعاد في مطلع الخمسينيات إلى مصر معظم ممتلكاته التي كانت في الخارج. وبعد ثورة يوليو 1952 غادر مصر وأقام في أوروبا حتى توفي في مدينة أستروبل بالنمسا عام (1389= 1969م)

عائلة الشواربي تضم أسماء مختلفة في عالم الثراء

أول هؤلاء هو محمد باشا الشواربي، وهو محمد سالم بن منصور بن محمد بن إبراهيم. قدم جده الأكبر إلى مصر عن طريق الشام في زمن الظاهر بيبرس. ولد محمد الشواربي عام 1841، وكانت له أراضٍ خصبة. تم تعيينه عضواً في مجلس النواب المصري عام 1882، ثم أصبح عضواً في مجلس الشورى ثم وكيلاً للمجلس. ومن أعماله الخيرية إنشاء مستشفى قليوب الشهير، كما أقام مسجداً فخماً في محطة قليوب، وأوقف وقفاً خيرياً للحرم النبوي، وأوقف أوقافاص خيرية لتكية أنشأها في قليوب، وخصص مرتبات للأضرحة والعائلات الفقيرة

والشواربي باشا لا يزال اسمه يطلق على أحد شوارع القاهرة القديمة الرئيسة، وهو من قبيلة حرب ويقال إنهم أحامدة ويقال إن أصل الكلمة الشاربي الأحمدي ثم جرى تحريفها

وممن حملوا لقب هذه العائلة حامد باشا الشواربي المولود في 3 مارس آذار 1889 في قليوب، وقد عين سكرتيراً في لجنة المراقبة القضائية عام 1911 ثم أصبح سكرتيراً لوكيل وزارة المعارف العمومية علي باشا أبو الفتوح، قبل أن يتم اختياره سكرتيراً لوزير الحقانية (العدل) شكري باشا. أصبح وكيلاً لنيابة محكمة الزقازيق ثم جرى تعيينه قاضياً بالمحكم الأهلية، وانتخب لعضوية مجلس النواب المصري عن دائرة مركز قليوب، ونال رتبة الباشوية في سبتمبر أيلول 1925
نال حامد الشواربي حظوة لدى محمد باشا الشواربي كبير العائلة، الذي أوصى له بنظارة أوقافه الشاسعة ليتولى إدارة شؤونها بنفسه. كما أشرف على توزيع مرتبات أوصى بها محمد باشا الشواربي لفقراء العائلة، وتولى الوصاية على تربية عبد الحميد باشا الشواربي نجل كبير العائلة المولود في يونيو حزيران 1906

أما عبد الحميد الشواربي فقد كان من أشهر مليونيرات عصره. تولى رئاسة نادي الزمالك عام 1956 خلفاً للمحامي محمود شوقي. غير أنه بعد ثلاثة أشهر فقط، لم يقتنع الشواربي بحكاية المركز الأدبي والوجاهة الاجتماعية كرئيس لنادي الزمالك .. ولم يفرح طويلاً بالمقارنة بينه وبين المليونير أحمد عبود الجالس على مقعد رئاسة النادي الأهلي. تقدم الشواربي باشا باستقالته معلناً أن رجال الأعمال لا يصلحون لإدارة نادي الزمالك لو أداروه بمنطق وفكر وحسابات رجال الأعمال. ومن الواضح أن الرجل لم تكن تعنيه مسألة الوجاهة، فهو رجل مال، اعتاد أن يتعامل بقواعد الحساب وقوانين المكسب والخسارة. وقد اكتشف الشواربي أن رئاسة الزمالك صفقة خاسرة بالنسبة له

أما عائلة البدراوي باشا ذات الميول الوفدية الواضحة، فهي التي استضافت زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس باشا على امتداد شهور عام 1941 في شمال الدلتا، بعد أن رأى عددٌ من زعماء الحزب أن من الخطر على سلامة النحاس باشا البقاء في مسكنه في مصر الجديدة على مقربة من منطقة مطار ألماظة، بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية

وكان مكرم عبيد باشا قد اكتشف شاباً من ألمع شباب أسرة البدراوي، هو محمد فؤاد سراج الدين (ابن سراج الدين شاهين باشا وزوج زكية البدراوي كريمة البدراوي باشا)، وقد لمح مكرم عبيد لدى فؤاد سراج الدين استعداداً للعمل السياسي من موقع الجاه والغنى، ومعهما طاقة من الحيوية والنشاط لافتة

وكان الشاب في سلك النيابة أصلاً وأقنعه مكرم عبيد باشا أن ينضم إلى حزب الوفد، وأن يترشح في دائرة انتخابية من دوائر عدة فيها أملاك ونفوذ لأسرته. بدأ نجم فؤاد سراج الدين يلمع في الوسط القريب المحيط برئيس الوفد، ثم أصبح ملازماً للرئيس ومرافقاً له باستمرار، قبل أن يصبح سراج الدين رئيساً لحزب الوفد الجديد

أما علي شعراوي، فقد ظل طاهراً في سلوكه محافظاً على التقاليد مستقيم السلوك من بدء حياته إلى ختامها، فضلاً عن كونه من خيرة الوطنيين. ووالده هو حسن أفندي شعراوي عمدة المطاهرة بمركز المنيا كما كان نائباً عن المنيا في الانتخابات الأولى لمجلس شورى النواب في ٢٥ نوفمبر تشرين ثانٍ ١٨٦٦. أما علي شعراوي (الابن) فنجده في برلمان "توفيق – عرابي" في نوفمبر تشرين ثانٍ ١٨٨١
وعلي شعراوي باشا هو أحد الثلاثة الكبار - إلى جانب سعد زغلول وعبد العزيز فهمي- الذين قابلوا المعتمد البريطاني في مصر السير ريجنالد ونغيت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى لعرض مطالب البلاد. وفي ذلك اللقاء، قال السير ونغيت‏:‏
" لقد كانت مصر عبداً لتركيا‏، أفتكون أحط منها لو كانت عبداً لانجلترا؟"
وتصدى علي شعراوي باشا لهذا المنطق قائلاً: " إن العبودية أمرٌ لا يسر في أي حالة‏،‏ ونحن كما قلنا نريد أن نكون أصدقاء لانجلترا صداقة الأحرار لا صداقة العبيد"‏

وكان الخديو توفيق قد أهدى لصديقه المخلص محمد سلطان جارية بيضاء أنجب منها عمر وهدى، التي لم تكن راغبة في البداية في الزواج من "ابن عمتها"، علي شعراوي، خصوصاً أن فارق السن بينهما وصل إلى نحو أربعين عاماً. وتحت ضغط الأسرة، وافقت ابنة الرابعة عشرة على الزواج، شريطة أن تقيم في القاهرة
وعاشت هدى شعراوي –التي عرفت لاحقاً بوصفها رائدة حركة تحرير المرأة- بعد وفاة والدها في ظل ثروتين: ثروة أبيها وثروة زوجها


وحظي السكاكيني باشا بشهرة واسعة في مصر، ليس فقط بسبب إطلاق اسمه على الحي المقام به قصره، وإنما لأنه كان رجلاً واسع الثراء وصاحب أملاك واسعة. أما قصره فإنه يعد تحفة معمارية غاية في الجمال، بما يضمه في طرازه المعماري من مختلف فنون العمارة، بمدارسها التي تتنوع فيها العمارة الإسلامية، والفرعونية بل والصينية أيضاً، إلى جانب فنون النهضة الأوروبية

كانت المنطقة التي يوجد بها قصر السكاكيني قبل بنائه عبارة عن بركة مياه، على الجانب الشرقي للخليج المصري، تعرف ببركة "قراجا التركماني"، قبل أن تؤول ملكيتها وما حولها إلى السكاكيني باشا، بحكم مرسى المزاد الصادر من محكمة مصر المختلطة في العاشر من يونيو في عام 1880

وما إن استقرت هذه البركة وما جاورها في حوزة السكاكيني، حتى شرع في ردمها وبناء قصره الفخيم الذي يقع في منتصف الحي الموجود حاليا، لتلتقي عنده كل الطرق المؤدية إلى الحي، ما كان له أثر بالغ في التوسع العمراني في هذه المنطقة شمالا وشرقا، طوال القرنين التاسع عشر والعشرين

وبني قصر السكاكيني على يد معماريين إيطاليين جاؤوا خصيصاً للمشاركة في بناء القصر، الذي يعتبر النموذج المجسم لفن الروكوكو. وبعد وفاة السكاكيني باشا آل القصر إلى ورثته الذين تنازلوا أخيراً عنه إلى وزارة الصحة، بغرض إقامة أول متحف طبي في مصر، بناء على فكرة، طرحها أحد أحفاد السكاكيني باشا الذي كان يعمل طبيباً
واللافت للانتباه أن قائمة أغنى أغنياء مصر عام 1920 لم تضم حاكم مصر السلطان فؤاد

غير أن مصر كانت في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين على موعد مع زلزال اقتصادي أعاد تغيير موازين الثراء وترتيب الأثرياء في المحروسة

تابع القراءة

gravatar

أثرياء مصر زمان.. والآن (9): عمر طوسون..الأمير المستنير





أدهش الأمير عمر طوسون عصره، بثرائه الشديدة تارة، وتبرعاته السخية تارة ثانية، ومؤلفاته الغزيرة تارة أخرى

وطوسون (1289 - 1363 هـ = 1872 - 1944 م) الذي كان جده الأكبر هو محمد علي باشا، ولِدَ وتُوفي في مدينة الإسكندرية، حبه الأكبر. كان "رضي الخلق، مترفعاً عن الصغائر، وفياً لأصدقائه، شعبياً محبوباً" (من ترجمة له بقلمه في مجلة المجمع العلمي العربي 19: 163 أضاف فيها إلى اسمه واسم أبيه لفظ "محمد" للتبرك)

تعلم في سويسرا، وزار أوروبا، لكنه في النهاية انتمى إلى وطنه مصر بكل ما تعنيه تلك الكلمة

بعد عودة الابن الثاني للأمير طوسون بن محمد سعيد بن محمد علي من رحلة تعليمية في أوروبا، تفرغ لإدارة أملاكه، وكان قد ورث ثروة طائلة عن أبيه، فأجاد إدارة أملاكه، وشغل نفسه بتحسين غلة أرضه وتجويد صنف محاصيلها. لم تمض سنوات قليلة حتى زادت موارد أملاكه، وبلغ من حسن إدارته أن أسند إليه اثنان من أقاربه إدارة شؤون أملاكهما، فقام بذلك دون أن يتقاضى عن عمله هذا أجراً
شغف عمر طوسون بالرياضة والصيد في شبابه، وأتقن مع العربية التركية والفرنسية والإنجليزية. وعكف على تاريخ مصر الحديث وآثارها، فصنف كتباً كثيرة بالعربية والفرنسية استعان على تأليفها ببعض كبار الكتاب. وكان من أعضاء المجمعين العلميين بمصر ودمشق، ومن أعضاء الجمعية الجغرافية بمصر، وكان في صدارة المتحدثين في المؤتمر الجغرافي العام الذي استضافته القاهرة في مطلع إبريل نيسان 1925 (خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 5، دار العلم للملايين، بيروت، 2000)

آزر الحركة الوطنية المصرية بقلمه وماله، غير متقيد بتقاليد أسرته، في الابتعاد عن الدخول في غمار الجمهور. وكان عمر طوسون – الذي تزوج الأميرة رقية حليم - أكثر أمراء البيت العلوي إحساساً بقضايا الأمة وعملاً على تحسينها. ويبدو أنه ورث هذه الخصلة من جده الوالي سعيد بن محمد علي الذي كان يعطف على الفلاحين المصريين؛ فأسقط عنهم ما يثقل كاهلهم من الضرائب، وملّكهم الأرض الزراعية، وجعل لهم مطلق الحرية في التصرف في زراعتها وبيع حاصلاتها

وكما اقترب طوسون من القضايا الوطنية اقترب كثيراً من القضايا الإسلامية، فلم يُخف ميوله إلى الدولة العثمانية والوقوف إلى جانبها وفي صفها، باعتبارها دولة الخلافة التي تظل العالم الإسلامي وتربط بين أبنائه. وكان طوسون من أعلى الأصوات في مصر مؤازرة للدولة وعوناً لها فيما يقع لها من المصائب والكوارث

فحين نشبت الحرب الإيطالية الطرابلسية سنة (1329هـ= 1911م) وخاضت الدولة العثمانية الحرب مع أهالي برقة وطرابلس ضد إيطاليا الطامعة في الأراضي الليبية، أهاب الأمير عمر طوسون بالمصريين لمد يد العون إلى في ليبيا، وترأس اللجنة التي شُكلت لجمع التبرعات لمساعدة الدولة العثمانية في حربها العادلة ضد العدوان، وبدأ بنفسه فتبرع بخمسة آلاف جنيه للجيش العثماني الذي يقاتل هناك، وبألف أخرى لبعثة الهلال الأحمر المصرية التي سافرت إلى هناك. بالإضافة إلى ذلك كان يرسل إلى المقاتلين في برقة والجبل الأخضر قوافل محملة بالعتاد والطعام، وكان لهذا العون الكريم أثره في استمرار المقاومة ومواصلة القتال (مجموعة من المؤلفين، ذكرى المغفور له الأمير عمر طوسون، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1946)

لم يمض عامٌ على هذه الحرب حتى اشتعلت حرب أخرى ضد الدولة العثمانية في البلقان، فانتقض عمر طوسون لمساعدة العثمانيين وبذل جهداً مضاعفاً لجمع التبرعات، وجاب أنحاء مصر مع الأمير محمد علي لهذا الغرض، حتى تجمعت لديه حصيلة ضخمة من التبرعات بلغت 300 ألف جنيه في بضعة أسابيع، كما نظم البعوث الطبية لجمعية الهلال الأحمر إلى هناك

ولما انتهت الحرب العالمية الأولى بانتصار الحلفاء وهزيمة الدولة العثمانية اقتطع المنتصرون كثيراً من الأراضي العثمانية، واحتلوا عاصمة دولة الخلافة، واضطرت فلول الجيش العثماني إلى الانسحاب إلى داخل الأناضول للدفاع عن البقية الباقية من بلادهم. وكان هؤلاء يحتاجون إلى العون والمساعدة حتى يستمروا في الدفاع والصمود، فامتدت إليهم يد الأمير عمر طوسون الذي دعا المصريين إلى التبرع لإخوانهم فاستجابوا لدعوته

استمرت هذه المعونة تتدفق ثلاث سنوات على هؤلاء المدافعين حتى تمكنوا من تحقيق النصر على اليونان وتحرير أرضهم (محمد كرد علي، جريدة الأهرام، 7 - 2 - 1935)، ولكن بعد أن تم لهم النصر عصفوا بالخلافة الإسلامية، وأخرجوا الخليفة عبد المجيد وسائر أسرة آل عثمان، فانبرى عمر طوسون يدافع عن مقام الخلافة، ويقف إلى جانب الأسرة المنكوبة، فألف جمعية لمساعدة الخليفة عبد المجيد وأمراء البيت العثماني وإمدادهم بما يحتاجونه

آزر عمر طوسون بجهده وماله معظم القضايا الإسلامية التي عاصرها، فناهض سياسة فرنسا في الجزائر التي كانت تدعو إلى تحويل مئات الألوف من المسلمين عن ديانتهم بدعوى أنهم برابرة وليسوا عرباً، وفضح سياسة الاستعمار الهولندي في إندونيسيا، ما ترتب عليه أن تراجعت هولندا وتنفس المسلمون بعضاً من الحرية التي جعلتهم يحافظون على دينهم وهويتهم

ووقف أيضاً إلى جانب قضية فلسطين وناهض سياسة بريطانيا، ودافع عن حقوق المسلمين والعرب في فلسطين، وأهاب بهم جميعاً أن يتحدوا ويتجمعوا على كلمة سواء ضد فكرة إنشاء وطن قومي لليهود، وبذل من ماله لمساعدة المقاتلين الذين انبروا للدفاع عن هذه البقعة المقدسة (عزيز خانكي، جريدة الأخبار، 18 -11 - 1954)

نزل الأمير عمر طوسون معترك الحياة السياسية وشارك فيها مشاركة فعالة، مدفوعاً بحبه لمصر والتزامه بقضاياها الوطنية. ويمكن القول إن أعماله الوطنية فاقت أعمال غالبية الزعماء السياسيين ورجال الأحزاب في عصره
ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى، دعا إلى تشكيل وفد مصري يتولى التحدث باسم مصر في مؤتمر فرساي عام (1337هـ= 1918م) للمطالبة باستقلالها، دون نظرٍ إلى حزب أو جماعة سياسية، وهو بذلك صاحب فكرة تأليف وفد مصري للتفاوض. فلما طرحها على سعد زغلول استحسنها ووعده بعرضها على أصدقائه، وبلغ من إعجاب سعد زغلول بهذا الاقتراح أن قال في مذكراته: "إن الأمير يستحق تمثالاً من الذهب لو نجحت هذه المهمة" (عبد المنعم إبراهيم الدسوقي الجميعي، منهج البحث التاريخي.. دراسات وبحوث، القاهرة، 1992)

غير أن سعد زغلول انفرد بتأليف الوفد بعيداً عن صاحب الاقتراح الذي غضب لهذا التصرف، وكادت تحدث أزمة تهدد الصف ثم تغلبت المصلحة العامة على هذا الخلاف. عاود سعد زغلول الاتصال بالأمير عمر طوسون، ووقف عمر طوسون إلى جانب ثورة 1919، وأعلن هو وبعض الأمراء تضامنه مع الأمة، ومطالبتهم باستقلالها استقلالاً تاماً بلا قيد أو شرط، وكان قصره في الإسكندرية مركزاً للعمل الوطني تصدر منه البيانات المؤيدة لحقوق الأمة (يواقيم رزق مرقص، الأمير عمر طوسون ودوره في المسيرة الوطنية، مجلة مصر الحديثة، العدد الثاني، 2003)

كان الأمير عمر طوسون يعد السودان امتداداً طبيعياً لمصر، وكتب ذلك في الصحف وضمنه كتبه ومذكراته، وكان لا يذكر السودانيين إلا بما يليق بهم، ويبدي إعجابه بكفاحهم. وحين شُكلَت لجنة لوضع الدستور المصري برئاسة حسين رشدي باشا سنة (1341هـ= 1922م) كتب إليهم قبل أن تبدأ أعمالها مذكراً بأهمية السودان واعتباره ضمن حدود البلاد كما كان قبل الاحتلال، وبوجوب تشكيل مجلس النواب من السودانيين والمصريين على حدٍ سواء يعمل للمصلحة المشتركة التي لا انفصام لها أبداً. وكان لهذا الخطاب أثره في مناقشات لجنة وضع الدستور

ويندر أن تجد مشروعاً نافعاً في مصر إلا وللأمير عمر طوسون يد بيضاء عليه، ويأتي في مقدمة أعماله الخيرية ما فعله مع الجمعية الخيرية الإسلامية التي كانت تقوم بدور عظيم في مجال التعليم عبر مدارسها المنتشرة في أنحاء مصر، فحين تعثرت ميزانيتها بعد أن تأخر كثير من المساهمين فيها في دفع اشتراكاتهم ودعت أهل الخير للتبرع بالمال لاستكمال رسالتها كان الأمير عمر طوسون أول من استجاب لهذه الدعوة من المصريين وتبرع بمبلغ خمسة آلاف جنيه، وذلك في سنة (1339هـ= 1920م)، ولم يكتف بهذا بل دعا غيره للتبرع حتى وصل المبلغ إلى خمسة عشر ألف جنيه، فاستعانت به الجمعية في عملها

لفت نظره ما تعانيه الجمعية الخيرية القبطية من ضيق، فتبرع لها بألف جنيه، ودعا الأقباط إلى الاكتتاب لها كما دعا المسلمين إلى الاكتتاب لجمعيتهم، ونشر ذلك في الصحف. وجاء في دعوته: "والغرض الأقصى لي من ذلك أن أشرف على مضمار للخير في مصر بين الأخوين الشقيقين المسلم والقبطي، تتسابق فيه العزائم وتتبارى الهمم؛ لأنظر إلى أية غاية يجري الأخوان المتباريان"

كما تبرع لمدرستي البطركخانة والمشغل البطرسي على إثر زيارته للأنبا كيرلس بطريرك الأقباط الأرثوذكس بمبلغ من المال، يصرف من ريعه على الطلاب المتفوقين في المدرستين

وشارك مشاركة فعالة في جمعية منع المسكرات التي أنشأها الدكتور أحمد غلوش، وكانت مصر قد شهدت في تلك الفترة انتشاراً ملحوظاً للحانات ومحال بيع الخمور في أنحائها. وقد لقيت الجمعية عوناً ظاهراً من طوسون، فأرسل في سنة (1349هـ= 1930م) إلى رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب رسالة طالبهم فيها بالنظر في سن قانون يقضي بمنع تداول المسكرات في البلاد، وبعث إليهم بمشروع لهذا القانون، وترأس وفداً من الجمعية سنة (1353هـ= 1934م) لمقابلة الملك فؤاد، وعرض عليه مذكرة تطالبه بتحريم المسكرات في المملكة

وشملت صِلاته الخيرية عشرات الجمعيات في مصر، مثل جمعية الشبان المسلمين، والعروة الوثقى، والمواساة، والملجأ العباسي، ومشيخة العلماء بالإسكندرية، فضلاً عن إعاناته المختلفة للمعاهد العلمية والأثرية والرياضية (زكي فهمي، صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1995)

وفي جريدة "الأهرام" عدد 18730 بتاريخ 17 يناير كانون ثانٍ 1937 رصد الأمير عمر طوسون عدداً من فوائد الوقف، ومنها حفظ ثروة البلاد، وصون البيوتات العريقة من الاندثار، وبقاء الأعيان الموقوفة سليمة ومتجددة على مر الدهور
تبرع عمر طوسون بجميع نفقات جنازة الزعيم الوطني محمد فريد طول الطريق في أعقاب نقل رفاته من ألمانيا إلى مصر. واستغرقت مراسم الجنازة الشعبية ٢٤ ساعة بدءاً من مرورها بشوارع الإسكندرية حتى محطة مصر في القاهرة، قبل الصلاة على الجثمان في جامع قيسون بالقلعة ومنه إلى مدافن العائلة في السيدة نفيسة في ٩ يونيو حزيران ١٩٢٠ (زينب حسن، محمد فريد.. زعيم "العمل الصامت".. عاش مناضلاً ومات منفياً، جريدة المصري اليوم، 21-12-2007)

تولى عمر طوسون رئاسة الجمعية الزراعية الملكية سنة (1351هـ= 1932م)، وكانت تعنى بشؤون الزراعة في مصر والعمل على نهضتها. وقد نهض بالجمعية ووسع من دائرة عملها وكان لشغفه بالعلم وحبه للبحث العلمي أثرٌ في توجيه الجمعية، فأجريت التجارب على مختلف الأراضي الزراعية وطرق إصلاحها وما يناسبها من الأسمدة، وأنتجت عدة سلالات من القطن والقمح والشعير، وأقيمت لأول مرة في مصر تحت إشرافه تجارب الصرف الجوفي وتأثيره على جذر النبات ونموه. واهتم طوسون ببحوث الحشرات، وأعلن عن تقديم جائزة مالية قدرها خمسة عشر ألف جنيه لمن يبتكر علاجاً لإبادة دودة ورق القطن، وشجع الجمعية على إعداد كميات كبيرة من التقاوي الممتازة للمحاصيل الرئيسية لتوزيعها على المزارعين

دعا عمر طوسون إلى الاهتمام بتعليم المرأة، كما طالب بالنهوض بالشأن الاجتماعي في مصر. وهنا يروي قليني فهمي باشا ما يلي:"كنت أتحدّث مع سموه يوماً عن الإصلاح الاجتماعي، ولم تكن وزارة الشؤون الاجتماعية قد أنشئت بعد، فقال سموه: إنّ الإصلاح الاجتماعي في مصر يحتاج إلى أداة حكومية تديره وتشرف عليه وتعاونه. ولا يكون ذلك إلاّ بإنشاء وزارة جديدة تدعى وزارة الشؤون الاجتماعية، فهو أوَّل من قال بها في مصر" (قليني فهمي، واجب الوفاء: الأمير عمر طوسون..حياته، آثاره، أعماله، مطبعة كوستا تسوماس، دون تاريخ)

ويُذكر له أنه أنشأ عدداً من القرى النموذجية المزودة بالمرافق الضرورية، وأرسل إلى الحكومة المصرية كتاباً يقترح فيه أن تبدأ برنامجاً منظماً لإصلاح قرى القطر المصري، واتجهت الجمعية أثناء رئاسته إلى نشر بعض المؤلفات العلمية المتصلة بالزراعة، مثل الحشرات الضارة في مصر لـ"ولكس"، وقوانين الدواوين للمؤرخ الأسعد بن مماتي، والأحوال الزراعية في مصر لـ"جيرار"، والخيول العربية للأمير محمد علي، فضلا عن المطبوعات التي تتضمن نتائج البحوث العلمية التي تقوم بها الجمعية

وفي عام 1930، سجَّل طيَّار بريطاني، هو الكابتن كول، ملاحظاته عن مشاهداته أثناء طيرانه على ارتفاع منخفض فوق خليج أبو قير؛ وتضمَّنت تلك المشاهدات تكويناً ضخماً، على هيئة حدوة حصان، تحت سطح البحر. ووصلت هذه الأخبار إلى الأمير عمر طوسون، وكان يملك إقطاعية ضخمة حول الخليج، فكلَّف بعض المهندسين بتحديد مواقع هذه الآثار. واستمرَّ طوسون في اهتمامه بآثار خليج أبو قير الغارقة، فانتشل رأس تمثال من الرخام الأبيض، وهو معروض بالمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، كما اكتشف عدَّة أرصفة وقواعد لأعمدة من الجرانيت الأحمر، حدد موقع أحد المعابد، على بعد 240 متراً من خط الساحل

وكان عمر طوسون وراء إيفاد عدد من العرب للدراسة في الخارج، ومنهم السوداني الدرديري أحمد إسماعيل، لنيل الكفاءة الليسانس والأستاذية في الحقوق من جامعة ليدز ما بين عامي 34-1937 فكان أوّل سوداني ينال شهادة الأستاذية في الحقوق من الخارج. وقد تبوأ أعلى المناصب وكان من أشهر المحامين السودانيين وعمل وكيلاً لشؤون السودان بمصر 1952 ووزيراً في عدة وزارات سودانية

وفي 20 أكتوبر تشرين أول 1998 طالب حفيد عمر طوسون ووريثه الوحيد، عزيز محمد عمر طوسون، باسترداد ممتلكات وقصور جده ومقتنياته الأثرية النادرة، وإلغاء قرار لجان المصادرة بمصادرتها عام 1953. وطعنت الدعوى القضائية في قرار المصادرة لتناقضه مع موقف ثورة 23 يوليو 1952 تجاه الأمير عمر طوسون واعترافها بوطنيته ودوره المشهود في النضال ضد الاحتلال البريطاني، ودعم الحركة الوطنية المصرية، والدفاع عن وحدة وادي النيل، وإثرائه المكتبة العربية بكتاب نادر عن نهر النيل

بقي أن نشير إلى أن والدة عمر طوسون هي الأميرة فاطمة إسماعيل (1853-1920) إحدى بنات الخديو إسماعيل، التي ما إن علمت عن طريق طبيبها الخاص محمد علوي باشا عضو مجلس الجامعة المصرية بالصعوبات التي تعانيها هذه الجامعة، حتى بادرت الأميرة بإخراج هذا المشروع من عثرته المالية، فأوقفت ستة أفدنة من أراضيها ليقام عليها الصرح العلمي. وأوقفت كذلك 661 فداناً من أجود أراضيها في محافظة الدقهلية على هذا الأمر من ضمن 3357 فداناً كانت تخصصها للبر والإحسان، وجعلت للجامعة من صافي ريع تلك الأرض حوالي 40% كل عام

وعندما تعذر على الجامعة إقامة حفل وضع حجر الأساس الذي كان سيحضره كبار رجال الدولة في مصر تكفلت تلك السيدة بالتكاليف جميعها، وتم الاحتفال في يوم (3 من جمادى الأولى 1322هـ=31 من مارس 1914م)، ثم ما لبثت الأميرة فاطمة أن أعلنت أنها ستتحمل تكاليف بناء الجامعة من نفقاتها الخاصة؛ ولذا عرضت مجوهراتها الثمينة . وعندما لم تنجح محاولة بيعها في مصر تم عرضها للبيع خارج البلاد وتم بيعها بحوالي 70 ألف جنيه

ومن الأشياء التي تحسب للأميرة فاطمة أن مقر المتحف الزراعي في القاهرة والذي يقع على مساحة 30 فداناً ويعد أول متحف زراعي في العالم، كان في الأساس هو القصر الذي تعيش فيه فاطمة ثم تبرعت به للجامعة والذي أنشئ عليه بعد ذلك المتحف الزراعي

والنبتة الطيبة، لها دوماً عطر العطاء وبهاء الخلود
تابع القراءة

gravatar

كل هذا الغناء




لا شيء في صدرِ هذا الصباح سوى وشوشاتِ الضياء والأكاليل المؤطرةِ بالنقاء
لاشيء في ذهن هذا اليوم سوى قلبٍ ترأسَ وفدَ الجِراح
لا شيء في كفِ هذا المساء سوى أنشودة القرنفلِ وحروفِ الكبرياء
بوسعنا الآن أن نؤاخي بين الشموس وخافقِ الروحِ، فالكلماتُ ما زالتْ تسْتَرْعي انتباه العابرين
من شهقة الشهيق، اختزلنا المسافة بين قِباب التاريخ وجغرافيا المعنى
ومن زفراتِ الزفير، صنعنا فتنةَ امرأةٍ، صارتْ لفَرْطِ جمالها لا تُرى
كأسٌ يملؤها الندى، ورعشةُ موجةٍ هبّت من رحم زرقة البحر
وفي الذكرى الثالثة لمولد "قبل الطوفان"، أقصيتُ كلَ الغيوم من أفق روحي، واستبقيتُ شمس النهار، مع أن المَطرَ لمْ يَعُدْ يَكفي لِغَسلِ كُلّ هذا الهواء
الَسَنَابِلُ فِي رحلتِها تَتَسَلَّقُ أسوارَ البَهَاء
حين شفَ الكلام، تبادلنا أنخابَ التعب، وتَركْنا الرِّيحَ تأكلُ أحزاننا
ففي ليالي الأرق، يتكفلُ الأسى بلوازم السهرة
كيف نجحت البشريةُ في اختراع مزيل للعرق، وعجزت عن التوصل إلى مزيل للأرق؟
عندما شكوتُ لصديقٍ بأني أبحثُ عن النعاسِ الذي كان يبحثُ عني أيضاً، نصحني بأن أحكيَ لنفسي حكاية قَبلَ النوم
حكيتُ لنفسي حكايةً لم تنتهِ إلا في الصباح
وهكذا وُلِدَتْ هذه المدونة
لم أهتم بتهدئةِ ضجيج العواصم التي أحملُها في رأسي
وحده الضريرُ يحدثك بحسرةٍ عن أيامِه المُبصِرة
والمجدُ كلُ المجدِ لمن يعتصمُ بدمه، حتى يُصابَ الجلادُ بالجنون
هناك من يسقطُ تحت إطاراتِ العمل الكادح، دونما راحةٍ أو سكينة تسدُ فجوةَ الروح أو تُشبعُ فضاءَ الجسد
وأنا، تَعِبَ الصبحُ على بابي
أسابقُ ظِلي بما يَكْفي لِفَتْحِ الرُّوحِِ على مَجَاهِلِ جُرْحِهَا
وكلما حاولتُ أن ألثمَ خداً عابراً، يكونُ الوقتُ قد فات
يبدو أن الطريقَ لا تحتمل كائنين، إلا نادراً
هكذا حررتُ لِسَاني مِنْ كُلِّ هذا الغِناء، وفتحتُ شُرفةَ صدري، وأيقظَتُ ذكرى مدنٍ فيها تركتُ أنفاسي
كُنْتُ أرُشًّ نُورِي كلما مرَ عطرٌ خفيفٌ، وأمسحُ على جبهةِ الغيب كلما طرقت بابي مساربُ ضوءٍ يصهرُ نزوات الأمكنة
رويتُ مَا لَمْ يَقُلْهُ الرُّوَاة، مَفْتُونًا بِظِلٍ هَارِبٍ مِن سِجن المَنْفَى، حتى نَامَتْ عَلَى سَاعِدَيّ السَّكِينَة
الرِّوَايَةُ أَقْصَرُ مِمَّا يَظُنُّ الرِّوائِيُّ، إذا حَالَ بينهما مَا يَكْتُمُ الزَّمَنُ
والتاريخُ يتأرجحُ في هواءِ المخيلة، إلا إن عَرفَ النَّاسُ تَفَاصِيلَه المُحرِقَة
وفي حصاد عامٍ مضى، نفضنَا غبارَ الأقمارِ الكسيحة؛ حتى يكونَ الكلامُ فِكْرَةً تَتَمردُ على عُنُقِ المِشْنَقَة
في يوميات ساحر متقاعد، لبستُ أناقةَ قلبي لأحدثكم عن لظى جسدٍ مرعبٍ مارسَ الحب في ليالٍ مضجرة.. عن غابةٍ تحترقُ بالشبق، وكلما احتضنَتْ عاشقاً ابتكرت له سريرَ نهايةٍ وذرفت عليه دمعتين ووردة
في قصة تشبه الحزن، هربتْ من المفكرةِ امرأةٌ يثرثرُ اللونُ العسلي في مدِ عينيها، متسائلاً: أو ليست المرأةُ في نهاية المطاف، المطاف الذي لا نهايةَ له؟
وحين نحزنُ نملكُ قائمة طويلة من السماءِ المصنفة بين البُغضِ والريبةِ، والاطمئنان
الحقائقُ الكبرى تُقالُ على العتبات
وفي الغرف المقبضة، نستذكرُ لحظاتِ الغياب ونستغربُ: لم لا تكف الحياة أبداً عن إعلان قسوتها؟
ها هو الموتُ يبني له بيتاً بين المفاصل والعظام
في آخر رمية نرد، نرى الجميلات في قناعهن المرمري..نساء فيهن سحر الحياة، وجوعها وجنونها
وكانت تدوينتا حرف يبلله المديح، وفوق حرير سحابة، عن مسابقة دويتشه فيله العالمية للمدونات التي فازت فيها مدونة "قبل الطوفان" بجائزة الجمهور كأفضل مدونة عربية
عُد إلى الأرض كي تستريح، رثت محمود درويش الذي ودعنا بكثيرٍ من الألم وقليلٍ من الأمل
حقولُ اللوز لن تهدي بعد اليوم عطرَها المعتاد
"أحمر خفيف"..الملائكة حين تتفرق، عن الأهل والأصدقاء حين يتراشقون بالجراح وبالعتب
جرائم العاطفة في مصر النازفة، تحاولُ تفجيرَ اللحظاتِ المثخنة التي تَعَلَمنا منها كيف صنعَ بشرٌ قبلنا فوضىً عظيمةً من الحب
واصلنا سرد كتاب الرغبة: كنوزٌ فائرة، مكتظةٌ بشهوةِ الاكتشاف
وصفحاتُ هذا الكتاب مشرعةٌ على المزيد
بدأنا سلسلة الصورة إن حكت:
"إثم اللون"، عن الأبيض الذي يخشى أن يصابَ بما يعكرُ نقاءه
و"يا..وحدي" تنجبُ جيلاً من الدموع، وتؤكدُ أن وراء كل خيمةٍ في بلادنا خيبةٌ، تباكى البعض على نصبها، وتلقى آخرون ثمنها سلفاً
هناك دائماً من يهاجمُ الوردة؛ لأنها تُفقِدُ الجنودَ تركيزهم
أبانا الذي في الامتحانات، أمورٌ تضحكُ السفهاء منها.. ويبكي من عواقبِها اللبيبُ
وعليكم "السلام 98"، عن ضحايا العبَارة الغارقة الذين ماتوا مرتين.. في الأولى ابتلعهم البحر، وفي الثانية ابتلعهم الظلم
أبلهٌ، من يضاجعُ العتمة لينجبَ منها شموساً
نجوم على القوائم السوداء، عن نموذج الشريك في كل غلّة، الذي له في كل جيب هوية، وفي كل بلادٍ ملفٌّ وقضية
بنك الكونت دي ملوي، عن النصاب الذي يستدعي أفكاراً غامضة كالأشباح
وزراء في المصيدة، عمن يذْهَبُون إلى أقصى الوهم، فيتجشأون الحماقة
نساء المتعة، عن صنارة عالقة في القلب..رحيلُها ممزقٌ وحضورُها مؤلم
يا لشهوة الطين النافرة من شفاهٍ لا تتذوق إلا طَعمَ القصور وطُعمَ البنكنوت
أبو غزالة من النجم الساطع إلى خريف الغضب، فتح ملف العمدة في الشدائد الذي اصطادته المكائد
ثمن الصداقة في حكم مصر، عن ذلك الإِسْكَافِي الأَعْمَى الذي دقَ مَسَامِيره في أوردتنا الضيقة أصلاً
"هكذا جاء قدري"، عن بلائنا وكربلائنا في آخر ثلاثين عاماً
عبد الحليم حافظ.. موظف الثورة، والكلمات المشوشة التي تتساقطُ من ثقبٍ ما في الحنجرة
لا أحدَ يحبسُ حقيقة الوطن في صدى أغنية
وها نحن نواصل الكتابة عن "أثرياء مصر زمان..والآن"، لنعرفَ المالَ الذي قاومَ والبعضَ الذي ساوم
الأحجارُ شَرِبَتْ عَرَقَ المَدِينَة، والنوافيرُ صمتت فِي مُنْتَصَفِ الأَحْزَانِ
ليس سوى النهرِ يُوَارِي عِنَاقَ عاشِقَيْنِ تدثرا بضفافِه
وأنا معكم، أقطعُ مسافة طويلة بين تاريخين، في وطنٍ ضَيِّقٍ كخَصْرِ الرَّاقِصَة..يُغْريكَ ولا يَتَّسِعُ لأحْلامِك
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator