المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

يوميات ساحر متقاعد



هذا أنا: أنتم


بقايا حكاياتٍ ورمادُ أيامٍ مرشوشة بالملح حيناً، وغارقةٍ في العسل في أحيانٍ أخرى

والصفحات التالية ليست سوى شاهد ملكٍ في قضية خاسرة، وربما كانت مرافعةً في قاعة محكمةٍ غادرها المتهمون وبقي القاضي يشكو وحدته داخل زنزانةٍ تليق بمهابته

إنها قصصٌ مكتوبة عني وعنكم، سطرتُها في ارتحالاتي المُتعَبة، من القاهرة إلى الدوحة، ومن واشنطن إلى عمان، وصولاً إلى دبي.. يا لها من مُدنٍ استنزفَ العابرونَ منها الهواءَ قبلَ أن يغادروها

والقصصُ كالخمر، تتعتقُ حين تُروَى

الكلماتُ تشبهني، كأنها توائمي، وهي بصماتي على عقولٍ وأرواح عرفتُها وعرفتني. كتبتُ بعضَها وأنا أحملُ حقيبةَ سفري وأذوبُ في زحام مطاراتٍ تُعَدُ أول تمرين إنساني على الانتظار، وفي غرفٍ يدفعُ بياضُها إلى التبرمِ والضجر، وعلى مقاهٍ تمنحُك المنفى الاختياري الذي تشتهيه، وفوق أرضٍ مبتلة داكنة اللون بفعل الثلج الذائب تشي برائحة الربيع

أسميها نصوصاً إنسانية، ولكم أن تسموها ما شئتم، فلا يهمُني جنسُ الجنين ولا نوعُه، ما دام بين أيديكم وفي قلوبكم. علمتُ كلماتي أن تبوحَ عن الابتساماتِ المُعلبة، والضحكةِ التي توقظُ الأرض، ودروبِ الرغبةِ التي تهتزُ بالانفجاراتِ، والغرباءِ الذين يقتحمون حياتنا دون سابق إنذار، والوجوهِ التي تومضُ بالكبرياء، والحقدِ الذي يجعلُ البعضَ يملكون نظرةَ كلبٍ مشوه

والحكاياتُ يا أحبتي فتاةُ هوى تستمدُ ثقتها من فرطِ خطيئتها، وتغادرُ منزلها كل مساء كآلهةٍ للفضيلة..وضحيةٍ منتظرة


والكاتبُ الأصيلُ طينةٌ من تذكاراتٍ شرسة، يتحدى ويتمردُ، يرصدُ ويسجلُ حتى النهاية، وعندما تذهبُ إلى قبره لا بد أن ترى قدميه خارجتين منه. وهو أيضاً إنسانٌ مستعدٌ لأن يجرحَ قلبَه حتى يَنظُمَ قصيدةً عن جمال حبيبته

بين دفتي الكتاب تنامُ إجاباتي على "تاجات"، وهي سلسلةٌ من الأسئلة الشخصية والعامة دأبَ المدونون على تداولها وتناقلها، ليجيبَ عليها كلُ واحدٍ منهم بطريقته وأسلوبه الخاص، كاشفاً عن آرائه ومشاعره. ولأن الحدسَ أفضلُ أصدقائي، فقد اخترتُ للنشر نماذج من هذه "التاجات"، التي أجبت عليها في مدونتي "قبل الطوفان". بعضُ الإجابات على هذه الأسئلة تشبهُ أعوادَ السمسمِ الناضجةِ التي تتمايلُ بانكسارٍ في الظهيرة، وبعضُها الآخر حفنةُ ذكرياتٍ يابسة تصلحُ وقوداً لمدفأةٍ في ليالي الشتاء الطويلة. وفي الحالتين، كانت الإجاباتُ تستفيضُ بي لدرجةٍ تدفعُ إلى الجنون

تلك الشرفاتُ التي أطلُ منها على ما أريد، كانت بطاقة تعارفٍ مع مدنٍ يتذوقها الندى، وأشجارٍ تكتب شهادةَ ميلاد الأمكنة، ورجالٍ في قامةِ النخيل، ونساء يملكن أجساداً تبدو كأنها دُلِكَت من قبل صفٍ طويل من العشاق حتى أتقنت شكلَ الاستدارة وفنَ الإثارة


كانت هناك دوماً موسيقى، وعازفون ينحنون على آلاتِهم بحنانٍ ليقدموا لنا فرصةً نادرة للغواية، أو الشجاعة الكافية كي نقولَ وداعاً. والموسيقى سرُ البهاء والأحزان النبيلة والمتعة التي تتغذى على رغيفِ الجسد

يصفُ الكاتبُ الفرنسي رينيه شار الشاعرَ بأنه هو ذلك المرءُ الذي يمتلكُ الشهيةَ لقلقٍ يؤدي الانتهاءُ من استهلاكه إلى الغبطة. وبالمثلِ، يمتلكُ الكاتبُ المتمكن شهيةً متأصلة للقلق، يُعبِرُ عنها عادةً بكل اقتدار. إنه يصطادُ اللحظة بكل زخمها، ويسجلها قبل أن تفلتَ، قبل أن تخبو جذوة الاستمتاع بها

وهكذا فعلتُ

لقد علمتني الدفاترُ التي أضعها تحت إبطي أن الكتابةَ درسٌ في التنفس. نحن نكتبُ لنقاومَ الفناء الذي يطوقُ سرابَ صورنا مع أحبتنا - أو من كانوا كذلك- على جدران الذاكرة

نحن نسطرُ تلك الذكريات حتى نؤكدَ لهم ولأنفسنا أننا شفينا من أوهامنا التي جعلتنا نظنُ أننا وجدنا أخيراً من نحبُه إلى الأبد

نحن نتحررُ وننزعُ أقنعتنا فوق صفحاتٍ بيضاء أو في فضاء الإنترنت، حتى نصارعَ ونصرعَ النسيان، لأنه موتٌ سريري

الكتابة إذاً اختيار..وفعلٌ إيجابي، في وجهِ من أرادوا دفننا تحت أنقاض أكاذيبهم وخداعهم وأنانيتهم

الآن نفتحُ أعيننا جيداً لنرى..ونكتب

وأولُ شروطِ الكتابة هو أن نكونَ كما نحن، ببساطةِ البشر وأخطائهم وحقيقتهم المجردة.. فلا تجعلوا مقصَ الرقيبِ يقصُ ألسنتكم أو يحولَ حياتكم إلى شريط سينمائي حذفَ الرقيبُ منه كل اللقطات المهمة واللحظات الكاشفة

الكتابة مغامرةٌ شخصية بامتياز لكل من قررَ أن يقطفَ عناقيدَ الأمنياتِ التي تتدلى فوق خاصرةِ المدينة

والكتابةُ مواجهةٌ، ففي هذا العالمِ الفسيح لا مكانَ للهرب

وفي كل مرةٍ كنت أكتبُ فيها، كنت أتذكرُ نصيحة شهرزاد في "ألف ليلة وليلة" وهي تقولُ بعبقرية من يراوغُ الموت بقرار من شهريار:
‏‎"‎عليّ ألا أدعه يشرد كي لا يفكر بقتلي". فالقارىء دائماً على حق، وإن كان قاتلاً

من السهل الإقلاعُ على متن طائرةٍ والسفرُ إلى مكان لا نعرف فيه أحداً..من الصعب أن نغادرَ أنفسنا وذكرياتنا وعبقَ الروائح التي التصقت بحواسنا وأحاسيسنا. ربما لهذا السبب وجدتُ في هذه النصوص مُتنَفساً، حتى عشنا معاً مثل عاشقيَن محكومَين بتعبِ العلاقاتِ الغرامية خارج نطاق الزوجية. والذين أتيحت لهم فرصةُ متابعة مولد هذه الكلمات يعرفون جيداً أنها جزءٌ من الرحلة التي أقطعُها في هذه الحياةِ المسكونة بالمفاجآت، وقبسٌ من روحٍ مشتتة تقاومُ الاطمئنانَ الأخير

لقد قررتُ أن أترك بياضاً كثيراً في كتاباتي ..علني أضيء به

وفي البدء، كان الورقُ خالياً، وكان لابد من بعض النصوص

وبعد

حان وقت القراءة..أرجو لكم رحلة ممتعة

من مقدمة كتاب "يوميات ساحر متقاعد"، دار العين للنشر، القاهرة، 2009
تابع القراءة

gravatar

قضية الراهب المشلوح (5): دموع رئيس التحرير





رئيس تحرير جريدة "النبأ" بكى، واشتكى من أن البعض يريده كبش فداء بهدف إلهاء الرأي العام بدمائه

وعلى مدى ساعتين ونصف الساعة، قدم مهران في مؤتمر صحفي عقده للدفاع عن نفسه في 10 يوليو 2001 أوراق اعتماده كصحفي، على أمل أن يكون ذلك مخرجاً له من الأزمة التي تسبب فيها

رئيس تحرير "النبأ" المصرية لم يجد أمامه سوى اتهام المجلس الأعلى للصحافة في مصر وجهات أخرى لم يُسمها بمحاولة إحداث فتنة طائفية بالتربص به وبجريدته

واستعرض ممدوح مهران تاريخه الصحفي وعلاقاته بالمسيحيين منذ طفولته، وعرض صوراً فوتوغرافية له مع البابا شنودة لتأكيد علاقته القوية برئيس الكنيسة المصرية، مشيراً إلى أنه يدافع عن قضايا الأقباط. ولفت إلى أن مدير تحرير جريدته مسيحي، وقال إن هدفه من نشر قصة الراهب المفصول كان حماية الكنيسة ورجال الدين المسيحي من هذا الشخص. ورفض مهران التعليق على ممارسة الراهب المفصول. وقال إنه "ليس للجريدة سوابق قضائية سوى قضية واحدة أخذنا فيها البراءة"، وأكد وجود كثير من الإعلاميين تكالبوا على "النبأ" بهدف ذبحها. وأضاف أن المجلس الأعلى للصحافة لم يرسل للجريدة سوى شكوى رجل الأعمال نجيب ساويرس، والتي "نشرناها وأرسلنا ردها للمجلس"

وأكد أن التقارير الخاصة بملاحظات المجلس الأعلى للصحافة والخاصة بملاحظاته على الصحف وضع "النبأ" ثالث صحيفة للأخطاء برصيد 930 خطأ وذلك بعد "الأهرام" التي سجلت 1988 خطأ خلال فترة الدراسة، ثم "الأخبار" التي سجلت 1010 أخطاء خلال الفترة نفسها، وأتت "الوفد" في المركز الرابع على حد قوله. كما انتقد مهران تصرف المجلس الأعلى للصحافة بوقف "النبأ" بدعوى هذه الأخطاء، قائلاً إنه من المفروض حسب هذه الأخطاء وقف "الأهرام" و"الأخبار"


مهران رأى أنه "لا توجد صحافة صفراء أو حمراء وما حدث ليس أكثر من جريمة نشر"، وقال "إن ما يربطنا من علاقة مع المسيحيين والبابا هي على أعلى وأسمى ما يكون حتى هذه اللحظة". وأشار إلى أنه "إذا تقدمت الكنيسة بمساع للصلح لن أرفضها"، مؤكداً أن "النبأ" تولت منذ إصدارها قضايا المسيحيين. وقال "إن ما تم نشره كان دفاعاً عن أقدس المقدسات التي أساء إليها الراهب المشلوح وإن ما كتبه كان من خلال مستندات"


ورداً على الصور الفاضحة التي نشرها قال إن "هذه الصور هي مستندات وإنني لم أوضح صورة السيدة الشريفة فريسة الراهب خوفاً عليها وعلى أسرتها". واعترض مهران بشدة على سؤال عما إذا كان الشريط قد تسرب إليه من الأمن أو من جهات أخرى، ونفى بشدة أن يكون قد تسرب إليه من أية جهة أمنية، قائلاً إنه لا يكتب ما يمليه عليه ضابط شرطة أو أي مسؤول، ولكن الشريط يباع في الشارع ببلدة القوصية

وأكد مهران أنه أعلن عن مؤتمر صحفي كي يحتمي بهذه السلطة بالرغم من أنها أصدرت عليه حكمها مسبقاً. وأضاف أن الصحافة هي قاض يخاطب الشعب من خلال السلطة التي منحها لها الدستور، وشدد على أنه خدم 40 سنة في بلاطها، وأنه عندما نشر هذه التحقيق لم يكن يفتقد إلى الخبرة



وأشار مهران وسط دموعه إلى أنه التزم الصمت طوال الفترة الماضية، ولكن عندما "تكالب الجميع" على ذبحه أراد عقد هذا المؤتمر ليوضح الحقائق. وأفرد مهران مساحة كبيرة من مؤتمره الصحفي للحديث عن نفسه وعن إنجازاته وعن تربيته وتعليمه وسط الأقباط في بلدته بسوهاج، وكيف أن والده وهو عمدة أعاد بناء سور دير هدمه الفيضان

رئيس تحرير "النبأ" لم ينس أن يقول إن في مصر دستوراً وقانوناً وحرية رغم الإجراءات التعسفية التي اتخذت، وقال بأسلوبٍ لا يخلو من الخطابة الدعائية: أسجل أن عهد مبارك صنع في مصر استقراراً يرتكز على حرية واسعة وسيادة قانون رادعة وأن الرئيس مبارك نجح في ذلك.. ويكفي أنه لم يظـهر في عهده ما يسمى بمراكز القوى ونجح في أن لا يكون هناك مظلوم

مهران أكد أنه لن يكون في يوم أسيراً لأي حملة إعلامية

وأشار إلى الحكم بوقف جريدته قائلاً: إنني لو كنت في مكان القاضي الذي أصدر الحكم، لأصدرت الحكم بوقفها حتى تخمد هذه الثورة. وأكد أنه بالرغم من وجود هذه الإجراءات الإدارية الزائدة عن الحد فإن القانون وحده هو الذي يحدد موقف الصحيفة، وأن القاضي الذي أصدر الحكم يعلم جيداً أن هناك من تكالب على "النبأ" ليحرمها من الصدور

واستند مهران في هذا إلى حيثيات الحكم الصادر من القضاء الإداري بشأن وقف صدور "النبأ" و"آخر خبر"، مشيراً إلى أن هناك جهات عدة، والقضاء انتصر لهذه الجهات في هذا الحكم، وهي تتمثل في المجلس الأعلى للصحافة الذي تقدم بدعوى ضد مؤسسته الصحفية. وأبدى مهران دهشته من عدم محاكمته أمام قاضيه الطبيعي وهي محكمة الجنايات قائلاً "إنها قضية نشر فكيف أحاكم بقانون الطوارىء"


وأشار مهران إلى أن شريط الفيديو الخاص بالراهب مدته 40 دقيقة وما تم نشره 10 ثوان فقط

وقال إنه "كان لابد من نشر الصور كمستند حتى لا نتهم بالفبركة". ولفت الانتباه إلى بيان الكنيسة التي أكدت أنه فصل بسبب سلوكياته وأوضح أن القضية أخذت منعطفاً خطيراً وبشكل غير طبيعي وهاجمتنا حملة تتارية، كأن هناك من يريد الوقيعة بين الكنيسة وبين النظام فاختلطت الأمور ووقف الجميع يرددون أنهم مع الوحدة الوطنية. وأكد مهران أنه لو عادت "النبأ" للصدور سوف تكون هناك مفاجأة. وأضاف أن تغيبه عن حضور جلسات المحاكمة كان بسبب أنها في مرحلة الإجراءات. ورداً على اتهامه برد المحكمة بشكل مسرحي، قال مهران: "لست ممثلاً ولكنني أتخذ قرار الرد عن طريق هيئة دفاعي ولم يكن في الوقائع سوء قصد"


المؤتمر الصحفي الذي عقده مهران استغرق ساعتين ونصف الساعة وحضره العديد من ممثلي الصحف والوكالات المحلية والعالمية، كما حضره بعض أعضاء هيئة الدفاع عن الكنيسة


في اليوم نفسه للمؤتمر الصحفي، 10 يوليو 2001، قررت محكمة القضاء الإداري تأجيل الدعوى المقامة من دفاع مهران ضد قرار النائب العام بإحالة رئيس تحرير "النبأ" إلى محكمة أمن الدولة العليا طوارىء إلى جلسة 4 سبتمبر المقبل لتقديم مستندات


الجلسة الأخيرة قبل النطق بالحكم، كانت مثيرة على أكثر من صعيد

ففي حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد 11 أغسطس، عندما كانت جلسة الاستماع على وشك أن تبدأ، اشتبك المحامون عن الكنيسة في مشادة كلامية مع محامي مهران..على ترتيبات الجلوس. وفي الجلستين السابقتين، طلب رجال الأمن من محامي الكنيسة بالجلوس على المقاعد الخشبية على الجانب الأيسر، فيما جلس محامو مهران على المقاعد الخشبية على اليمين. غير أن محامي الكنيسة ممدوح رمزي قرر لسببٍ غير معروف، الجلوس مع محامي مهران. وبعد ما يقرب من نصف الساعة من تبادل الصراخ، نجح رجال الأمن في إقناع رمزي بالانضمام إلى محامي الكنيسة على الجانب الأيسر


وكالعادة، اتخذ العشرات من ضباط الأمن أماكنهم بين الجانبين، كأنهم قوات فصل


وفي أعقاب دخول القاضي أسامة محمد علي، طلب من فريق الدفاع عن مهران البدء في مرافعته، غير أن محامي الكنيسة نجيب جبرائيل صاح قائلاً: "حضرة القاضي، نود أن تتاح لنا فرصة الكلام". رد القاضي بنفاد صبر "لا يحق لكم الترافع؛ لأنكم لستم طرفاً في القضية. أنتم تحضرون الجلسة فقط لأنها علنية"

أما الدفاع فقد وجد أن حيز المناورة أمامه محدود، بعد أن رفضت محكمة النقض في 8 أغسطس الطعن المقدم من الدفاع في اختصاص المحكمة بالنظر في القضية، والطعن بعدم كون القاضي مناسباً للنظر في قضية حظيت باهتمام عام كبير

من هنا يمكن فهم كلمات محامي الدفاع مرسي الشيخ، إذ قال مخاطباً القاضي "إننا نؤكد احترامنا لهذه المحكمة، ونود التنويه بأن أي إجراءات سابقة اتخذها الدفاع كانت ممارسة لحقوقه القانونية"

وأعاد الشيخ مع محام آخر في فريق الدفاع، هو نبيه الوحش، المطالبة بإجراء تحقيق في تصرفات عادل سعد الله غبريال المعروف قبل عزله عام 1996 باسم برسوم المحروقي. كما طالب الوحش بضم قضية شريط الفيديو الفاضح المنسوب إلى هذا الرجل إلى أدلة القضية. وقال "إن هذا يظهر أن مهران نشر الحقيقة؛ لأن المرأة التي رفعت شكوى ضد برسوم المحروقي قالت إنه ابتزها على مدى السنوات العشر الماضية، أي قبل شلحه"

هنا صاح المحامي نجيب جبرائيل "هذا إصرار على تشويه سمعة الكنيسة"، لتبدأ مشادة كلامية جديدة بين فريقي المحامين. واضطر القاضي إلي مغادرة قاعة المحكمة. تدفق مزيد من رجال الأمن على القاعة، ونجحوا في استعادة النظام، قبل أن يعود رئيس المحكمة ويطلب من الدفاع عن مواصلة مرافعته

بادر المحامي مرسي الشيخ بالقول إنه ينبغي النظر في القضية أمام محكمة عادية، وليس محكمة أمن الدولة ، ينبغي النظر في القضية. كان فريق الدفاع عن مهران يعقد الآمال على إمكان موافقة محكمة القضاء الإداري على هذا الطلب في جلستها المقررة في 4 سبتمبر

بعد استراحة استمرت 15 دقيقة، أدلى القاضي بكلمة قصيرة قال فيها: "إن الحكم في هذه القضية سيصدر في 16 سبتمبر. رفعت الجلسة"
"يحيا العدل"

هكذا هلل محامو الكنيسة، فيما أصيب فريق الدفاع عن مهران بحال من الوجوم

لم يكن وجومهم نابعاً من فراغ

ففي اليوم الموعود، أصدرت محكمة جنح أمن الدولة العليا طوارئ حكماً بسجن رئيس تحرير صحيفة "النبأ" ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة وغرامة مالية قدرها 200 جنيه مصري بتهمة إثارة الفتنة

أدانت المحكمة مهران لنشره تحقيقاً صحفياً وصورا فاضحة عن ممارسات جنسية منسوبةٍ للراهب المشلوح برسوم المحروقي، فضلاً عن إدانته بتهمة ازدراء الأديان والإساءة إلى الكنيسة المصرية. وقال القاضي في منطوق حكمه إن "التحقيق الصحفي لم يكن يستهدف إلا إثارة الفتنة بين نسيج المجتمع المصري"

ووصف ممثل الدفاع الحكم بأنه باطل، مبرراً ذلك بأن المحكمة لم تسمح له بتقديم الدفاع وقال إنه سيرفع دعوى مخاصمة شخصية ضد القاضي، تتضمن من بين طلباتها الرئيسية إبطال الحكم الصادر من محكمة أمن دولة طوارئ. بيد أن محامي الكنيسة أشادوا بالحكم قائلين إنه وسام على صدر القضاء المصري

مجدداً، فاق عدد رجال الأمن باقي الحضور

وفي غرفة المداولة، أوضح القاضي للصحفيين أن مهران وُجِدَ مذنباً في جميع التهم المنسوبة إليه ، باستثناء تهمة محاولة التأثير على القضاء. وأشار إلى أنه لا يجوز معاقبة مهران عن كل تهمة على حدة، وإنما يُحكَم عليه فقط بالتهمة التي تتضمن أقصى عقوبة

لم يكن أمام مهران سوى الخضوع للحكم؛ لأنه لا يمكن الطعن في أحكام محاكم أمن الدولة العليا طوارئ ولا يتاح للمتهم أمامها سوى التظلم من الحكم أمام نائب الحاكم العسكري (رئيس الوزراء طبقا لقانون الطوارئ في مصر) الذي يصدق على الحكم أو يعيده للمحكمة مرة أخرى

وكان مهران قد استأنف حكماً بإلغاء ترخيص صحيفتي "النبأ" و"آخر خبر"، في حين كسب الجولة الأولى في قضية ثالثة رفعها على نقابة الصحفيين لشطب اسمه من سجلات النقابة

وفي 25 فبراير 2002
ألغت المحكمة الإدارية العليا حكماً سابقاً يقضي بإلغاء ترخيص صحيفة "النبأ الوطني" الأسبوعية وصحيفة "آخر خبر" اليومية. وفتح هذا الحكم الباب أمام عودة الصحيفتين للصدور بعد مرور عشرة أشهر على توقيفهما

جاء حكم المحكمة الإدارية نقضاً لحكم محكمة القضاء الإداري الأقل درجة بإلغاء ترخيص "النبأ الوطني" و"آخر خبر" في يوليو 2001. وذكرت المحكمة الإدارية العليا أن حكم إلغاء الترخيص لا يتماشى مع النظام القانوني المصري. وقال رئيس المحكمة إن "قانون العقوبات وقانون تنظيم الصحافة خلت جميعها من أي نص يجيز للقضاء إلغاء ترخيص صحيفة، واكتفى فقط بضبط ومصادرة أعداد الصحيفة وتعطيل صدور الصحيفة بصورة مؤقتة"

بعد ثلاثة أيامٍ فقط من الحكم بحبس مهران، نظرت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في الدعوى التي أقامها عدد من المحامين الأقباط ضد وزير الداخلية المصري لإلزامه بتسجيل زي رجال الدين المسيحي بشكل رسمي

وتضمنت دعوى المحامين الاقباط التي بدأت المحكمة نظرها في 24 يوليو 2001 المطالبة بتأثيم من ينتحل أو يرتدي زي رجال الدين المسيحي ما لم يكن له عمل كهنوتي أو رهباني، خوفاً من تكرار قضية الراهب المشلوح منذ عام 96 وظل على ارتداء زيه الديني

وكان عدد من المحامين الاقباط هم المستشار نجيب جبرائيل وهاني داود وبدوي أبوهيبة وولاء إدوار وانتصار يعقوب والفونس ميشيل وسميح وفيق، أقاموا دعوى مستعجلة لتسجيل زي رجال الدين المسيحي في أعقاب الأزمة التي شغلت الرأي العام المصري بين الكنيسة المصرية وصحيفة "النبأ"

وقال المستشار نجيب جبرائيل "إننا طالبنا بتسجيل الزي الديني منذ 10 سنوات ولكن الدولة لم تستجب لطلبنا. ولو كان حدث ذلك ما كانت الأزمة الأخيرة التي أرقت الاقباط وأدت إلى احتقان الشارع المصري". وأشار الى ضرورة تأثيم واقعة ارتداء الزي الرهباني أو الكهنوتي مثلما يؤثم من يرتدي زي الشرطة أو القوات المسلحة وذلك طبقاً لمواد قانون النصب وقانون العقوبات"


غير أن محكمة القضاء الإداري رفضت دعوى تسجيل زي رجال الدين المسيحي حتى الآن


بدأ تنفيذ الحكم بحبس رئيس تحرير "النبأ الوطني" فور المصادقة عليه


غير أن مهران عانى من مشكلات في القلب قبل يومٍ واحد من صدور الحكم، فصدر قرار بعلاجه في معهد القلب في إمبابة شمال الجيزة، حيث بقي هناك لشهورٍ طويلة وسط حراسةٍ مشددة

وبعد 22 شهراً، وتحديداً في 13 يوليو 2003، توفي ممدوح مهران في المستشفى، عن عمر يناهز 57 عاماً. وبعد توقيع الكشف الطبي عليه داخل غرفته بمعهد القلب، تبين أن الوفاة جاءت نتيجة ارتفاع في ضغط الدم. وسرعان ما شيعت جنازة مهران من مسجد مصطفى محمود بالمهندسين إلى مقابر أسرته بمدينة 6 أكتوبر

وبالتأكيد فإن نار الفضيحة أحرقت بشكل أو بآخر ثوب السيدة التي كانت قد تقدمت بشكوى ضد تهديدات وتأثير راهب دير المحرق. أما الراهب المشلوح بطل الفضيحة الذي وصفه البعض بأنه راسبوتين جديد، فقد اختفت أخباره باستثناء خبر أوردته وكالة الأنباء الكويتية "كونا" في 3 أغسطس 2001 قالت فيه إن محاكمة عادل سعدالله غبريال تواجه مأزقاً، حيث لم يتقدم أي محام حتى ذلك التاريخ للدفاع عنه


ونقلت الوكالة عن أقارب الراهب المشلوح قولهم إن اتصالاتهم بالمحامين الأقباط المقربين من الكنيسة والبابا شنودة الثالث فشلت فى إقناع أي منهم بتولي مهمة الدفاع عن برسوم المحرقي الذي ترى الكنيسة أنه" تسبب في كارثة"


أما جريدة "النبأ" فقد عاودت الصدور تحت رئاسة تحرير د. حاتم مهران، نجل ممدوح مهران، وكأن شيئاً لم يكن

تابع القراءة

gravatar

قضية الراهب المشلوح (4): عندما تكلم الوحش




كلاكيت ثاني مرة

في الجلسة الثانية لمحكمة جنح أمن الدولة طوارئ بعابدين للنظر في قضية النبأ والراهب المشلوح، واصل ممدوح مهران غيابه، في ظل استمرار حال الاحتقان والتوتر بسبب تلك القضية الشائكة

عقدت الجلسة في الأول من يوليو برئاسة أسامة محمد علي رئيس المحكمة، وحضور علاء فؤاد رئيس نيابة عابدين ومحمد الفيصل وكيل أول نيابة أمن الدولة العليا. ‏وبالرغم من الإجراءات الأمنية المتعددة التي سبقت وقائع الجلسة وأثناءها، فإن حالة من الهرج والمرج تخللت فترات عقد الجلسة التي تم رفعها‏ ثلاث‏ مرات بسبب تزاحم المحامين عن المجني عليه - ممثلاً في الكنيسة والدير- والمحامين عن المتهم، وتكالبهم على إبداء دفوعهم أمام هيئة المحكمة‏
بدت تلك الجلسة مشوبة بالمشاحنات والمشادات الكلامية بين دفاع المتهم وممثلي الكنيسة

‏ ولعدم إحكام السيطرة على حالة الفوضى التي شهدتها الجلسة، قرر رئيس المحكمة عقب انتهاء النيابة العامة من مرافعتها استكمال عقد الجلسة بغرفة المداولة‏. كما قررت المحكمة ضم الدعويين لوحدة الموضوع

بدأت وقائع الجلسة في جو يشوبه التوتر وقرر رئيس المحكمة في بدايتها أن أعضاء الدفاع عن المجني عليه ليس لهم الحق في الحضور أو إبداء أي طلبات أو الدفع بأي دفوع، باعتبار أن الدعوى جنحة أمن دولة طوارئ وإنما حضورهم الجلسة لكونها جلسة علنية فقط

وجاء ذلك رداً على طلب الدفاع عن المتهم بعدم تدخل الدفاع عن المجني عليه في الدعوى؛ لأن النيابة العامة تمثله علاوة على أن قضاء أمن الدولة طوارئ الجزئي أو العليا لا يجوز فيه الإدعاء المدني
‏
وأصر الدفاع على طلب ضم القضية رقم ‏765‏ أمن الدولة المتهم فيها الراهب المفصول إلى أوراق الدعوى باعتبارها الدليل الرئيسي في القضية

شهدت الجلسة مساجلات طوال مدة انعقادها بين المحامين عن الطرفين‏. في البداية تم إثبات حضور 20 محامياً عن الكنيسة والأقباط فيما تم إثبات 9 محامين عن المتهم مهران، فيما قال أحد المحامين الأقباط مجدي رياض إنه لم ينضم إلى الكنيسة أو البابا ولكنه حضر عن نفسه كمصري. طلب دفاع مهران أن يمثل الكنيسة 3 محامين فقط وأن يمثل المتهم 3 أيضاً، وقررت هيئة المحكمة أن يمثل كل طرف من طرفي القضية 4 محامين، ما أدى إلى وقوع مشادة بين دفاع الطرفين، اضطر رئيس المحكمة بسببها إلى رفع الجلسة للمرة الأولى

وعندما أعيدت الجلسة للانعقاد، سمح القاضي لمحامي الدفاع بالكلام. غير أن هيئة المحكمة سمحت بعد أن رُفِعَت الجلسة للمرة الثانية بأن يتحدث المحامون الأربعة عن الكنيسة لمدة 5 دقائق لكلٍ منهم

وترافع ممثل الادعاء محمد الفيصل لمدة تقترب من الساعتين، مؤكداً أن إحالة هذه القضية إلى المحكمة إنما هي في إطار الدفاع عن المجتمع المصري ومصالحه وعقائده، مشيراً إلى أن ما نشره مهران في صحيفتي "النبأ" و"آخر خبر" حول انحرافات الراهب المشلوح برسوم المحروقي بصورة فاضحة هو أمر لا مثيل له في الصحافة المصرية. وأوضح أن مهران من خلال ما نشره كاد أن يشعل الفتنة بين المسلمين والأقباط في مصر والذين عاشوا معا في سلام وأمان منذ الفتح الإسلامي لمصر وحتى الآن، مؤكداً أن ما نشره مهران أدى إلى استياء جموع الشعب المصري مسلمين وأقباطاً وتسبب في خروج مظاهرات

وشرح ممثل الادعاء أدلة الأتهام في حق المتهم وأركان الجرائم المنسوبة إليه سواء المادي منها أو المعنوي‏. وقرر أن المتهم طلع علينا بصحيفة بث فيها سموماً من القول لم يرع فيها حرمة أو يوقر عقيدة وقرنها بصور فاضحة‏، ومناط الحظر أنه يروج لفحش القول تحت ستار من حرية الرأي وأن يتخذ من كفالة الدولة لهذه الحرية مدخلاً لإثارة الفتنة وذريعة للاجتراء على قيم المجتمع ومثله العليا‏.‏ وقرر أن المتهم نشر بجريدة "النبأ" التي يرأس تحريرها تحقيقه الصحفي المصور الذي تناول فيه سلوكيات الراهب المفصول بدير المحرق بأسيوط وصدره بعناوين مثيرة‏.‏ ولم يكتفِ بذلك بل تبعه بنشر تفاصيل عن الموضوع ذاته في صحيفة "آخر خبر" في اليوم التالي استكمالاً للتحقيق السابق أورد خلالها العبارات الشائنة ذاتها، معرضاً بإدارة شؤون الكنيسة المصرية ومحقراً رجال الدين المسيحي. وقال إن‏ تلك هي وقائع القضيتين أو المشروعين الإجراميين اللذين ارتكبهما المتهم


وبتلك الوقائع نسبت النيابة العامة للمتهم ارتكابه جرائم بث دعايات مثيرة كان من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة،‏ وحيازة مطبوعات معدة للتوزيع تضمن ذلك، وتحريضه بطرق النشر على الازدراء برجال الدين المسيحي وبما كان من شأنه تكدير السلم العام‏، وعرضه للبيع والتوزيع نسخاً من أعداد الصحيفتين "النبأ" و"آخر خبر" تتضمنان صوراً منافية للآداب العامة ونشره أموراً من شأنها التأثير في جهة من جهات القضاء وتلك هي الجرائم المعاقب عليها ـ وبوصف الجنح ـ بمقتضى نصوص المواد ‏102‏ مكرر و‏171‏ و‏176‏ و‏178‏ و‏187‏ من قانون العقوبات فضلا عن نص المادتين ‏20‏ و‏22‏ من القانون رقم ‏96 ‏ لسنة ‏96‏ بشأن تنظيم الصحافة


ثم تناول ممثل النيابة العامة بالشرح والتفصيل كل جريمة على حدة، وقرر أن جريمة بث دعايات مثيرة الغرض من سنها في قانون العقوبات أن المستهدف بها الضرب على أيدي العابثين ممن يعمدون إلى ترويج الأكاذيب أو بث الدعايات المثيرة التي يكون من شأنها تكدير الأمن العام ويقصد بهذا النص الحرص على استقرار السكينة في ربوع البلاد ثم شرح أركان الجريمة المادي والمعنوي وأنها قد تمت بعلم وإرادة من المتهم إذ لا تقع هذه الجريمة إلا عمداً


أما عن جريمة التحريض بطريق النشر على بعض طائفة من الناس فقد كان من شأنها تكدير السلم العام وحالة السلام التي تسود المجتمع والتي من مقتضى بقائها حماية المجتمع من الفتن ومنع تحرش الطوائف بعضها ببعض‏،‏ وقد توافر لدى المتهم أيضاً القصد الجنائي على التحريض. أما الجريمة الثالثة وهي عرض وتوزيع صور منافية للآداب فقد تحققت في حق المتهم، حيث تم الإعلان عنها بعرض تلك الصور والعبارات على أنظار الجمهور وبيعها وتوزيعها فأدرك الأخرون وجود هذا الشئ المنافي للآداب،‏ وكان المتهم يعلم بماهية هذه الصور ومنافاتها للآداب. أما الجريمة الرابعة وهي نشر أمور من شأنها التأثير على جهة القضاء فإن المتهم قد أتى نشاطاً مادياً بأن نشر بإحدى طرق العلانية تفضي إلى إحداث أثر نفسي بصدد دعوى مطروحة أمام جهة قضائية

وأخيراً، فقد نسبت النيابة العامة إلى المتهم ترويجه وبطريق النشر إلى ما من شأنه النيل من رجال الدين المسيحي وهذه الجريمة نظمت أحكامها المادتان ‏22 و20‏ من القانون رقم ‏96 لسنة ‏1996 بشأن تنظيم الصحافة‏، وينبغي أن يكون الجاني صحفياً خاضعاً لأحكام قانون الصحافة والالتزام المهني الذي يقتضي امتناعه عن الانحياز إلى الدعوات العنصرية أو امتهان الأديان أو الدعوة إلى كراهيتها أو الطعن في إيمان الآخرين بها وما أتى به المتهم يعد خرقاً لهذا الالتزام

‏
أشاد محامو الكنيسة بمرافعة ممثل الادعاء، وقال رمسيس النجار المحامي "لم نكن سنعبر عن آرائنا بشكلٍ أفضل مما فعل ممثل الادعاء"

وعندما حان دور الدفاع، حاول د. أحمد سعد محامي المتهم النهوض لمخاطبة المحاكمة، لكن أحد ضباط أمن الدولة دفعه ليعيده إلى مقعده لأسباب مجهولة. سارع أحمد سعد إلى الرد على هذا الاستفزاز، متسائلاً: "كيف يحدث هذا؟ أنا لستُ مجرماً، أنا محامٍ..". تفاعل مع كلماته باقي المحامين، الأمر الذي دفع القاضي إلى مغادرة القاعة مرة أخرى

في الدقائق التالية، زاد عدد رجال الأمن في المحكمة بحيث فاق عددهم الآخرين في القاعة. وأطلق الضباط الذين يرتدون ملابس مدنية تحذيرات من أن القاضي قد يأمر بعقد الجلسات بدون جمهور، في حال استمر الهرج والمرج


وعندما عاد القاضي إلى القاعة، أمر الدفاع ببدء مرافعته

استهل المحامي د. أحمد سعد مرافعته بالقول ساخراً إن ممثل الادعاء بالغ في تضخيم الأمور، ويبدو أن الشيء الوحيد الذي لم يتهم به مهران هو الوقوف في ظل الآخرين. هنا رد عليه القاضي بنفاد صبر، وطالبه بالحديث عن التهم الموجهة إلى موكله وعدم الخروج عن الموضوع

وصف سعد مرافعة النيابة بأنها سيل من الاتهامات، مؤكداً "إن القضية لاقت زفة كاذبة وإن النيابة أول من تدافع عن المتهم لبيان الحقيقة، إنما ما حدث أنها فسرت وأوَّلت بما لا يتفق مع صحيح القانون واختلقت من الأغراض التي لم تخطر ببال موكلي". ثم دفع محامي المتهم بعدم اختصاص محكمة جنح أمن الدولة طوارئ ولائياً بنظر الدعوى ونظرها أمام محكمة الجنح العادية حتى لا تضيع درجة من درجات التقاضي التي تشمل الطعن بالاستئناف والطعن بالنقض بينما محاكمة أمن الدولة طوارئ لا يجوز فيها سوى التظلم أمام مكتب التصديقات على الأحكام

وقال "إن حكم الإعدام أصدرته أجهزة الإعلام على المتهم مقدماً". وأضاف سعد "إن المتهم ليس مقيماً في دائرة عابدين وليس محل عمله هناك، وإن توزيع الصحيفة في عابدين لا يعني أن يحاكم في دائرتها؛ لأنه لا شأن للمتهم بالتوزيع"

ثم حدث انشقاق بين دفاع مهران عندما اعترض المستشار مرسي الشيخ على مرافعة سعد، وأكد له أنه بوصفه رئيساً لفريق الدفاع قرر عدم ترافع الدفاع في هذه الجلسة. لحظتها صرخ د. أحمد سعد في وجه زميله قائلاً: "لا تقل لي ما الذي أقوله وما الذي لا أقوله". وساد الهرج والتوتر قاعة الجلسة بعد أن انقسم محامو الدفاع ما بين مؤيد لمرسي الشيخ ومؤيد لأحمد سعد، ما اضطر رئيس المحكمة للمرة الثالثة إلى رفع الجلسة وطلب حضور 4 محامين عن مهران للدخول إلى غرفة المداولة

وأوضح مرسي للشيخ للصحفيين لاحقاً أن الدفاع لا يريد الترافع، احتجاجاً على نظر محكمة أمن الدولة في القضية، مطالباً بإحالة القضية إلى محكمة الجنح

وبعد ساعة من رفع الجلسة، عاد القاضي أسامة محمد علي إلى القاعة ليقرر تأجيل نظر الدعوى إلى جلسة الأحد 8 يوليو 2001
فجر الدفاع مفاجأة، حيث طلب رد هيئة المحكمة التي تنظر القضية بناء على توكيل خاص من المتهم الذي شطبته نقابة الصحفيين من جداول قيدها. أثبت الدفاع طلبه برد المحكمة عندما قام القاضي بتلاوة قرار المحكمة بالتأجيل إلى 8 يوليو، حيث طلب محامي الدفاع نبيه الوحش تأجيل هذا الموعد، استناداً إلى أن محكمة القضاء الإداري سوف تنظر في اليوم نفسه دعوى مرفوعة من مهران للمطالبة بوقف قرار شطبه من نقابة الصحفيين. وعندما صمم رئيس المحكمة على الموعد نفسه، طلب محامي الدفاع مرسي الشيخ رد المحكمة

وبنصف ابتسامة، قال رئيس المحكمة: "إذاً، سيتم النظر في اختصاص المحكمة في جلسة 8 يوليو"

أخذت زخات الرصاص تتساقط على مراحل في تلك القضية

وفي إحدى جولات الأزمة، أصدرت المحكمة الإدارية في القاهرة يوم الأربعاء الموافق 4 يوليو 2001 قراراً بإغلاق أسبوعيتي "النبأ" و"آخر نبأ" التابعة لها. وقال مصدر قضائي إن المحكمة ألغت تصريح إصدار وتوزيع الأسبوعيتين إثر الدعوى المرفوعة من المجلس الأعلى للصحافة. وكان المجلس الأعلى للصحافة قرر التقدم بـ "دعوى عاجلة أمام محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة لطلب إلغاء ترخيص" الصحيفتين

وفي الجلسة التالية من المحاكمة، بدت أعصاب الجميع مشدودة، وهواء الأزمة يخنق الحضور

عقدت الجلسة وسط إجراءات أمنية مكثفة ولم تستغرق سوى دقائق عدة في حضور 7 محامين عن المتهم و22 محامياً عن البابا شنودة والكنيسة كطرف مجني عليه من النشر

قدم الدفاع عن المتهم ما يؤكد تقديمه لطلب الرد الذي استند فيه إلى السماح لدفاع الكنيسة بحضور الجلسات والترافع بدون حق قانوني لهم والتصريح لهم باستخراج صورة رسمية من التحقيقات التي تجرى مع الراهب المفصول، مع استمرار المحكمة في نظر القضية قبل ضم صورة من هذه التحقيقات للدعوى، بالإضافة إلى ما قاله محامو الكنيسة من اطمئنانهم لإصدار المحكمة لحكم بالإدانة وعدم تمكين دفاع المتهم من القيام بواجبه في الدفاع

أصدرت المحكمة قرارها بإحالة أوراق القضية لرئيس محكمة جنوب والتأجيل. وقدم رئيس المحكمة مذكرة لمحكمة الاستئناف للرد على ما جاء بمذكرة الدفاع في طلب الرد، أكد فيها أن الدفاع اعتمد على أسباب واهية في مذكرته بغرض تعطيل الفصل في الدعوى، وأن الحاضر عن المتهم يريد إطالة أمر النزاع لغرض في نفسه


المستشار القانوني لمؤسسة "النبأ" نبيه الوحش تكلم دفاعاً عن موكله، لكن دفاعه ظل باعثاً على الدهشة
الوحش قال عن مهران، ما يستدعي التأمل
"هذا الرجل ليس مثلما يعتقد كثيرون، فهو يحب مصر جداً وكذلك فهو يحب جميع الديانات، ويقسم والله العظيم والمسيح الطاهر..ولما السكرتيرة تعرض عليه البوستة وشه بيحمر
"وحينما أسأل ممدوح مهران: لماذا تأخذ اتجاه "الجنس والأحضان" يرد قائلاً: دي مدرسة صحفية ولها أسلوبها وسياستها
"وحينما كنت أخرج أعداداً قديمة من الأرشيف علق أحد المحررين قائلاً "إحنا جريدة قبطية وإحنا مش عارفين" من كثافة دفاع ممدوح مهران عن البابا وعن الكنيسة، حتى ضد بعض من ينشقون عنها ويهاجمونها
"لقد قلد البابا شنودة ممدوح مهران وساماً تقديراً له، وقدم هذا الوسام ضمن حافظة المستندات لدى المحكمة، وكذلك له عشرات الصور التي تجمع بينه وبين قيادات الكنيسة تجعلك تشعر أن هذا الرجل واحد من الأقباط وليس ضدهم"

وفي الحوار الصحفي الذي أجرته معه جريدة "صوت الأمة" في 11 يوليو 2001، يلوم نبيه الوحش المحامي موكله؛ لأنه لم يطلعه على العدد الذي أثار الأزمة قبل نشره، ويقول: "لم أعرف بما حدث إلا من كشك الجرائد الذي قال لي: الحق يا أستاذ..شوف!


"وحين واجهت ممدوح بما نشره كان رده: "أنا معي مستندات بالشريط ولم أتجاوز في شيء.."


ويشير نبيه الوحش إلى العمودين اللذين كان بطول صفحتي "النبأ" واللذين كان يحويان دفاعاً عن الكنيسة ومقدساتها، وعندما سئل المحامي عما إذا كان مهران يناقض نفسه رد بالقول: "هذه وجهة نظري، وقد أشار ممدوح مهران إلى أن الهدف من النشر هو تحذير الناس سواء مسيحيين أو مسلمين أن في صفوف رجال الدين بعض النماذج السيئة، وكذلك نظر الكنيسة إلى وجود مثل هذه العناصر بداخلها"



وبحسب هذا المحامي فإن "البابا أخطأ بأنه لم يعلن عن شلح الراهب في وقته ورئيس الدير أخطأ لأنه تناقض مع أقوال الآخرين. فقد صرح الأنبا ساويرس بأنه قد شلح الراهب عام 1996 بسبب إقامته لمدة طويلة خارج الدير.. في حين أن السيدة قالت إنها عرفته منذ 8 إلى 10 سنوات، أي منذ أن كان الراهب برسوم المحروقي.. كذلك الأنبا باخوس، فقد صرح قائلاً إنه غير قادر على السيطرة على شهوات الراهب..لذا طردناه
"الكنيسة لم تساعد السيدة الشاكية لذا منحت فرصة "لواحد زي ممدوح" يشهر بيهم
ولو نشر الموضوع بدون صورة لكانت الكنيسة قد رفعت قضية دون تدخل من النيابة وكنت وقتها تقدمت إلى المحكمة بالشريط كسند"


نبيه الوحش وجه اللوم إلى ممدوح مهران "لأنه تجاوز حدود النشر"، وحين سُئل عن رقم الخمسة آلاف سيدة والمبالغات التي تضمنها مقال مهران عن الراهب المشلوح، يقول المستشار القانوني لمؤسسة "النبأ" إن "ممدوح مهران قال في النيابة إنه شاهد عدداً كبيراً من السيدات والفتيات في نحو 3 إلى 4 شرائط فيديو، وكان الرقم المذكور مجرد إثارة صحفية"
مجرد إثارة صحفية؟!
ورداً على سؤال عما إذا كان ممدوح مهران يملك التحقيقات مع الراهب المشلوح قبل النشر، يقول نبيه الوحش: "لقد طلب مهران ضم قضية التحقيق مع الراهب المشلوح للمستندات التي تقدمت بها هيئة الدفاع، ولا أعتقد أن نيابة أمن الدولة لها يد في تسريب التحقيقات، وقد يكون من سربها موظفاً صغيراً قد أخذ مقابلاً زهيداً لتصوير نسخ التحقيقات"
وفي كل الأحوال، سواء تسربت بفعل فاعل أو بمقابل مادي، فإنها تظل كارثة تتكرر حتى يومنا هذا


ويشير الرجل إلى أن عدد القضايا المرفوعة ضد مؤسسة "النبأ" الصحفية بلغ من عام 1999 إلى عام 2001 تراوح بين 23 و27 قضية معظمها سب وقذف.. ويقول: "أنا ماسك خرطوم باطفي القضايا"


أما أغرب ما قاله نبيه الوحش عن مهران فهو: "ممدوح مهران قد يكون أرعن أهوج أو متسرعاً، لكنه ليس خائناً، ولم يقصد الفتنة، ولا تحقير رجال الدين المسيحي ولا المساس بالكنيسة. وأنا متضايق من غموضه، وأتعجب كيف يكون غامضاً معي..أنا الراجل بتاعه!"


المفاجأة التالية هي أن المتهم الصامت ممدوح مهران صمت دهراً.. ونطق دمعاً

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator