المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (2): "ساكن قصادي"




من الفوز بمناقصة بناء جسم السد العالي عام 1957 إلى انتخابه عضواً في مجلس الأمة عن دائرة أبو المطامير في محافظة البحيرة في 9 يناير كانون ثانٍ 1969، وقعت أحداث ومحطات كثيرة في حياة عثمان أحمد عثمان

بعض هذه المحطات طريف، مثل عضويته الشرفية في النادي الأهلي في 8 يناير كانون ثانٍ 1966، ورئاسته لمجلس إدارة النادي الإسماعيلي - الذي قدم له خدمات لا تُحصى- في 2 يوليو تموز 1966، ثم رئاسته لنادي "المقاولون العرب" في أول ديسمبر كانون أول 1968 - وفي أغسطس آب 1977 أصبح رئيساً فخرياً للمقاولون العرب لمدى الحياة- كما أصبح رئيساً شرفياً لنادي الاتحاد الليبي في 26 فبراير شباط 1970





لكن كل هذا يبدو عادياً في حياة ومسيرة رجل مثل عثمان أحمد عثمان

وما يهمنا هنا هو علاقة الصداقة المتينة التي جمعت بينه وبين الرئيس المصري أنور السادات

وحكاية عثمان مع السادات تبدأ عندما كان الاثنان يسكنان متجاورين في منطقة الهرم قبل ثورة يوليو 1952، ومن ثم تعارفا وتوطدت العلاقة بينهما لتصبح في فترة من الفترات أشبه بالتوأمة. ويؤكد عثمان أنه كان بينه وبين السادات نوع من "التوافق النفسي"، فقد كانا جارين وبينهما "عشرة عمر"

يقول عثمان: "عندما أُعلِنَت أسماء وأعضاء مجلس قيادة الثورة لم أجد في الأسماء من أعرفه إلا محمد أنور السادات الذي عاش خلال مراحله الأولى فترة في الإسماعيلية، ثم رأيته في بورسعيد عقب العدوان الثلاثي عام 1956. وكنت قد حضرت من السعودية خصيصاً لكي تشارك شركتي في تعمير بورسعيد، وذهبت أزوره في بيته وفتح لي باب منزله بنفسه وهو يرتدي الجلباب. وكلفني ذات يومٍ بإدخال بعض التعديلات على منزله، وطلب أن نبني فيللا لابنته، ثم طلب بناء فيللا لكريمته الثانية. وتكررت الزيارات العائلية"




وعندما استدعاه السادات لكي يشغل منصب وزير التعمير، قال له: "عثمان أنا عاوزك وزير تعمير عشان أضمن إن كل حاجة تمشي مضبوط"

وهكذا اختير عثمان وزيراً للتعمير في حكومة د. عبد القادر حاتم في 28 أكتوبر تشرين أول 1973، ليظل في الوزارة لمدة ثلاث سنوات عاصر أثناءها ثلاث حكومات متعاقبة. فقد اختير وزيراً للإسكان والتعمير في حكومة د. عبد العزيز حجازي في 26 سبتمبر أيلول 1974، ثم احتفظ بالحقيبة الوزارية نفسها في حكومة ممدوح سالم في 16 إبريل نيسان 1975، إلى أن خرج من الوزارة في نوفمبر تشرين ثانٍ 1976

واللافت للانتباه أن عثمان كان ينتقد جميع أعضاء الحكومات الثلاث التي شارك فيها، حيث قال عنهم: إن عقولهم لم تستطع أن تطوع نفسها لكي تتعلم منه (ويقصد السادات)، سياسة الخط المستقيم التي بح صوته وهو يتحدث عنها. شتان ما بين هذا العملاق الذي لا يخاف إلا ربه ويثق في قدراته وبين هؤلاء الأقزام الذين يخافون من كل رجلٍ ناجح (يقصد نفسه) حتى ولو كانوا هم الذين سيجنون ثمار نجاحه

والسادات عند عثمان كان "حاجة ثانية".. فقد كان يقول عنه: "هو الإنسان الوحيد الذي عندما يرى أمراً لا أراه..لا أملك إلا ان أسلم برأيه"!



وبدا طبيعياً أن يرافق عثمان الرئيس السادات في زيارته الشهيرة للقدس في 19 نوفمبر تشرين ثانٍ 1977، والتي يؤكد عثمان أنها وراء استرداد مصر لسيناء. يقول عثمان: "وتحدد موعد زيارته لإسرائيل في نوفمبر عام 1977. وقلتُ له بتلقائية سأذهب معك يا سيادة الرئيس". ويؤيد ذلك ما قالته جيهان السادات قرينة الرئيس المصري لمحاورها أحمد منصور في حلقة برنامج "شاهد على العصر" التي عرضتها قناة الجزيرة الفضائية في 5 مارس آذار 2001: "والله هأقول لحضرتك، عثمان أحمد عثمان هو اللي قال له عايز آجي معاك، وكان قدامي الحديث"


أما اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن في 17 سبتمبر أيلول 1978، فهي في نظر "المعلم" عثمان حركة سياسية كبيرة وحركة بارعة من سياسي بارع

ولا بد من القول إنه عندما دخل عثمان الوزارة، تحول إلى رفيق السادات وشريكٍ له في عددٍ من القرارات الاقتصادية، حتى إن الكاتب الصحفي موسى صبري –رجل السادات المخلص- قال إن الموافقة على أي مشروعٍ اقتصادي كانت تمر من بين أصابع عثمان أحمد عثمان

وحين كان عثمان بعيداً عن الوزارة، لم يخل من مناصب أخرى، إذ شغل منصب أمين الحزب الوطني بالإسماعيلية في نوفمبر 1978، كما كان رئيساً للمجموعة البرلمانية بالإسماعيلية عام ‏1976


وفي مارس آذار 1979 أصبح عثمان نقيب المهندسين

وقيل إن الدولة ساندت عثمان في دخول نقابة المهندسين لإجهاض الصوت المعارض للسادات داخلها. وهكذا ظل عثمان نقيباً للمهندسين لسنواتٍ، وانتخب نقيباً لفترة ثانية عام 1983

ولعب عثمان دوراً في التقريب بين السادات و"الإخوان المسلمون" بحكم صداقة عثمان لهم


ويتعين أن نشير هنا إلى أن "المعلم" أفرد في سيرته الذاتية مكاناً لتفاصيل كثيرة عن علاقته بالإخوان المسلمين،‏ حيث كان حسن البنا مؤسس الجماعة ومرشدها الأول هو في الوقت نفسه مدرس اللغة العربية والدين في مدرسة عثمان الإسماعيلية الابتدائية،‏ وكان البنا وقتها لم يزل في العشرينيات.‏ هكذا تفتحت عيناه على الرجل الذي قُدِرَ له أن يؤسس جماعة الإخوان المسلمين. ولعل هذه الصلة بين مدرس وتلميذه تركت أثرها في نفس الصبي، وآتت ثمارها فيما بعد ليرتبط بجماعة الإخوان المسلمين. كان البنا مدرساً للغة العربية والدين في مدرسة الإسماعيلية الإبتدائية، وكان خال عثمان هو الشيخ محمود حسين من علماء الدين في الإسماعيلية. وقدم شقيقه الشيخ محمد حسين إلى حسن البنا، وتأكدت أواصر الصداقة بين الشيخ حسن البنا وبين الشيخ محمد حسين خال عثمان. وكان حسن البنا يذهب كل يوم بعد صلاة العشاء إلى "مندرة" الشيخ محمد حسين ليبحثا في أمور الدين. وأصبحت الجلسة دائرة المنتدى الديني وحسن البنا يتصدر ذلك المنتدى. وتطورت جلسات المنتدى من "المندرة" لتصبح الإسماعيلية كلها منتدى



والثابت أن الجماعات الإسلامية في مصر بدأت تظهر بشكل فعال في عام 1972 بعد أن أفرج السادات بالإفراج عن قيادات الإخوان المسلمين بالمعتقلات، وقرر التحول عن التوجه الاشتراكي للدولة. وفي حوار أُجري معه بعنوان "النبوي إسماعيل وزير الداخلية الأسبق يكشف لأول مرة: اعتقالات سبتمبر ناقشتها لجنة رباعية.. "أنا والسادات ومبارك وأبو غزالة".. والسادات صاحب القرار"، سئل النبوي إسماعيل: "من أشار على السادات بخروج الجماعات من السجون؟" فرد قائلاً: "عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل الذي تولى محافظ أسيوط"



ويتوقف كثيرون عند اجتماعٍ شارك فيه رؤساء اللجان الدائمة بمجلس الشعب، في أعقاب المظاهرات التي اندلعت بالجامعات احتجاجاً على سياسة حكومة د. عزيز صدقي، وكان يتزعم الطلاب قوى اليسار والناصريين إذ كانت تسيطر على اتحاد الطلاب واللجنة الوطنية العليا بجامعة القاهرة

في هذا الاجتماع اقترح بعض الأعضاء، مثل عثمان أحمد عثمان ويوسف مكاوي ومحمد عثمان إسماعيل، إنشاء تنظيم للجماعات الإسلامية في الجامعات بهدف الرد على جماعات اليسار والاشتراكيين، وبادر بعض أعضاء اللجنة بالتبرع بالأموال اللازمة لإنشاء هذا التنظيم. وتم إنشاء تنظيم شباب الإسلام بجامعة القاهرة وجامعات أخرى، وحظي هذا التنظيم بمساندة صريحة من الأمن واستُخدِمَ لمواجهة وتصفية قوى اليساربدأ تنظيم شباب الإسلام بالقيام بالعديد من الأنشطة داخل الجامعة من معسكرات صيفية وتنظيم لرحلات الحج والعمرة وذلك بتمويل مباشر من الدولة


وعملت جماعة شباب الإسلام على تغيير بعض أنماط وأشكال الحياة الجامعية، مثل تغيير البرنامج الدراسي ودعوة الطلاب إلى الاشتراك في الأنشطة ودروس القرآن والحديث وفرضت وقف المحاضرات والأنشطة الأخرى في أوقات الصلاة، والفصل بين الجنسين في قاعات المحاضرات ومنعت إقامة الحفلات الموسيقية والراقصة وأي صور أخرى للهو داخل الجامعات


ومن هنا يمكن فهم دور عثمان في التقريب بين جماعة الإخوان المسلمين والسادات


ففي كتابه "ذكريات لا مذكرات" (دار الاعتصام، القاهرة، 1985) يقول المرشد العام للإخوان المسلمين عمر التلمساني: "وفى مرةٍ أخرى طلب منا السيد" عثمان أحمد عثمان" وقد كان وزيرا للإسكان حينذاك أن تلقاه مجموعة منا فذهبت مع الدكتور أحمد الملط والحاج حسني عبد الباقي والأستاذ صالح أبو رقيق وقابلناه فرأى أنه من الخير أن نقدم للسادات وجهة نظرنا في الإصلاح كتابة حتى يدرس الأمر في رويةٍ وعلى مهل فكتبنا له وجهة نظرنا في تسع صفحات فلوسكاب حملها اليه السيد "عثمان أحمد عثمان" ثم كانت لي مقابلات مع السيد محمد حسني مبارك وكان نائباً لرئيس الجمهورية في ذلك الحين لقيته في منزله في مصر الجديدة منفرداً مراراً . ومعي الأستاذ مصطفى مشهور مرات أخرى لبعض استفسارات عن بعض ما جاء بتلك الصفحات التسع" (ص 61)


الرئيس السادات قال من جهته في تصريحاتٍ مسجلة: "جمعية الإخوان المسلمين غير شرعية زي ما قلت للتلمساني لكن بروح العائلة قلت له روح سجل وخذ الإذن لكن من هنا لهناك خلي الدعوة ماشية بس لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة"


وعلى الرغم من أن هذا الظهور بدأ باتفاق الضوء الأخضر الشهير بين الإخوان المسلمين والرئيس السادات الذي حاول الاستفادة منهم في ضرب اليسار، وبالرغم من أن العثمَانين اللذين توسطا بالاتفاق عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل أبلغا الإخوان بأنه لا موافقة قانونية ولكن سماح بالعمل دون عقبات، فإن الحركة الإسلامية الشابة التي كانت بدأت تموج بها جامعات ومساجد مصر وقتها هي التي جعلت من هذا الضوء الأخضر جماعة حقيقية من لحم ودم، بعد أن كانت الجماعة القديمة قد اختفت أو أوشكت على الاختفاء

وأفرزت الجامعات المصرية في فترة الاحتضان الرسمي تلك، رموز الجيل الوسيط مثل عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وإبراهيم الزعفراني وحلمي الجزار، خاصة أبو الفتوح الذي يُنسب الفضل في ضم القسم الأكبر من هذه الحركة إلى الإخوان المسلمين التي ضخت الدماء في شرايين وعروق كانت قد جفت تماماً. ومع تقدم العمر وحكم الموت كان الوافدون الجدد قد أصبحوا كل جسم الحركة تقريباً

وحتى عام 1977 كانت الجماعات الإسلامية التي تساندها الدولة مالياً وأمنياً هي الطرف المسيطر على الجامعات المصرية، بعد أن تمكنت هذه الجماعات بمساعدة الأمن من منع أي نشاط للجماعات اليسارية داخل الجامعات، وجرى منع واستبعاد أعضاء تيار اليسار من الانضمام إلى اتحادات الطلاب، وذلك إما بالشطب أو الاعتقال أو التصادم المباشر

غير أن الطلاق وقع بين الدولة والجماعات الإسلامية في نهاية عام 1977 وتحديداً بعد زيارة الرئيس السادات للقدس ومحادثات السلام مع إسرائيل، لتبدأ تلك الجماعات رحلة المواجهة مع نظام الحكم، وعقد مؤتمرات وتوزيع نشرات ضد الحكومة والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية




وبعد اختطاف وزير الأوقاف السابق د. حسين الذهبي من منزله الكائن في منطقة حدائق حلوان جنوب القاهرة ، صباح يوم الأحد الثالث من يوليو تموز عام 1977، أصدرت جماعة المسلمين المعروفة إعلامياً باسم التكفير والهجرة بياناً تعلن فيه مسؤوليتها عن الحادث، وحددت مطالب عدة لكي تفرج عن الشيخ المختطف، وهي الإفراج فوراً عن أعضاء الجماعة المقبوض عليهم وكذلك المحكوم عليهم في قضايا سابقة، دفع مئتي ألف جنيه مصري كفدية، وأن تعتذر الصحافة المصرية عما نشرته من إساءات في حق الجماعة، وكذلك نشر كتاب شكري مصطفى "الخلافة" على حلقات في الصحف اليومية


ويقول د. محمد الذهبي نجل وزير الأوقاف السابق "برنامج "الجريمة السياسية: اغتيال الشيخ الذهبي ج 1"، قناة الجزيرة الفضائية، 10 مايو أيار 2007) ما يلي: "في بعض أصدقاء الوالد وزملاؤه يعني أفتكر منهم دكتور اسمه دكتور إبراهيم الخولي وكان في دكتور إبراهيم نجدة كان نائب رئيس جامعة الأزهر وأعتقد يمكن شيخ الأزهر نفسه في ذلك الوقت أعتقد كان الدكتور بيصار (ملاحظة: الإمام عبد الحليم محمود كان شيخاً للأزهر آنذاك، وخَلَفه في المنصب وزير الأوقاف الشيخ محمد عبد الرحمن بيصار في عام 1979) أن هما راحوا يعني حسب ما أنا عرفت أن هما راحوا لعثمان أحمد عثمان لأنه كان برضه علاقته بالوالد كويسة أن هما عرضوا أن عثمان أحمد عثمان عرضوا أنه يدفع المبلغ المطلوب. فاللي فهمته أن رئيس الوزراء في ذلك الوقت قال لهم لا يعني دول شوية عيال وكده وإحنا كله ساعة ولا اثنين وهنمسكهم يعني"

وهذا يعني ببساطة أن البعض رأى في عثمان بنكاً يمكن أن يدفع فدية مالية لجماعة إسلامية اختطفت وزير الأوقاف السابق

من هنا، يرى من رصدوا تلك الفترة من عمر مصر أن عثمان ورفاقه أطلقوا قوى إسلامية لمواجهة تيار اليسار، فإذا بالوحش الذي صنعوه يخرج عن السيطرة

ولعل هذا الأمر يثير في الأذهان سؤالاً له وجاهته ومشروعيته: هل يصلح المقاول في عالم السياسة؟

دعونا نشير هنا إلى واقعة ذات دلالة


في عام ‏1961‏ طلب المهندس عثمان أحمد عثمان، رئيس مجلس إدارة شركة المقاولون العرب‏، التي كانت تقوم بالأعمال الإنشائية الخاصة ببناء جسم السد العالي‏، مقابلة المشير عبد الحكيم عامر الذي كان الإشراف على تنفيذ المشروع،‏ ضمن مهامه السياسية الكثيرة آنذاك‏،‏ ليعترض على اقتراح تقدم به وزير السد العالي‏، بتمديد الفترة اللازمة لتنفيذ المرحلة الأولى منه،‏ بحيث تنتهي عام ‏1966 ‏


وقال عثمان للمشير‏ إن العقبات التي تواجه التنفيذ يمكن التغلب عليها لو أن الدولة وفرت له ما يوازي نصف مليون جنيه من العملات الأجنبية ليشتري معدات متطورة للحفر والنقل، بما يؤدي إلى تسريع الإيقاع‏، وبذلك توفر الدولة أكثر من مئتي مليون جنيه‏، ستضيع في حالة التمديد‏‏


اقتنع المشير عامر برأي عثمان‏، واتصل بوزير الاقتصاد وطلب منه أن يصرف له العملات الصعبة التي يحتاجها، وقال له مداعباً‏:‏ "إيه رأيك نعينك وزيرا للسد العالي يا عثمان؟‏!‏"وقال عثمان‏:‏ "يا سيادة المشير،‏ أنا لا أنفعكم، ولا أنفع مصر إلا كمقاول"‏


ويقول الكاتب الصحفي صلاح عيسى في مقال له بعنوان "كلٌ مُيسر لما خلق له" (مجلة "الأهرام العربي"، 29 سبتمبر أيلول 2007) إنه "من سوء الحظ أن عثمان أحمد عثمان عدل عن هذا التقييم المنصف لنفسه،‏ وللآخرين فيما تلا ذلك من سنوات،‏ ولو أنه تمسك به،‏ لما ترك ما يتقنه،‏ إلى ما لا يعرف فيه، ولما خاض عباب السياسة،‏ وزيرا ونائباً لرئيس الوزراء وقطباً من أقطاب الحزب الحاكم،‏ ليصبح‏-‏ في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السادات‏-‏ أقرب الناس إلى قلبه،‏ وأكثرهم تأثيراً فيه،‏ وأقواهم نفوذاً في بلاطه،‏ على نحو استثار ضيق كثيرين ممن كانوا يحيطون بالرئيس،‏ كانوا يعتقدون‏-‏ عن حق‏-‏ أن تأثيره كان سلبياً،‏ وإن ما كان يقنعه به من آراء في السياسة العامة،‏ كان يفتقد للحصافة،‏ أو على الأقل يصدر عن رجل لا خبرة له بهذه الأمور،‏ ولا علم له بها،‏ فهو قد يكون مقاولاً عظيماً،‏ لكن تفكيره السياسي لم يكن يزيد على تفكير عوام الناس،‏ فضلاً عن هذا فقد كان نفوذ عثمان الكبير في بلاط السادات من الأمور التي أثارت الريب حول نزاهة الحكم،‏ حتى شاع مصطلح الدولة العثمانية على ألسنة الناس في تلك السنوات تعبيراً عن الشك في أن الصلة القوية بين الرجلين،‏ تخفي في ثناياها نوعاً من التربح من المال العام،‏ وهي كلها أقاويل،‏ لم تثبت بعد ذلك صحتها‏"



وبعد السد العالي، دخل عثمان مرحلة حائط الصواريخ بتكليف مباشر من الرئيس السادات


يقول عثمان "إن ميزانية المشروع كانت أربعين مليوناً.. وعندما كلفني بها الرئيس طلب مني إنجازها في شهرين فقط وحذرني من أن يضرب اليأس نفسي لأن الإسرائيليين لن يتركوني أنهي عملي.. ومع ذلك انتهى العمل في أقل من الزمن الذي كان محدداً سلفا.. ورغم كل الصعوبات التي واجهتنا التي كان أقلها ضربات الجيش الإسرائيلي التي أسقطت من كتيبة المقاولون العرب ما يقرب من خمسمئة شهيد"


وكانت إسرائيل تقصف هذا المشروع الضخم بإصرار، حتى إنها هدمت القواعد أكثر من خمس مرات بعد بنائها،‏ وفي كل مرة تعجن مواد البناء بدم القتلى، إلى أن بنيت دشم الطائرات وقواعد الصواريخ على امتداد الجبهة كلها



شهادة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين تلقي مزيداً من الضوء على صداقة الرجلين

"كنتُ قد كتبتُ خطاب السادات الذي كان سيلقي في السويس وقتها وبعد أن عدت من الإسماعيلية استمعت إلى السادات وهو يلقي خطابه ولم يغير حرفاً واحداً فيه ولم يقدم كلمة ولم يؤخر أخرى، ولكنه غيَّر شيئاً واحداً فقط، ففي الحديث عن مشاركة كل العمال من خلال كل شركات المقاولات في بناء حائط الصواريخ غيَّر الرئيس هذه الجملة وقصر الفضل فيها على ذكر شركة المقاولون العرب وعمال المقاولون العرب عثمان أحمد عثمان"


في تلك الفترة، احتاج السادات جهود عثمان كي يتخلص من رجال ونفوذ عبد الناصر، وقرَّبه إليه كي يساعده في تعمير مدنه المهجرة وبناء مدن جديدة، مثل مدينة العاشر من رمضان،‏ ومدينة السادات،‏ ومدينة الملك خالد،‏ ومدينة العبور،‏ ومدينة ‏15‏ مايو.‏ كما كان السادات في حاجة لعثمان كي يتولى توسعة قناة السويس بعد تطهيرها من الألغام، بهدف استثمارها كممر رئيسي للملاحة الدولية والعلاقة بين السادات وعثمان أحمد عثمان - نجم الانفتاح الكبير- يطول شرحها، لكنها وصلت في مرحلةٍ من المراحل إلى علاقة مصاهرة، بعد أن تزوج نجله محمود عثمان من جيهان ابنة السادات في 2 يناير كانون ثانٍ 1977

واستقر في ذهن الجميع أن عثمان هو رفيق السادات في رياضة المشي اليومية – كان السادات يمشي لمدة ساعتين يومياً- ومستشاره وصهره، وصديقه الذي لا يطيق فراقه،‏ فإذا اختفى من مجلسه سأل عنه بإلحاح وقلق،‏ شأن من يشعر بأن شيئاً منه ينقصه‏


ويرى الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل "إن أكبر إنجاز لعثمان كان في الطريقة التي وثَّق بها علاقته وصداقته بالسادات، حتى أصبح كل شيء في حياته الشخصية والسياسية"‏. أما موسى صبري فيذهب إلى القول بأن عثمان وصل إلى قلب الرئيس لأنه ابن بلد لا يتكلف الكلام المنمق،‏ بل يتحدث بتلقائية وبساطة ويبدي للرئيس آراءه بلا تكلف،‏ ومعنى ذلك أن عثمان كان يخاطب الجانب السطحي في شخصية السادات الذي لم تكن له طاقة على دراسة الأمور،‏ أو التعمق في التفاصيل


في هذه الأثناء، كبرت شركة "المقاولون العرب" وتضخمت، وتحولت إلى ما وصفه ديفيد هيرست مراسل صحيفة "غارديان" البريطانية إلى "شركة الوزراء"، إذ كان يعمل لدى عثمان في وقتٍ من الأوقات - حسب قول الجريدة البريطانية- 30 وزيراً ومستشاراً ومحافظاً ومسؤولاً، شغلوا مواقع حساسة


جاء ذلك في وقتٍ جمع فيه عثمان بين منصب عضو البرلمان ونائب رئيس الوزراء، وأصبح "إكسلانس"، كما سماه ذات مرةٍ توفيق عبد الحي، الذي اتهم بالتربح من بيع طيور جارحة ودواجن منتهية الصلاحية لمعدة المصريين


من جهته، رأى عثمان أنه يستفيد من خبراتٍ وكفاءاتٍ معينة ليس ذنبها أن أصحابها كانوا وزراء ومحافظين. والشيء المؤكد أن "المقاولون العرب" مع مجيء السادات للحكم وصدور القانون رقم 43 لسنة 1974، تحولت إلى شركة متغلغلة في مختلف المجالات الاقتصادية، من المقاولات إلى الاستثمارات والمنتجات الخشبية والعمل المصرفي والمواد الغذائية..إلخ


لقد خرج المارد من القمقم..ولم يعد بمقدور أحدٍ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء
تابع القراءة

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (1): المقاول والرئيس





لم تكن مجرد صداقاتٍ عادية، تلك التي جمعت بين رؤساء وزعماء مصر وبين آخرين في فترات مختلفة من تاريخ المحروسة

الغريب أن هذه الصداقات الغامضة نمت وازدادت تشابكاً لتصل في مراتٍ إلى علاقات مصاهرة، ولتصبح في مراتٍ أخرى مدخلاً إلى علاقاتٍ آثمة

وفي كل الأحوال، كانت مصر هي التي تدفع ثمن تلك الصداقات

إحدى هذه الصداقات تسببت بدرجةٍ أو بأخرى في هزيمةٍ عسكرية قاسية تشبه الجرح الغائر في ذاكرة المصريين
صداقةٌ أخرى، أسقطت ملكاً عن عرشه، وثالثة كانت وراء تورط الدولة في استشارات سياسية معيبة ومشروعات اقتصادية خاسرة

ومع ذلك، استمرت هذه العلاقات "المتينة" بين رؤساء وزعماء مصر وبين آخرين استفادوا من هذه الصداقات، ربما سياسياً أو اجتماعياً، أو اقتصادياً.. لكن الفاتورة الباهظة لهذه الصداقات كانت أغلى من أن نتجاهلها أو نمر عليها مرور الكرام

وربما كانت أجواء الصداقات الجديدة التي تشهدها الساحة السياسية والحزبية في مصر دافعاً لنا كي نفتح هذا الملف الشائك، ونشير بأصابعنا إلى هذه العلاقات: بداياتها، ظروف نموها، تأثيرها على الحياة العامة وصنع القرار السياسي أو الاقتصادي في مصر..والأهم من ذلك كله: حساب "الفاتورة" التي دفعتها مصر ثمناً لتلك الصداقات الغامضة
والمعنى هذه المرة ليس في بطن الشاعر..وإنما على ألسنة الناس

نبدأ بالرئيس المصري أنور السادات والمهندس عثمان أحمد عثمان



يقول عنه الشاعر نجيب سرور في أشهر قصائده الممنوعة:

"أشكول أحمد أشكول
عثمان أحمد عثمان
عثمان يعني التعبان
بالفصحى ومين ها يقول
والباطل فن وكار
وسياسة (...) أفك
ار"

إنه باختصار، أشهر "عثمان" في تاريخ مصر الحديث
حتى إن البعض تحدث متندراً عن "الدولة العثمانية" في عهد السادات
لعب أدواراً مختلفة، وحمل ألقاباً أكثر، وتنقل ما بين وظائف ومناصب أكثر وأكثر، ما بين المهندس،‏ وصبي الميكانيكي‏، والمعلم،‏ والمقاول، والوزير،‏ والأب الروحي‏، ورئيس النادي الإسماعيلي..وصهر الرئيس

ومن حكايته مع السد العالي وحائط الصواريخ، ودوره في الانفتاح الاقتصادي، وعلاقته بعددٍ من رموز الانفتاح ممن هربوا بأموالهم إلى الخارج، مروراً بمشروعات هضبة الأهرام وقبة مسجد الحسين والصالحية..تبدو الشهية مفتوحة لمعرفة أسرار هذا الرجل


بل إنه يكاد لا يوجد شخص وُضِعَت عنه كتبٌ ومؤلفات تتباين فيها الآراء بشأنه، مثل عثمان أحمد عثمان. فإذا كان قد أصدر في إبريل نيسان 1981 كتاباً يحمل عنوان "صفحات من تجربتي" يقع في 648 صفحة من الحجم المتوسط، فإن الكاتب الصحفي عبد الله إمام أصدر في المقابل كتاباً يحمل عنوان "تجربة عثمان: الرد على كتاب المهندس عثمان أحمد عثمان" وصدر عن دار الموقف العربي عام 1981 ويقع في 184 صفحة. وفي العام نفسه أصدر النائب المعروف د. محمود القاضي - الذي رحل عن دنيانا في 9 سبتمبر أيلول 1982- كتابه "البيوت الزجاجية: وجهاً لوجه مع عثمان أحمد عثمان" الصادر عن دار الموقف العربي. كما صدر كتابٌ آخر هو "عثمان..اللغز والأسطورة" للكاتب الصحفي طلعت رميح عن دار سينا للنشر عام 1987

والشاهد أن الفتى اليتيم عثمان أحمد عثمان قَطَعَ رحلةً مثيرة، من حارة عبد العزيز المتفرعة من شارع مكة بحي العرب في مدينة الإسماعيلية..إلى أن وصل إلى ما وصل إليه في قاهرة المعز


يقول عثمان المولود في ‏6‏ إبريل نيسان ‏1917‏ في مذكراته‏:‏ "رحل والدي وأنا في الثالثة وتركني بلا موارد مع ثلاثة أشقاء وشقيقتين‏.‏ أكبرنا لم يتجاوز الثانية عشرة وحسين الصغير لم يزل رضيعاً،‏ وعندما حاولوا إقناع والدتي بالزواج أجابت لن أسعد نفسي،‏ وأشقي أولادي‏..‏ كان والدي يمتلك محلاً للبقالة وبعد وفاته ترك محمد المدرسة ليدير المحل‏..‏ كان عندنا عنزة ننظر إليها كأحد أفراد العائلة اسمها عيدة وكانت توفر لنا بعض مصادر غذائنا‏..‏ كانت أمي التي تقوم بتربية الطيور وبيعها لتغطي التزاماتنا لا تقرأ ولا تكتب لكنها علمتنا الكثير" (عثمان أحمد عثمان، صفحات من تجربتي، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1981)


نشأ عثمان في منزل مبني من الدبش والطين وسقفه "تعريشة"من الخشب وجريد النخيل..ليس فيه دولاب أو سرير..كان أفراد الأسرة يفترشون الأرض عندما يأكلون وعندما ينامون


وفي عام ‏1935 دخل كلية الهندسة بشهادة فقر، ‏إذ لم يكن يملك قيمة المصروفات المقررة وكانت أربعين جنيهاً. وأقام في شقة شقيقته المتزوجة من الشيخ علي حسب الله الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف. والشقة تقع تحت الربع بباب الخلق، وكان شقيقه إبراهيم عثمان الطالب أيضاً بكلية الهندسة يقيم في هذه الشقة. وشقيقته هذه هي والدة وزير الإسكان سابقاً صلاح حسب الله، والدكتور عبد المنعم حسب الله المدير التخصصي لشركة المقاولون العرب

قاوم عثمان الحقد على الأغنياء بترديده حكمة أمه‏: "غير‏..‏ومتحسدشي"‏، إذ كان يمشي من منزل شقيقته في باب الخلق إلى كلية الهندسة بالجيزة، حتى استطاعت شقيقته تدبير مبلغ مئة وعشرين قرشا كي يشترك في الترام لمدة ثلاثة أشهر. نظر عثمان إلى النقود وظل يفكر كيف يستفيد من هذا المبلغ لأكثر من ثلاثة أشهر حتى هداه تفكيره إلى شراء دراجة، فسأل عن ثمنها فوجده جنيهين، فعاد بالقطار إلى الإسماعيلية وقصد محل "عجلاتي" وطلب من صاحبه شراء دراجة قديمة متهالكة، فاشترى واحدة ثم جمع القطع الناقصة وأعاد إصلاحها ولم تكلفه سوى ستين قرشاً فقط. وظلت الدراجة مع عثمان أحمد عثمان خمس سنواتٍ كاملة هي مدة الدراسة في كلية الهندسة


في عام ‏1948 قرر الزواج عندما رصد‏ ثلاثين جنيها شهريا للإنفاق على بيت جديد، وكانت العروس سامية هي الشقيقة الثالثة لزوجتي شقيقيه إبراهيم وحسين بنات إسماعيل وهبي المحامي،‏ وفي الصباحية نهض من فراشه في الخامسة صباحاً ليذهب إلى عمله كالمعتاد


بدأ حياته العملية في مجال المقاولات ببناء جراج لطبيب يوناني مستعيراً أدوات البناء التي لا تخرج عن ستة عروق خشب ولوح وسقالة وكان مكسبه منها‏ ستة‏ جنيهات،‏ ومنها بدأت العجلة في الدوران. وكان أول تعامل له مع شركة عبود باشا عام 1947، وأدرج عبد القوي باشا اسم عثمان أحمد عثمان ضمن أسماء المقاولين المقيدين في مكتبه. وفي عام 1950 تولى عملية إنشاء مدرسة البنات الابتدائية بالإسماعيلية. وعندما أصبحت المدرسة جاهزة للتسليم قامت قوات الاحتلال البريطاني بالإسماعيلية بالسيطرة عليها عام 1951 بعد أن أعلنت حكومة مصطفى النحاس باشا إلغاء المعاهدة . امتد عمل عثمان خارج الإسماعيلية لبناء سور مصنع السماد بالسويس.‏ جرَّب حظه عام 1951 ‏في السعودية ليرسو عليه عطاء تنفيذ الكلية الحربية بالرياض،‏ وفيها عرف الملايين عبر مقاولة بلغت قيمتها 7.5 مليون ريال سعودي


لقد هبط المال على عثمان أحمد عثمان فجأة - على حد قوله- وبأكثر مما كان يتوقع، ليوقع بعدها باسمه بالخرسانة المسلحة على الرخام والصخر والأسمنت في الكويت والإمارات والعراق والأردن وليبيا ولبنان


وفي مصر، كانت له بصمته في بناء جسم السد العالي،‏ وبناء قواعد للصواريخ في جبهة قناة السويس أثناء حرب الاستنزاف،‏ إضافة إلى تعمير مدن القناة بعد حرب أكتوبر 1973، وشق طرق وترع، وإقامة مطارات وتشييد جسور وكباري علوية وأنفاق ودشم الطائرات،‏ ومصانع ومساجد ومستشفيات وبنوك ومؤسسات حكومية. وهو الذي أعاد بناء كفر عبده بالقرب من السويس في شهرين،‏ وشق في الجبل نفق الشهيد أحمد حمدي الذي تصدع فجأة بعد فترة من بنائه وتم "إسعافه" بعمليات إصلاحٍ عاجلة


ارتبط اسم عثمان‏ بزراعة الجبل خضرة للنادي الإسماعيلي،‏ وإقامة مستشفى المقاولين العرب فوق الجبل. وعملت شركاته على تشييد عددٍ كبير من المنشآت المهمة في دولٍ مختلفة، مثل ستاد أكرا بغانا، مطار الناضور بالمغرب، كلية الهندسة باليمن، مبنى وزارة المالية بالجزائر، وغيرها الكثير


لكن التحدي الأكبر الذي خاضه في مصر كان عنوانه:‏ السد العالي


فقد أُعلِنَ عن فتح الباب للشركات للتقدم بعطاءاتها للمشروع.. ولما تقدم عثمان لها طلبت الدولة من المقاولين بتشكيل اتحادات فيما بينهم كشرط للدخول في المناقصة، فتعاونت ‏11‏ شركة مقاولات مصرية في تكوين اتحاد لتنفيذ بناء السد العالي،‏ في الوقت الذي تقدمت فيه شركة عثمان وحدها لتنفيذ العمل المطروح، بعد أن تحايل على الشرط بالتحالف مع شركات كرواتية على الورق


وفي 12 يناير كانون ثانٍ عام 1961 أشرف وزير الري والسد العالي المهندس موسى عرفة على جلسة فتح مظاريف العطاء، ليتبين أن عطاء اتحاد المقاولين يبلغ 27 مليوناً، في حين كان عطاء عثمان أحمد عثمان 15 مليوناً فقط


يومها قال عثمان إن الفارق غير موجود تقريباً اللهم سوى أرباح كل شركة من الشركات الإحدى عشرة التي دخلت في الاتحاد، بحيث حددت كل شركة لنفسها مليون جنيه أرباحاً.. فإذا حذفت الأرباح تبين أن العطاء واحدٌ بينه وبينهم
‏لم يصدق المسؤولون أن هذا المقاول يمكن أن يقوم بالعمل وحده وبمبلغ يقل بمقدار 12 ‏ مليونا عن منافسيه، فقرروا أن تشترك معه شركة قطاع عام هي شركة مصر للأسمنت المسلح بنسبة ‏30% . رفض عثمان المبدأ وقرر بدلاً من أن تشترك معه شركة لا يعرف عنها شيئاً أن يتنازل عن ‏50%‏ من شركته للدولة، لكن الدولة رفضت هذا العرض، فرضخ في نهاية الأمر


وفي حين يقدم عثمان شركته على أنها الشركة التي تقف وراء بناء السد العالي، يؤكد سامي شرف سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات في كتابه"سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر: شهادة سامي شرف" (مكتبة مدبولي، 2006) أن"حجم الأعمال التي أوكلت لشركة "المقاولون العرب" في بناء السد العالي لم تتعد نسبة %12 بميزانية لم تتعد 40 مليون جنيه من جملة التكاليف التي بلغت 330 مليون جنيه. و"المقاولون العرب" قامت بأعمال حفر وهدم. ولم يشرف عثمان أحمد عثمان على أي عملية بل كان المشرفون هم أمين عمر وأحمد عوض

"مصر للأسمنت المسلح كان حجم أعمالها 60 مليون جنيه بنسبة 18 % وهو يعادل مرة ونصف حجم الأعمال الذي أنجزته "المقاولون العرب". وأهم الأعمال كالتبطين للأنفاق وبناء محطات الكهرباء والستارة الرئيسية للحقن قامت بها شركة مصر للأسمنت المسلح والهيئة العامة للسد العالي (ص 109)




على أنه بعد ستة أشهر من توليه بناء السد صدر قرار بتأميم الشركة بعد أن بلغت قيمتها الدفترية أربعة ملايين ونصف المليون جنيه. وهكذا، وبحلول عام 1961 تم تأميم شركته تأميماً نصفياً وأصبح هو رئيساً لمجلس إداراتها، ثم ما لبث أن أصبح التأميم كلياً في عام 1964، كما تغير اسمها من "الشركة الهندسية للصناعات والمقاولات العمومية" إلى "المقاولون العرب" - عثمان أحمد عثمان وشركاه.. وتمكن عثمان من أن يحتفظ بمنصبه فيها أيضاً كرئيس مجلس الإدارة، وتم تجديد رئاسته لمجلس الإدارة مرة أخرى في يوليو تموز 1968


وبذكائه الفطري، حافظ عثمان على توازنه وواصل أداء دوره، رافضا عرض الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود الحصول على الجنسية السعودية وأخذ ما يريد من أموال،‏ وتحمل نفقات معيشته مع أسرته في أي مكان في العالم


وكان عثمان قد ذهب إلى صديقه السادات قبل التأميم بأيام فلم يشأ الأخير أن يفاتحه بما سوف يصيبه باعتبار ذلك سراً ملكاً لعبد الناصر وحده‏..‏ ويسأله عثمان بعدها‏:‏ لماذا أمموني؟ وأنا لست من النوعيات التي ينطبق عليها مثل هذا القرار،‏ فلا أنا إقطاعي ولا رأسمالي ولا مستغل ولا محتكر ولا ذنب للاستعمار وما لدي من أموال كونت بها الشركة وحصلت عليها بعرقي من خارج مصر،‏ وأتيت بها لتستثمر لصالحها فيها،‏ ويجيبه السادات‏:‏ هذه أشياء سوف تنتهي وعليك بالصبر

‏وإذا ما كان عثمان قد نفذ حلم عبد الناصر في بناء السد وظل حتى النهاية مؤيدا له ومتعاونا معه،‏ فإنه من بعد رحيله أظهر نفوره من سياسته، حتى أخذ يشير إليه في كتابه "صفحات من تجربتي" بتعبير نظام الحكم بدلاً من ذكر اسمه الحقيقي. أثار الكتاب زوبعة إثر صدوره في إبريل نيسان 1981، لما جاء فيه من انتقادٍ لعبد الناصر، ما اضطر السادات إلى إصدار أوامر بتشكيل لجنة تقصي حقائق لما ورد في الكتاب الذي نوقش في مجلس الشعب


وفي 12 مايو أيار 1981 صدر النص الكامل للتحقيق في وقائع الكتاب. وجاء في النص أن "الكتاب لم يقصد التعريض بذمة عبد الناصر أو النيل من ثورة يوليو"..لكن عثمان يعترف بأنه غضب لتأميم عبد الناصر شركة "المقاولون العرب"، وقال في حديثٍ صحفي له "بأنني زعلت من عبد الناصر شوية بسبب حكاية التأميم"

غير أن الحقائق تشير إلى أن الاعتماد كان متبادلاً بين عثمان والسلطة في عهدي‏ عبد الناصر والسادات

فقد استفاد الاثنان من جهده وشركاته وعلاقاته، وكان هو يحفظ عن ظهر قلب وصية أمه في الصغر.. "اللي مالوش كبير يشتري له كبير"

وجد عثمان في كلٍ من الكبيرين هدفه وطريقه إلى مزيد من النجاح


ويمكن القول تجاوزاً إن جمال عبد الناصر هو الذي وضع حجر الأساس لدولة "المقاولون العرب" عندما أعطى الشركة امتيازاتٍ عدة وسمح لعثمان بممارسة نشاطه داخل مصر وخارجها من دون قيود. أما السادات فهو الذي أسبغ على هذه "الدولة" صفتها السياسية..وربما يعود ذلك إلى "الخلطة السرية" التي يمتلكها عثمان وجمعت بين ثقافة المهندس وشطارة المقاول

ولذا فسر البعض موقف عثمان بأنه لم يكن كراهية لعبد الناصر، بقدر ما كان ثمناً لموقعه المقرب من السادات

ويروي نائب رئيس تحرير جريدة "الجمهورية" عبد الوهاب عدس في مقال له تفاصيل مهمة حول علاقة عثمان أحمد عثمان بالرئيس عبد الناصر، فيقول: "قلت له (يقصد عثمان) كيف كانت علاقتك بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ذلك الوقت.. فقال لي عثمان أحمد عثمان: في أول زيارة لعبد الناصر للسد العالي وبعد انتهاء جولته.. وقف عبد الناصر يسأل: أين عثمان أحمد عثمان؟.. وكنت بجواره.. فقلت أنا يا ريس.. فاندهش عبد الناصر.. ورد علي قائلا: أنت عثمان.. اللي لابس أفرول.. وبتلف معانا طول النهار أنا كنت فاكر عثمان بكاتينه دهب وجالس في مكتبه في القاهرة.. وأضاف عثمان: أنا هنا يا ريس مقيم في هذه الخيمة إقامة كاملة وسط أبنائي العاملين، فقال عبد الناصر وهو يبتسم برافو عثمان.. وقبل أن يغادر عبد الناصر موقع السد العالي.. التفت لعثمان وقال له: مش عاوز حاجة يا عثمان.. فرد عثمان قبل أن يترك يد الرئيس.. أيوه يا ريس.. الجماعة اللي بيقيموا أصول المقاولون العرب تعبونا يا ريس.. فاتجه الرئيس عبد الناصر إلى المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية في ذلك الوقت والذي كان يرافقه وقال: ريحوا عثمان.. يا عبد الحكيم.. الراجل بيبني لنا السد العالي"


ويقول عثمان إنه بعد أن بنى فيلا لكل من كريمتي عبد الناصر بالأمر على قطعة أرض بمصر الجديدة، استدعته رئاسة الجمهورية وسألته عن التكاليف فرفض تقاضي أجر ورد أنها لم تتكلف شيئاً، فنهره ضابط الرئاسة ووبخه وقال له إنهم لا يريدون هدية من أحد ولابد من دفع ثمن بناء المنزلين
أصيب عثمان بحرجٍ بالغ وتضايق من هذا التقريع وتلك الإهانة، وقال إن البناء تكلف خمسة آلاف جنيه، بواقع ألفين وخمسمئة للفيلا، وهو مبلغ رمزي فقط حتى يتحاشى تطاول لسان ضابط الرئاسة بالرغم من أن الفاتورة الحقيقية هي مئة ألف جنيه، أي بواقع خمسين ألفاً لكل فيلا
ويضيف عثمان أنه مع ذلك، فقد فاصل ضابط الرئاسة لأنه استكثر الثمن الرمزي هذا، وطلب منه خفض المبلغ إلى ألف وخمسمئة جنيه لكل فيلا، فوافق على الفور وتم تسليمه شيكاً من الرئاسة بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه
غير أن هذا الكلام أثار ردود فعلٍ واسعة، وانتقاداتٍ حادة لرواية عثمان
وفي كتابه "سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر: شهادة سامي شرف" يقول المؤلف: "وعندما أصدر عثمان أحمد عثمان كتابه "تجربتي" وادعى فيه أن منزلي السيدتين هدى ومنى جمال عبد الناصر لم تُدفَع تكلفتهما الكاملة لأنهما بُنيا لابنتي رئيس الجمهورية السابق.. سارع الرئيس السادات بالتنصل مما جاء في كتاب صهره ورفيق مجلسه الدائم اتقاءً لرد الفعل الشعبي الذي كان قد بدأ يفصح عن نفسه في ذلك الوقت"

وبين زعيم رحل..ورئيس وصل، كان عثمان قادراً على أن يصطاد العصافير التي يريد على شجرة الحكم
تابع القراءة

gravatar

سرقات صيفية




وصلني سيلٌ من الرسائل الإلكترونية والاتصالات الهاتفية التي تنبهني إلى أن أحدهم نشر موضوعاً على امتداد الصفحة الثامنة من العدد الأسبوعي لجريدة "الدستور" المصرية، نقل فيه جزءاً كبيراً من تدوينتيّ عن "نساء المتعة" المنشورتين في سبتمبر أيلول 2008

وبعد التأكد من الأمر والتثبت من وجود تناص بين المنشور في الصحيفة ومدونتي في أكثر من موضع من دون إشارة إلى المصدر، وحرصاً على ودٍ قديم بيني وبين القائمين على هذه الصحيفة، أجريت اتصالات مع الزميلين إبراهيم عيسى رئيس تحرير "الدستور"، وإبراهيم منصور رئيس التحرير التنفيذي للجريدة


ربما كان من سوء حظ الصحفي المعني بالأمر أنهما صديقان قديمان قبل أن يكونا زميلي مهنة، وأنني كنت من المجموعة الأساسية التي ساهمت في التجربة المهمة لجريدة "الدستور" المستقلة في إصدارها الأول عام 1996، كما كانت لي كتابات متفرقة في الإصدار الثاني، بينها موضوع "رئيس لا يقرأ" الذي تجدون لعنوانه صورة أعلاه

وكم أحزنني أن يقع هذا الأمر لما فيه من تعدٍ على حقوق الملكية الفكرية والأدبية، ونقل لمادة خاصة بمدونتي "قبل الطوفان" من دون استئذان، إضافة إلى وضع الصحفي المذكور توقيعه على عمل نقل معظمه. وبقدر ما ضايقني هذا التصرف غير المهني، بقدر ما سعدت لاستجابة رئاسة التحرير في "الدستور" لشكواي وتأكيدها أنها، وبروحٍ من المسؤولية والالتزام المهني، ستتولى محاسبة المخطىء على هذا التجاوز الواضح والخطأ الفادح

وإذا كان هذا الأمر قد وقع لي، فإنه لم يكن الأول من نوعه بالنسبة لي أو للزملاء المدونين، الأمر الذي يطرح قضية مهمة وشائكة تتعلق بحقوق الملكية الفكرية والأدبية للمدونين، خصوصاً من تكون لأعمالهم أو كتاباتهم قيمة تغري البعض في وسائل الإعلام بالسطو عليها مع إغفال المصدر وعدم استئذانه أصلاً، بل ووضع أسماء آخرين عليها

إن الأمر سهل، كما يقول رئيس تحرير مطبوعة أخرى، إذ إن بعض المنتسبين إلى عالم الصحافة يركضون إلى محركات البحث، ثم يقعون على مادة معينة، أو يقومون بعمل مونتاج يتضمن التعديل والإضافة، ويضيفون جملة هنا وقفشة هناك..ليخرج موضوع "جديد" يعرضونه على رؤسائهم الذين ينشرونه عادةً بحسن نية على صفحات صحفهم أو مجلاتهم
ما العمل إذاً؟

بطبيعة الحال، تبدو الأزمة في جزءٍ منها مرتبطة بالواقع المؤسف الذي نعيشه في مصر والعالم العربي، من فوضى غير خلاقة وانتهاك للحقوق على اختلاف أنواعها وأشكالها، دون خوفٍ من حسيب أو رقيب

يعلم كثيرون أن تدويناتي المنشورة في المدونة تشكل مادة أساسية لكتبٍ ومؤلفات نشرتها أو أنني في سبيلي إلى نشرها قريباً، الأمر الذي طرح في ذهني تساؤلات عن أفضل الطرق لحفظ حقي الأدبي من أي نقل أو اقتباس أو سرقة لهذه المادة، من دون إذن واضحٍ وموافقة صريحة مني

ولو كان الشخص الذي نقل هذه المادة عن مدونتي أورد المصدر لكان العتاب أقل، ولقلنا ساعتها إنه كان أميناً مع نفسه ومهنته..وأقول أقل، لأن العتاب يبقى ما دمنا نعتبر الصحفي إنساناً دؤوباً يبحث عن المعرفة ويتقصاها من هنا وهناك، لا أن يستسهل نقل مادةٍ مكتوبة مع إضافاتٍ ورتوش بسيطة، لذر الرماد في العيون.. دور الصحفي أن يبحث ويجود ويستزيد، لا أن ينقل مادةً من مصدرٍ معين، حتى مع ذكر هذا المصدر..وليس أدل على أن الرتوش التي أجريت على الموضوع لم تكن كافيةً لإخفاء ما جرى، أن كثيرين اكتشفوا بسرعةٍ وسهولة أن الموضوع منقولٌ بشكلٍ واضح من تدوينتين لي نشرتهما في هذه المدونة

وبالطبع فأنا أتكلم هنا عن روح مهنة الصحافة التي أخلصت لها طوال عمري، وليس عن التفاصيل القانونية التي تناولتها في غير موضعٍ هنا

على أي حال، حرصت على عدم نشر اسم الصحفي موضوع الواقعة، بل إنني حذفت اسمه من الصورة المنشورة للمقال المذكور، لأنني أكتفي وأحترم تعامل "الدستور" الداخلي مع محرريها، علماً بأن نشر صورة الموضوع نفسه هو تأكيد مني لقارئ المدونة على حدوث الواقعة ليس إلا
كلمة أخيرة
ربما حان الوقت للبحث عن وسيلةٍ فعالة ورادعة تحمي حقوق التدوين والمدونات من كل من هب ودب



* عنوان التدوينة مأخوذ عن فيلم للمخرج يسري نصر الله..مع الاعتذار

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator