المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (5): جيمي.. وروبنسون كروزو


كان اللقاء الأول بين عبد الناصر وعامر في الكلية الحربية عام 1937

وقبل ذلك، انضم عبد الناصر إلى كلية الحقوق ودرس بها لمدة ستة شهور، ثم قرر الالتحاق بالكلية الحربية في 17 مارس آذار 1937.. وكذلك فعل عامر، الذي التحق بكلية الزراعة وظل بها ستة شهور، قبل أن يتركها للالتحاق بالكلية الحربية في أكتوبر تشرين أول 1937..وكان آخر يومٍ لتقديم الطلبات

وفي تحقيقٍ صحفي أجرته إيزيس نظمي في مجلة "آخر ساعة" في 12 مايو آيار 1954 تحت عنوان "مواقف من ليلة 23 يوليو"، يقول عبد الحكيم عامر إنه "نجح في الكشف بطريق الصدفة البحتة"

وطوال فترة الدراسة في الكلية الحربية، كان عبد الناصر مسؤولاً عن عامر

عن بدايات هذه الصداقة، نقرأ تفاصيل مهمة أوردها المؤرخ السويسري جورج فوشيه في كتابه "عبد الناصر وفريقه: بناء الجمهورية العربية المتحدة"

Georges Vaucher, Gamal Abdel Nasser Et Son Equipe, 2 vol.: L'Edification De La Republique Arabe Unie, Paris, Julliard, 1959

يقول فوشيه: "دخل جمال الكلية الحربية لأول مرة في 17 مارس آذار 1937 مع الدفعة الثانية للضباط المستجدين، ومر بما يسمونه فترة الاختبار، وهي فترة لا تتجاوز خمسة أشهر، يُلَقن فيها الطالبُ مبادىء الحياة العسكرية، ويُراقَبُ سلوكه من الناحيتين الأخلاقية والرياضية، وفي نهاية الاختبار هذه أصدرَ مجلسُ الكلية قراراً بصلاحية الطالب جمال للحياة العسكرية وقيد اسمه بالقسم الإعدادي بالكلية ثم بالقسم المتوسط

"وعلى الرغم من التحاقه بالكلية الحربية بعد مرور ثلاثة أشهر على بدء الدراسة فيها، أظهر من الكفاية العسكرية ما أهلَّه لأن يُنقل إلى القسم النهائي، ولأن يصبح "رئيس فريق" وأُسنِدَت إليه منذ أوائل سنة 1938 مهمة تأهيل الطلبة المستجدين


"ومن الطلبة الذين استجدوا عندما كان جمال عبد الناصر رئيس فريق في الكلية، الطالب محمد عبد الحكيم عامر، القائد العام للقوات المسلحة للجمهورية العربية المتحدة


"وكان جمال مسؤولاً عن تأهيله عسكرياً مع المستجدين الذين كان مكلفاً بإرشادهم إلى طريقة ارتداء الزي العسكري على الوجه الصحيح، وتحية رؤسائهم والقيام بتدريباتهم العسكرية الأولى"


ويتابع جورج فوشيه قائلاً: "وتوثقت عُرى صداقةٍ حميمة بينهما، وكان الاثنان شغوفين بالمطالعة، وأطلق على عبد الحكيم اسم "روبنسون" لشغفه بقصص الأسفار وبالمغامرات الفذة كمغامرات روبنسون كروزو


"كان عبد الحكيم عامر ورئيس فرقته جمال عبد الناصر من الطلبة المثاليين في الجد والمثابرة، وفي احترام اللوائح والنظم العسكرية، وكانت الحياةُ العسكريةُ تروقُ لهما تماماً


"واشتهر في الكلية باسم "الأومباشي جيمي" وكانت صداقته ل"روبنسون" معروفة، وكنتَ إذا رأيتَ "جيمي" فسرعان ما يظهر روبنسون" والعكس بالعكس، وكانت مكتبة الكلية المكان المفضَل للقائهما"


غير أن الوضع الاجتماعي لعبد الناصر وعائلته - كان والده موظفاً في مصلحة البريد في قرية الخطاطبة، إحدى قرى دلتا مصر- ظل جداراً قائماً بينه وبين آخرين، بمن فيهم عامر الذي ينتمي إلى عائلةٍ من أثرياء المنيا، وكان والده عمدة أسطال يمتلك نحو خمسمئة فدان


في موضعٍ آخر من كتابه، يقول جورج فوشيه: "ظل الطالب جمال عبد الناصر في الكلية الحربية بعيداً عن زملاء دفعته. كان فقيراً ووقف أصله المتواضع حجر عثرةٍ في طريقه، فانكب على مطالعة المؤلفات التي كشفت له عالماً جديداً بالنسبة إليه، عالم العلوم العسكرية، والسياسة الدولية، ولم يجد زميلاً يشاركه أحقاده وحماسته وعاطفته الوطنية إلا عندما أصبح "قائد جماعة" في الكلية وأصبح مسؤولاً عن تأهيل الطالب المستجد عبد الحكيم عامر عسكرياً"

مزيدٌ من الضوء على تلك الفترة يلقيه وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية أنتوني ناتنغ في كتابه "ناصر"
Anthony Nutting, Nasser, London, Constable, 1972


وهذا الكتاب توجد له ترجمة باللغة العربية (أنتوني ناتنغ، ناصر، ترجمة شاكر إبراهيم سعيد، مكتبة الهلال، القاهرة، 1985)


يقول ناتنغ: "وسرعان ما أثبت عبد الناصر إلى جانب سعة اطلاعه وعمق بحثه، أن لديه موهبةً طبيعية للزعامة، وفي نهاية عامه الأول اصبح مسؤولاً عن مجموعة جديدة من المرشحين بينهم عبد الحكيم عامر، وهو شاب طويل نحيل، وكان خاله الفريق محمد حيدر آخر قائد عام للقوات المسلحة قبل ثورة 1952. وعلى الرغم من الفارق الكبير في خلفيتهما الاجتماعية، تطورت الصداقة بين عبد الحكيم عامر وعبد الناصر، تلك الصداقة التي دامت قرابة ثلاثين عاماً"


ومن تعارفٍ في القاهرة إلى صداقة في الإسكندرية، كما يقول الكاتب الصحفي الأمريكي روبرت سانت جون في كتابه "الرئيس: قصة جمال عبد الناصر"
St. John, Robert, The Boss: The Story of Gamal Abdel Nasser, New York, McGraw-HiII, 1960

يقول سانت جون: "وفي الليلة التي وصل فيها جمال عبد الناصر إلى الإسكندرية رحب به ملازم آخر كان نوبتجياً في تلك الليلة ولديه عِلمٌ بوصوله، وأعد له شخصياً حجرةً له وقدم نفسه لجمال برشاقةٍ قائلاً:
"الملازم عبد الحكيم عامر يا سيدي"
"وابتسم جمال..كانت معرفتهما ببعضهما البعض سطحية في الكلية. ذلك أن عامر كان في الفرقة التالية مباشرة لفرقة جمال. وتذكر أن هذا الرجل الشاب الرقيق المتسرع كان يطلق عليه "روبنسون" نظراً لإعجابه بالقصص التي من نوع قصة "روبنسون كروزو"


"ويمتد أصل عامر إلى جذورٍ أعمق من جذور ناصر في تربة الوجه القبلي ذلك لأنه وُلِدَ في قريةٍ في منتصف الطريق بين القاهرة وبني مر..كانا مختلفين في كثيرٍ من النواحي، ومع ذلك أعجبا ببعضهما البعض بشكلٍ غريزي، وفي تلك الليلة بينما كانا يتحدثان بدأت صدقةٌ بينهما"

مكث عبد الحكيم عامر 18 شهراً في الكلية الحربية


ثم أُعلِنت الحرب العالمية الثانية في عام 1939، فتم تخريج الطلبة على عجل، وكان من نصيب عبد الحكيم عامر تعيينه في باتانيا، على مقربةٍ من الإسكندرية


وفي باتانيا كان اللقاء الأول بين عبد الحكيم عامر، وجمال عبد الناصر، الذي قال عنه أنور السادات: "هذا اللقاء لم يكن شيئاً، لم يكن اللقاء الحقيقي بين الصديقين اللذين لم يفترقا بعد ذلك كثيراً في حياتهما"


لكن عبد الحكيم عامر يتحدث عن هذا اللقاء باعتباره نقطة بدايةٍ في تلك الصداقة. ويروي عامر لمجلة "آخر ساعة" ما جرى قائلاً: "كنتُ هناك في باتانيا وذات ليلةٍ وأنا في نوبتي الليلية، مر بنا عبد الناصر وقضى الليلة معنا. وتحادثنا مع بعضنا، وسرعان ما بدا لنا أن أفكارنا ووجهات نظرنا متشابهة وأصبحنا صديقين


"ومضت شهور ونُقِلتُ إلى السودان في يناير عام 1940، وهناك التقيتُ بجمال عبد الناصر ثانيةً، وكنا في أورطة واحدة، وتوطدت أواصر الصداقة بيننا، وسارت أفكارنا في طريقٍ واحد. ولم نكن مرتاحين للظروف والأحوال التي نعملُ فيها، وكنا نتألمُ للمعاملة التي يُعامِلُ بها كبارُ الضباط من هم أدنى منهم في الرتبة من الضباط الآخرين. ولمسنا حاجة الجميع إلى مراعاةِ القيم الإنسانية المقررة لجميع الآدميين وشعرنا بخيبة أملٍ مُرة لما نحن فيه من أوضاعٍ اجتماعية"


ويشير عبد الحكيم إلى واقعةٍ تكررت معه ومنه لاحقاً أكثر من مرة وتكشف جزءاً أصيلاً من شخصيته: الغضب..وقرار الاستقالة


إذ يقول: "ووقع خلاف شديدٌ ذات يومٍ بيني وبين قائد الفرقة في الخرطوم، بسبب بعض الترتيبات الخاصة بزيارةٍ للحاكم العام، وكان المسؤول عن هذه الإجراءات أربعة من الضباط، لم أكن أحدهم ولكن القائد أشركني في المسؤولية من غير مبررٍ لذلك، فقد كان يريد معاقبتي فحسب، ورفضت بعنادٍ قبول ذلك، وحاول إرغامي على الخضوع بكل الوسائل بالنصيحة والوعيد، وبكل ما في وسعه من حيلة!


"وقدمت استقالتي من الجيش، وكان جمال عبد الناصر يرقب هذا الموقف بهدوئه المعروف، وكان شديد الاهتمام بأمر مستقبلي، ووافق على أن لي الحق في رفض العقاب، ولكنه أيضاً كان قلقاً لاستقالتي وامتناعي عن العمل


"ومرت هذه العاصفة من تلقاء نفسها بعد أيامٍ قليلة، ولم يوقَع عليَّ عقاب، ولم يبرد القائد على كتاب استقالتي"



وفي كتابه الذي يحمل عنوان "حياة المشير محمد عبد الحكيم عامر" (دار الخيَّال، القاهرة، 2002) يقول رشاد كامل إن عامر طلب نقله من الخرطوم، وفي عام 1941 نُقِلَ إلى مركز التعليم في منقباد، وبقي هناك لمدة سنة ونصف السنة



ومن الخرطوم انتقل عبد الناصر وعامر إلى جبل الأولياء على النيل الأزرق في اتجاه الجنوب بمسافة خمسة وأربعين كيلومتراً، حيث أقامت مصر سداً كانت تحرسه بقواتها


وينتقل بنا روبرت سانت جون إلى تلك الفترة فيقول: "كان عامر وناصر الضابطين الوحيدين هناك، فكانت لهما حجرتان متجاورتان وكانا يأكلان معاً، ويصيدان الطيور البرية معاً وتشاركا في كتبهما وصحفهما. ونمت الصداقة بين عامر المتسرع الذي لم يكن من الممكن التنبؤ بشيء عنه وناصر الذي كان يتسم بالهدوء بصورة أقوى"


ويؤكد الكاتب الأمريكي أن ناصر وعامر خصا كثيراً من وقتهما في التحدث عن مستقبل مصر، واقترح عامر ضرورة محاولتهما التأثير على هذا المستقبل بالعمل بطريقةٍ ما داخل نطاق الجيش


"وحذر عامر ناصر بقوله: "ولكن فلنتذكر أننا لسنا سياسيين"!
فرد عليه وقال: "وأنا لستُ متأكداً من أننا نريد ذلك"
وقال عامر: ولكن إذا استطعنا أن نجعل عدداً كافياً من ضباط الجيش الشبان يفكرون كما نفكر، فقد نخرج من ذلك بشيء"

هذا التقارب الفكري والتنظيمي كان محور اهتمام الكاتب الصحفي الإنجليزي ويلتون واين في كتابه "عبد الناصر..قصة البحث عن الكرامة"
WYNN, WILTON Nasser of Egypt: The Search for Dignity,USA, Arlington, 1959

يقول واين: "ولعل أهم حادثة وقعت له (يقصد جمال عبد الناصر) خلال السنتين اللتين قضاهما في السودان كانت اجتماعه بملازم شابٍ آخر ذي عقليةٍ سياسية يدعى عبد الحكيم عامر الذي أصبح اليوم مشيراً وقائداً عاماً للقوات المسلحة ونائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة. لقد شكلت صداقة عبد الناصر لعبد الحكيم عامر "حجر الزاوية في حركةٍ نُظِمَت ببراعةٍ داخل الجيش المصري عُرِفَت بلجنة الضباط الأحرار"


وشغلت قصة لقاء عامر وناصر صفحاتٍ من كتاب أنور السادات "صفحات مجهولة"، الذي صدر لأول مرة ضمن سلسلة "كتب للجميع" في نوفمبر تشرين ثانٍ 1954، ثم أعيد طبعه تحت عنوان "أسرار الثورة المصرية.. بواعثها الخفية وأسبابها السيكولوجية" ضمن سلسلة "كتاب الهلال" في يوليو تموز 1957

وتحت عنوان "اللقاء الأول بين عبد الناصر وعامر" يقول السادات في كتابه الذي نُشر مسلسلاً في جريدة "الجمهورية": "في خلال الأعوام التي كنا فيها نظهر لنختفي ونختفي لنظهر..كانت عينا جمال الفاحصتين تبحثان عن الرجال والأعوان، ولعل انتصاره الأول في هذا الميدان كان لقاؤه بعبد الحكيم، وبقصة هذا اللقاء يبدأ هذا الطور من أطوار التمهيد للثورة"

ويشير السادات إلى أن اللقاء الحقيقي والتعارف الكامل بين عبد الناصر وعامر بدأ في الخرطوم، موضحاً أن هذا التقارب استغرق بعض الوقت لأنهما كانا نقيضين في كل شيء، إذ يقول:
"كان جمال شيد التحفظ
وكان عبد الحكيم شديد الاندفاع
وكان جمال هادىء الأعصاب دائماً..مهما حدث ومهما رأى..وما أكثر ما كان يرى مما يشقي النفس الأبية
وكان عبد الحكيم سريع الانفعال، سريع الغضب تستفزه الصغيرة والكبيرة على حد سواء"


ونقرأ في كتاب السادات المذكور عن مرحلة تالية من صداقة عبد الناصر وعامر، إذ يقول: "وفي جبل الأولياء زادت الصداقة عمقاً بين الزميلين، واكتمل التفاهم بينهما في كل شيء..كانا يقضيان معاً سهراتهما يلعبان الشطرنج وكان يقضيان معاً أيامهما في رحلات الصيد
"وعندما يذكر أحدهما تلك الأيام وتلك الليالي، لا يكاد يذكر الشطرنج، ولا الصيد بقدر ما يذكر المشاجرات الكبيرة التي تقع بينهما..فليس يسيراً أن تقوم صداقةٌ حقيقية بين هذين الرجلين دون أن يسبقها عددٌ كبيرٌ من المشاجرات، ولم يكن في جبل الأولياء من الضباط سواهما..فكان جمال هو القومندان، وكان عبد الحكيم ضابطه الوحيد!

"ولم يكن بدٌ إذا تشاجرا صباحاً أن يصطلحا في المساء..وإذا تشاجرا مساء أن يصطلحا في الصباح، ولكن هذه الفترة قد انتهت بالتفاهم التام بينهما وبالتفكير المتصل الموحد في حالة الجيش، فقد اقتنعا تماماً أن المشكلة ليست مشكلة الكتيبة ولا القومندان ولا الرؤساء الإنجليز ولكنها مشكلة الجيش كله..والبلد كله.."

على المستوى الإنساني، نمت تلك الصداقة أكثر حتى إنهما سكنا لفترةٍ معا في شقةٍ واحدة قبل الزواج


ويروي السفير عبد العزيز جميل في مجلة "صباح الخير" 28 مايو آيار 1983 ذكرياته أيام كان ضابطاً مع عبد الناصر وعامر، فيقول إنه حدث ذات مرة أن دخل مع عبد الناصر وعامر مكتبة ليجد ناصر فيها كتاباً كان يبحث عنه، لكنه فوجىء بأن سعر الكتاب 120 قرشاً في حين أنه لم يكن في جيبه سوى خمسين قرشاً، فإذا بعامر يتسلل خارجاً من المكتبة ليعود إليها بعد قليل طالباً شراء الكتاب بعد أن باع طربوشه "النسر" - وكان من أشهر ماركات الطرابيش- حتى لا يحرم صديقه ناصر من كتاب يريده


وعندما قرر عبد الناصر الزواج من تحية كاظم في عام 1944، كان عامر أول من يعلم بأمر هذا الزواج، وما لبث الأخير أن تزوج بعد ذلك بشهور من زينب عبد الوهاب. وبعد أن نمت العائلتان وزاد عدد أفرادهما، تزوج حسين شقيق عبد الناصر من آمال ابنة عامر، كما أطلق عبد الناصر اسم عبد الحكيم على أحد أبنائه، في حين أطلق عامر اسم عبد الناصر على أكبر أنجاله


وفي حوارٍ صحفي، قال جمال عبد الحكيم عامر: "حتى عام 1967 كانت العلاقة العائلية جيدة جداً، لأن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر لم يكونا يفترقان أبداً، فمن الطبيعي أن تلتقي أسرتاهما باستمرار وخصوصاً في إجازة فصل الصيف التي كنا نقضيها في المعمورة حيث كان لكلٍ من أسرتي الرئيس والمشير بيتان متجاوران ومتشابهان أيضاً، وكان الرئيس جمال ووالدي يقضيان معنا إجازات الأسبوع وعندما يذهبان إلى القاهرة في بقية أيام الأسبوع كنا نحن وأسرة عبد الناصر نقضي هذه الأيام وكأننا أسرة واحدة"


ويتعين القول إن كلاً من جمال وعبد الحكيم وخالد محيي الدين بعد العودة من السودان وفي أعقاب أزمة 4 فبراير 1942 جربوا مسار الإخوان المسلمين عبر صلتهم بالضابط الإخواني المتقاعد محمود لبيب الذي وصلهم بالمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا والذي أقرّ لهم عضوية التنظيم السري الخاص في شعبة مستقلة للضباط. كان معهم في ذاك التنظيم عبد المنعم عبد الرؤوف ومعروف الحضري وحسين حمودة وأبو المكارم عبد الحي وصلاح خليفة، وهم من بقوا فيه حتى بعد يوليو 1952، وكذلك كمال الدين حسين وحسين الشافعي وغيرهم ممن أوقف علاقته بالتنظيم عشية حرب فلسطين كما فعل عبد الناصر وصحبه


ثم جاءت حرب فلسطين 1948، التي زادت من عمق الصداقة بين عبد الناصر وعامر


وروى عبد الناصر بالتفصيل ذكرياته عما جرى على أرض فلسطين في كتابه "يوميات عبد الناصر عن حرب فلسطين" الذي نُشِرَ مسلسلاً على صفحات مجلة "آخر ساعة" شتاء 1955، وتولى إعداد اليوميات وكتابتها رئيس تحرير "آخر ساعة" آنذاك محمد حسنين هيكل


وبعد الهزيمة في حرب فلسطين، شعر عبد الناصر ورفاقه أن الثورة أصبحت ضرورة ملحة. ويروي عبد الناصر كيف أن قائد قوات الفدائيين في حرب فلسطين المقدم أحمد عبد العزيز همس له في أذنه قبل أن يموت قائلاً:
"جمال. المعركة الحقيقية ليست هنا، إنها في مصر"

لقد عاد هؤلاء الضباط من حرب فلسطين مهزومين مكلومين يغلي في داخلهم غضبٌ ضد الملك ونظامه أكثر من العدو. بدا رفاق عبد الناصر مصممين على إنشاء تنظيم للضباط يحتفظ باستقلاله عن الأحزاب – ومنها الإخوان – ويجمع كل التنظيمات العديدة المتناثرة في أوساط الضباط، وكلها تشترك في معاداة الاحتلال البريطاني وفي النقمة على سلوك الملك فاروق، شخصاً كان أم حاكماً، خصوصا في حرب فلسطين

في تلك الفترة، بحث عبد الناصر عن حلفاء جدد وأفكار أخرى للمعركة، وهكذا أقام اتصالات مع الحركات الماركسية وبخاصة منظمة "حدتو" بواسطة أصدقائه التقدميين خالد محيي الدين ويوسف صديق. من جهة الوفد كان لناصر صديق عزيز هو أحمد أبو الفتح نقيب الصحفيين وصهر المخلص له ثروت عكاشة


ويقول ثروت عكاشة في كتابه "مذكراتي في السياسة والثقافة" (مكتبة مدبولي، القاهرة، 1988) والذي أعادت دار الشروق طبعه عام 2000: "بعد عودتنا من حرب فلسطين عينت برئاسة هيئة أركان حرب الجيش، وعين جمال مدرساً بكلية أركان الحرب، وعبيد الحكيم عامر برئاسة سلاح المشاة، وبدأ كلاهما يدعو إلى تشكيل تنظيم الضباط الأحرار، وانضممت إليهما بصورةٍ تلقائية نظراً للصلات القوية بيننا"


وظهرت اللجنة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار التي انتُخِبَ عبد الناصر رئيساً لها


لقد كان عامر أحد الذين وهبوا عبد الناصر كل اهتمامهم وصداقتهم، حتى يمكن القول بأنه ذاب في شخص عبد الناصر حقيقة وواقعاً. وكان عبد الناصر يسند إلى عامر مهمة البحث عن ضباط يصلحون للانضمام إلى خلايا التنظيم السري للضباط الأحرار. ونجح عامر في تلك المهام لارتباطه بصداقاتٍ قوية مع زملاء الكلية الحربية وسلاح المشاة الذي انضم إليه وضباطٍ آخرين في أسلحة أخرى مختلفة، حملوا كل التقدير للصاغ عبد الحكيم عامر، ذلك الصعيدي الشهم المعروف عنه سخاؤه وكرمه، فضلاً عن مشاعره الريفية الصادقة وسلوكه الإنساني دائماً الذي يتسم بالفروسية والود

وفي الجزء الأول من مذكرات صلاح نصر بعنوان "الصعود" (دار الخيَال، القاهرة، 1999) يقول المؤلف: "وللتاريخ فقد كان عبد الناصر هو العقل المدبر للتنظيم بينما كان عبد الحكيم عامر هو الدينامو أو المحرك لنشاطه، وبلا شك كان له الفضل في تجنيد أكبر عدد من الضباط الأحرار"


بل إن عامر وقف وراء تجنيد اللواء محمد نجيب نفسه، وكانت نقطة البداية أثناء حرب فلسطين


يقول محمد نجيب: "ولم أترك يوماً واحداً يمضي دون الاتصال بمن أثق في رجولتهم من الضباط.. أحرضهم على إجادة القتال، واحرضهم في الوقت نفسه، على الاهتمام بما يدور في العاصمة. وكان الصاغ أ. ح. عبد الحكيم عامر قد عين أركان حرب للوائي، وقد وجدت فيه ضابطاً ذكياً دقيقاً..وعندما سمعني أردد هذه الآراء ذهب إلى صديقه البكباشي أ. ح. جمال عبد الناصر وقال له –كما أخبرني فيما بعد- "لقد عثرت في اللواء محمد نجيب على كنزٍ عظيم"

وكان عبد الناصر قد أقنع رفاقه بضرورة اختيار شخصية عسكرية كبيرة تعلن الثورة باسمها حتى تبدو أكثر إقناعاً للجماهير، وعندما بدأ اقتراح الأسماء كان محمد نجيب مرشحاً من عبد الحكيم عامر، فيما رشح الباقون اللواء فؤاد صادق


بدت الاعتبارات التي رجحت اختيار محمد نجيب موضوعية لاعتباراتٍ عدة، لكن الفريق الآخر رأى في اختياره نصراً شخصياً لعبد الحكيم عامر وهزيمة لهم، واعتبروا أن عبد الناصر مال إلى هذا الاختيار مجاملة لصديقه..ثم لم يلبث هذا الإحساس أن تفاقم بعد الثورة

وفي 22 يوليو تموز 1952 كان فاروق على شاطىء الإسكندرية برفقة حاشيته وحكومته كما هي عادته في كل عام، ولكن بعد أكثر من 200 كيلومتر، كانت ساعة الصفر قد حانت بالنسبة للضباط الأحرار

وهكذا ولدت ثورة 23 يوليو
تابع القراءة

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (4): الرجل الأول..والأول مكرر




كانوا يطلقون عليه سراً اسم الرجل الأول "مكرر"

ارتبط اسمه برتبته العسكرية: "المشير"، واختارت دائرته المقربة أن تناديه "يا ريس".. لكن نفوذه الأبرز ظل حتى النهاية مستوحى من صفته الأهم: صديق الرئيس

وصداقة الرجل الأول في بلادنا تعني الكثير

كانا معاً في كل مكان: الكلية الحربية في القاهرة عام 1937، السودان عام 1941، حرب فلسطين 1948، إنشاء وتكوين تنظيم الضباط الأحرار الذي قاد ثورة 23 يوليو 1952
مدنٌ وشوارع ومنازل لا تُنسى، التقت فيها مصائر الرجلين الأول و"الأول مكرر"، حتى انتهى الأمر بينهما بموتٍ مأساوي

الفراق بين الصديقين حمل عنواناً لافتاً: الحب..والحرب
وما بين الحب والحرب حرف واحد..وعلاقة من أخطر ما يكون

الحب كان اسمه برلنتي..والحرب كان قناعها حرب السويس 1956 وجوهرها حرب يونيو حزيران 1967
والأكيد أن ما أقامته الصداقة بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر في سنوات، هدمته حرب يونيو 1967 في ساعات
لقد ابتلعت الهزيمة العسكرية كل ما أمامها، وتدحرجت رؤوس على مذبح السلطة..وكانت رأس عبد الحكيم عامر أبرز تلك الرؤوس التي أسقطتها حرب 1967
وتبقى قصة المشير عبد الحكيم عامر مأساةً تستحق أن تُروى، فالصداقة القوية بين عبد الناصر وعامر دفعت الأول
للتراجع في أكثر من مناسبة كلما احتدم الخلاف مع المشير لحرصه على العلاقة الشخصية بينهما، الأمر الذي أعطى عامر حقوقاً يرى كثيرون أنها أكثر مما يستحق

وفي المقابل، يؤمن أنصار المشير عامر بأنه تحول إلى كبش فداء في محرقة ما بعد حرب يونيو 1967، وإنه ليس المسؤول الأول أو الوحيد عن تلك الهزيمة العسكرية لمصر والعرب

كان عامر يقولُ عن نفسه: "أنا لا أفهم في السياسة..أنا أفهم فقط أن الخط المستقيم أقصر مسافةٍ بين نقطتين"
وبالرغم من ذلك، فقد تنقل عامر بين أرفع المناصب السياسية، وقاد المؤسسة العسكرية لكي تكون درعاً للسلطة التنفيذية

وإذا كان عامر قد نجح في أن يصبح السند الأساسي والأمين للنظام طيلة السنوات الأربع عشرة التي قاد خلالها القوات المسلحة، فإن الأكيد بالمقابل هو أن ثمن ذلك كان باهظا على تركيبة النظام وسمعته وأدائه

والشاهد أن عبد الناصر كرر خطأ الملك فاروق، وكأن الجمهورية في مصر تسير على خُطى الملكية..حتى في أخطائها


يقول الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل إن المشير عامر لبعض الفترات ونتيجة للظروف كان أحبَ أعضاءِ مجلس قيادة الثورة إلى جمال عبد الناصر. ويرى هيكل أن جزءاً من مأساة 1967 كان نتيجة حب عبد الناصر لعامر، ذلك أن هذا الحب حال دون أن يقتنع عبد الناصر بدرجةٍ كافية بأن عبد الحكيم عامر لا يصلح للقيادة

وبكلماتٍ دالة، يقول هيكل: "إن عبد الحكيم عامر كان نصف فنان ونصف بوهيمي، ولطيفاً جداً، ولكنه عسكرياً توقف عند رتبة الصاغ، أي أنه يستطيع أن يقود كتيبة لكنه لا يستطيع أن يقود جيشاً"

ويأخذ المؤرخون على الملك فاروق عجزه عن اختيار قائد محترف للجيش، إذ استند إلى حيدر باشا، الذي كان موضع ثقته ويدين بالولاء المطلق له، لكنه لم يكن يعرف كثيرا عن الجيش ولا اهتم بتدريبه وتسليحه، كان في الأصل ضابط مطافئ ونجح مدير مكتبه أو سكرتيره صلاح سالم في أن يحجب عنه ما يريد من معلومات ووقائع، وكان أن ظهر ضعف الجيش في حرب ١٩٤٨، والتي سميت النكبة

ويبدو أن عبد الناصر وقع في الخطأ نفسه، فقد أسلم الجيش لموضع ثقته المطلقة المشير عبد الحكيم عامر، الذي توقفت معلوماته وتدريباته العسكرية عند رتبة "رائد" وكان أن ترك الجيش لمدير مكتبه شمس بدران، وكانت النتيجة أن وقعت الهزيمة في ١٩٦٧ وسميت هذه المرة "النكسة"

وفي 17 يوليو تموز 2007 وتحت عنوان "اللواء فؤاد نصار يواصل حواره لـ "المصرى اليوم": (٢-٤) أمريكا شاركت في القتال خلال حرب أكتوبر .. وأسقطت طائرة مصرية" نشرت جريدة "المصري اليوم حديثاً حملَ فيه اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية أثناء حرب أكتوبر ومدير المخابرات العامة الأسبق، المشير عبد الحكيم عامر والرئيس جمال عبد الناصر مسؤولية الهزيمة، مؤكداً أن تعيين عامر الذي كان مجرد رائد رئيساً للأركان رسَّخ عادة مصرية استمرت بعد ذلك وهي تعيين أهل الثقة وليس أهل الخبرة


وبالحرف الواحد قال اللواء نصار عن النكسة: "نعم.. عامر هو المسؤول عنها. كيف يتحول رائد شاب إلى مشير بقرار واحد وليكون قائداً للقوات المسلحة.. عملية الترقية هذه كانت ذات دوافع شخصية كاملة"


لم تصمد الصداقة أمام نيران القصف الخارجي، فتحولت إلى قصف داخلي
الصداقة التي بدأت بالأحضان، انتهت بلعبة لي الذراع
ومن صداقةٍ أذهلت الجميع بقوتها ومتانتها، إلى نهاية غامضةٍ قيل إن سببها سمٌ داخل علبة جوافة


إنها صداقة عُمرٍ ولدت عام 1937 وماتت عام 1967.. 30 سنة هي عمر تلك الصداقة التي جمعت بين الرئيس جمال عبد الناصر والمشير محمد عبد الحكيم عامر

لم يتجاوز فارق السن بينهما عامين، إذ ولد جمال عبد الناصر في 15 يناير 1918، في حين ولد عبد الحكيم عامر في 11 ديسمبر كانون ثانٍ ١٩١٩.. غير أن شهر سبتمبر أيلول جمع بينهما عند الرحيل، فقد مات عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، فيما فارق عامر الحياة في 14 سبتمبر 1967
كلاهما من أبناء الصعيد، الأول من بني مر، مركز الفتح بمحافظة أسيوط، والثاني من أسطال مركز سمالوط بمحافظة المنيا..لكن القاهرة شهدت لقاءهما الأول والأخير
صداقة ربما تكون ابنة واقع تكامل الشخصيتين: جمال الجاد القارئ والساحر بغموضه.. وعبد الحكيم المرح الدافئ والآسر للقلوب

ويذكر أمين عام رئاسة الجمهورية عبد المجيد فريد أن: "علاقته (أي عبد الناصر) مع المشير عامر علاقة خاصة وتحتاج إلى دراسة، لأنه هو الوحيد الذي كان تتميز علاقته مع الرئيس بحاجة خاصة، وقال لي مرة الرئيس في جلسةٍ من الجلسات: "إحنا أصلاً صعايدة سوا، وطلعنا ضباط سوا ..وأخذنا شقة مع بعض في القاهرة.. وهو اللي علمني السجاير.. ورحنا سوا مع بعض في منقباد وجه قبلي، وعبد الحكيم أنا الوحيد اللي أدخل بيته، وأدخل أسرته حتى لو ما كانش موجود..والعكس عندي بييجي ويدخل عندي وعند أسرتي دون إذني.. الوحيد".. فكانت علاقته مع عبد الحكيم علاقة خاصة جداً"


والثابت أن ما غلب على عامر من شعور طوال نحو ثلاثة عقود من العلاقة مع عبد الناصر - بمدها وجزرها - هو خليطٌ من إعجاب وولاء ومحبة، متراكبة مع بعض من غيرة، ومن سعي حثيث للندية
يقول عضو تنظيم الضباط الأحرار أحمد لطفي واكد: "قبل أن ألتقي بعبد الحكيم عامر لأول مرة في أوائل عام 1951، كان عبد الناصر قد حدثني عنه بكثيرٍ من المحبة والثقة حتى تصورتهما "توأمين"، ولما عرفت عبد الحكيم اكتشفت أن ما بينهما من علاقةٍ يتجاوز الالتقاء الفكري والوطني والسياسي إلى حبٍ أخوي صوفي"
وكان عبد الناصر يقول: "إذا أردت أن أفكر في أي موضوعٍ أو أحل أية معضلة فإنني أتكلم بكل حريةٍ مع عبد الحكيم إلى أن تتبلور أفكاري"

صداقة تشبه اللغز

الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين يقول: "في تقديري أن فك لغز شخصية جمال عبد الناصر الشديدة التميز والتفرد في التاريخ المصري، والعملاق الذي خرج من تراب مصر بعد قرونٍ من الرقاد كفرعون جديد جبار، لا يمكن أن يتم فهمه إلا إذا أمكن فك لغز علاقته بثلاث شخصياتٍ وصداقات كان لها أكبر الأثر في حياته. علاقته ب"عبد الحكيم عامر" الذي سلمه الجيش بكامله، وانشق عليه وصار نداً له دون أي ند منذ الستينيات، ومع ذلك ترك له كل هيلمانه وتأثيره في أهم أحداث حكمه حتى النهاية المُرة
"وعلاقته ب"أنور السادات" الذي كان يبدو أنه يختلفُ عنه، في كل شيء، ومع ذلك فقد اختاره لأن يكون خليفةً له. ولستُ من أنصار النظرية أو النظريات التي تعتبرُ هذا من باب الملابسات غير المقصودة، ولكن أعتقد أنه كان اختياراً مدروساً ومقصوداً، رغم التشهير الذي لا مثيل له الذي قاده السادات بحنكةٍ ومهارةٍ وشراسة ضده بعد وفاته
وعلاقته ب"محمد حسنين هيكل" الصحفي الذي لم يكن من أقرب الناس إليه في أول الثورة، ولكنه صار بعد ذلك أقرب الناس إليه على الإطلاق، فجعله شريكاً في الحكم على أعلى مستوى"

لقد لاحظ عبد الناصر بذكاء أن عامر يجيد مد جسور الصداقة بسرعة آسرة، وعززت ذلك قدرته الفذة على تجنيد أعضاء في تنظيم الضباط الأحرار. كل هذه العوامل البدئية كونت له في نفس ناصر مساحة لم ينافسه فيها أحد. في المقابل، أيقن عامر منذ بدء تقاربه مع ناصر أنه وجد ضالته في عقل هادئ وقماشة قائد يضمه تحت مظلته ويعامله بتكامل لا تفاضل
ويصف وزير الداخلية السابق عباس رضوان علاقة الرئيس والمشير منذ بداية التعارف بينه وبينهما في عام 1949 بأنها "صداقة ليس لها مثيل، ووصلت إلى حد الوفاء النادر الذي لا يشكك فيه أحد بأي شكلٍ من الأشكال، بل الذي يحاول أن يشكك فيه فهو الخاسر"


ويضيف عباس رضوان قائلاً: "قال لي جمال عبد الناصر أكثر من مرة إن الوحيد الذي يمكن أن يتقبل عني الرصاص هو عبد الحكيم عامر ، الوحيد الذي يمكن أن يفديني بروحه هو عبد الحكيم عامر"
ويشير عباس رضوان إلى الخلافات في الرأي التي تزايدت بين الصديقين، قبل أن يقول: "ولكن للأسف أستطيع أن أقول إن هناك أناساً حاولوا بقدر المستطاع أن يزيدوا من سعة هذه الفجوة حتى لوعادت الأمور لوضعها الطبيعي ويترقبوا وينتهزوا فرصة أي خلاف ليزيدوا من اتساعه إلى أن وصلت الأمور إلى ما حدث بين الصديقين"

وفي حديث لمجلة "الوادي" في أغسطس آب 1982 سُئِلَ الفريق أول متقاعد صدقي محمود قائد سلاح الطيران عن الصراع بين عامر وعبد الناصر ، فقال: "هذا الصراع لم ألمسه إطلاقاً رغم صلتي الشديدة بهما وبحكم العمل وبحكم الصداقة، ولكن حدث مرةً أو مرتين خلافٌ بين عبد الناصر والمشير، وأراد المشير أن يستقيل ولكنني تدخلت ومنعته من تقديم استقالته"
وحتى آخر يوم لي في الخدمة كنت أعتبر عبد الناصر والمشير توأمين"
ويضيف صدقي محمود قائلاً: "أذكر أنه في حفل قران حسين عبد الناصر شقيق الرئيس جمال عبد الناصر على ابنة المشير، كنتُ أقف مع الرئيس ثم جاء حسين وسلم علينا ثم قلت لعبد الناصر: لو كان عندي 30 % في القوات الجوية من الضباط الذين في رتبة حسين في كفاءته وأخلاقه لكنت سعيداً جداً، وهذا ليس لأنه شقيق سيادتك
فقال لي عبد الناصر:
فعلاً يا صدقي..حسين هو الهدية الكبيرة التي أقدمها لعبد الحكيم عامر"



ويحكي الفريق أول متقاعد صدقي محمود قصة أخرى عن متانة الصداقة بين عامر وعبد الناصر، فيقول: "في زيارة لنا لموسكو كنت أنا والمشير والمرحوم الفريق أول سليمان عزت (قائد القوات البحرية) دعانا السفير مراد غالب على عشاءٍ خاص جداً في منزله، وكان حاضراً معنا المرحوم علي شفيق (مدير مكتب المشير أيامها وزوج الفنانة مها صبري) ثم تطرق الحديث عن الحب، ثم قال المشير:
ما هي أسمى درجات الحب؟
فقال كلٌ منا إجابته، فقال المشير:
لا..إن أسمى درجات الحب هو حب الصديق للصديق!
فقلت له: تقصد علاقتك بالرئيس جمال عبد الناصر؟
فقال المشير عامر: بالضبط"


واختتم الفريق أول صدقي محمود شهادته بقوله: "لذلك فأنا مندهش لأن يقال إنه كان هناك صراع على القمة بين عبد الناصر والمشير فذلك شيء لم أشعر به مطلقاً"


ويؤكد الفريق عبد المحسن مرتجي إن "عبد الحكيم عامر ده ظل لعبد الناصر"


هذا الظل لم يكن شبيهاً في جوانب عدة من الأصل


وإذا كان عامر شخصية وطنية تؤمن بالقومية العربية وتتسم بالأريحية ونزاهة اليد وتملك القدرة على كسب صداقة وولاء من حوله، فإن هناك من نظر إليه أيضاً على أنه رجل ملذاتٍ، يخلط العام بالخاص، منساق وراء عاطفته أكثر من عقله، يحيط نفسه ببطانة سيئة الخلق والسيرة، وينشغل بالشللية على حساب كفاءة الجيش


وفي حديثه للكاتب الصحفي عبد الله إمام، رسم سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبد الناصر لشؤون المعلومات ملامح شخصية المشير عامر، إذ قال: "رؤيتي لشخصية المشير عامر إنه كان دمث الخلق، شهماً، لطيف المعشر، ضاحكاً، حبوباً، لا يرفض طلباً لأحد. تلك هي الصورة التي كونتها عن عبد الحكيم عامر خلال ثمانية عشر عاماً كنت إلى جواره ومشاركاً في جميع مهامه بالخارج كمستشارٍ له، ومتصلاً به كل يوم ربما أكثر من مرة، فقد كانت تعليمات الرئيس أن كل ورقةٍ تُعرَض عليه تُرسَل إلى المشير في نفس اللحظة دون استشارة، والقرارات التي تصدر دون أن يكون شريكاً فيها يكون أول من يعرفها
"كان عبد الحكيم هو الوحيد الذي يعرف تحركات الرئيس السرية
"هذه مقدمة ضرورية حتى أوضح ما أطلق عليه اسم علاقة "التوأمة" التي كانت تربطهما، ولم يكن عبد الحكيم يقول إن صوته في جيب عبد الناصر، لأن عبد الناصر لم يكن يحتاج إلى من يضع صوته في جيبه"

ولكن ما الذي حدث بالضبط وأدى إلى إنجاح عملية فصل التوأمين السياميين: ناصر وعامر؟
كيف بدأت هذه الصداقة، وكيف استمرت، وكيف تحطمت، وما هي المطبات التي اعترضتها، والأحداث التي كانت تدور خلف الكواليس، وكيف تحدى عبد الناصر جميع رفاقه أعضاء مجلس الثورة بعامر، وانتصر له، وأيده، وفرضه قائداً للجيش؟

للإجابة على ذلك، ربما يتعين أن نبدأ من داخل أسوار الكلية الحربية
تابع القراءة

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (3): "اضربهم بالجزمة يا ريس"





بدهاءٍ يُحسدُ عليه، تحرك عثمان في المساحات الفارغة، حتى تمكن من تحريك بيادقه إلى الأمام على رقعة شطرنج الوطن

وبسلاسةٍ، استيقظ المصريون على حقيقة أن "المهندس عثمان" أصبح أحد أفراد الدائرة الضيقة لصنع القرار، في بلدٍ كانت تتبدل فيه الخرائط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتنقلب رأساً على عقب، لتقود طبقة المُلاك ورجال المال والأعمال الجدد أغرب عملية استيلاءٍ على مقدرات الدولة والمجتمع

وفي سبعينيات القرن الماضي التي شهدت سطوع دور عثمان السياسي ونفوذه، بدا أن مصر تنتقل من موقعٍ إلى موقع ومن بنيةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية إلى بنيةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية أخرى، عبر علاقةٍ محرمةٍ شرعاً وقانوناً بين رجال المال الجدد ورموز الحكم والإدارة

كان حِلفُ الدولة ورجال المال يعلن كل يومٍ عن مجدٍ جديد، والناس يرزحون تحت وطأة أزمةٍ جديدة
أبواق الإعلام التي تدور في فلك النظام تتحدث عن أخبارٍ ترفع الرأس..والشعب يعاني من أوضاعٍ ترفع الضغط

ومع رياح التغيير..تغير موقع عثمان أحمد عثمان

تحت عنوان "كيف نشأت وتطورت الدولة الرخوة في مصر؟ (٢-٤) رخاوة السبعينيات" يقول د. جلال أمين في دراسة نشرتها جريدة "المصري اليوم" في 8 مايو أيار 2007 : "من أبرز الأمثلة على الفارق بين نظام الحكم في السبعينيات ونظام الستينيات ما طرأ على مركز عثمان أحمد عثمان وشركته "المقاولون العرب" في الاقتصاد المصري وعلى علاقته بالدولة، كان عثمان أحمد عثمان في ظل عبد الناصر يبدو مع كل قوته وثرائه، كالموظف الذي يتلقى الأوامر من رئيس الدولة، ويخشى أن يفقد رضا الدولة عنه، فأصبح في ظل أنور السادات، وكأنه شريكٌ أساسي في الحكم، يوجه النظام ويعطي النصائح التي يستمع إليها الرئيس، ويستجيب لها برضا كامل إلى درجة التزاوج من الأسرتين
"

وعثمان في رأي فريقٍ من معاصريه، رجلٌ مثير غامض، يبتسم في وجهك مؤكداً أنه مجرد "رجل بسيط مؤمن بالله والوطن" ثم يخشع ويحرك حبات مسبحته حين يتحدث عن رسالته التي هي رسالة كل مخلوقٍ على وجه الأرض: عمارة الكون، أي تعميره

وفي ظل ما أطلق عليه أحمد بهاء الدين وصف "انفتاح السداح مداح"، وقعت ثلاث ظواهر مهمة، فقد انتشرت الرأسمالية العائلية، واختلطت السياسة بدوائر المال والأعمال، وبالتالي تطورت أشكال الفساد وآلياته

وربما كانت مجموعة (عثمان أحمد عثمان) هي الأكثر تعبيراً عن هذا التغيير، فقد انتقلت المجموعة (وليست الشركة) من قطاع المقاولات والتشييد إلى قطاعات متعددة أخرى بينها قطاع المصارف حيث دفع المهندس عثمان أحمد عثمان لإنشاء سلسلة البنوك الوطنية وبنك المهندس وبنك قناة السويس، وكلها ظهرت أسماؤها فى قضية نواب القروض
كذلك فقد أنشأ المهندس عثمان أحمد عثمان - الذي كانت مجلة "فوربس" تورد اسمه طوال فترة رئاسة السادات ضمن قائمة أغنى أثرياء العالم- شركاتٍ خاصة ملحقة بالمقاولين العرب، وتحتل بعض مواقع ومكاتب الشركة الأم وتنقل ثمرات "المقاولون العرب" لجيوب غير حكومية

هنا يقول الكاتب الصحفي محمود المراغي في مقال نشره الموقع الإلكتروني لجريدة "الشعب" في أكتوبر تشرين أول 2002: "وبنفوذٍ خاص جرى احتلال المناصب والمواقع المختلفة، ثم حدث الصدام المكتوم بين المجموعة وجهاز الرقابة الإدارية الذي تم إنشاؤه في الستينيات وجرى تجميده (أو إلغاؤه) بقرار من الرئيس السادات عام 1980، واستمر التجميد لمدة عامين حين أعاد الرئيس مبارك الجهاز للحياة، وإن كان السؤال ظل معلقاً: أين ذهبت أوراق الرقابة الإدارية؟"

وفي كل الأحوال، فقد حرص عثمان حتى قبل توليه الوزارة على تعزيز علاقاته مع الوزراء وكبار المسؤولين. ومن ذلك أنه طرح في مطلع السبعينيات مشروعاً في ميدان الحجاز بحي مصر الجديدة لبناء عماراتٍ من ثلاثة أدوار ببدروم خاص، ثمن كل منها عشرين ألفا بالتقسيط المريح، فكان للوزراءِ - باستثناء قلةٍ بينهم وزير الأوقاف عبد الحليم محمود- نصيبُ الأسد من هذا المشروع

وفي كتابه "شخصيات لها تاريخ" (دار الشروق، القاهرة، 2008) يتحدث د. جلال أمين عن عثمان أحمد عثمان، المقاول الذى بدأ مسيرة صعوده فى عهد عبد الناصر، وواصل تألقه فى عهد السادات. وينال عثمان بعض من سهام المؤلف، الذي يرى أن فهمه لمعاني الوطنية والانتماء والإيمان والعمل والإخلاص والثروة، كان أقرب إلى فهم السادات منه إلى عبد الناصر، وقد كان الأخير يفهم هذه المعاني فى أبعادها وأطرها الاجتماعية، أما السادات فقد فهمها بمنطق فردي، بما تضيف إليه شخصياً وما تحققه له من منفعةٍ ذاتية

على أن هناك من يرى أن أحد أبرز أسباب التحول الاقتصادي في عهد السادات هو ذلك الاقتراب بين الرئيس وأصهار ينتمون للطريق الرأسمالي ولقطاع الأعمال، مثل عثمان أحمد عثمان وسيد مرعي وأحمد عبد الغفار


ويلاحظ أحمد بهاء الدين أن السادات كان ينظر إلى عثمان كأنه عثر على توأمه وشقيق روحه.. ومن بعد نسب الأرواح، تم نسب وشائج الدماء ليتزوج محمود ابن عثمان الأكبر بجيهان صغرى بنات أنور السادات


وإذا كانت اختيارات الرجلين‏-‏ اللذين كانا ينتميان للجيل نفسه وللطبقة نفسها‏-‏ قد اختلفت في مرحلة البداية،‏ فاتجه عثمان إلى عالم المقاولات،‏ واتجه السادات نحو العمل الوطني،‏ فإن السادات وعثمان بلغا طوال عقد السبعينيات نقطة الوفاق والاتفاق. وهنا يطرح صلاح عيسى تساؤلاً مشروعاً، إذ يقول: "فهل اكتشف السادات في كهولته أنه أخطأ حين أصبح ثائراً ولم يواصل السير في طريق المقاولات،‏ وآمن بأن المقاولين ينفذون ما يعجز الثوار عن تنفيذه من أحلامهم؟ وهل اكتشف عثمان أنه أخطأ حين لم يسع هو وأمثاله من المقاولين للحكم مع أنهم ينفذون أكثر مما يتكلمون بل دون أن يتكلموا؟‏!‏ الغالب أن ذلك هو ما حدث‏"


لم تكن تلك المرة الوحيدة التي يتحدث فيها أحد عن تبادل الأدوار بين عثمان والسادات..أو بين المقاول والرئيس


ففي حوار مع ماهر حسن في جريدة "العربي" التابعة للحزب الناصري بتاريخ 3 ديسمبر كانون أول 2007، وتحت عنوان "نقيب النقباء كامل زهيري: حرية الصحافة هي الحل.. وهذه نصيحتي لمكرم" يقول نقيب الصحفيين المصريين سابقاً كامل زهيري: "وقد رفضت طلباً بتأييد السادات حرصاً على استقلال النقابة وتخوفاً من نكوصه، ورغم ذلك فقد بلغني أنه في زيارته لإحدى مدن القناة في أحد مؤتمرات الحزب سألوه عن النقابة فقال: آه ما أنا قلت نحولها لناد. ومثلما كان للسادات عيون علي فقد كانت لي عيون عليه أيضاً، وكان لي زملاء صحفيون في الرئاسة كان منهم فتحي رزق، وطلبت منه أن يصف لي ما دار هناك فقال لي إنه ظل يمشي مع عثمان أحمد عثمان ثم دخلا غرفة للاستراحة فطلبت وصف الغرفة فقال لي إن الغرفة كان بها سريران سفريان تمددا عليهما وتحدثا بعد فترة رياضة المشي.. فقلت: يعني هناك رئيس يريد أن يكون مقاولاً، ومقاول يريد أن يكون رئيساً"


نموذجٌ يرشحه البعض لرصد إخفاق معادلة المقاول والرئيس، تمثلَّ في مشروع الصالحية


فقد أقنع عثمان صديقه الرئيس بمشروع الصالحية لتعمير الصحراء. والصالحية الجديدة التي تقع في مركز الحسينية بمحافظة الشرقية ، كانت نواة لمشروع استصلاح كان مخططاً لها منذ أيام عبد الناصر، لكن المشروع ظل يحبو حتى انطلق فعلياً في عام 1979. فقد اصطحب عثمان السادات والكاتب أحمد بهاء الدين في طائرة ليريهما الأرض على الطبيعة، وإن كان عثمان لم يذكر الكاتب الكبير بكلمة واحدة في حكاية الصالحية. وفي الطائرة ذهل السادات بما نهب من أموال الدولة على أرض الصالحية التي أُنفِقَ عليها ما يقرب من 630 مليون جنيه ولم يُستصلَح منها سوى 1% فقط. هنا ردد السادات مقولته الشهيرة: "أخيراً وجدنا نقطة البداية لحل مشكلاتنا وسنحصل على كفايتنا من الطعام عام 1985"، وافتتح مشروع "الثورة الخضراء"، وعيَّن حسين عثمان - شقيق المهندس عثمان- مشرفاً على المشروع بدرجة نائب رئيس وزراء


وبينما يقول فريقٌ إن شركة "المقاولون العرب" تسلمت الأرض وحوَّلتها إلى أرضٍ مستصلحة زراعياً وإنها نجحت في المشروع الزراعي وملحقاته من الإنتاج الحيواني ومحطات الألبان ومشروعاته ومحطات الدواجن الضخمة، إلى أن بدأ ضربها في 1988 بعد ضمِّها إلى وزارة الزراعة، حتى وصلت إلى مستوى يسمح ببيعها بثمن ..يصر فريقٌ آخر على أن المشروع لم يحقق النتائج التي كانت متوقعة، وأنه كبَّد الدولة خسائر مالية تقدر بملايين الجنيهات. ومن هؤلاء المنتقدين وزير الإسكان والتعمير الشهير المهندس حسب الله الكفراوي الذي قال في حديث صحفي أجرته معه "المصري اليوم" في 23 مارس آذار 2008 إن "مشروع الصالحية فاشل ولم - ولن - ينفع حتى الآن" وأضاف موضحاً "لأن رفع المياه فيها مكلف، والتربة ليست الأفضل وتوجد مناطق أفضل منها.. ولو كنت "مزنوق" وليس أمامي سوى هذا الموقع ربما كنتُ تقبلت الأمر، ولكن لو كان لدي خيارات أخرى أفضل، إذاً هناك خطأ ما.. وهذا المشروع درسته شركة المقاولون العرب"

كان هذا طبعاً قبل أن يبيع هذه المشروعات لاحقاً وزير الزراعة د. يوسف والي، بأقل من 326 مليون جنيه، بالرغم من أنها تكلفت ملياراً و900 مليون جنيه

ويردد البعض أنه بعد استيلاء الحكومة على المشروع جاء أحد الخبراء الأجانب لزيارة المشروع، فقال تعليقاً ظريفاً مفاده أنه "أثناء وجود "المقاولون العرب" كانت الأرض خضراء واللافتات صفراء، أما بعد ذلك أصبحت الأرض صفراء واللافتات خضراء". والأرض الخضراء تشير إلى الإنتاج والمحصول، أما اللافتات الصفراء فهي تشير إلى شعار "المقاولون العرب". ولاحقاً، فإن الأرض الصفراء تشير إلى الخراب مع اللافتات الخضراء التي ترمز إلى شعار وزارة الزراعة

ولم تكن الصالحية المشروع الوحيد الذي تبناه عثمان وأثير حوله الجدل. القائمة تشمل أيضاً مشروع إنشاء مزرعةٍ سمكية في مريوط، وغيرها من المشروعات الخاسرة

وكان لعثمان رجاله في عالم المال والأعمال والسياسة

ومن هؤلاء توفيق عبد الحي - الهارب من مصر منذ اتهامه بأنه "تاجر الفراخ (الدجاج) الفاسدة"- والذي أجرت معه جريدة "الشرق الأوسط" حواراً في قصره في مدينة أنتويرب البلجيكية ونُشِرَ في 3 مايو أيار 2001
جاء في الحوار ما يلي

"* كنت تُصنَفُ قبل خروجك من مصر باعتبار أنك من المقربين للمهندس عثمان أحمد عثمان أنك "فتى التنمية الشعبية المدلل"، ومن خلال ذلك حصلت على الكثير من التسهيلات؟
ـ كنت أمثل الجانب المعارض داخل الاتحاد القومي أو الاتحاد الاشتراكي، وكان هناك كثير من الاعتراضات على سياسة الحكومة كنا نبلغ بها "المعلم" عثمان، وبعد هزيمة 67، حدث تغير في عمل "التنظيم الطليعي" التابع للاتحاد الاشتراكي، وكنت على رأس المظاهرات عام 1968 كما ذكرها محمد حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب"، التي طالبت بمحاكمة المسؤولين العسكريين الذين تسببوا في النكسة"
"* كيف كانت علاقتك بالمهندس عثمان أحمد عثمان وزير التنمية الشعبية وصهر السادات؟
ـ أنا الذي كنت أقوم بكل شيء، وكثيراً ما كنت أبلغه عن اعتراضات الشباب عن سياسات معينة انتهجها السادات، ولكن افترقت مع عثمان بعد أن أشيع أنني ناصري حتى النخاع، ومن ضمن تلك الاعتراضات ما نشرناه ايام عبد الناصر في "صوت الجماهير" مقال بعنوان "أهل الثقة أم أهل الخبرة"، وأيام السادات قدنا أول منبر ديمقراطي، ضد سياسات الاتحاد الاشتراكي، وضد رئيس الجمهورية، ولا أنكر أن عثمان كان يقلل كثيراً من حدة المواجهات مع الحكومة"

امتدت علاقة عثمان مع السادات لتضع تحت مظلتها السلطة الرابعة: الصحافة
فقد كان عثمان صديقاً مقرباً ومؤثراً في عقل ومواقف رئيس مجلس إدارة "الأهرام" سابقاً عبد الله عبد الباري، الذي لم ينس لعثمان أنه لم يتخل عن أسرة عبدالباري طوال فترة اعتقاله في السجن بعد إدانته بتهمة لقائه بأحمد أبو الفتح صاحب جريدة "المصري" في الخارج

وتحكي الكاتبة الصحفية سناء البيسي في مقال بعنوان "عثمان أحمد عثمان‏..‏المعلم" منشور في جريدة "الأهرام" بتاريخ 30 أغسطس آب 2008 كيف استقبلها السادات هي وعدد من الصحفيين ذات يومٍ في استراحته بالإسماعيلية. وتقول: "ويومها في تجوالنا وقعدتنا وطعامنا وشرابنا وضحكاتنا وإنصاتنا ظل علي يمينه عثمان‏..‏ عثمان أحمد عثمان‏..‏ مؤانساً موافقاً مداعباً مقرظاً مرابطاً مستشاراً وخبيراً‏..‏ ويومها تجول السادات بعينيه فينا يستشف جوهرنا نحن مجموعة الصحفيين والكتاب الذين وقع اختياره علينا لتحقيق حلمه في إصدار جريدة "مايو" التي أسند رئاسة تحريرها للكاتب الصحفي القدير إبراهيم سعدة‏..‏ وبعدما اطمأن إلى حسن اختياره مال على عثمان ليقول له بصوتٍ مدو كان رَجعُه في آذاننا زغاريد موكبِ العروس القادم‏:‏ أنا رأيي يا عثمان إنك تبني لكل واحد منهم فيلا بجنينة‏..‏ سامع يا عثمان‏..‏ وسمع عثمان ساعتها،‏ لكنه لم يسمع بعدها،‏ فهناك أوامر يصدرها الناس الكبار لها نفس وقع إمضاءاتهم على نوعية من الطلبات يذيلونها بعبارة للأهمية ليتعرف عليها طاقم التنفيذ كي تنام في عسل رفوف الأرشيف،‏ والظاهر أن جملة سامع يا عثمان كانت من تلك الفصيلة‏!"
‏

وفي السياق نفسه، تأتي شهادة الكاتب محمود السعدني في مجلة "المصور" في عدد ‏7‏ مايو أيار ‏1999‏ حول وساطة عثمان لدى السادات ليعفو عن السعدني ويسامحه بعد هجومه عليه من المنفى لسنواتٍ عدة، إذ قال له السادات: "خلاص يا واد يا محمود والله ما في حاجة في نفسي من ناحيتك أبدا‏..‏ ارجع يا وله وكل شيء ح ينحل ووعده بالعودة". وكانت المرة الوحيدة التي تدخل فيها عثمان بالحديث عندما قال الرئيس أنور السادات لمحمود السعدني‏:‏ "بس أنت لسانك وسخ يا وله وعاوز قطعه‏"..‏ فعقب عثمان قائلا‏:‏ "ده يستاهل قطع رقبته"‏..‏ وضحك، فقال محمود له بحدة‏:‏ أنت ما تشتمش خالص يا عم عثمان اللي يشتم الرئيس وبس‏"!‏..وضحك السادات وتم الصلح

‏
حتى الفن، كان عثمان رسول السادات إلى أهله


وفي حديث لجريدة "المصري اليوم" في 24 سبتمبر أيلول 2008 يحكي الفنان نور الشريف كيف علم بأن الرئيس السادات غضب منه ذات مرة، فيقول: "حدث ذلك بسبب مسرحية "بكالوريوس في حكم الشعوب" التي عرضت قبل إعلان عودة تعدد الأحزاب، فالمسرحية كانت ضد الحكم العسكري في دولة ما، وفوجئت بالراحل عثمان أحمد عثمان يقول لي "الرئيس السادات زعلان منك لأنك تسخر منه في مسرحيته"، وطلب مني عرض المسرحية في قصر عابدين فقلت له "لا المسرح صغير ولا يوجد به تكييف.. ووقت ما يحب الرئيس هنعرض المسرحية في أي مسرح آخر تحت أمره"

"وبعد ساعة وجدت الوزير عثمان أحمد عثمان يقول لي إن مجلس الشعب كله سيحضر العرض اليوم في المسرح نفسه؟ وكان المجلس كله برئاسة صوفي أبو طالب في العرض يومها، وكان أول يوم أقابل فيه منصور حسن وزير الإعلام. ويومها سألني الممثلون في العرض "هنغير حاجة في النص؟".. فقلت لهم "ولا كلمة لأننا مش بنقول حاجة غلط"، وبعد العرض كنت أتصبب عرقا وخائفا جدا إلا أن الترحيب والتصفيق شجعاني"

دعونا لا ننسى أن "المعلم" الذي تمتع بعلاقاتٍ واسعة في صفوف أهل الفن، سمح لصديقه نور الشريف بتصوير فيلمه "قطة على نار" (بطولة بوسي ونور الشريف وفريد شوقي، إخراج سمير سيف إنتاج عام 1977) في عزبته الخاصة

ويذكر لنا التاريخ القريب التطور الدرامي لصعود المستشار أنور عبد الفتاح أبو سحلي (1919 - 11 يناير 2000). إذ إنه حين توجه عثمان إلى القاهرة بعد حصوله على الابتدائية ليكمل دراسته، التحق بالقسم الداخلي بالمدرسة السعيدية، والتقى في هذه المدرسة زميله الصعيدي أنور عبد الفتاح أبو سحلي. وكان أبو سحلي ينتمي إلى عائلة إقطاعية تأثرت بالإصلاح الزراعي فأبُعِدَ عن مناصب القضاء، وعمل لفترةٍ مستشاراً قانونياً لدى شركة "المقاولون العرب
وبوساطة من عثمان أحمد عثمان أعيد إلى القضاء، ليصبح رئيس محكمتي شمال وجنوب القاهرة عام 1977 والنائب العام في عام 1978، ووزير العدل في العام التالي. وأثناء رئاسته محكمة جنوب القاهرة، تفرغت هذه المحكمة وهذا القاضي للإجهاز على جريدة "الأهالي" التي يصدرها حزب التجمع المعارض، ومصادرة أعدادها الواحد تلو الآخر

ويأخذ كثيرون على عثمان أنه كان أحد الذين لا يكفون عن تحريض السادات ضد خصومه السياسيين في كل المناسبات،‏ إذ تعود أن يقول له كلما تطرق الحديث إلى المعارضين،‏ سواء كانوا أفراداً أم أحزاباً أم دولاً،‏ "اضربهم كلهم بالجزمة يا ريس"..‏ ويبدو أن تلك هي النصيحة التي استمع إليها السادات،‏ حين أمر بشن حملة اعتقالات سبتمبر أيلول ‏1981‏ ضد خصومه من مختلف الأطياف والاتجاهات السياسية والفكرية والدينية


وفي حوار مع نقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد في جريدة "المصري اليوم" في 10 سبتمبر أيلول 2006 تحت عنوان "مكرم محمد أحمد: السادات طلب مني الهجوم على هيكل.. ورفضت" يقول النقيب: "لي تصورٌ حول رجال السادات في هذه المرحلة.. وأعتبر هذا التصور مهماً لفهم تداعيات الأحداث فيما بعد. كان حول السادات فريقان، الأول عاقلٌ وناضج وهم: سيد مرعي ومنصور حسن وجيهان السادات، وفي مرحلةٍ مبكرة كان هيكل "قبل الخصومة بين الاثنين". هؤلاء كانت لديهم القدرة على رؤية العلاقة الصحيحة بقوى المثقفين.. وكانت تعملُ على تهدئة ثورة الرئيس ضد البابا والأقباط والمثقفين، الفريق الثاني كان أبرز رموزه عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل". ثم يضيف قائلاً: "وأعتقد أن هذا الفريق الأخير هو المسؤول بشكل ما عن انتصار تيار توسيع الأزمة والفجوة بين السادات وتيارات المجتمع"

وقبل أيام من حادث المنصة، تجاهل السادات تحذيرات الأمن وذهب إلى المنصورة في قطار خاص وسيارة مكشوفة وافتتح مشروعات استصلاح أراض في الشرقية والبحيرة وشارك في مؤتمر حزبي. وأثناء عودته من المنصورة عاد بالطائرة فوجد عثمان أحمد عثمان فسأله: "أنت رايح فين يا عثمان"، فقال له "رايح مصر"، فقال له السادات "تعال معي في الطائرة
وبحسب شهادة وزير الداخلية آنذاك النبوي إسماعيل، فإن السادات قال: "شفت يا عثمان الناس بتعمل إيه.. واقفة من الصبح بكل هذا العدد لتحييني"، فقال له: "عثمان هذا استفتاء لا يقبل الشك عليك يا ريس". فرد السادات بالقول: "انظر إلى شعور هؤلاء وشعور الآخرين الذين يريدون قتلي"، فاندهش عثمان وقال: "مين يا ريس اللي عايز يقتلك؟"، فقال السادات:
"النبوي كلمني هذا الصباح وأخبرني أنه تم اكتشاف تنظيم يسعى لاغتيالي"
قال له عثمان: "خلاص يا ريس نهدي شوية وبلاش تنقلات كثيرة حتي نترك الفرصة لـ "النبوي"، حتى ينظف البلد من هذه الأشكال"، فرد السادات قائلاً: "أما أنت عبيط يا عثمان.. العمر لا يتقدم دقيقة ولا يتأخر دقيقة.. والبرنامج لازم يسير كما هو"

أرسل إلى عثمان يطلب منه الاستعداد لمصاحبته في رحلته إلى وادي الراحة في سيناء،‏ التي كان يعتزم القيام بها في أعقاب العرض العسكري احتفالا بعيد النصر في ‏6‏ أكتوبر تشرين أول ‏1981..لكن السادات‏-‏ الذي كان قد ضرب الجميع بجزمة عثمان القديمة، على حد قول صلاح عيسى‏-‏ لم يعد من العرض،‏ لأن بعضهم كان قد رد على ذلك باغتياله
حكم القدر، وضع حداً لصداقة عثمان والسادات التي بدأت خيوطها تتجمع منذ أربعينيات القرن الماضي، حتى أنهتها الرصاصات التي دوَّت في حادث المنصة..ليتوقف بشكل مبدئي الجدل حول "المعلم" عثمان، قبل أن يبدأ الحديث عن اتهامات وجهتها نقابة المهندسين إلى نقيبها السابق عثمان، ووصلت إلى الرقابة الإدارية، ومنها اتهامه في مشروعات
"الوفاء والأمل" و"بنك المهندس" و"إسكان النقابات المهنية" الذي تأسس عام 1980
بعد رحيل السادات، بدا أن نشاط ودور "المقاولون العرب" يتقلص ربما نتيجة تضييقٍ وحصار حكومي استهدف بنيتها ومشروعاتها التى ازدهرت وقت السادات مثل الصالحية وفوديكو وغيرهما. إلا أن العمل في "المقاولون العرب" استمر حتى بلغ حجم مشروعاتها في 1997-1998 نحو 4.7 مليار جنيه مصري
المقولة التي ترددت على ألسنة البعض وقتها أن العهد الجديد ينظر بعين الريبة إلى تعاظم نفوذ عثمان في عهد السادات، وأن مبارك لم يكن سعيداً بالتقارب بين الرئيس السادات وصهره، الذي بدا في وقتٍ من الأوقات أكثر تأثيراً على القرار السياسي من نائب الرئيس

غير أن "شيخ القبيلة" - والد محمود وأحمد وإبراهيم ومحمد وهادية‏- فضَّل الهدوء ولزم الصمت في سنواته الأخيرة، ربما لانشغاله بقضايا أخرى أكثر أهمية بالنسبة له، مثل خلافه مع نجله المهندس محمد، الذي كان يطالب بنصيبه في شركات والده حتى وصل الأمر إلى ساحة القضاء.. قبل أن يوافيه الأجل في 30 إبريل 1999عن عمرٍ يناهز ‏81‏ عاما في مستشفى المقاولون العرب، إثر أزمة قلبية بسبب وعكةٍ صحية ألمت به نُقِلَ على إثرها إلى المستشفى قبل وفاته بعشرة أيام

ومن جامع عمر مكرم شُيعت جنازة عثمان‏، الذي‏ عاش حياته بالطول والعرض، قبل أن يُنقَل الجثمان إلى مدينة الإسماعيلية، حيث شُيع أيضا وسط حشدٍ هائل من محبيه والعاملين في شركاته - الذين بلغ إجمالي عددهم آنذاك 70 ألف عامل- من جامع أبو بكر الصديق ومنه إلى مدفنه
وعلى موقعٍ من امتداد جسر 6 أكتوبر في حي مدينة نصر، علَق العاملون في "المقاولون العرب" لافتة ضخمة مجللة بالسواد كُتٍبَ عليها "سنواصل العمل ونحن نبكي، لأن هذا ما تعلمناه منك". كان ذلك شعوراً بالوفاء لرجل بنى الشركة العملاقة، وصنع لنفسه شعبية كبيرة في صفوف أبناء شركاته

ومع اكتمال الدائرة، طُوِيت صفحة لا تُنسى من دولة بناها المقاول..واعترف بها الرئيس
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator