المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (7): عامر 56






شهدت حياة عبد الحكيم عامر بعد نجاح الثورة تغييراتٍ جوهرية وسريعة

فقد تمت ترقيته وهو لم يزل في سن الرابعة والثلاثين من العمر إلى رتبة لواء، وأوكلت إليه مهمة قيادة القوات المسلحة، وأصبح في عام 1953 مسماه الجديد القائد العام للقوات المسلحة المصرية . وبعد عامٍ واحدٍ أيضاً عُيِنَ وزيرا للحربية مع احتفاظه بمنصبه في القيادة العامة للقوات المسلحة، ثم رقي إلى رتبة فريق عام 1958
وبعد قيام الوحدة مع سوريا تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة مُنِحَ عبد الحكيم عامر رتبة مشير في 23 فبراير شباط 1958

وكانت الترقية الأخرى التي رفعته إلى رتبة نائب رئيس جمهورية في 6 مارس آذار 1958، واستمر في هذا المنصب حتى أغسطس آب 1961، حيث أضيفت إليه مهمة رئاسة اللجنة العليا للسد العالي، ثم رئاسة المجلس الأعلى للمؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي في إبريل نيسان من العام نفسه

وبعد قيام ثورة اليمن في 30 سبتمبر أيلول 1962 واعتراف مصر بها ورغبة منها في تدعيم الثوار الجدد، أرسلت جزءاً كبيراً من قواتها المسلحة إلى هناك، وأسندت مهمة الإشراف عليها إلى المشير عبد الحكيم عامر بصفته قائداً عاماً للقوات المسلحة

امتدت أذرع عبد الحكيم عامر في مختلف نواحي الحياة المدنية

وأصبح رئيساً لاتحاد كرة القدم، ورئيساً للطرق الصوفية، واهتم بمباريات كرة القدم - وخصوصاً نادي الزمالك- وكتابات الناقد الرياضي نجيب المستكاوي، في الوقت الذي شغل فيه منصب رئيس اللجنة العليا لتصفية الإقطاع اعتباراً من مايو آيار 1966. وفي أكتوبر تشرين أول من العام نفسه عهد إلى وزير الحربية شمس بدران ببعض اختصاصات القائد العام للقوات المسلحة وأصبح مسؤولا أمام عبد الحكيم عامر عن كل ما يكلفه به من أعمال عسكرية وإدارية

غير أن عامر جمع بين السياسي والعسكري بأسلوبٍ يشوبه الارتباك والاندفاع، ما أدى إلى انحراف الجيش عن مهمته الأصلية في حماية الوطن وحماية النظام. لنتأمل حكاية إشراف عامر على النقل العام بالقاهرة عبر أحد ضباطه عبد العزيز الجمل..وهو أسلوبٌ بدا لكثيرين مجافياً للمنطق

يقول الرئيس أنور السادات في كتابه "البحث عن الذات": "كان لعبد الحكيم عامر أخطاؤه بطبيعة الحال، ولكن الأهم من ذلك أنه كان يسيء اختيار معاونيه بشكل فاضح، وكان من أبرز ملامح شخصيته روح القبيلة، فهو يساند معاونيه بالحق أو الباطل" (ص 305)

ومنذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، حرص عامر قادراً على إبراز معاونيه وتوليتهم أخطر المناصب وأهمها. وهكذا أصبح معاونه الرئيس صلاح نصر مديراً للمخابرات العامة في مايو آيار 1957 مصحوبا بنائبه عباس رضوان وهو التالي له في القرب. ثم نجده يقف وراء اختيار عباس رضوان وزيراً للداخلية. ثم نراه يستوزر معاونه الثالث توفيق عبد الفتاح وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية

والأكيد أن ذلك تم بموافقة عبد الناصر، الذي تصور أن عامر هو الأوثق والأقدر على إدارة الأمور بالحزم العسكري المطلوب وبإشارة للجميع إلى أن الجيش قلعة النظام وهراوته الجاهزة


كان اختبار مارس آذار 1954 شبه ناجح لقيادة عامر للقوات المسلحة، إذ كان واسطة العقد بين سلاحي المدفعية والطيران في تصديهما لسلاح المدرعات وإجهاض محاولته التمرد على مجلس القيادة لصالح "الصاغ الأحمر" خالد محيي الدين وحليفه محمد نجيب

وفي 14 نوفمبر تشرين ثانٍ عام 1954 لم يؤد الحرس الجمهوري التحية العسكرية للرئيس محمد نجيب وهو يدخل قصر عابدين.. وفوجيء بالصاغ حسين عرفة ومعه ضابطان وعشرة جنود يحاصرونه وهم يشهرون السلاح، فصرخ فيهم ليبتعدوا عنه. وبمجرد دخوله مكتبه اتصل بجمال عبد الناصر قائلا: "إيه لعب العيال ده يا جمال".. فرد عليه:"سوف أرسل لك عبد الحكيم عامر"


وبعد دقائق جاء عبد الحكيم عامر ومعه حسن إبراهيم ليقولا له في خجل: "إن مجلس قيادة الثورة قرر إعفاءكم من منصب رئيس الجمهورية"، فغادر مكتبه دون أن يحمل معه إلا المصحف


ما إن مرت أعوام ثلاثة على توليه القيادة حتى كان عامر قد اكتسب شعبية طاغية بين الضباط أوصلته إلى أن يقف في احتفال إهداء أعضاء مجلس القيادة قلادة النيل - يونيو حزيران 1956- ويتوجه بالقلادة نحو جموع الضباط الحاضرين، في إشارةٍ واضحة إلى أنها باسمهم ولهم عبره


وحين نتأمل شخصية عامر، سيتبين لنا أنه كان مختلفاً في طباعه عن باقي زملائه في مجلس قيادة الثورة


وفي هذا يقول حلمي سلام: "لم يكن عبد الحكيم عامر حذراً كعبد الناصر ولا فواراً كصلاح سالم ولا غامضاً كزكريا محيي الدين ولا ماكراً كالسادات"

كان عامر ببساطة صورة من العمدة الذي يحرص على أن يكون محبوباً وذا شعبية وأنصار، بفضل بساطته وشهامته..وسخائه

وفي كتابه "حياة المشير محمد عبد الحكيم عامر" ينقلُ رشاد كامل عن عضو تنظيم الضباط الأحرار لطفي واكد حكاية لها دلالتها، إذ يقول: "في أحد الأيام من عام 1954، بعد حادث الاعتداء على الرئيس جمال عبد الناصر في المنشية، واعتقال الإخوان المسلمين، وكان لي رفاق سلاحٍ منهم في المقاومة ضد قوات الاحتلال البريطاني. ذهبت لزيارة مجاملة للمرحوم بيوسف طلعت، وبعد انتهاء الزيارة تعمد قائد السجن الحربي حمزة البسيوني بأن يعطلني حتى طابور التمام كي أشاهد مسرحيةً سمجة حيث يقف الهضيبي في الأمام ووراؤه طابور من مكتب الإرشاد ثم باقي المعتقلين وكل واحد منهم وراؤه سجان في يده عصا، ثم يُذاع من الميكروفون تسجيل لعبد الناصر وهو يتكلم في المنشية، ثم طلقات الرصاص ثم يتوقف الشريط ويذاع صوت أم كلثوم تغني "يا جمال يا مثال الوطنية"، ويجبر الجميع تحت التهديد بالضرب على ترديد الأغنية والهتاف لجمال لعبد الناصر

"شاهدتُ هذه المسرحية السمجة وخرجتُ منقبضاً إلى منزل الرئيس، ورويتُ له ما رأيت فأصيب بالذهول، وقال:
"هل رأيت بنفسك أم سمعت هذه الرواية من أحد؟"
فقلت له: أنا قادم من هناك فوراً"
فقال: "أنا أشعر بالخزي من حدوث هذا الشيء في عهدي"
ثم قال عبد الناصر: العنف يقابَلُ بالعنف لا أعترض، لكن السجين أمانة في عنق الدولة، وإهانة المساجين وتعذيبهم معنوياً شيء لا أقبله أبداً، ويجب نقل حمزة البسيوني فوراً ومحاكمته!
ثم طلب عبد الحكيم عامر عدة مراتٍ ولم يجده ولم يكلمه أمامي، ولكنه في ثورته قال: عبد الحكيم بيتستر على سفاحين!
وفي أثناء جلوسي معه كان يتكلم في التليفون، ودق تليفون آخر فطلب مني الرد، وكانت المتكلمة السيدة أم كلثوم فقال لي: احكِ لها ما رأيته في السجن الحربي..وبعد فترةٍ تكلم صلاح سالم فروى له ما حدث وكرر عبارة "عبد الحكيم بيتستر على سفاحين"، وخرجت من منزله وأنا متأكد من أن دور حمزة البسيوني، وأمثاله قد انتهى، لكنه بقي بعد ذلك 13 عاماً"!

ويعلق لطفي واكد قائلاً:
"وهنا بدأت أكتشف أن عبد الحكيم لم يعد بالضبط ظلاً لعبد الناصر"


وما لم يقله لطفي واكد أن العلاقة والصداقة بين هذين الرجلين زادت وكبرت ولم تهتز آنذاك ولو بشرخٍ واحد

يقول محمود الجيار، مدير مكتب جمال عبدالناصر، إن "المكانة الخاصة لعبد الحكيم عامر في قلب عبد الناصر كانت سبباً في كثيرٍ من المتاعب مع بعض أعضاء مجلس الثورة الآخرين، وأدت إلى تنمية العداوة بينهم وبين عبد الحكيم، وبسببها تفاقمت مشكلات وخلافات لا حصر لها

"وبعض هذه المشكلات والخلافات كان يمكن أن يتجنبها عبد الناصر لو أنه جعل العلاقة بين عبد الحكيم في مستوى علاقته بكمال الدين حسين أو البغدادي، أو زكريا محيي الدين"

تدريجياً، شهدت العلاقة بين الصديقين ناصر وعامر نوعاً من الحساسية، أخذت تزداد على مر الأيام حتى تحولت إلى مواجهة، خصوصاً بعد أن سعى عبد الناصر إلى إعداد جيل من طلبة الكلية الحربية يدين له بالولاء الشخصي، كي يعتمد عليه بعد تخرج هؤلاء الطلبة. أوكل عبد الناصر هذه المهمة إلى الصاغ إبراهيم الطحاوي من الضباط الأحرار الذي شغل موقع السكرتير العام المساعد لهيئة التحرير

بدأ الطحاوي مهمته سراً عام 1955، لكن عمره كان قصيراً إذ يقول صلاح نصر: "استمر تنظيم طلبة الكلية الحربية يعمل في الخفاء، حتى تم اكتشافه عام 1956، وعلم به عبد الحكيم عامر قائد القوات المسلحة، وتفجر الموقف بمجابهة بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر"

تجاوز الرجلان بسرعة هذه الأزمة العابرة


ثم جاءت حرب السويس عام 1956 لتصنع شرخاً في العلاقة بين الرجلين

فقد أبدى عبد الناصر ملاحظاتٍ قاسية ومؤلمة بشأن الأداء العسكري للقوات المسلحة برئاسة المشير عامر
يقول صلاح نصر في الجزء الأول من مذكراته الذي يحمل عنوان "الصعود": "..وبعد أن بدا ل"عبد الناصر" أن اشتراك فرنسا وانجلترا في الحرب أمرٌ مؤكد..برز التساؤل: هل نستمر في الحرب مهما كانت التضحيات، أم نجنب البلاد ويلاتِ الحرب بالاستسلام وبدء عمليات المقاومة الشعبية؟


"كان من رأي عبد الناصر الاستمرار في القتال. وقال: إننا لو لم نقاتل اليوم فلن نقاتل أبداً..لا بد لنا من القتال حتى لو أجبرنا على الانسحاب إلى الوجه القبلي واللجوء إلى حرب العصابات..أما عبد الحكيم عامر فقد ذكَّر عبد الناصر بتحذيره له من مواجهة دولتين كبيرتين، وقال ل"عبد الناصر" إن القوات المسلحة ليست في وضع استعدادٍ لمواجهة غزوٍ كبير، وإن معنى ذلك انتحار القوات المسلحة وتخريب اقتصاد مصر"

وحين أيد صلاح سالم موقف عامر ازداد الموقف سوءاً، إذ انفجر عبد الناصر في وجه صلاح سالم ونعته بالجبن وقال له إنه داعية استسلام، ما أثار حفيظة صلاح سالم. واتهم عبد الناصر صديقه عامر بأنه واقعٌ تحت تأثير صلاح سالم، فرد عليه عامر بالقول: "أنت عارف أن لي شخصيتي المستقلة، ولا يمكن أن يؤثر عليّ صلاح سالم أو غيره"




كان عبد الناصر في حالةٍ أشبه بالهستيريا، لدرجة أنه اقترح على أعضاء مجلس الثورة الانتحار كبديل للاستسلام. وبالفعل كلف عبد الناصر زكريا محيي الدين كي يعد كميةً كافية من عبوات سيانيد البوتاسيوم تكفي أعضاء مجلس الثورة لاستخدامها لو لزم الأمر

ويتابع صلاح نصر حديثه بالقول: "وبدت في الأفق بداية لتدهور العلاقات بين صديقي العمر جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر إذ بدأ جمال يشكو لكل من يقابله من عبد الحكيم عامر قائلاً إن عبد الحكيم عزله عن القيادة العسكرية، وإنه لا يضعه في الصورة عما يجري من أمور الحرب، بالرغم من أنه المسؤول الأول عن حماية البلاد وأمنها"

"والواقع أن هذه الشكوى تجنٍ كبير، ف"عبد الناصر" كان موجوداً دائماً منذ بداية عدوان إسرائيل في القيادة العامة، وهو الذي ابتعد بعد ذلك عن القيادة بعد أن تبين خطورة الموقف"


وكان عامر قد بادر مع هيئة أركانه بإعادة توزيع القوات لتعزيز محور الإسكندرية- القاهرة اعتقاداً أن اتجاه الغزو قادم من هناك، لكنه فوجىء بأن قواتٍ إسرائيلية انطلقت عبر سيناء في اليوم التالي مع إنزال مظلي على خط الدفاع الثالث- مضيق متلا. ارتبك عامر وهو الذي لم يتوقع هجوم إسرائيل على سيناء وإنما على الضفة الغربية


وهكذا قرر الدفع بقوات كبيرة إلى سيناء: أولاً بهدف تدمير اللواء المظلي في متلا..وثانياً بهدف الاشتباك وسط صحن سيناء مع قوات الهجوم الإسرائيلية كانت أيام 29 و 30 و 31 أكتوبر تشرين أول أيام اشتباك بري وجوي شامل بين قوات مصر وإسرائيل

كانت هناك مظلة جوية فرنسية فوق إسرائيل وحماية بحرية فرنسية لسواحل إسرائيل. تكفل هذان العاملان في إفشال أي اختراق جوي أو بحري مصري ذي قيمة لحدود إسرائيل. من هنا سقطت المدمرة إبراهيم - فخر البحرية المصرية- في الأسر أمام ميناء يافا أثناء محاولتها الاقتراب منه تمهيداً لقصفه


لم تستطع القوات المصرية زحزحة لواء شارون المظلي عن ممر متلا ولا الوصول إلى قلب سيناء بحجمٍ كافٍ لإدارة معركة للمواجهة والتصدي


ثم ما إن بدت ملامح بعض من حشد مع نهاية اليوم الثاني للحرب حتى داهم القيادة المصرية خبر الإنذار البريطاني-الفرنسي المشترك مساء 30 أكتوبر تشرين أول عند ذاك المنعطف الخطير للحوادث أصاب الشلل تفكير عامر بدرجة كبيرةكان قرار عبد الناصر في ضوء الإنذار هو انسحاب كامل القوات من سيناء في غضون يوم وتجمعها في منطقة القنال لتقاتل معركة تعويق ضد الإنزال البريطاني – الفرنسي المرتقب فيها


عاند عامر في رفضه هذا الانسحاب وفي تصميمه على الاستمرار في قتال إسرائيل داخل سيناء، مبدداً ساعاتٍ ثمينة كان يمكنها أن تيسر انسحاباً عاجلاً قبل نفاذ موعد الإنذار وبدء القصف الجوي المعادي


فرض عبد الناصر الانسحاب على عامر وهيئة أركانه ولكن بثمنٍ باهظ بعض الشيء، إذ تعرضت الفرقة المدرعة الرابعة - جوهرة العسكرية - إلى قصف جوي مركز وهي تعبر ممر الجفجافة ومن ثم كوبري الفردان عائدة لمنطقة القنالما انتهى إليه الحال هو وحدات مشتتة وممزقة ترتع خسائرها على طرق سيناء، وكذلك طريق الإسماعيلية – القاهرة، بما دفع عبد الناصر يوم 2 نوفمبر تشرين ثانٍ على القول وهو يعاينها في طريقه من القاهرة للإسماعيلية: "لقد هزمني جيشي"


والقاطع أن إدارة عبد الحكيم عامر للمعركة كانت على درجةٍ من الهزال لم تكن خافيةً على أحد من أعضاء مجلس القيادة القديم الذين تجمعوا في مقر القيادة العسكرية بين الفينة والأخرى


ويرى البعض أنه من دلائل سوء قيادة عبد الحكيم هو أنه توفر للطيران المصري مدة 24 ساعة إنذار ليقوم بعملية إخلاء سريعة للقواعد الجوية ناجياً بنفسه إلى السودان والسعودية وأعماق الصعيد... لكن ما حدث هو أنه ربض في قواعده بأمر قيادته – صدقي محمود – المحسوبة على عبد الحكيم عامر، مكشوفاً في العراء وعرضة للتدمير الساحق، وهو فعلاً ما جرى منذ غروب 31 أكتوبر تشرين أول

أسفرت حرب السويس عن شرخ صامت في العلاقة بين "الأخوين" ناصر وعامر سرعان ما تبدى في طلب الأول تبديل القيادات العسكرية الكبيرة، وليس فقط قيادة بور سعيد الفاشلة

انتفض عامر معارضاً وبحزم لهذا الطلب بحجة أن هذه القيادات ما كان في مقدورها أن تؤدي بأفضل في وجه حملة ثلاثية عاتية، وأن الإنصاف يقضي بإعطائها فرصة أخرى لتستوعب السلاح والعقيدة السوفيتية فتتفادى في مواجهات المستقبل أخطاء الماضي

ويقول عضو مجلس قيادة الثورة عبد اللطيف البغدادي في مذكراته: "الحقيقة أن مستوى قادة القوات المسلحة جميعاً لم يكن فوق مستوى النقد، بل إنه تقرر في هذه الفترة إخراج صدقي محمود قائد القوات الجوية، ولكن عبد الحكيم عامر قاوم ذلك بحجة اعتماده عليه، وأنه إذا كان قد أخطأ فهو كذلك قد أخطأ معه"

ويؤكد الأمر نفسه عضو مجلس الرئاسة كمال رفعت، إذ يقول: "أراد جمال عبد الناصر إخراج الفريق صدقي محمود قائد القوات الجوية بعد تدمير الطائرات المصرية على أرض المطارات، ولكن عبد الحكيم عامر تشبث به وقاوم فكرة إخراجه

"الواقع أن النصر الذي حققته مصر عام 1956 كان سياسياً وشعبياً أكثر منه عسكرياً، فإن القوات المسلحة لم تؤدِ واجبها كما تقضي الأصول والتقاليد العسكرية"




خضع عبد الناصر لضغط عامر بل ورفعّه لرتبة الفريق عام 1958 رمزاً للتوافق وطي الصفحة. وبالفعل قُسّم مكتب القائد العام إلى قسمين: الأول للشؤون العسكرية على رأسه ضابط قدير هو العميد حافظ إسماعيل، والثاني للشؤون العامة (التأمين السياسي) على رأسه عباس رضوان (بعد خروج صلاح نصر منه إلى المخابرات العامة) ومعه توفيق عبد الفتاح وشمس بدران

يقول السادات في كتابه "البحث عن الذات": "عقب الانفصال قلنا لعبد الناصر: إن عزل عبد الحكيم عامر كان يجب أن يتم سنة 1956، لا في 1961 فقط، لأنه لا يصلح من ناحية العمل العسكري" (ص 307)

إلا أن جمال عبد الناصر داوى جراح خلافاته مع صديقه عبد الحكيم عامر..لتتوالى فصول أخرى أكثر مأساوية في تاريخ مصر

تابع القراءة

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (6): العُمدة يقود الجيش





تولى عبد الحكيم عامر منصب مدير مكتب القائد العام اللواء محمد نجيب، في أعقاب نجاح ثورة 23 يوليو 1952، وجاء تعيينه لمتانة علاقته مع محمد نجيب، وليكون عيناً عليه في الوقت نفسه

ولعامٍ كامل استمر عبد الحكيم عامر في منصبه إلى أن قرر مجلس قيادة الثورة إعلان الجمهورية وتعيين محمد نجيب كأول رئيس لها في يونيو حزيران 1953


فقد صدرت جريدة "الأهرام" صباح الخميس 18 يونيو حزيران 1953 وعلى صفحتها الأولى تصريح لجمال عبد الناصر يقول فيه: "الجمهورية آتية ولكن موعد إعلانها لم يتقرر بعد"

غير أن مساء اليوم نفسه قطع الشك باليقين

وفي أعقاب اجتماع مجلس قيادة الثورة، عقد وزير الإرشاد صلاح سالم اجتماعاً مع مندوبي الصحف ووكالات الأنباء، أدلى فيه ببيانٍ قال فيه إنه سيتم في ذلك اليوم إلغاء النظام الملكي وإنهاء حكم أسرة محمد علي وإعلان الجمهورية وتولية اللواء محمد نجيب رئاسة الجمهورية. وأضاف قائلاً: "وقد قرر مجلس الثورة تعيين البكباشي جمال عبد الناصر نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية، وتعيين قائد الجناح عبد اللطيف البغدادي وزيراً للحربية، والصاغ صلاح سالم وزيراً للإرشاد ووزيراً للدولة لشؤون السودان

"كما تقرر تعيين الصاغ عبد الحكيم عامر قائداً عاماً للقوات المسلحة"

وفي تلك الليلة أذاع محمد نجيب بياناً إلى الشعب أعلن فيه إلغاء النظام الملكي وحكم أسرة محمد علي مع إلغاء الألقاب من أفراد هذه الأسرة، وإعلان الجمهورية بتولي نجيب رئاسة البلاد

وهكذا نجح عبد الناصر في ترفيع صديقه عامر لرتبة اللواء وتعيينه قائدا عاما للقوات المسلحة خلفا لنجيب. وعلى مضض وافق نجيب على هذه الخطوة بالرغم من عدم اقتناعه بصواب التعيين، وذلك لحرجه أمام صفيه عامـر، ولعدم قدرته – عند تقدير موازين القوى – على رده


ويقول محمد نجيب في مذكراته ("كلمتي للتاريخ"، دار الكتاب النموذجي، القاهرة، 1975): "ثُرتُ في المجلس ثورةً عنيفةً معارضاً ترقية عبد الحكيم عامر من رتبة الصاغ إلى رتبة اللواء دفعةً واحدة، وتعيينه قائداً عاماً لكل القوات المسلحة، مبيناً أن ذلك سوف يخلق نقمةً عامة في الجيش قد تكون صامتةً ومطويةً في الصدر، ولكنها ستكون قابلةً للانفجار في أية لحظة

"قلت لهم – أي لأعضاء مجلس قيادة الثورة- إني اعترضت على تعيين الفريق محمد حيدر رغم أقدميته لأنه كان بعيداً عن صفوف الجيش، وأنا اليوم أعترض على ترقية عبد الحكيم عامر وتعيينه قائداً عاماً للجيش لأنه ليس مهيأً لذلك، ولم ييأس المجلس من الوصول إلى غرضه، تكرر عرض الموضوع أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أرفض وأثور وحدي بلا نصير يقف معي، وهددت بالاستقالة فتأجل الموضوع ثلاثة أسابيع"



ويضيف محمد نجيب قائلاً: "لم أعترض فقط على ترقية عبد الحكيم عامر أربع رتب مرة واحدة مما ليست له سابقة في الجيش المصري، ولكني اعترضت أيضاً على إعلان النظام الجمهوري. لم أعترض لأني ضد النظام الجمهوري ومؤيداً للنظام الملكي، ولكني اعترضتُ لإيماني بأن تحويل نظام البلد السياسي يجب أن ينص عليه في الدستور، وأن يكون ذلك موضع استفتاء شعبي عام

"لم يُغرني ما عرضوه من تعييني رئيساً للجمهورية، وعبد الحكيم عامر "قائداً عاماً للقوات المسلحة"، فقد كنت أوثرُ أن يظل عامر في موقعه مديراً لمكتبي لشؤون القوات المسلحة


"ولاحظتُ أن العلاقة مع أعضاء المجلس في هذه الفترة بدأت تأخذُ طابع المجاملة والاحترام الشديد لي. وأذكرُ قبل ذلك بأسابيع أننا كنا في زيارةٍ لقرية جمال عبد الناصر (بني مُر) وأنه وقف يخطبُ قائلاً كلماتٍ أسجلها هنا للتاريخ وهو يوجهها لي:



"باسم أبناء هذا الإقليم أرحبُ بك من كل قلبي وأعلنُ باسم جميع الفلاحين أننا آمنا بك فقد حررتنا من الفزع والخوف وآمنا بك مصلحاً لمصر ونذيراً لأعدائها"



"سيدي القائد.. باسم الفلاحين أقولُ سر ونحن معك جنودك، فقد حفظنا أول درسٍ لقنتنا إياه وهو أن تحرير مصر وخروج قوات الاحتلال عن بلادنا أمرٌ واجبٌ وأصبحت أملاً في أن نحقق لمصر حريتها على يديك، إن مصر كلها تناصرك للقضاء على قوات الاحتلال"

ويضيف اللواء محمد نجيب قائلاً: "رنت هذه الكلمات في أذني وأنا أجدُ نفسي محاصراً ومُطَالباً بإعلان النظام الجمهوري وتعيين عبد الحكيم عامر قائداً عاماً للقوات المسلحة، وأشهدُ أني قبلتُ تحت ضغطٍ وإلحاحٍ استمر ثلاثة أسابيع بعد أن فكرتُ كثيراً في الاستقالة، وأعترفُ الآن أن هذا كان خطئي الكبير الذي وقعتُ فيه، فقد شعرتُ بعد قليل أنني أصبحتُ في مركزٍ أقل قوة بعد أن تركتُ قيادة الجيش.."





وبدا أن هدف عبد الناصر هو إبعاد كل أعضاء مجلس الثورة – وليس فقط نجيب – عن القوات المسلحة وتسليم كل مقاليدها لعامر ليكون القناة الوحيدة للاتصال بها. لم يكن هناك أجدر من عامر لتأمين القوات المسلحة سياسيا فهو الأقرب والأوثق إلى عبد الناصر وهو الأكثر شعبية بين الضباط وخصوصا متوسطي وصغار الرُتب

ولعل شهادة رئيس تحرير صحيفة "المصري" أحمد أبو الفتح تكتسبُ أهميتها من علاقته القوية بعبد الناصر ومعرفته بما كان يجري في كواليس الثورة في تلك الفترة. يقول أبو القتح: "كما اقترح عبد الناصر أن يتولى عبد الحكيم عامر منصب القائد العام للقوات المسلحة، وقد أثار هذا القرار ضجة داخل مجلس القيادة، إذ إن عبد الحكيم كانت رتبته في الجيش (صاغ)، فكيف يصبحُ قائداً ورئيساً على كل الرتب الأعلى منه. عندئذٍ اقترح عبد الناصر أن تصبح رتبة عبد الحكيم (لواء) وبذلك يستطيع أن يرأس القوات المسلحة


"ولكن هذه كانت خطة عبد الناصر. إذ يصبح هو نائب رئيس الوزراء، وعن طريق هذا المنصب يسلب من محمد نجيب تدريجياً سلطاته ويصبح عبد الحكيم عامر صديقه الصدوق في ذلك الوقت القائد العام للقوات المسلحة، وبهذا يضمن السيطرة على الجيش، وبتعيينه صلاح سالم وجمال سالم وعبد اللطيف بغدادي وزراء يكون قد أرضى المناكفين الذين يثيرون نقاشاً داخل مجلس قيادة الثورة"

في صباح يوم 19 يونيو حزيران 1953، ذهب اللواء أركان حرب عامر القائد العام للقوات المسلحة إلى مكتبه في مقر القيادة بكوبري القبة. وبحسب جريدة "المصري"، فقد كان في استقباله كبار قادة مختلف الأسلحة وضباط الجيش الذين قدموا لتهنئة قائدهم العام بمنصبه الجديد. كما قدم رئيس هيئة أركان حرب الجيش لتهنئته على هذا المنصب


وقالت جريدة "المصري": "والمعروف أن اللواء عبد الحكيم عامر كان عضو مجلس قيادة الثورة المختص بشؤون الجيش، وهو يمثل في الوقت نفسه مركزاً ممتازاً في قلوب إخوانه من مختلف ضباط الجيش..هذا ولما كان بترقيته قد صدر في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، فقد أهدى الرئيس اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيس الجمهورية إلى عبد الحكيم عامر قبعته "الكاب" المُحلاة بالقصب المذهب والشريط الأحمر، والتي يلبسها لواءات الجيش، فضلاً عن علامة رتبة اللواء التي تُوضَع على الكتف، ليستطيع عبد الحكيم عامر لبسها عند حضوره أمس"

يضيف أبو الفتح أنه عندما تعالت أصواتُ معارضة داخل المجلس لتعيين عامر قائداً عاماً للقوات المسلحة، رد عبد الناصر بالقول: "إننا لا نستطيع أن نترك الجيش دون رقابتنا وإن الخطر سيهددنا جميعاً إذا لم نشرف إشرافاً فعالاً على الجيش، وإنكم تلاحظون أن تذمراً وراء تذمر بدأ يظهر، وإنه لا بد من إحكام الرقابة على الوحدات وأنا لا أستبعد أن يقوم فريق من الجيش ذات ليلةٍ قيلقى علينا القبض ونصبح نحن جميعاً في السجون، والجيش كله يحب عبد الحكيم ولذلك أُصِرُ على تعيينه قائداً عاماً للجيش"


"وقال عبد الحكيم عامر إنه على استعداد للتفرغ لشؤون الجيش وإنه سيعمل على توطيد علاقته بجميع الوحدات ومراقبتها دون حاجةٍ إلى تولي هذا المنصب، ولكن جمال أصر وعاد يهدد بالتخلي عن العمل، وتكاثر الضباط على عبد الحكيم، إذ كانوا قد اقتنعوا بما قاله جمال من ضرورة الإشراف على الجيش ومراقبة حركاته مراقبة دقيقة

"وقف محمد نجيب وحيداً في صفوف المعارضة، ولم يؤيده من أعضاء مجلس قيادة الثورة سوى خالد محيي الدين الذي كان يسعى إلى إعادة الحياة النيابية

وفي 18 يونيو 1953 أصبحت هذه القرارات أمراً واقعاً. وعند إعلان ترقية عبد الحكيم عامر إلى رتبة لواء وتوليه رئاسة القوات المسلحة، قدم قائد سلاح الطيران اللواء حسن محمود استقالته، ورفض كل المساعي لسحبها، وتم تعيين اللواء محمد صدقي محمود مكانه


أما حلمي سلام –الذي كان يُنظرُ إليه على أنه رجل عبد الحكيم عامر في عالم الصحافة كما كان محمد حسنين هيكل رجل عبد الناصر- فيقدم شهادة على قدرٍ من الأهمية بشأن تعيين عامر قائداً عاماً للجيش، إذ يقول:

"عندما رُقي عبد الحكيم عامر في يونيو 1953 من رتبة (الرائد) إلى رتبة (اللواء) وعين قائداً عاماً للقوات المسلحة، تملك كثيرين الظن بأن هذا التعيين لم يتم إلا لأن عبد الحكيم هو أقوى زملائه أعضاء مجلس الثورة بعد عبد الناصر، وأن هذه الترقية إلى هذا المنصب الخطير جداً، والحساس جداً، لم تجئه إلا كإقرار من هؤلاء الزملاء بقوته. وليس هذا الظن الذي تملك كثيرين صحيحاً، فلم يكن عبد الحكيم عامر هو أقوى الرفاق بعد عبد الناصر، وإنما المؤكد أنه – من وجهة نظر عبد الناصر الخاصة، وأيضاً بمقاييسه الخاصة- كان أصلحهم لتولي هذا المنصب الخطير، إذ كان عامر بلا أدنى شك هو أشد الرفاق وفاءً لشخص عبد الناصر، وأكثرهم بعثاً للطمأنينة في نفسه بأن (خطراً ما) من ناحية القوات المسلحة مستحيل أن يأتيه، ما دام بقي على رأسها هذا الصديق الذي عرفه يسري الوفاء بين أضلعه، مسرى الدماء في العروق"






ويضيف حلمي سلام قائلاً: "المسألة إذن وبكل تأكيد كانت مسألة ثقة من جانب عبد الناصر في شخص عامر، ولم تكن مسألة قوة تميز بها عامر على بقية رفاقه، لكن اقتراح عبد الناصر بتعيين (صديق عمره) قائداً عاماً للقوات المسلحة لم يمر في مجلس الثورة بغير اعتراض، فلقد اعترض عليه عبد اللطيف بغدادي الذي شعر بأن عبد الناصر إنما يهدف من وراء تعيين عامر في هذا المنصب الخطير إلى إحكام قبضته الشخصية من خلال صديق عمره على القوات المسلحة، فتصبح من بعد ذلك طوع أمره ورهن إشارته كأداةٍ في (لعبة السياسة) التي كان من رأي البغدادي أنه يتحتم استبقاء القوات المسلحة بعيداً عنها تماماً، ولم يتردد الرجل يومها في أن يقولها لزملائه صريحةً: "إننا إذا سمحنا بأن يتدخل الجيش في السياسة فسوف يفسد الجيش وتفسد السياسة"

"لكن عبد الناصر بقي متمسكاً باقتراحه، وبرر هذا التمسك بقوله: "مستحيل أن أسلم أمر الجيش لشخصٍ يكون غريباً عنا، لأن هذا معناه أننا نسلم رقابنا لهذا الغريب"

"وانتصرت وجهة نظر عبد الناصر، وأصبح رفيق العمر قائداً عاماً للقوات المسلحة، وبذلك اطمأن قلب عبد الناصر إلى أن (رياح الخطر) لن تهب عليه في يومٍ من الأيام

"إن وجود عامر على رأس هذه القوات سوف يشدد من قبضة عبد الناصر الشخصية عليها ويجعلها رهن إشارته وطوع يمينه"


ويروي عضو مجلس قيادة الثورة كمال الدين حسين ما جرى، فيقول: "عرض علينا عبد الناصر في سنة 1953 أن يكون هناك قائدٌ عام للقوات المسلحة، يكون مسؤولاً أمام مجلس الثورة عن جميع الأسلحة، ويتفرغ كلٌ منا إلى ناحيةٍ أخرى من شؤون البلاد، ووافقنا على الاقتراح، وقدم لنا اقتراحه الثاني أن يتولى عبد الحكيم عامر هذه المسؤولية. ورغم أنه لم يكن هو المناسب لهذا المنصب إلا أننا وافقنا بالإجماع، فقد كان عبد الحكيم أقربنا إلى قلب عبد الناصر ومن أجل ذلك اختاره لثقته فيه، ومعارضتنا قد يفسرها تفسيراتٍ شتى نحن في غنى عنها، منها مثلاً أن من سيعارض سيقال، إنه يريد المنصب لنفسه. وكنا جميعاً نعمل دون النظر إلى منصب معين، فوافقنا بالإجماع"

وفي مذكراته ("والآن أتكلم"، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1992) يقول خالد محيي الدين إن محمد نجيب قاوم بشدة مسألة إعلان الجمهورية، خصوصاً أن المشروع الذي قدمه عبد الناصر يقضي بأن يعين شخصٌ آخر قائداً عاماً للقوات المسلحة. وفي المقابل، شعر عبد الناصر بالقلق من الجماهيرية الواسعة التي أخذ محمد نجيب في اكتسابها





ويحكي خالد محيي الدين عن اختيار عبد الحكيم عامر قائداً للجيش، فيقول: "كان اختيار عبد الحكيم عامر قائداً للجيش مثاراً لمعركة صامتة بين الزملاء في مجلس الثورة، فبغدادي اعتبرها مناورة من عبد الناصر لتعزيز نفوذه الشخصي في مواجهتنا جميعاً، فعامر صديقه الحميم، ولا بد أنهما معاً يستقويان ببعضهما البعض ضد الجميع، وربما كان هذا هو ما حدث فعلاً فيما بعد

ويتابع حديثه قائلاً: "كذلك أحدث تعيين عامر حالة من عدم الرضاء بين قادة القوات المسلحة فكيف لضابط أن يقفز من رتبة الصاغ إلى رتبة اللواء دفعةً واحدة ليقودهم جميعاً؟!

"وبدأ الإعراب عن عدم الرضا هذا باستقالة حسن محمود قائد سلاح الطيران الذي أكد لنا جميعاً أنه يحترم عبد الحكيم عامر لكنه يستقيل لأنه يعتبر أن رتبة اللواء رتبة محترمة وأنه لا يجوز التلاعب بالرتب العسكرية، والقفز عبرها بهذه السهولة. وحدثت استقالات مماثلة، وأدى ذلك إلى قلقٍ مضاعف لدى محمد نجيب فقد كان يعتمد في علاقاته بالجيش على هذه القيادات التقليدية، وخاصةً أن غيابها سيتيح ل"جمال" و"عامر" أن يحلا رجالهما محل المستقيلين!"

ويضيف خالد محيي الدين في كلامه عن عامر: "صديق قديم وعزيز أيضاً، ولعل الخطأ الأول في حق عامر هو أنه عُين قائداً للجيش، لقد فعلها عبدالناصر لأنهما كانا صديقين حميمين، فأراد أن يضمن به (أي بعامر) ولاء القوات المسلحة، لكن عامر لم يكن رجلاً من هذا النوع، فهو "عُمدة" طيب القلب يحبُ أن يقيم علاقاتٍ حسنة مع الناس، وأن يتباسط معهم، وهو لا يهتم كثيراً بالضبط والربط، فحياته ذاتها لم تكن منظمة، فقد كان يسهر كثيراً ويصحو متأخراً

"لقد ظلموه عندما عينوه قائداً للجيش، فهو شخصٌ "جماهيري" ولو أنه كان قد عُينَ نائباً لرئيس الجمهورية وتفرغ مثلاً لهيئة التحرير لكان قد حقق نجاحاتٍ مبهرة فهو شخصٌ مرحٌ وطيبٌ وقادرٌ على إقامة علاقاتٍ شخصية حميمية، وآخر ما كان يصلح له هو أن يتولى مسؤولية الضبط والربط، وأن يتابع عمليات قيادة القوات المسلحة البالغة التعقيد والحساسية، وأن يتابع معها التسليح وتطور الأسلحة والتدريب وما إلى ذلك

"ولعله لم يهتم بهذا كثيراً، بل غلبت عليه روحه الطيبة وشخصية العنيدة، فكان سخياً على الضباط، وكسب حبهم إلى درجةٍ كبيرة، ولكن النتائج النهائية لم تكن مفيدة لأحد، لا لمصر، ولا للجيش، ولا له هو شخصياً"



أما عضو مجلس قيادة الثورة عبد اللطيف البغدادي والذي اعترض في البداية على اقتراح عبد الناصر بشأن تعيين عبد الحكيم عامر قائداً للجيش، فإنه يقول في كتابه ( مذكرات عبد اللطيف بغدادي (جزءان)، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1977 ): "وكان من نتائج تعيين عبد الحكيم عامر قائداً للجيش أن أبعد باقي أعضاء المجلس عن وحداتهم العسكرية تدريجياً بحجة أن نترك حرية العمل لعبد الحكيم عامر حتى لا نتسبب في سوء تفاهمٍ بيننا لو استمرت علاقتنا بزملائنا الضباط، وعمل على إبعاد زملائنا عنا بواسطة ضباط مكتب عبد الحكيم، وكان ذلك يجري بتهديدهم أو بحجة ابتعادهم عن حتى لا يُضاروا. وكان يعمل في الوقت نفسه على تقربهم من عبد الحكيم بخدماتٍ تُقدم إليهم حتى أصبح لا هم للكثير من الضباط إلا التقرب من عبد الحكيم وجمال عبد الناصر، أو إلى من هم قريبين منهما طمعاً في منصب أفضل أو خدمة تؤدي لهم. وأصبح الجيش بذلك مع مرور الوقت أداة في يد جمال وعبد الحكيم، وانعزلنا نحن نهائياً عنه، ونتج عن هذه السياسة فساد الجيش مما ترتب عليه نتائج وخيمة عسكرية وسياسية"



وبعد عشرة أيام، زار وزير الإرشاد الصاغ صلاح سالم المحلة الكبرى، وخرجت صحيفة "الأهرام" بمانشيتات بينها ما يلي:


"خطاب خطير لوزير الإرشاد في المحلة يشرح فيه أسباب إعلان الجمهورية واشتراك رجال الثورة في الوزارة"
"اللواء عبد الحكيم عامر كان القائد الحقيقي للجيش منذ سنة"


وأخذ صلاح سالم يشرح حكاية ترقية عبد الحكيم عامر، وكان بين ما قاله: "لقد كان محمد نجيب منذ اليوم قائداً عاماً، وكل منكم يشعر أنه يقود هذه الأمة ويشرف على مجلس الوزراء، ومجلس الثورة، ويزوركم في كل منطقة، فلم يكن محمد نجيب يستطيع أن يتفرغ لقيادة الجيش وهو القوة التي تسند هذا العهد، وقد فطنا إلى هذا الوضع منذ اليوم الأول واتفقنا على أن يشرف أحدنا فعلاً على قيادة هذا الجيش، فكان عبد الحكيم عامر يذهب إلى مكتب القائد من اليوم الأول يصدر الأوامر للوحدات، ويشرف على نهضة الجيش وتدريبه وتسليحه. لأن الجيش لا يمكن أن يسير بدون قيادة يوماً واحداً، ولا يمكن لمحمد نجيب الذي يعمل 17 ساعة يومياً أن ينتقل من مكانٍ إلى مكان يؤدي واجبه الشعبي والرسمي، ثم يقود الجيش أيضاً ويسخر وقته لهذا الجيش، وكلنا نشعر أن الجيش يجب أن ينهض لأن الأمة لا تساوي شيئاً بدونه


"يجب أن يكون هناك قائد، وكلنا يعرف أن محمد نجيب لم يستطع أن يترك البلاد ويدير الجيش فكان عبد الحكيم عامر من أول يوم يدير دفة هذا الجيش"


ويتساءل صلاح سالم أمام الجماهير قائلاً: "ومن هو عبد الحكيم عامر؟!"

ويقول صلاح سالم في معرض إجابته على هذا السؤال: "إنه الشاب الذي لا يطمع في مئة جنيه مرتب اللواء، وتحت يده الآلاف والملايين لو أنه خرب الذمة لاستطاع أن يستولي عليها ويأخذها كما كان يفعل اللواءات الذين تعرفون عنهم الكثير


"لقد كان عامر يصدر الأوامر للجيش ويشترك في نهضته فقررنا وضع كل شخص في مكانه حتى نظهر أمام الشعب بالوضع الطبيعي والنهائي فقلنا إن محمد نجيب رئيس هذه الدولة فهو رئيس للجمهورية، كما أننا مفروض فينا أن نتحمل التبعات..وإذا كان عبد الحكيم عامر يقود الجيش فعلاً طوال هذه الفترة، فلا يكون الوضع طبيعياً إذا ما أعلن برتبة الصاغ قائداً للجيش، ويشرف على رتب قائمقام وأميرالاي ولواء، ولو أنه كان يتولى ذلك طوال السنة، إذن يجب أن يأخذ عبد الحكيم عامر الوضع الطبيعي والشكل الرسمي ويحمل هذه الرتبة التي لا تشرفه وإنما يشرفه العمل على رفعة شأن الجيش إلى الوضع الذي ستفخرون به"

ولا شك أن الوضع الذي آل إليه الجيش بعد أربعة عشر عاماً من هذه التصريحات، أي في حرب يونيو حزيران 1967، يكشف بوضوح ما قام به عامر كقائد للمؤسسة العسكرية المصرية

تابع القراءة

gravatar

"هكذا جاء قدري"



14 أكتوبر تشرين أول 2008

قد يبدو يوماً عادياً من أيام تجرها مصر ويجترها المصريون.. لكن تاريخ 14 أكتوبر لم يكن قبل 27 عاماً بالضبط مجرد يومٍ آخر في ذاكرة هذا الوطن

ففي الساعة الثانية عشرة وست عشرة دقيقة من ظهر يوم الأربعاء الموافق الرابع عشر من أكتوبر عام 1981، وبعد استفتاءٍ شعبي خرج بنتيجة تأييد 98.46 بالمئة لاختيار محمد حسني مبارك رئيساً للجمهورية، وقف مبارك وإلى يمينه الرئيس السوداني جعفر نميري، وإلى يساره د. صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب..أخذ مبارك يتلو من ورقةٍ صغيرة اليمين الدستورية لتبدأ قانونياً فترته الرئاسية

استعرض مبارك بعد ذلك أمام مجلس الشعب طبيعة الموقف بعد ثمانية أيامٍ من اغتيال الرئيس أنور السادات في حادث المنصة

فلسفة الرئيس مبارك في الحكم قامت منذ البداية على فكرة أن الحكم قدر، وأنه مطلب شعبي يجعله متمسكاً بالسلطة حتى النفس والنبض الأخير، إذ قال في خطابه أمام الاجتماع المشترك لمجلسي الشعب والشورى في بدء الدورة البرلمانية يوم الأحد الموافق 26 نوفمبر تشرين ثانٍ 2006:
"سأواصل معكم مسيرة العبور إلى المستقبل، متحملاً المسؤولية وأمانتها، ما دام في الصدر قلبٌ ينبض ونفسٌ يتردد، لا أهتز ولا أتزعزع، ولا أفرط في مصالح الوطن"
هو إذاً رئيس مدى الحياة

أو هكذا نفهم كلمات مبارك الذي يُفترض أن تنتهي فترته الرئاسية الخامسة عام 2011

في خطاب تنصيبه رئيساً، قال مبارك الذي أصبح أكبر رئيس مصري جلس على مقعد الحكم وثاني أطول رئيس مصري على مقعد السلطة منذ محمد علي باشا والي مصر:

"إن قرار الشعب بتكليفي بمسؤوليات رئيس الجمهورية ..هو أمر من الشعب ..وقد أقسمت اليمين الدستورية يمين الطاعة لهذا الأمر ..لقد كانت كلمتي للقائد والمعلم والزعيم منذ اللحظة الأولى التي شرفني فيها باختياري نائبا لرئيس الجمهورية ..كانت كلمتي له أنني لن أتولى هذا المنصب إلا مع أنور السادات رئيس الجمهورية ..ويوم أن يقرر الاعتزال بانتهاء المدة الدستورية أو بإرادته فسيكون قراري أيضا هو الاعتزال"
وهذا يعني ببساطة أن الرئيس مبارك الذي تجاوز سن الثمانين، تحدث في خطاب تنصيبه رئيساً عن رغبة السادات في الاعتزال لو أن الله أمد في عمره وبلغ سن الرابعة والستين. إلا أن السادات رحل عن دنيانا وهو في الثالثة والستين من العمر بعد 11 عاماً قضاها في الحكم، مثلما رحل قبله الرئيس جمال عبد الناصر وهو في سن الثانية والخمسين بعد أن قضى في الحكم 16 عاماً

مبارك أبدى في الخطاب الذي نحن بصدده ذلك الارتباط العضوي بين الحاكم ومن يليه في السلطة..نرصد في كلامه مفهوم الرجل رقم واحد، الذي لا يوجد بعده رقم اثنان أو ثلاثة..إذ يتوقف العد عند رقم واحد وحيد: الأول

"لم يدر في خلدي لحظة واحدة ما شاءت به إرادة الله من أن أصير إلى هذا الموقف ..بل إنه عندما صارحني منذ أشهر قليلة بأنه قرر أن يعتزل في العام المقبل بعد أن يطمئن إلى سلامة الأساس الذي أرساه لمسيرة مصر نحو الديمقراطية والرخاء والسلام.. أجبته بكل الإخلاص وصارحته بكل الصدق بأن اعتزاله هو أمر مستحيل ..وسوف يرفض الشعب لأول مرة قراراً يصدره ..وسوف أرفض لأول مرة أمرا يصدر لي بالترشيح لمنصب رئيس الجمهورية"

وفي لحظة وفاءٍ أو تأثرٍ، لم يتمكن من حبس دموعه وهو يقول إنه لم يَدُر بخلده لحظة واحدة ما شاءت به إرادة الله أن يقف هذا الموقف بعد السادات وبالصورة التي جرت بها الأمور
"ولكن هكذا جاء قدري أن أقف أمامكم في هذا المقام في غيبته ..لقد صدر لي الأمر من الشعب ..شعب مصر ..وهنا أستلهم مواقف السادات التي اختار منها قدره ..أو اختارها له القدر ..أستلهم القوة والإرادة من مواقفه ..أعلن أنني بعون الله وبعونكم أواجه قدري في هذه المسؤولية الضخمة الهائلة ..بمبادىء وأخلاقيات القائد والمعلم والزعيم محمد أنور السادات"
ولم ينس مبارك أن يقدم يومها برنامج عمله إلى الأمة، فكانت وعوده براقة مثل الأضواء التي تحيط ببرج الجزيرة ليلاً، إذ قال: "ولعل أهم ما يتعين أن نوفره للعمل الوطني في هذه المرحلة هو ما كان القائد الراحل يسعي لتحقيقه في عهد السلام وهو الجدية والطهارة..فلا هزل ولا جدل ولا تضليل ولا استخفاف بعقول الجماهير..ولا تناقض بين القول والعمل..ولا نفاق ولا رياء ولا فساد واتجار بقوت الشعب..ولا حاكم ولا محكوم..فكلنا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات..لا فضل لأحدنا إلا بالتقوى والعمل الصالح..ولا عصمة لأحد من سيف القانون القاطع الذي لا يفرق بين قوي وضعيف..وبين غني وفقير ..وقريب وبعيد..وأن يشعر كل مواطن بأنه يستطيع الحصول على حقوقه دون وساطة أو شفاعة..ويؤدي ما عليه من واجباتٍ دون ملاحقة أو مطالبة..لأن الجهد القومي العام هو محصلة عمل الأفراد والجماعات بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات"
واليوم: تبخرت الدولة، وعمت الفوضى، وانتشر الفساد، وانطفأت الأنوار بعد أن حُورِبَ القضاة وحُوكِم الصحفيون وغُيبت القوى السياسية، وتوحش كبار رجال المال فأخذوا يبذرون ملايين الدولارات سعياً وراء الثأر العاطفي، وتزوج أصحاب الأعمال من السلطة، وأصبحوا مُشرعين لقوانين معيبة تعد ثمرة التضارب بين مواقعهم في النظام ومصالحهم الخاصة
وهكذا مَنْ عاش في عصر مبارك قُدر له أن يشهد الموت غرقاً في العبَّارات منتهية الصلاحية، وحرقاً في القطارات المنسية وقاعات المسارح المهملة، ودفناً تحت صخور المقطم في الدويقة، أو بسبب أمراضٍ تبدأ من التهاب الكبد الوبائي ولا تنتهي بإنفلونزا الطيور، أو دهساً تحت الأقدام تحت مُسمى "شهداء طابور رغيف العيش"، أو عطشاً بعد أن جفت صنابير المياه وتشققت أراض كان النيل يرويها لسنين، وبات ماؤنا غوراً فخرج الناس بحثاً عن قطرة ماء حتى وإن كانت ملوثة بمياه الصرف
في خطابه يوم تنصيبه رئيساً لمصر، ختم مبارك خطابه بدعاء واضح الملامح والمواقف قال فيه:"ربِ، إني نذرت لك نفسي وكفاحي، فتقبل مني ..إنك أنت السميع العليم"

آمين
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator