المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (9): أسرار دولة..على سرير المشير





فجأة، وجد عبد الناصر في مواجهة مع صديق عمره الذي كان يصفه بأنه "قطة مغمضة"، فإذا بالقطة تفتح عينيها على اتساعهما
في عام 1962 شكل عبد الناصر مجلس الرئاسة ليكون القيادة الجماعية العليا والتي من شروط عضويتها الابتعاد من المناصب التنفيذية
التزم كل رفاق ثورة يوليو بهذا الشرط إلا عامر الذي أصر على الاحتفاظ بمنصب القائد العام وإلا فهو لا يضمن الجيش. كان الحل الوسط هو تسمية القائد العام بنائب القائد الأعلى –الذي هو رئيس الجمهورية- كناية عن خضوع الأول للثاني .. على الأقل رمزياً
وفي أواخر نوفمبر تشرين ثانٍ 1962، أراد عبد الناصر أن ينتفع من جو القيادة الجماعية ممثلة في مجلس الرئاسة لينتزع من "نائب القائد الأعلى" صلاحياته في تعيين الضباط العظام وإحالتها على المجلس. هذه المرة اختلف رد فعل عامر عن أي وقت مضى: لقد اختفى في مرسى مطروح معتصماً فيها عن الظهور، ومرسلاً بيان استقالة لعبد الناصر هو أقرب إلى بيان انشقاق كلي عن النظام، ثم مستحثاً قادة الفروع والأسلحة على إرسال العرائض لعبد الناصر معلنين أنهم لا يعترفون بغير عامر قائدا
انتهت الحكاية بعدول عامر عن استقالته واعتزاله، وعدول عبد الناصر عن مشروع قانون الضباط، واتفاقهما على تأجيل المسألة إلى يوليو تموز 1963
في عام ١٩٦٤ أصبح عبد الحكيم عامر نائباً أول لرئيس الجمهورية
لكن شيئاً لم يتغير في عامر: البشاشة والبساطة، والعصبية والفوضوية
وتفاصيل الحكاية التالية ربما تكشف طبيعة شخصية المشير عامر
وقائع الحكاية جرت في أوائل عام 1965 ويرويها أمين هويدي الذي شغل آنذاك منصب سفير مصر لدى العراق. يحكي هويدي عن زيارة المشير عامر على رأس وفد لبغداد، رداً على زياراتٍ متعددة قام بها الرئيس العراقي عبد السلام عارف. وقبل الزيارة أرسل هويدي إلى عامر مذكرة مختصرة عن الوضع في العراق والقضايا والموضوعات المهمة التي يمكن أن تُثار ومعلومات عن الشخصيات التي سيقابلها عند وصوله إلى بغداد. وعندما وصل عامر سأله هويدي عما إذا كان قد قرأ المذكرة التي أرسلها له، وهنا يقول هويدي: "فقال: مذكرة إيه! لم تصلني مذكرات!
واستدعى علي شفيق وسأله عن المذكرة فقال له:
آه دي وصلت من زمان
فرد عليه: طيب يا (.....) لِمَ لم تعرضها عليّ؟!"
ولا يحتاج الأمر إلى تعليق
الأخطر من ذلك، ما يرويه أمين هويدي في السطور التالية:
"أقام المشير في قصر بغداد هو ومرافقوه، وفي الصباح الباكر لليوم الثاني من الزيارة اتصل بي تليفونياً في منزلي عضو السفارة الذي خصصته للإقامة مع الوفد في قصر بغداد وطلب مني الحضور فوراً إلى القصر، ورفض الزميل أن يزيد حرفاً واحداً على ذلك. وحينما وصلت إلى هناك كان أحد ضباط القصر في انتظاري على الباب ومعه عضو السفارة وسلمني مظروفاً ذكر أن به أوراقاً وجدوها متناثرة بالأمس على سرير المشير أثناء وجوده بالقصر الجمهوري ورأوا من الأمانة أن يعيدوها داخل مظروف مغلق. وفتحت المظروف وكدت أصعق! كان بداخله عدة تقارير اصطحبها المشير معه من القاهرة ليقرأها وهو في بغداد وتسيء إلى العلاقة بين عبد الناصر وعارف وتتحدث عن عارف حديثاً شائناً مشككاً"
كانت التقارير – كما يقول أمين هويدي- سرية للغاية، ومع ذلك فقد تُرِكت على سرير المشير، ليطلع عليها من يشاء
وبطبيعة الحال، فإن الرئيس العراقي آنذاك اطلع عليها أو على نسخة منها، قبل أن تُعاد إلى الجانب المصري
يقول هويدي: "وذهبت إلى المشير لأقص عليه ما حدث. لم ينزعج الرجل بل قابل الموضوع بمنتهى السخرية والاستهزاء ولم يكن في يدي اكثر من أن أُعَنِفَ المسؤول عن جمع أوراق المشير. ولما ذهبنا للاجتماع مع الرئيس عارف كان الرجل بادي التأثر وأخذ في حديثه يرد على ما أثير في التقارير- مما يؤكد اطلاعه عليها – وأخذ يحذر بين وقتٍ وآخر ممن يحاولون الوقيعة بين بغداد والقاهرة"

ويورد الضابط أحمد حمروش مجموعة من الصفات الدقيقة لعبد الحكيم عامر فيقول: "أحاط المشير نفسه بحاشية سرعان ما عرفت فيه أسوأ الصفات، فتمادت في سلوكها اللا أخلاقي، واستغلت أموال الدولة أسوأ استغلال، وكان الذين يقتربون من رجال مكتبه ـ الذين يقودهم الصاغ علي شفيق ـ تأخذهم الدهشة من الجموح الكاشف، في مجال اللهو والبذخ المبالغ فيه، الأمر الذي أثر تأثيرا شديدا على قمة القيادة العسكرية، وانعكس على بقية مستويات الضباط"
ويستطرد حمروش قائلاً: "كانت المتعة الشخصية هي الفلك الذي يعيش فيه عامر، وأصبح ذلك معروفا ومتداولا، وكانت هذه المتعة تشمل تدخين الحشيش، والاتصال ببعض الفنانات، والبذخ، الذي وصل إلى حد السفه، ونتيجة لعلاقة الضباط بالفنانات تزوج المشير من برلنتي عبد الحميد، وعلي شفيق من مها صبري، وعبد المنعم أبو زيد من سهير فخري" (أحمد حمروش، مجتمع عبد الناصر، ص 233)
بهذه الشخصية التي تستحق الدراسة، قاد عامر القوات المسلحة، وظل نداً لعبد الناصر وصديقاً له في الوقت نفسه
واصل عبد الحكيم عامر رحلة الصعود بالرغم من السقطات والعثرات المتلاحقة التي مرت به أو تسبب فيها، غلى أن وقع ما عطل رحلة صعوده هذه بل قوضها، ووضع نهاية لمستقبله وحياته: حرب يونيو حزيران ١٩٦٧
والشاهد أن وقائع الأسابيع الثلاثة التي سبقت نشوب حرب 1967 تدلُ على اضطرابٍ كبير في تفكير وتصرف عبد الحكيم عامر، وعلى انفراده بقرار السلطة العسكرية، وتأثره بأشباح الماضي
فقد وصل عامر إلى سيناء في 20 مايو آيار مع الحشد العسكري ليرى بنفسه ويحاسب، ووصل إلى قرار بتغيير معظم قادة الفرق المحتشدة محملاً إياهم وزر الحشد. تبنى عامر نظرية أهل الثقة، حيث حل محلهم قادة آخرون لم تعرف عنها الخبرة المشهودة ميدانياً بل فقط الولاء السياسي. لم يكن هؤلاء القادة العسكريون يعلمون عن وحداتهم إلا القليل، ولم تكن أهميتهم نابعة إلا من كونهم "رجال المشير" أو أتباع شمس بدران..ومن هؤلاء اللواء عثمان نصار الذي عُيِنَ قائداً للفرقة الثالثة الآلية مكلفا بحماية خط الدفاع الثاني
ثم ضاعف عبد الحكيم الفوضى بقراره يوم 20 مايو استدعاء الاحتياطي للخدمة، الأمر الذي يعني أن من لم يتدرب دوريا على حمل السلاح أضيف في تلك المرحلة الحرجة وذلك التوقيت الدقيق إلى الجيش العامل مع عدم توفر عدد الضباط المناسب لقيادتهم، ما أدى إلى قرار أشد سوءاً وهو توسيع الوحدات العاملة بضم عناصر الاحتياط لها، والذي أضعف بنيانها وذوَّب فاعليتها
وسط هذه المعمعة، أضاف عبد الحكيم عاملاً جديدا على المعادلة المستجدة، وهو الضغط لإغلاق خليج العقبة
وعشية زيارته التفقدية لسيناء، قام عامر يوم 19مايو بنقل كتائب مظلات – لا مشاة – على عَجَلٍ إلى شرم الشيخ استعداداً لإقفال المضيق. وبعد عودته من سيناء حضر اجتماع القيادة السياسية العليا مساء 21 مايو في منزل عبد الناصر وأعلن فيه استعداد قواته التام لتأمين إغلاق الخليج حتى لو كلف ذلك حرباً مع إسرائيل، ثم كرر الإجابة نفسها عند سؤاله من عبد الناصر عن مدى الاستعداد للحرب أعلن الأخير إغلاق الخليج مساء 22 مايو من مطار أبو صوير، وبدأ سلسلة اجتماعات مع القيادة العسكرية أولها مساء 25 مايو وفيه حدد عبد الناصر رؤيته حول إدارة المواجهة، معلناً أن الضربة الأولى متروكةٌ لإسرائيل مع توقي نتائجها بالاستعداد لتلقيها وامتصاصها، وأن شرم الشيخ وقطاع غزة هما جزء من غطاء الدفاع المصري ما يستدعي تعديلاً على خطة قاهر للدفاع عن سيناء والتي جرى تبنيها في ديسمبر كانون ثانٍ 1966
لم يُخطِر عامر عبد الناصر بأنه كلَّف أركانه وضع خطة هجوم جوي على مطارات النقب اسمها الكودي "أسد"، وخطة هجوم بري على إيلات اسمها الكودي "فهد"
عرف عبد الناصر من السوفيت في الثالثة من فجر 26 مايو أن الأمريكيين والإسرائيليين علما بالخطتين وينذران بإيقافهما، وإلا فإن الولايات المتحدة ستكون مضطرة للاشتراك المباشر في الحرب دفاعاً عن إسرائيل. وفي الحال أمر عبد الناصر عامر بإلغاء الخطتين
والشاهد أن صورة حرب 1956 كانت مسيطرةً على عقل القائد العام للقوات المسلحة وكان تقديره أنها مقياسٌ لكل حرب. أراد عامر إزالة آثار تلك الحرب الانفصال وسوء إدارة حرب اليمن من سجله، ومن ثم تعزيز موقعه في النظام. لذلك فإن قرار الانسحاب كان شيئاً عادياً يصدره من دون ألم، أو دون أن يتحقق كقائدٍ عام من أن التشكيلات أدت واجبها العسكري أولاً
عاد عبد الناصر مساء 28 مايو للاجتماع بالقيادة العسكرية ليرى ما الذي تم بخصوص تأمين قطاع غزة إن نشبت الحرب، وليكرر التزامه بالضربة الثانية بعد استيعاب ضربة العدو الأولى
ليلتها كان شمس بدران قد عاد من موسكو لينضم للاجتماع ناقلاً لعبد الناصر رسالة تفتقر إلى الدقة عن تأييد مطلق من القادة السوفيت لمصر، علماً بأن السوفيت نصحوا في المباحثات الرسمية مع شمس بدران بعدم الاستمرار في الأزمة
ضاعف من سوء الموقف، غياب الديمقراطية على المستوى الاستراتيجي، حيث انفرد المشير عامر برؤية عن اتجاه هجوم العدو المنتظر، مفادها أن محور الهجوم الرئيسي لن يكون المحور الأوسط: أبو عجيلة – الإسماعيلية ولا حتى الشمالي: العريش – رمانة بل الجنوبي: الكونتيلا – متلا، ما دعاه لإعادة توزيع القوات في سيناء بما قضى على بقايا خطة قاهر الدفاعية في سيناء، وأرهق الوحدات المقاتلة في الذهاب والمجيء إلى مواقع جديدة تتغير بصفةٍ شبه يومية، من دون الوصول إلى قرارٍ أو تصورٍ لشكل الحرب المقبلة
عاد عبد الناصر مرة ثالثة للاجتماع بالقيادة العسكرية مساء 2 يونيو ليبلغهم أن معلوماته تؤكد قيام إسرائيل بشن هجوم جوي شامل على مصر إما الأحد 4 يونيو أو الاثنين 5 يونيو على أبعد تقدير. وفرت تلك المعلومات فرصة يومي 3 و 4 يونيو أمام قيادة الطيران لتقوم بإخلاء مطارات سيناء والقنال وإرسال القاذفات للسودان والمقاتلات للجنوب ..لكنها، وكما فعلت في السويس 1956، امتنعت عن ذلك بحجة أن خطوة كتلك ستفسد معنويات الطيارين
والأكيد أن عامر وشلته في الطيران (صدقي محمود وجمال عفيفي وغيره) مسؤولون عن فقر استعداده إذ إن عدد الطيارين لم يتجاوز 150 طيارا وهو أقل بكثير من عدد الطائرات (ما فوق الـ 300)، وليس هناك دُشم للطائرات واقية، والتدريب قاصر عن تهيئة الطيارين لأكثر من طلعتين في اليوم. بل إن تقييد نيران الدفاع الجوي، ووجود قادة التشكيلات الميدانية بالكامل في أحد مطارات سيناء لاستقبال المشير ترتب عليه النجاح المطلق للضربة الجوية الإسرائيلية
والثابت أن الإهمال كان سيد الموقف عبر أسلحة القوات المسلحة كلها مثال ذلك ما حدث ذات يوم من ربيع 1965 عندما وقع انفجارٌ على ظهر المدمرة "القاهرة" أثناء حضور عبد الناصر وعامر مناورات بحرية في المتوسط. طلب عبد الناصر إقالة سليمان عزت قائد البحرية ورفض عامر فكان للأخير ما أراد
لكن الطامة الكبرى في سلوك عامر العسكري كانت في قرار الانسحاب الشامل من سيناء في اليوم الثاني للحرب.. 6 يونيو
جاء ذلك على خلفية انهياره الصامت منذ ظهيرة الخامس من يونيو، أي بعدما عاد من سماء أبو صوير إلى مطار القاهرة الدولي أثناء الهجوم الجوي الإسرائيلي الشامل ليركب سيارة تاكسي مدنية مهرولا إلى مقر قيادته. وفي سحابة ذلك اليوم كان عامر يحاول شن هجوم مضاد على المحور الأوسط باستخدام الاحتياط الاستراتيجي، أي الفرقة المدرعة الرابعة الرابضة على خط الدفاع الثالث عند سفوح المضائق الشرقية، استنقاذاً للقسيمة التي وقعت بسرعة في يد قوات شارون المهاجمة
كان بذلك يحاول تصحيح خطيئته في التركيز على المحور الجنوبي بخطيئة أكثر إيلاما
مع بداية اليوم الثاني للحرب كلف عامر مجموعة أركان تضم علي عامر ومحمد فوزي وأنور القاضي رسم خطة انسحاب من سيناء. تداعت المجموعة للعمل ووضعت خطة تقضي بالانسحاب على مدى 4 أيام/3 ليالي تكفل الحفاظ على سلامة القوات مع تكبيد العدو خسائر مهمة
في الثالثة عصر يوم 6 يونيو توجهت المجموعة للقاء عامر وإبلاغه بنتيجة مداولاتها لتفاجأ بخبر وقع عليها كالصاعقة وهو أنه قد قام منذ برهة بالاتصال بقائد الجيش الميداني وقادة الفرق والألوية المستقلة آمراً إياهم بالانسحاب العاجل والتام من سيناء في غضون 24 ساعة تبدأ مع آخر ضوء من نفس اليوم وتنتهي مع منتصف ليل 7/8 يونيو


كان عامر قد أبلغ عبد الناصر بفكرة الانسحاب وبتكليفه مجموعة أركان بإعداد خطته. وافق عبد الناصر لعلمه أن الانسحاب المنظم والتدريجي وإلى خط المضائق واجب ومطلوب نظرا لسيادة العدو الجوية فوق سيناء. ما لم يخطر على باله أن يكون عامر مع تقدم ساعات النهار ومع وصول اضطرابه العصبي إلى الحضيض قد غير رأيه في شكل ومدى وطريقة الانسحاب لتكون وفق الصيغة السالفة الذكر
عندما علم عبد الناصر الأربعاء 7 يونيو بما فعله عامر مساء اليوم السابق عنفه مؤنباً، ومشيرا إلى ضرورة الاحتفاظ بخط المضائق. ذلك التعنيف قاد عامر إلى أمر صدقي الغول قائد الفرقة المدرعة الرابعة - والذي كان الأسرع في الانسحاب ليس فقط إلى الإسماعيلية بل وإلى الطريق بينها وبين القاهرة – بالعودة من حيث أتى طلباً لتأمين خط المضائق
كان الوقت قد فات إلا على تعرض هذه الفرقة للمزيد من التدمير من الجو بسبب خليطٍ من رعونة القائد العام وفرار القائد الميداني
أحس عامر منذ صباح الثامن من يونيو أنه قد تسبب بكارثة محققة فبدأت تراوده نزعات الانتحار، لكن حضور عبد الناصر ذلك المساء للقائه – وبعد امتناع دام طيلة يومي 6 و 7 يونيو والنصف الأخير من يوم 5 يونيو – أثناه عن ذلك
هذا الانهيار يعزوه الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجي قائد القوات البرية سابقاً إلى أن عامر كان في رتبة رائد ثم وجد نفسه برتبة لواء ثم مشير..واستمر يقود القوات المسلحة..وشيء طبيعي أن تهتز شخصية عامر بعد قفزته من رائد إلى مشير من دون أن تتهيأ الظروف المناسبة ليكون قائداً يمارس القيادة فعلاً..إلى جانب انشغاله بالنواحي السياسية عن القوات المسلحة، ما جعل معلوماته العسكرية لا تزيد عما كانت عليه أيام كان برتبة رائد أركان حرب كتيبة..ولذا انهار المشير بسرعة في أعقاب بدء حرب يونيو 1967 وأصدر قراراً بالانسحاب، فقلب الهزيمة إلى كارثة



يقول الفريق أول محمد فوزي رئيس أركان حرب القوات المسلحة سابقاً في شهادته أمام لجنة تسجيل تاريخ الثورة إن عبد الناصر وعامر كانا متفقين عاطفياً ووطنياً..اتفقا على تحقيق أهداف الثورة..ولكنهما في الوقت نفسه كانا متصارعين على قيادة القوات المسلحة صاحبة الثورة وأداة التغيير في الدولة في ذلك الوقت. ويضيف الفريق أول محمد فوزي في شهادته أن الصراع بين الصديقين نشأ من تحميل عبد الناصر مسؤولية الانفصال الأدبية والعسكرية بين القيادة السياسية والقوات المسلحة للمشير عامر..وتطور الصراع بعد هزيمة يونيو 1967 ليصل في نهايته بالتطورات التي أعقبت الهزيمة وصولاً إلى وفاة عامر (سليمان مظهر، اعترافات قادة حرب يونيو، كتاب الحرية، القاهرة)


لقد دخلت الشوكة في عيون الجميع..بقي أن نعرف كيف جرت محاولة اقتلاع تلك الشوكة..وماذا كان مصير العيون التي أدماها الحزن والانكسار
تابع القراءة

gravatar

حرف يبلله المديح



اختارت هيئة تحكيم مسابقة دويتشه فيله العالمية للمدونات -البوبز- مدونة "قبل الطوفان" ضمن المواقع المرشحة في المرحلة النهائية للفوز بجائزة أفضل مدونة عربية

الأكيد أن هذا الخبر يسعدني، فلا حرف يجد زهوته إلا حين يبلله المديح، فضلاً عن أن هذه المسابقة يُنظر إليها على أنها أوسكار المدونات، علماً بأن القائمين على الاختيار هم لجنة تضم نخبةً من المدونين والصحفيين والأكاديميين وخبراء الإعلام

وإذا كنت أشكر بصدقٍ وامتنان من رشحوني للجائزة، فإنني أؤكد أن جائزتي الأولى والأخيرة هي دائرة القراء الأعزاء الذين يمرون هنا ويتفاعلون مع ما أكتبه ويهتمون بقراءة هذا الجهد المتواضع الذي أتمنى أن يضيف ويثري فضاء التدوين


إننا نتعرف على هذا العالم عبر الكتابة، وكلما عرفناه أفضل، كلما خفت وطأته على رؤوسنا

ولفضاء التدوين مذاقٌ خاص، قدم لي حزمة من الأفكار، وأعطاني نمطاً مختلفاً من الحياة، وأورثني الشغف بأن أكون هنا والآن حاضراً في قلب التجربة وان أتعلم منها باستمرار

والموهبة هي أن تكتب كل ذلك الذي تستطيع أن تكتبه، دون أن تجرح غيرك أكثر مما تجرح نفسك

لا بد من القول إنه ابتداء من 27 أكتوبر وحتى 26 نوفمبر، بإمكان زوار موقع المسابقة التصويت لمدونتهم المفضلة، حيث تم ترشيح أفضل المدونات المتقدمة للمسابقة في 16 فئة

"فِي القَصَائِدِ وَحْدَهَا نُعِيدُ بِنَاءَ الْعَالَمَ"
هكذا قال يوماً الشاعر الأمريكي وِليَام كارلوس وِليَامز
ليته يعلم الآن أن جملته تنطبق أشد ما تنطبق على عالم التدوين

تابع القراءة

gravatar

ثمن الصداقة في حكم مصر (8): صدمة دمشق وصدفة القاهرة






لم يجن عبد الحكيم عامر بلح الشام أو عنب اليمن
ونحن نعني هذه العبارة حرفياً

فقد أخفق عبد الحكيم عامر - الذي رقي إلى رتبة فريق عام ١٩٥٨، وبعد الوحدة مع سوريا وفي العام نفسه رقي إلى رتبة مشير – في إدارة حرب اليمن، مثلما تحمل جانباً من المسؤولية عن فشل مشروع الوحدة
وأخذ البعض على عبد الحكيم عامر الطريقة السيئة التي أدار بها عملية الحرب هناك
فقد خاضت القوات المصرية المتزايدة الحجم عمليات هجومية واسعة النطاق عبر كل الأراضي اليمنية وصولاً إلى الحدود مع السعودية وجنوب اليمن في يناير كانون ثانٍ 1963 سميت "عمليات الجوف". كان الهدف غير المنطقي هو تأمين كل أراضي الجمهورية وعلى الفور

أعاد عبد الحكيم الكرة في العامين التاليين، وفي كل مرة كانت النتيجة خسائر فادحة ونتائج سياسية مركبة. ولم يتدارك الخطأ إلا في ربيع 1966، عندما وافق على خفض حجم القوات إلى فرقتين مكلفتين بتأمين مثلث صنعاء - الحُديدة – تعز فقط لا غير. هذا المثلث هو قلب اليمن الحيوي وهو المهم في الأساس لإرساء دعائم النظام الجمهوري، ومن ثم بناء الجيش اليمني الوطني القادر لاحقاً على تطهير الأطراف
لقد أنفق عبد الحكيم عامر مالا كثيرا وذهبا وفيرا على رشوة قبائل الحدود، ليُفاجأ في كل مرة أنه لا يستطيع منافسة السعودية في سباق شراء الولاء
ورأى البعض أنه كان الأجدر به أن يحدد هدفه منذ البداية – أي أكتوبر تشرين أول 1962– في أن تأمين المثلث المحوري هو المراد وبعده بناء الجيش الجمهوري ومن ثم تحرير كامل المساحة. ولو فعل ذلك لكان الاستنزاف الذي تعرض له الجيش المصري أقل بكثير مما جرى، ولكانت النتائج السياسية أيسر منالاً




المحطة الأهم في سجل إخفاقات عبد الحكيم عامر على الصعيد السياسي هي الفشل في حكم سوريا أثناء مشروع الوحدة، ما أدى إلى وقوع للانفصال
ففي فجر يوم 28 سبتمبر أيلول 1961 استيقظ عبد الناصر على أسوأ خبر يتعلق بالمشروع القومي العربي منذ ثورة 23 يوليو 1952
والحق أن خلفية قرار تعيين عبد الحكيم حاكما مطلق الصلاحيات لسوريا هي المتاعب الكبيرة التي نالها عبد الناصر من فئات البعث المنحل، سواء بالصراع الصامت بين أنصار ميشيل عفلق وأكرم الحوراني، أو بشكوى الطرفين المبالغ بها من وزير الداخلية عبد الحميد السراج، أو بمحاولة وزرائهم إضفاء صبغة البعث على العديد من أجهزة الدولة بما أوصل شرائح كبيرة من النخبة السورية إلى مرحلة الجأر بالشكوى منهم ومن تحزبهم



وحين أعيد تنظيم الحكم في الجمهورية العربية المتحدة، برز على القمة رجلان هما نور الدين كحالة الذي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية لشؤون الإنتاج وعبد الحميد السراج الذي أصبح نائب الرئيس للشؤون الداخلية. وساد إحساس عام في دمشق بأن السراج أصبح عملياً حاكم سوريا . ولعل عبد الناصر أراد تدارك الوضع فقرر تعيين عبد الحكيم عامر ممثلاً له في دمشق
دام بقاء عامر في دمشق من أكتوبر تشرين أول 1959 وحتى أغسطس آب 1960 . وأثناء تلك الفترة، كان الصراع على أشده بين عامر والسراج، إذ حاول كلٌ منهما تقليم أظفار الآخر. ومع تقدم شهور إقامة عامر في دمشق بدأت الاحتكاكات والحساسيات بين رجاله ورجال السراج
وفي هذا يقول محمد حسنين هيكل في كتابه "سنوات الغليان: 1967" ضمن سلسلة كتبه عن حرب الثلاثين سنة: "ف "عبد الحكيم عامر" الذي كان نصف مكسور ونصف منكسر في القاهرة بعد أزمته في السويس وجد في دمشق أجواء أخرى تتعامل معه وكأنه "نائب الملك" في دمشق، ومن سوء الحظ أنه راح يتصرف على هذا الأساس، فإذا بمحيطه في دمشق يتحول إلى شبه بلاط تزدحم فيه شبه حاشية، وفي مثل هذه الأجواء فإن المقاييس تترهل والقيم تنفك يوماً بعد يوم، وكان البعد عن مركز السلطة في القاهرة يشجع من حيث أنه يداري فما يصل إلى المركز يصبح مجرد أصداء يسهل الرد عليها بإرجاعها إلى الدس أو الافتراء (وكانت تلك كلها أوضاعاً تداعت عنها فيما بعد عواقب سوف يبدو أثرها على مجرى الحوادث)



"ومن ناحية أخرى فإن عبد الحميد السراج الذي كان قد تخلص من ضغوط حزب البعث التي ركزت عليه لم يكن راغباً في أن يجد نفسه تحت رقابة عبد الحكيم عامر، خصوصاً وأن السراج كان في وضعٍ يسمح له برؤية تصرفات عامر عن قرب. بل لعل ما كان يراه شجعه أكثر بدعاوى الأمن على تشديد قبضة الأجهزة البوليسية على أهم المواقع في دمشق. ولما كان التنظيم النقابي، والتنظيم السياسي (الاتحاد الاشتراكي) كلاهما بقرب اختصاص السراج فإن التداخل بين مقتضيات ومجالات العمل السياسي خلق حالة من التشابك زادت وطأتها" (ص 564)
بلغت الأمور بين الرجلين حالة مهينة ليس لكرامة كليهما فقط، ولكن للدولة التي يمكن أن تحسب عليها في النهاية تصرفاتهما معاً
تصاعد الخلاف بين الرجلين مع صيف 1960 لكنه أخمد وجُمّد عندما انتصر عبد الناصر للسراج في أغسطس آب من ذلك العام

سُحِبَ عامر من دمشق، ورُفـّع السراج لمرتبة رئيس وزراء مع احتفاظه بوزارة الداخلية، فانفرد لشهور ستة في حكم سوريا دون منازع
إلا أن البعث واصل تحركاته وضغوطه كجبهة معارضة، فرأى عبد الناصر أنه ومن باب أن حارسين أفضل من حارس واحد، أن يعود عامر للإقامة في سوريا مشرفاً عاماً، مع الاحتفاظ بالسراج في مناصبه، ليعود الاحتكاك من جديد ويعود معه التجاذب
وفي صيف 1961 – وبالأخص بعد صدور قرارات التأميم في القطاع الاقتصادي التي أثارت نقمة طبقة التجار- برزت تحركات محمومة للتآمر على الوحدة لدرجة أن هاني الهندي قطب حركة القوميين العرب أتى للسراج بقائمة من 37 ضابطاً يتآمرون للانقلاب وعلى رأسهم المقدم عبد الكريم النحلاوي. كان عامر قد عينَّ النحلاوي نائبا لمدير إدارة شؤون الضباط في الجيش الأول (والتي يرئسها أحد أصفياء المشير: العميد أحمد علوي) وهو المنصب الحساس الذي يسمح للنحلاوي بالتحكم بتنقلات الضباط طالما كسب ثقة المشير



أوصل السراج القائمة لعبد الناصر الذي سارع لسؤال عامر عن كاتم أسراره السوري – النحلاوي – فما كان من عامر
إلا أن دافع عنه بشدة، متهماً السراج بأنه يستهدف رجاله وأنها دسيسة لا تستحق مجرد الالتفات إليها
في أغسطس آب 1961 ارتكب عبد الناصر خطيئة أخرى، وهي الاكتفاء بحكومة واحدة للوحدة مركزها القاهرة. لقد أدى نقل مركز الحكم إلى القاهرة إلى حالة من الفراغ في دمشق، ولم تكن دمشق معتادة على هذا الفراغ، الذي أخذ يمتلىء بأصداء مشوشة عما يجري في القاهرة
ويقول هيكل: "ووصلت الأمور إلى نقطة الخطر في أوائل سبتمبر 1961 فقد بدأ عبد الحكيم عامر يقول إن رجال عبد الحميد السراج في الداخلية، وفي الاتحاد القومي يهاجمونه علناً، ثم هدد عبد الحميد السراج بالاستقالة حين أصدر المشير أمراً بنقل عدد من ضباطه إلى القاهرة، وأضاف إلى تهديده بالاستقالة عبارة سرى رنينها في محافل دمشق، فقد قال "إنه يستطيع إخراج عبد الحكيم عامر من دمشق مضروباً بالبندورة (الطماطم)"!
وكان هناك في دمشق من يراقب الصراع بين عامر والسراج ويرتب للنفاذ من الثغرة التي راحت تتسع بينهما يوماَ بعد يوم




وبلغ الأمر حد قول السراج صراحةً إنه إما أن يكون هو في دمشق، أو يكون المشير عامر، ثم أتبع ذلك ببرقيةٍ منه إلى جمال عبد الناصر
صباح يوم 20 سبتمبر أيلول 1961 يقول نصها بالحرف الواحد: "إنك سلمتني إلى من أهانني، فأرجو إعفائي
إمضاء: عبد الحميد السراج"
استدعى عبد الناصر السراج إلى القاهرة لاحتواء الخلاف، لكن السراج أصر على أنه لم يعد هناك مجال للتعاون بينه وبين المشير، في حين كان عامر يضغط من دمشق لقبول استقالة السراج ويشكو لعبد الناصر من السراج، مردداً اتهامات
الأحزاب السورية له بالاستبداد والقمع
المفارقة أن رجال الانقلاب كانوا يحتشدون ويرصون صفوفهم في دمشق، في الوقت الذي كان الرجلان المسؤولان عن حمايتها يتصارعان على مساحات القوة وحجم النفوذ

وهكذا وقع الانقلاب في دمشق، وكاد عامر يلقى حتفه هناك، حين تعرض منزله للقصف من جانب قوات تابعة للعقيد حيدر الكزبري قائد لواء البادية.. ثم قام حكم الانفصال في دمشق وتشكلت حكومة برئاسة مأمون الكزبري الذي كان من قبل ضالعاً في مخططات أمريكية للانقلاب في سوريا، وفق ما أثبتته المحاكمات والوثائق في "قضية الدندشي"
أما المشير عامر فقد خرج من سوريا وهو أكثر ارتباكاً وانكساراً من أي وقتٍ مضى
المضحك المبكي هو أن انقلاب الانفصال تم على يد 37 ضابطاً فقط، ما يبين هزال الأوضاع في الإقليم عشيته وهشاشتها الصارخة
وبنظرة واحدة على قائمة المشاركين في الانقلاب، سنجد أن معظمهم كانوا من أفراد مكتب المشير عامر في دمشق، وأن العقل المدبر للانقلاب هو المقدم عبد الكريم النحلاوي، مدير مكتب المشير. وهذا يعني ببساطة أن الانقلاب تم تدبيره ورسم خطوطه داخل مكتب المشير عامر
والحق أن إدارة عبد الحكيم عامر لأزمة انقلاب الانفصال يوم 28 سبتمبر أيلول تشي بمحدودية قدراته على السيطرة والقيادة. فقد ارتبك عامر واكتفى بالجلوس في الأركان مفاوضا، دون قوة مادية مباشرة يستند إليها، وبالتالي ليس من خلفه إلا قوة معنوية يبددها كل ساعة في ضوء مخاوف وخطط الانقلابيين
ويمكن القول باطمئنان إلى أن عبد الحكيم عامر كان وبالاً على الوحدة في المرحلتين اللتين قضاهما حاكما لسوريا، بفاصل ابتعاد دام ستة شهور
وفي القاهرة، التي عاد إليها عامر مساء 28 سبتمبر أيلول 1961 كسير الخاطر من "الإقليم الشمالي"، أصيب المشير بأزمة نفسية
والشاهد أن أشياء كثيرة تغيرت في المشير عامر الذي ظل حتى عام 1961 مثالا للالتزام العائلي وحسن السيرة والسلوك، صدق فيه حينها وصف عبد الناصر له أنه "كان قطة مغمضة". ففي تجربة دمشق وفي ظل وجود علي شفيق مدير مكتب المشير، أصبحت السهرات الخاصة ولوازمها أمراً مألوفاً بالنسبة للمشير، وقيل الكثير حول ما جرى في تلك الفترة بما في ذلك عن استلطاف عامر للمطربة الصاعدة آنذاك وردة الجزائرية والتسري بمنادمته

وفي المقابل، أفلت عبد الناصر فرصة جديدة لاستبعاد صديقه عبد الحكيم عامر، لكن أموراً كثيرة بدأت تتخمر تحت السطح
ويروي منير حافظ الرجل الثاني في مكتب معلومات جمال عبد الناصر واقعتين لهما دلالتهما، إذ يقول إنه أثناء مباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق التي عُقِدَت في مارس آذار 1963، جرى ما يلي: "كان تسجيل المباحثات يجري في غرفة بمكتب المعلومات بقصر القبة وفي حضور سامي شرف ومحمد حسنين هيكل والموظف القائم بعملية التسجيل، أثناء الاستراحة دق في الغرفة جرس التليفون الخاص بالزعيم الراحل الذي طلب هيكل ليكلمه، ولم أسمع طبعاً ما كان يقوله عبد الناصر، ولكن سمعت هيكل يرد:
- المناقشة كويسة جداً..جداً، بس لو تعرف تسكت ال"..." اللي جنب؟
"وكان المقصود بهذا الوصف المشير عامر الذي كان مشتركاً في الجلسة، وكان قد استفاض في مناقشة أمورٍ فرعية حرفت المناقشة بعيداً عن المسار الذي يريده عبد الناصر. ولأن هيكل لم ينطق بشىء أمام عبد الناصر إلا إذا كان محسوباً بدقة، فقد فوجئت بهذا الوصف الذي أطلقه على المشير
"ولكنني فوجئت أكثر بأن هذه الجرأة من جانب هيكل لم تكن على غير هوى عبد الناصر، بدليل أنه أجاب عليها بتعليق جعل هيكل يطلق ضحكة طويلة مستمتعة"
وفي واقعةٍ ثانية، يقول منير حافظ: "جرت القصة في سهرةٍ جمعت المشير ببعض أصفيائه وتساءل أحدهم عن رد فعل عبد الناصر لو أنه حضر ورآهم في هذه السهرة، وعلق واحدٌ من أتباع المشير قائلاً:
"ما تشوف لنا طريقة بقى "يا ريس"، وتخلصنا من الرعب اللي على دماغنا ده؟"
فزجره المشير قائلاً: بس يا ولد..ما لكش دعوة بالكلام ده خالص!
ولكنه –أي المشير- قبل أن يقول هذا أطلق ضحكة طويلة جداً تدل على أن "الكلام ده لم يكن على غير هواه"!
ويخلص منير حافظ إلى أن" العلاقة بين الرجلين إذن قد تحولت من الصداقة الخالصة إلى المناورة والمداورة"
أما السادات فيقول: "انتهت سنة 66 والصراع بين عبد الناصر وعامر على أشده فكلٌ منهما متربص بالآخر وخاصة أن عامر كان كل يومٍ يوسع رقعة سلطاته. فعن طريق لجنة الإقطاع والتعلل بالثورة المضادة استطاع أن يضرب من يشاء وأن يعزل أو يبقي من يشاء في مؤسسات الدولة وجميع مناصبها بما في ذلك النوادي الرياضية، بل إن شكاوى الهيئات العامة أو الأفراد كانت تُحالُ إلى القوات المسلحة للنظر فيها وحلها حسب ما يتراءى لها...وهكذا تراكمت السلطات في يد عامر حتى أصبح الآمر الناهي والمتحكم في مصير الناس وفي كل ما يتعلق بالبلد من أحداث"
ثم يروي السادات كيف أنه ذهب لزيارة جمال عبد الناصر يوم جمعة في فبراير شباط 1967، وكان عبد الناصرحزيناً مهموماً وسأله السادات:
"مالك شايل الدنيا على دماغك ليه يا جمال؟ واضح أنك شايل الدنيا على دماغك!
قال: أيوه..فعلاً أنا شايل الدنيا على دماغي.. يا أنور البلد بتحكمها عصابة وأنا مستحيل أكمل بهذا الشكل..أني أبقى الرئيس المسؤول واللي بيحكم هو عبد الحكيم وينفذ اللي عاوزه..طيب أخرج أنا أحسن وأروح أقعد في الاتحاد الاشتراكي..ويتولى هو رياسة الجمهورية وأنا مستعد لأن أُسأل عن الفترة اللي قعدتها لغاية ما حأخرج..أجاوب عن أي شيء
"قلت له: مش معقول يا جمال تسيب رياسة الجمهورية وتقعد في الاتحاد الاشتراكي عشان عبد الحكيم عامر وأعوانه يحكموا مصر..أنت عارف أن عبد الحكيم أسوأ من يختار معاونيه. ولذلك أعتقد أنه أفضل شيء إنك تجيبه وتكلمه بينك وبينه وبالشكل ده ممكن توصلوا لحل مع بعض
"قال جمال: والله الصورة سيئة يا أنور وأنا حاسس أن إحنا داخلين على كارثة
"بعد ذلك ببضعة أيام ذهبت لزيارة عبد الناصر فقالوا لي إن عنده ضيفاً وانتظرت في حجرة مكتبه إلى أن يخرج الضيف..وبعد فترةٍ جاءني عبد الناصر وبادرني: يا سيدي الحكاية كملت..شمس بدران جاي لي دلوقتي بيطلب رسمي إن المشير يأخذ رئاسة الوزراء..وحجته إيه؟ إن البلد بتشتكي..مش عارف أن معظم الحاجات اللي بتشتكي منها الناس هي من تصرفاته وتصرفات أتباعه؟
"قلت له: طيب أنت قلت إيه؟
"قال والله أنا خدت الموضوع ببساطة..قلت له أنا ما عنديش مانع..قل له أنا موافق بس يترك القوات المسلحة وياخد رياسة الوزراء – أنا حلاقي مين يمسك الوزارة أحسن من عبد الحكيم؟
"قلت له: أنا ما زلت عند رأيي إنك تقابله وتتكلموا مع بعض وأنت عارف طبعاً أنه بيقبل منك ما لا يقبله من أي شخصٍ آخر، بالشكل ده ممكن الموضوع يتلم والمسائل تنحل
"عبد الناصر قال: لا يا أنور..العملية ماشية في اتجاه غلط
"طبعاً كان رد عامر على رسالة عبد الناصر بالنسبة لرئاسة الوزارة هو الصمت، فهو يعتبر القوات المسلحة مكانه الطبيعي ولا يمكن أن يتخلى عنها لأي سببٍ من الأسباب، فهي مركز القوة الأول"
وحين عاد المشير عبد الحكيم عامر من دمشق عقب فشل وانفصام دولة الوحدة في نهاية عام 1961، ظهر في مصر معسكران متناحران، الأول يقف على رأسه عبد الناصر، أما الثاني فيقوده عبد الحكيم عامر




وزاد من حدة الأزمة في السنوات اللاحقة زواج عبد الحكيم عامر عرفياً من الممثلة برلنتي عبد الحميد. وفي هذا الملف، بدت صدفة للقاء والحوار الثنائي مرتبةً من جانب مدير المخابرات صلاح نصر، لكنها نجحت في نهاية الأمر في اجتذاب المشير إلى برلنتي

وفي شهادته التي تحمل عنوان "القصة الحقيقية: برلنتي والمشير" وسجلها بقلمه الكاتب الصحفي سيد زهران، يقول محمد متولي سكرتير المشير وكاتم أسراره: "وكان المشير عبد الحكيم عامر حريصاً على كتمان أمر علاقته مع السيدة برلنتي عبد الحميد وحين يزورها كان يشار إليه – إمعاناً في السرية والتخفي- بلقب الدكتور، وكان يُشار إليها بالاسم الكودي "أبلة بله"
"وفي بداية علاقة المشير مع برلنتي لم يكن يعلم بأمر هذه العلاقة سوى مجموعة قليلة موضع ثقة المشير وهم: صلاح نصر وعباس رضوان وعلي شفيق وعبد المنعم أبو زيد ومع تعدد الزيارات اتسعت الدائرة لتشمل المهندس حسن عامر شقيق المشير، وأخاه مصطفى عامر الذي كنا ندعي أمام الجميع أنه زوج برلنتي إمعاناً في السرية، وعبد المنعم عامر ابن عم المشير والملحق الثقافي المصري في بون وقتها، وأنور السادات"


ويضيف سكرتير المشير قائلاً: "لم يعرف الرئيس عبد الناصر شيئاً عن علاقة المشير عامر ببرلنتي إلا في نهاية عام 1965 وكانت صدمة المفاجأة عنيفة ومؤلمة، ولم يستطع الرئيس عبد الناصر أن يصدق من هول المفاجأة..وأمر الرئيس المشير بأن يقطع علاقته وصلته مع برلنتي نهائياً وفوراً
"وطلب المشير من الرئيس أن يمهله بعض الوقت حتى يتوصل إلى طريقةٍ يتخلصُ بها من برلنتي، وبدأ المشير فعلاً الإقلال من زياراته إلى فيللا الهرم"
غير أن هذه الرواية تذهب إلى أن حمل برلنتي قلب المعادلة رأساً على عقب، خصوصاً بعد أن قررت برلنتي كسر حاجز الصمت المفروض على هذا الزواج المهدد في أي لحظة، وذلك بطباعة منشور مكتوب على الآلة الكاتبة وتوزيعه على مجموعة منتقاة لإحداث ضجة
وقد كان!
نقطة نظام نثيرها هنا، وهي أن أسرة المشير لم تعرف بأمر هذا الزواج إلا بعد حرب يونيو حزيران 1967 وتداعياتها، والتي كان على رأسها تحديد إقامة المشير نفسه
ويقول جمال عبد الحكيم عامر أكبر أنجال المشير: "هزنا خبر زواج أبي وإنجابه عمرو كما صُدمت أمي صدمة كبيرة لأنها الزوجة والأم، ابنة العم، وقد راعينا شعورها"

رواية أخرى يطرحها محمد حسنين هيكل في كتابه "الانفجار"، إذ يقول: "في يوم 20 فبراير 1967 قرأ جمال عبد الناصر تقريراً كان بمثابة صدمة بالنسبة له، كان التقرير من إدارة المباحث العامة وكان يتحدث عن إشاعات تجري في الأوساط الفنية عن زواج المشير عبد الحكيم عامر بالممثلة السيدة برلنتي عبد الحميد زواجاً عرفياً وأن هذا الخبر تأكد بحقيقة أن السيدة برلنتي عبد الحميد تنتظر مولوداً نتيجة لهذا الزواج. وطلب جمال عبد الناصر مزيداً من التفاصيل، واتصل بنفسه بوزير الداخلية يطلب أن تصله معلومات وافية في هذا الموضوع على الفور، وأن تراعى أقصى درجات الحيطة والحذر في تقصي المعلومات حتى لا تحدث إساءة لا لزوم لها لأي طرفٍ من الأطراف قبل الوثوق من الحقيقة
"وتأكد الخبر، ورأى جمال عبد الناصر أن ينتظر أياماً قبل أن يفاتح عبد الحكيم عامر في هذا الموضوع حتى لا تملكه انفعالات الغضب وتصعب المناقشة الجادة في تصرفٍ يصعب السكوت عليه"
استدعى عبد الناصر المشير عبد الحكيم عامر لمقابلته في أول مارس آذار 1967، ومفاتحته في الأمر
ويقول هيكل: "كان أسلوب عبد الحكيم عامر المعتاد عندما يوجه إليه أي تساؤل عن تصرفٍ من تصرفاته أن يبدأ بإثارة زوابع صغيرة، ويتخذ مظهر الغاضب المجروح المعتدى عليه، وهكذا عندما سأله جمال عبد الناصر في موضوع زواجه السري بدا غاضباً ومتألماً وقائلاً: إنه سئم من هذه الحملات الموجهة ضده والتي تثور من وقتٍ لآخر وإنه لم يعد يطلب غير أن يبتعد ويستريح، وإنه يفضل أن يعود إلى قريته في أسطال بالمنيا ويعيش هناك فلاحاً عادياً، يزرع ويقلع، ولا يكون نائباً لرئيس الجمهورية، أو نائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة


"وانتظره جمال عبد الناصر حتي أفرغ ما لديه ثم كان تعليقه أن كل ما سمعه من المشير خارج الموضوع وأن سؤاله كان سؤالاً محدداً وليس هناك جدوى من تجنب الرد عليه مباشرة، وهكذا هبط عبد الحكيم عامر فوراً من الغضب أو التظاهر به دفاعا عن النفس، واعترف بعلاقته مع السيدة برلنتي عبد الحميد ولم يجد ما يبرر به تصرفه سوى أنه وجد أخيراً إنسانة تستطيع أن تفهمه، وكانت الدموع تلوح في عينيه وهو يحاول أن يكتمها.. ثم لم يتمالك نفسه وراحت الدموع تجري على خديه في صمت، وسأله جمال عبد الناصر عن الظروف التي تعرف فيها عليها


"وكان رد عبد الحكيم عامر أنه تعرف بها عن طريق صلاح نصر"
"وحين حاول جمال عبد الناصر أن يسأله إذا لم يكن قد فكر في الثورة وفي أسرته وفي أولاده وهو يسلم نفسه لعواطفه تتحكم فيه، قال عبد الحكيم عامر إنه تعذب في الشهور السابقة بما فيه الكفاية، وإنه الآن على استعدادٍ لأن يقبل بما يراه الرئيس بما في ذلك أن يترك موقعه، وكان رأي جمال عبد الناصر أنه مع الأسف الشديد لا يجد سبيلاً آخر"

وتحت ضغط افتضاح أمر الزواج العرفي، اضطر عامر لرفع الراية البيضاء، راضياً باقتراح عبد الناصر عليه بالابتعاد إلى يوغوسلافيا مدة تكفل معالجة أثر الحكاية تمهيداً لقبول استقالته من الحكم دون ربطها بمسألة الزواج العرفي من برلنتي
وبالفعل، صدر قرار عن رئاسة الجمهورية في مارس آذار 1967 يقضي بالموافقة على سفر عبد الحكيم عامر إلى الخارج للعلاج على نفقة الحكومة التي تغطي جميع مصاريف الإقامة والسفر لعامر وجميع مرافقيه

على أن المسألة انتهت على نحو مغاير..لم يسافر عامر إلى يوغوسلافيا، وإنما رحل إلى العالم الآخر
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator