المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

جرائم العاطفة (17): جريمة عابرة للقارات





قال تعالى: "وتَزْهَقَ أنفسُهم وهُمْ كافِرونْ". قال المؤرِّخُ: المُزْهِقُ: القاتلُ، والمُزْهَقُ: المقتولُ. قال أبو يوسف: زَهَقَ
الفرسُ، وزَهَقَتِ الراحلةُ تَزْهَقُ زُهوقاً، فهي زاهِقَةٌ، إذا سبقتْ وتقدَّمتْ أمامَ الخيل
وكذلك الرجل المنهزم زاهِقٌ، والجمع زُهَّقٌ
وزَهَقَ الباطلُ، أي اضمحلَّ
وأَزْهَقَهُ الله
وزَهَقَ السهمُ، أي جاوز الهدفَ. (الصحاح في اللغة)


بدأت أولى جلسات محاكمة المتهمين في قضية مقتل سوزان تميم في 18 أكتوبر تشرين أول 2008 بإجراءات أمنية مشددة، منذ الساعة الثالثة صباحاً
المستشار محمدي قنصوة وعضوا الدائرة الثالثة المستشاران محمد جاد عبدالباسط وعبدالعال سلامة واصلوا نظر القضية على مدار 28 جلسة داخل قاعة السادات، وحظرت المحكمة النشر في القضية بالجلسة الثالثة، ما عدا قراراتها التمهيدية وأحكامها الابتدائية والنهائية
واستمعت المحكمة إلى 37 شاهداً، بينهم ضباط بالإدارة العامة بشرطة دبي، ووزارة الداخلية المصرية، وخبراء وزارة العدل وخبراء الطب الشرعي بدبي ومصر، وعدد من العاملين في مجموعة شركات طلعت مصطفى
بصياغة بلاغية ولغة تمزج بين الصياغتين القانونية والأدبية، انبرت النيابة العامة في الجلسة السابعة عشرة لتلاوة مرافعتها المطولة لإثبات تهمة القتل والتحريض على محسن السكري ضابط أمن الدولة السابق ورجل الأعمال هشام طلعت مصطفى في قضية مقتل سوزان تميم
استمرت المرافعة أربع ساعات، وصفت خلالها النيابة المتهم الأول محسن السكري بأنه "سفاح أجير" يزهق الأرواح مقابل المال والمتعة الجنسية الحرام ويستهين بجميع الحرمات، وقالت إن المتهمين "هشام والسكري" تحالفا مع الشيطان من أجل قتل سوزان عبدالستار تميم، دون أن تأخذهما بها شفقة أو رحمة، وطالبت النيابة بتوقيع أقصى العقوبة وهي الإعدام شنقاً. ووصفت النيابة نفسها بأنها الحصن الشريف في الدعوى، ومهمتها إعلاء كلمة المجتمع الذي منحها شرف التمثيل والعدالة
قالت النيابة إن قضية مقتل سوزان تميم حظيت ولاتزال باهتمام غير مسبوق من جانب الرأي العام المصري والعربي بسبب تعدد جنسيات أطرافها ومكانة المجني عليها ومكانة أحد المتهمين داخل الحزب الوطني الحاكم في مصر، واعتبرت أن هذه القضية هزت الكيان الاقتصادي في مصر وأن الناس تريد الاطمئنان على قضية جمعت بين المال والسلطة
وفي العاشرة من صباح يوم تلك الجلسة سمحت المحكمة لممثلي النيابة بالترافع، بدأت بالمستشار مصطفى سليمان، المحامى العام لنيابة الاستئناف، فاستهلها بالآية الكريمة: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها"، وقال إن المجتمع منح النيابة العامة شرف التمثيل وإن المتهمين انزلقا وراء نزواتهما وغرائزهما الحيوانية، وإن القضية بكل ما فيها تجمع المال والسلطة والطمع والشرف والغرام والهيام والتهديد والوعيد والهجر والخيانة والذل والمهانة بعد العز والكرامة
وأضاف أن الله خلق الإنسان في أحسن صورة ونهى عن قتل النفس إلا بالحق، لأن قتل النفس من أشد الأعمال جرماً وجزاؤه الخلود في النار

وقال المستشار مصطفى سليمان: عندما تقع الجريمة على امرأة تكون قاسية جداً، فالقضية التي نحن أمامها قتل عمد مع سبق الإصرار، وإزهاق نفس بشرية من جانب رجلين أغرتهما الحياة الدنيا بما فيها المال والسلطة، فسقطا في مستنقع الجريمة والرذيلة
المتهم الأول فيها هو محسن السكري صاحب إحدى الشركات الخاصة قوي البنية ضابط سابق بجهاز مباحث أمن الدولة الذي يحمي الوطن وعضو سابق بفرقة مكافحة الإرهاب لكنه كان يحمل نفساً شريرة أغرته بقوته، وجعله حبه للمال يترك رسالته ويستقيل من عمله بوزارة الداخلية ويضحي من أجل المال بكل غال ونفيس وتحول من رجل شرطة إلى سفاح أجير، يزهق الأرواح مقابل المال
ووصف هشام طلعت المتهم الثاني بأنه من كبار رجال الأعمال في مصر، يعمل في مجال المقاولات، وصاحب كيان اقتصادي يسر الله عليه، وتحصل على "المال والبنون" بجانب عضويته في الحزب الوطني الحاكم وعضو في مجلس الشورى ووكيل لإحدى اللجان لكنه استطاع أن يختبئ وراء البر والتقوى وحرض قاتلاً محترفاً وسلك مسلك العصابات وارتكب جريمة كبيرة بعد أن ظن أن الدنيا أصبحت ملكاً له ولم يقدم الشكر إلى الله بل قدم الجحود والنكران، وساهم في قتل نفس بشرية وسار مع المفسدين في الأرض
وقالت النيابة إن المجني عليها فنانة شابة شاء حظها العاثر أن تتعرف على هشام طلعت ولم تكن تعلم أن نهايتها ستكون على يد من لجأت إليه، حصلت على أموال هشام بعد أن شغفها حبه، إلا أنها أعرضت عنه إلى آخر، فعز عليه بعد كل ما قدمه إليها من مساعدات وحاول إعادتها إليه، لكنها استعظمت فقرر نحرها عن طريق محسن السكري الذي ارتدى ثوب الموت متوجهاً إلى منزلها في دبي ونحرها
وأضاف المستشار سليمان أنه سيقسم مرافعته إلى أربعة أقسام، الأول وقائع الدعوى، والثاني أدلة الإثبات، والثالث تطبيق القانون المصري على هذه الجريمة، والرابع الخاتمة. وقال إن وقائع الدعوى تقول إن سوزان تعرفت على هشام في 2004 ونشأت علاقة بينهما بعد أن ساعدها في عدد كبير من مشكلاتها ودفع مليوني دولار مقابل إنهاء هذه المشكلات وأقامت إقامة كاملة بفندق "فورسيزونز" بعد أن أغدق عليها المال، وقيل إنه تزوجها عرفياً، وأعلنت النيابة ميلها إلى تصديق ذلك "الزواج العرفي"
ولذلك أرسل إليها من يراقبها بعد أن ارتبطت برياض العزاوي، وبعد أن رفضت العودة هددها بالإيذاء فأبلغت السلطات الإنجليزية عنه فعزم على الانتقام منها، وحرض القاتل وأرشده عن أماكن وجودها في لندن، وأرقام سياراتها وأمده بالمال ووعده بمبلغ ضخم في حالة تنفيذ الجريمة
وشرحت النيابة العامة وصول محسن السكري إلى إمارة دبي مساء 23 يوليو 2008 وإقامته في فندق "الجميرا" وشراءه الأدوات الخاصة بالجريمة منها سكين من محل مصطفوي بالإمارات وحذاء رياضى وسدد ببطاقة الائتمان كما قام بتزوير خطاب منسوب إلى شركة "بوند" العقارية
وفي صباح يوم الجريمة توجه إلى مسكن المجني عليها ودخل من الباب الخلفي حاملاً في يده مجموعة من الأوراق مرتديا "كاباً" وحذاء رياضياً ونفذ جريمته بعد أن طرق الباب وأوهم المجني عليها بأنه مندوب من الشركة العقارية وبعد أن نفذ جريمته تخلص من ملابسه في صندوق الحريق الموجود في الطابق21 ببرج الرمال ثم توجه إلى فندق الواحة الذي حجز له وأعد أمتعته وغادر رغم حجزه في الفترة من 25 إلى 30 يوليو عائداً على الطيران الإماراتي في نفس يوم الجريمة، وختم جوازه في مطار دبي في الساعة 11 صباحاً رغم أن طائرته كانت ستقلع في الثالثة عصراً، وبعد وصوله إلى القاهرة وحصوله على المبلغ المالي من هشام طلعت مصطفى قرر الخروج من مصر وحجز تأشيرة سفر إلى البرازيل وكان مقرراً سفره في 19 أغسطس آب 2008
وتابع سليمان سرد أدلة الإثبات قائلاً إن النيابة العامة لا تتعسف وأن هدفها الوصول إلى الحقيقة المجردة وأن القضية أصبحت زاخرة بالأدلة والدفوع والبراهين الساطعة، منها أدلة قولية، واستمعت إلى أقوال 37 شاهداً بجانب إقرار المتهم الأول واعترافه بالجريمة في التحقيقات، وهناك أدلة مادية احتوت على مستندات ومعاينات وصور وتسجيلات وأدلة فنية، احتوت على تقرير خبراء وبصمات وطب شرعى وفحص أجهزة
أولاً: الأدلة القولية:
أقوال الشهود والكاميرات كشفت السكري وجاء في شهادة النقيب عيسى سعيد محمد سعيد، بالإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية بشرطة دبي، بتحقيقات نيابة دبي أنه بتاريخ 28/7/2008 الساعة 8.45 مساء ورد بلاغ عن وقوع جريمة قتل بالشقة رقم 2204 بالطابق 22 ببرج الرمال “1” فانتقل لمكان الحادث وأبصر جثة المجني عليها مسجاة على ظهرها ومصابة برقبتها وسط بركة من الدماء بصالة شقتها وبجوارها مظروف منسوب لشركة "بوند" للعقارات
وقد عثر بصندوق مهمات الحريق بالطابق 21 على بنطال رياضى أسود ماركة NIKE وتي شيرت داكن اللون مخطط باللون الوردي ماركة "بروتيست" ملوثين بالدماء وخطاب منسوب لشركة "بوند" للعقارات
وقد عهد إليه بفحص كاميرات المراقبة الخاصة بالبرج بالاستعانة بصورة الملابس المعثور عليها فتبين أن هناك شخصاً قوى البنية قد دخل إلى موقف سيارات البرج في حوالى 8.48 صباح ذلك اليوم مرتدياً ذات الملابس التي عثر عليها وينتعل حذاء رياضياً أسود ماركة NIKE ويرتدى قبعة بلون أسود ويمسك في يده كيساً بلاستيكيا أسود عليه علامة NIKE وبيده اليسرى ورقة بيضاء
وتقابل مع حارس الأمن رام ناريان ودار بينهما حديث يبدو منه أنه كان يسأله عن مكان معين فأرشده الحارس للتوجه إلى مكتب الأمن، إلا أن المتهم انحرف يميناً في اتجاه مصاعد المبنى واستقل المصعد رقم 2 التابع للبرج رقم 1 في تمام الساعة 8.52 صباحاً وبعد 12 دقيقة وفي تمام الساعة 9.04 شوهد ذلك المتهم وهو يخرج مسرعاً من المصعد رقم 2 بالطابق “P” الخاص بالمحال التجارية ويرتدي ذات الحذاء والقبعة المشار إليهما ولكنه كان يرتدي تي شيرت أسود اللون و شورت طويل أبيض اللون
وبتتبع حركاته عبر كاميرات المراقبة الموجودة بالعقارات المحيطة تبين أنه توجه إلى فندق الواحة القريب من المكان ودخله من الباب الخلفي في تمام الساعة 9.12 صباحاً وبفحص كاميرات المراقبة بهذا الفندق تبين أن ذلك الشخص كان قد غادر الفندق في الساعة 8.29 صباحاً مرتدياً ذات الملابس التي شوهد بها وهو يدخل موقف السيارات ببرج الرمال “1” وعليه تم تحديد شخصيته
وتبين أنه المتهم محسن منير السكري الذي كان يقيم في الفندق بالغرفة رقم 817 وكان حجزه ينتهي في 30/7/2008 إلا أنه غادر بصورة مفاجئة في الساعة 9.30 صباح يوم 28/7/2008 متوجهاً إلى مطار دبي وختم جواز سفره في الساعة 11.02 صباحاً في حين أن رحلته لمغادرة البلاد كانت الساعة 3.10 عصراً كما تبين من خلال الفحص والتحري قيام المتهم - باستخدام بطاقته الائتمانية "ماستر كارد" الصادرة له من البنك البريطاني بمصر بنك HSBC - بشراء بنطال رياضي ماركة NIKE وهو ذاته المعثور عليه بمكان الحادث وحذاء رياضي من ذات الماركة والذي تطابقت آثاره مع طبعات الحذاء المدممة المرفوعة من شقة المجني عليها
ثم اشترى سكيناً ماركة BUCK وقدم الشاهد سكيناً مماثلة لما اشتراه المتهم لإجراء المضاهاة عليها
كما شهد الرائد محمد عقيل جمعة عبدالله رئيس قسم الجرائم الواقعة على النفس بشرطة دبي بذات مضمون أقوال الشاهد الأول، وأضاف أنه تبين من الفحص قيام المتهم محسن السكري بشراء البنطال المعثور عليه بمكان الحادث وحذاء رياضي من ذات الماركة من محل NIKE بمركز ميركاتو التجارى بتاريخ 27/7/2008 باستخدام بطاقته الائتمانية
كما اشترى في ذات اليوم وبذات البطاقة سكيناً من محل "مصطفوي". واستطرد أن تحرياته دلت على أن المجني عليها تعرضت لتهديدات بالقتل من قبل المتهم هشام طلعت مصطفى
كما شهد العقيد خليل إبراهيم، مدير إدارة البحث الجنائي والتحريات بشرطة دبي، أمام هيئة المحكمة بذات المضمون وأنه تم التوصل إلى تحديد شخصية المتهم محسن السكري بناء على جهود عدة فرق بحث تشكلت لهذا الغرض كما عرضت عليه أيضاً الملابس المضبوطة فقرر أنها ذات الملابس التي كان يرتديها المتهم، وأن اختيار توقيت وقوع الجريمة يدل على معرفة المتهم محسن السكري بتحركات المجني عليها معرفة تامة إذ ارتكب جريمته في الوقت بين استيقاظ المجني عليها واستعدادها للخروج، وأن ارتكاب الجريمة في هذا التوقيت يضمن انفراده بها، وكذلك دخوله المبنى عن طريق موقف السيارات حتى يكون بمنأى عن أعين ورقابة أفراد الأمن المرابطين خلف المدخل الرئيسي ثم صعوده إلى مسكن المجني عليها وقتلها ثم مغادرة مكان الحادث خلال فترة زمنية استغرقت 16 دقيقة فقط يدل دلالة قاطعة على معرفة المتهم بطبيعة مكان الحادث ومعالمه ومداخله ومخارجه معرفة تامة
كما شهدت مارسيل جيرالمان سيبالوس، بائعة بمركز ميركاتو جميرا بدبي، بأن المتهم محسن السكري والذي تعرفت على صورته من واقع صورة جواز سفره والصور التي التقطت له بفندق هيلتون التي عرضت عليها حضر للمحل في التاسعة من مساء يوم 27/7/2008 واشترى حذاء ماركة NIKE أسود اللون عليه علامة NIKE باللون الأزرق في مقدمة كل فردة وكعب الحذاء بذات اللون الأزرق وهو حذاء مخصص للعدو
كما اشترى بنطالا ماركة NIKE أسود اللون عليه علامة NIKE باللون الأحمر على الفخذ من الناحية اليسرى، بثمن إجمالي 460 درهماً وسدد الفاتورة ببطاقته الائتمانية ووضعت مشترياته في كيس أسود اللون عليه العلامة المذكورة باللون الأبيض من الناحيتين وتعرفت على صورة البنطال المعثور عليه بمكان الحادث وقررت أنه مماثل لما اشتراه المتهم المذكور. كما عرضت عليها فاتورة الشراء وإيصال السداد فأقرت بصحتهما
كما شهد النقيب أحمد عبدالله أحمد، بإدارة البصمات، في التحقيقات بأنه بفحص مكان الحادث تبين وجود آثار طبعات حذاء مدممة حول جثة المجني عليها وتم رفعها لإجراء المقارنة وقد تبين من الفحص لاحقاً أن تلك الآثار تتفق مع آثار طبعات الحذاء الذي اشتراه المتهم
شهد الطبيب الشرعي حازم متولي إسماعيل شريف بتحقيقات نيابة دبي وأمام هيئة المحكمة الموقرة بأن الوفاة جائزة الحدوث بين الساعة 8.52 ص و9.4 ص يوم 28/7/2008 وتلك فترة تكفي لصعود الجاني إلى شقة المجني عليها بالنظر إلى السرعة العالية التي تمتاز بها المصاعد في هذه الأماكن ويمكن لشخص ذي لياقة بدنية عالية وقوة عضلية ارتكاب الجريمة في هذه الفترة الزمنية أو أقل
وقالت النيابة إن عبدالستار تميم والد المجني عليها قرر بمحضر الشرطة المؤرخ في 2/8/2008 بأن ابنته أخبرته بأن المتهم هشام طلعت كان يريد خطبتها وأنه التقى معه بفندق "فورسيزونز"، إلا أنها رفضت لوجود خلافات لديها مع عادل معتوق ولأن المتهم المذكور متزوج ولديه أبناء وأنها قد طلبت منه تطليق زوجته الأولى إذا أراد أن يتزوجها ونشبت بينهما خلافات كثيرة حول ذلك الأمر، ثم غادرت إلى لندن، وأن المتهم المذكور طلب منه التوسط لإعادتها لكنها قطعت علاقتها به
وأضاف أنه كان قد توجه بصحبة شقيق المتهم هشام طلعت "المدعو طارق" إلى لندن لتسوية خلافاتهما إلا أنها رفضت مقابلتهما ثم عاد المتهم وأرسل إليها والدتها ومحاميتها كلارا لذات الغرض وأن المتهم كان يخبره أولاً بأول عن تحركات المجني عليها في لندن وعلاقتها بالمدعو رياض العزاوي وقيامها بشراء شقة في دبي وعرض عليه موافاته بنسخة من عقد تلك الشقة
وأضاف في إفادتيه المرسلتين إلى هيئة المحكمة بالطرق القانونية واللتين أيدت أقواله فيهما كل من والدة المجني عليها وشقيقها أن المتهم هشام طلعت قد أخبره أنه اشترى منزلاً باسمه واسم المجني عليها في لندن بمبلغ 4 ملايين دولار
وأنه في غضون عام 2007 أرسل إليه طائرته الخاصة وشقيقه طارق طلعت لاصطحابه إلى لندن لمقابلة المجني عليها وعلم من المرافقين له أن المتهم المذكور يحاول البحث عنها وإلحاق الأذى بها واستشعر أن الغرض من الرحلة هو استدراجه للعثور على المجني عليها وأن ابنته اتصلت به بعد ذلك وأخبرته بما تتعرض له من تهديدات من قبل المتهم هشام طلعت وأرسلت له تسجيلات لمحادثات هاتفية دارت بينها والمدعو عبدالخالق خوجة، مدير أعمال المتهم المذكور. واستطرد أن المتهم أخبره أيضاً أنه سوف يقوم بخطف ابنته من لندن ويعيدها إلى مصر داخل كيس وسيدعوه إلى فتح ذلك الكيس
وشهد المقدم سمير سعد محمد صالح، الضابط بإنتربول القاهرة، بأنه بتاريخ 5/8/2008 ورد كتاب إنتربول أبوظبي لضبط المتهم محسن السكري لاتهامه في قضية مقتل الفنانة سوزان تميم بدبي يوم 28/7/2008 وبتتبع تحركات المتهم تبين أنه كان قد غادر البلاد إلى دبي بتاريخ 23/7/2008 وعاد منها بتاريخ 28/7/2008
وبإجراء التحريات توصل إلى محل إقامته وتمكن من ضبطه صباح يوم 6/8/2008 وعرضه على النيابة ثم اصطحب المتهم بناء على تكليف من النيابة إلى مسكنه الكائن بمدينة الشيخ زايد حيث قام المتهم بفتح باب الشقة واستخرج من فرن البوتاجاز الموجود بالمطبخ حقيبة جلدية تبين أن بداخلها مبلغ 1540000 دولار وقرر المتهم أنه أعطى شقيقه أشرف مبلغ 110 آلاف دولار وأعطى شريكه في العمل محمد سمير 40 ألف دولار
كما أنفق 5 آلاف دولار لشراء تذاكر سفر للبرازيل واستخراج تأشيرة السفر في 3/8/2008 وكان محدداً لسفره يوم 19/8/2008 كما قدم له المتهم مبلغ 5 آلاف دولار كانت بحوزته من أصل ذات المبلغ و3 هواتف محمولة ثم اصطحب المتهم لبنك HSBC فرع العروبة وقام بسحب مبلغ 300 ألف دولار السابق إيداعها بمعرفته
وأضاف الشاهد لدى سؤاله أمام هيئة المحكمة أن المتهم الأول محسن السكري قد أقر له عقب ضبطه بقتل المجني عليها بتحريض ومساعدة من المتهم الثاني هشام طلعت وأن المتهم الثاني كان يريد الانتقام من المجني عليها فحرّضه على قتلها وأمده بالأموال اللازمة وسهل له الحصول على تأشيرة سفر وسلمه صورة من عقد الشقة التي تقيم فيها
وبتاريخ 24/7/2008 سافر إلى دبي وتوجه إلى المنطقة التي تقيم فيها المجني عليها وقام باستطلاعها ودراسة مداخلها ومخارجها ثم اشترى سكيناً وتوجه إليها صباح يوم 28/7/2008 منتوياً تنفيذ جريمته وطرق بابها وبيده خطاب ومظروف نسبهما زورا إلى شركة "بوند" العقارية حتى يستطيع لقاء المجني عليها، وطرق بابها وما إن فتحت له حتى عاجلها بالضرب والطعنات ثم أجهز عليها بذبحها
ولما وجد ملابسه قد تلوثت بالدماء استبدل الـ"تي شيرت" الذي كان يرتديه بآخر ثم خلع بنطاله الذي كان يرتدى أسفله "شورت أبيض طويل" وتخلص من الملابس الملوثة بالدماء بإخفائها بصندوق مهمات الحريق بالطابق 21 ثم هبط إلى الدور الأرضي وخرج مسرعاً من المبنى وتخلص من السكين على شاطئ البحر وتوجه إلى فندق الواحة الذي كان يقيم فيه فحزم حقائبه وعاد إلى القاهرة وتقابل مع المتهم الثاني وحصل منه على مبلغ 2 مليون دولار ثمناً لتنفيذ جريمته
وقالت النيابة إن المتهم الثاني هشام طلعت مصطفى أمد المتهم الأول بمبالغ مالية ومعلومات عن أماكن وجود سوزان تميم في لندن ودبي وبدأ يساعده ويلح عليه من أجل الانتقام منها. وقالت النيابة إن الأدلة المادية في القضية كثيرة منها إفادات في شرطة دبي وفواتير شراء السكين والحذاء والبنطال من محل المصطفى وإفادة إنتربول لندن بتهديدات هشام لسوزان بالقتل وإفادة السفارة البريطانية بأن محسن السكري حصل على تأشيرة للسفر إلى لندن في 5 مايو 2008 بناء على خطاب من مجموعة طلعت مصطفى يفيد عمله مديراً للعلاقات العامة رغم تركه العمل منذ سنوات
كما أن القضية احتوت على العديد من المعاينات والأدلة الفنية والأدلة الجنائية والعديد من تقارير فحص البصمات، وتساءلت النيابة لماذا أصر المتهم الأول على أن يقول إنه توجه إلى لندن لعقد صفقة مع شركة داماك. وتساءلت النيابة أين هذه الصفقة بعد مرور 7 شهور من القبض عليه، وما هو سر وجود محسن السكري في تلك الشهور بالتحديد في دبي رغم أن في هذه الفترة ينصرف كل الإماراتيين إلى الدول الأخرى بسبب حرارة الجو وما هو سر وجود الملابس التي اشتراها السكري في دبي؟
وردت النيابة على التشكيك في الفترة الزمنية التي نفذ فيها السكري جريمته والتسجيلات والبنطال واختلاف مواعيد الكاميرات وسبب اتهام هشام بعض الشركات في التحقيقات بأنها استأجرت السكري في محاولة للنيل منه ومن شركاته، وأن هشام أثناء التحقيقات لم يكن عنده رد سوى "معنديش تفسير"، وطلب المستشار مصطفى خاطر بتوقيع أقصى عقوبة على المتهمين وهي الإعدام
كانت مرافعة النيابة باعثاً على قلق وتوتر المتهمين هشام طلعت مصطفى ومحسن السكري
لكن الآتي كان أعظم وأخطر
تابع القراءة

gravatar

جرائم العاطفة (16): ضحية..في برج الرمال








الذَّبْحُ: قَطْعُ الحُلْقُوم من باطنٍ عند النَّصِيل، وهو موضع الذَّبْحِ من الحَلْق
والذَّبْحُ مصدر ذَبَحْتُ الشاة؛ يقال: ذَبَحه يَذْبَحُه ذَبْحاً، فهو مَذْبوح وذَبِيح من قوم ذَبْحَى وذَباحَى، وكذلك التيس والكبش من كِباشٍ ذَبْحَى وذَباحَى
والذَّبِيحة: الشاة المذبوحة. (لسان العرب)



صيف دبي اللاهب ازداد سخونة في 28 يوليو تموز 2008
فقد تلقت شرطة دبي في ذلك اليوم بلاغاً بالعثور على جثة سيدة مذبوحة بواسطة آلة حادة في برج الرمال
الجريمة البشعة كان لها دوي كبير في مدينة تعيش كأنها خلية نحل وتسابق الوقت كي تحقق إنجازات جديدة في مجال التوسع العمراني وجذب الاستثمارات
المفاجأة لم تكن فقط في اكتشاف أن القتيلة هي المغنية اللبنانية سوزان تميم، وإنما أيضاً في أن الفريق المكلف بفحص كاميرات المراقبة في البرج السكني اكتشف وجود شخص حضر إلى برج الرمال بحذاء رياضي وبنطلون أسود وقميص ويضع على رأسه "كاب" وصعد إلى المبنى واستمر داخله أكثر من ١٤ دقيقة، ثم نزل بالكاب والحذاء بعد أن استبدل ملابسه
وبعد تحريات مكثفة ومتكتمة شملت المحال التجارية والشهود وبطاقة الائتمان المستخدمة في شراء الملابس والسكين المستخدمة في الجريمة، حددت شرطة دبي هوية المتهم: محسن منير السكري
وكرت المسبحة
ومن جريمة قتل إلى محاكمة تعد الأشهر من نوعها في مصر وهي بالتأكيد الأكثر كلفة، بعد أن حضرها جيش من المحامين المشهورين، ولاحقتها وسائل الإعلام في كل صغيرة وكبيرة
لعل أهم ما يسترعي الانتباه في جريمة مقتل سوزان تميم في أحد الأبراج السكنية الفخمة في مدينة دبي، أنها لخصت كل شيء يتعلق بالمال والسلطة، والغرام والانتقام
فالجثة التي تعرضت للذبح، فتحت أبواب الجحيم على كثيرين، وكبرت كرة الثلج بسرعة لتطال أسماء كبيرة وشخصيات تجمع بين الثروة والنفوذ
وفي ظل المهنية الشديدة التي تعاملت بها شرطة ونيابة دبي مع هذه الجريمة، والأدلة القاطعة التي قدمتها للقضاء المصري وحسمت بالثانية أماكن وجود المتهم، وسجلت له بالصوت والصورة كل ما يثبت ارتكابه هذه الجريمة، ورفعت البصمات، وعرفت أرقام تحويلات النقود، وحتى رقم بطاقته الائتمانية التى استخدمها في شراء السكين التي قتل بها الضحية، كل ذلك دل على مهنية واحترافية عالية
أدلة جعلت المتهمين في الجريمة في مأزق
جثة حاضرة، ووقائع بالصوت والصورة، وشهود وبصمات وتسجيلات ومكالمات، انتهت بالمتهمين في القفص، أمام قاضي جنايات، مشهور عنه أنه يركز في موضوع الدعوى ويصدر أحكاماً رادعة
في القاهرة كانت بداية الملاحقة القانونية يوم الأربعاء الموافق 6 أغسطس آب 2008، عندما وجّه العميد مجدي الشافعي، مدير الإنتربول في القاهرة، كتاباً رسمياً إلى رئيس المكتب الفني للنائب العام، جاء فيه أن إنتربول أبوظبي طلب ضبط المواطن المصري محسن منير على حمدي السكري، وذلك لاتهامه بالقتل العمد لسوزان عبدالستار تميم وأن السلطات القضائية أسندت إلى السكري تهمة القتل، وأن واقعة القتل وقعت يوم 28 يوليو 2008، وأنه بالكشف عن تحركات السكري تبين أنه غادر القاهرة إلى دبي في 23 يوليو 2008، وعاد منها في 28 من الشهر نفسه
وفي إطار اتفاقية التعاون القضائي والقانوني بين دولتي الإمارات وجمهورية مصر العربية، تم ضبط المتهم السكري وتوقيفه، وتبين أنه ضابط شرطة سابق، وأمر النائب العام بإجراء التحقيقات في مكتبه الفني، وطلب جميع المعلومات وإجراءات الاستدلال وصورة التحقيقات التي أجرتها السلطات القضائية في دبي بشأن الواقعة، وفور ورودها تم استجواب الضابط
النيابة العامة انتدبت المستشار مصطفى خاطر، رئيس نيابة الاستئناف، لاتخاذ اللازم، وفي اليوم نفسه في الساعة الرابعة وعشر دقائق مساء بدار القضاء العإلى فتح المحقق ملف التحقيق في طلب الاسترداد الوارد من الإنتربول بدبي، وذكر فيه التإلى أنه عرض عليه أوراق "الملف رقم 249 لسنة 2008 تسليم مجرمين" مؤشَّراً عليه من النائب العام بانتدابه لاتخاذ اللازم، ثم استجوب المحقق المتهم وبدأ بتوجيه تهمة القتل العمد إليه، فأنكرها وقام باستجوابه، فقرر في الرواية الأولى أنه توجه إلى منزل المجني عليها في دبي من أجل توصيل خطاب وبرواز هدية من المتهم الثاني هشام طلعت مصطفى في ذات اليوم الذي قتلت فيه، وحدده أنه 28 يوليو 2008
واسترسل السكري في روايته الثانية عن كيفية تعرفه بالمتهم الثاني، وأن الأخير طلب منه مراقبة زوجته عرفياً سوزان تميم في لندن، بعدما عرف أنها على علاقة بملاكم عراقي يدعى رياض العزاوي، وهو بطل العالم فى الكيك بوكس، وطلب منه رصد تحركاتها بعد أن أعطاه صورتها وعنوانين للمجني عليها في لندن، واعترف أنه تقاضى مبلغاً مالياً من هشام طلعت مصطفى، ثم ساق راوية ثالثة وقال إنه سافر إلى دبي يوم 23 يوليو 2008 لعقد صفقة مع شركة داماك، وإنه أقام بفندق هيلتون ثم فندق دبي بيتش، وإنه كان على اتصال مستمر مع هشام طلعت مصطفى الذي كان على علم بسفره واستصدر له تأشيرة الدخول إلى دبي، وإنه اتصل به قبل سفره بأسبوع وأخبره أن المجني عليها موجودة في دبي، وأعطاه عنوانها هناك وطلب معرفة ثمن الشقة التي تسكن فيها بالضبط، وسلمه مظروفاً مغلقاً قرر أن بداخله خطاباً وبروازاً خشبياً طوله 20 في 15 سنتيمتراً، بإطار جلدي

وقال إن ذلك حدث بمنزل هشام، في شارع الصالح أيوب بالزمالك قبل سفره بأسبوع، وأنه توجه إلى المجني عليها يوم الجريمة في العاشرة صباحاً وأعطاها المظروف والخطاب
وأضاف السكري في التحقيقات أن الاتفاق الذي تم بينه وبين هشام طلعت كان "اشتغالة"، وأنه كان ينصب عليه، من أجل خطف المجني عليها من لندن وإحضارها إلى مصر، ثم تطور الاتفاق إلى القتل في لندن، ثم في دبي، وأنه رفض فكرة الخطف أو القتل في المرتين، وقال إن كلاً من عبدالخالق خوجة مدير أعمال هشام طلعت وحازم توفيق سكرتيره الخاص كانا يعلمان بهذا الاتفاق
لم تتوقف مفاجآت السكري عند هذا الحد
فقد أخذ أثناء التحقيق يسرد رواية رابعة، مفادها أنه أعد الخطاب ولم يتسلمه من هشام في صورة خطاب شكر من الشركة التي باعت الشقة لسوزان، وحصل على مظروف الشعار أو "اللوغو" الخاص بشركة بوند، وقال إن هشام حينما حرّضه على اختطاف المجني عليها، قال له إن هناك من كلفه بأن يحضر أشخاصاً لتنفيذ العملية في لندن، مقابل مليون جنيه إسترليني، تسلم منه 150 ألف يورو نقداً على دفعتين، ومرة أخرى بالإيداع في بنك HSBC، مبلغ 20 ألف إسترليني


السكري قال إنه سجل مكالمة على هاتفه المحمول لهشام كان يتحدث فيها عن ضرورة قتل سوزان، وإن هشام ساعده على الحصول على تأشيرات الدخول إلى لندن ودبي، وتسلم منه مبلغ مليوني دولار، في شإليه خاص بهشام، في فندق فورسيزونز بشرم الشيخ، وإن المبلغ كان مجموعاً من مكاتب الصرافة بفئة المئة دولار


في نهاية اعترافاته قال السكري إن هشام كان يريد أن ينتقم من سوزان تميم
على الجانب الآخر، أمر النائب العام بإدراج اسمي المتهمين على قوائم الممنوعين من السفر، وتم استصدار إذن من مجلس الشورى لاتخاذ الإجراءات الجنائية ضد المتهم الثاني هشام طلعت مصطفى، لكونه عضواً بالمجلس، وتم استجوابه واستكمال جميع إجراءات التحقيق القانونية للوصول إلى حقيقة الواقعة
أمرت النيابة بحبس السكري وهشام طلعت مصطفى، وفي 3 سبتمبر أيلول 2008 أصدر المستشار عبدالمجيد محمود النائب العام قراراً بإحالتهما إلى محكمة الجنايات، وحددت محكمة استئناف القاهرة الدائرة الثالثة التي يترأسها المستشار محمدي قنصوة لمحاكمة المتهمين
وجاء في أمر إحالة رجل الأعمال، هشام طلعت مصطفى، وضابط الشرطة السابق، محسن السكري، إلى الجنايات، أن الضابط قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم في إمارة دبي، بدولة الإمارات، يوم 28 يوليو 2008، واشترك هشام طلعت في الجريمة بطرق التحريض والاتفاق والمساعدة.أصيب كثيرون بالصدمة فور الإعلان عن إحالة هشام طلعت مصطفى إلى المحاكمة، لما له من نفوذ سياسي وثراء مالي. بدت المسألة كلها كأنها كابوس بالنسبة لهشام وأسرته والمقربين منه، لكن البعض لخص الأمر ببساطة قائلاً: حين يحب المرء يفقد نصف عقله، وحين يكره يفقد النصف الآخر

تابع القراءة

gravatar

صعود على مهل





"مشهد..مشهد"
تشيرُ الإيرانية إلى بطاقةِ سفرها، مستفهمةً عن موعدِ إقلاع طائرتها من مطار أسطنبول
كانت أجملَ من أن يحاوِلَها الوصف
كان الجَمالُ يفرطُ رمانَ أسراره في بحيرةِ عينيها
أيُ فردوسٍ انسلت منه تلك التي إذا أَرسَلت سهماً فقُـل ذهبَ العمرُ
مسافرةٌ إلى مدينة الملالي، تبحثُ عن إجابات
غريبة تنشدُ العونَ.. والغريبُ عن وطنِه كالنباتِ الذي زايلَ أرضه، وفقدَ شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابلٌ لا ينضر
تدفعُ العربةَ أمامها، متشحةً بائتلاقاتِ بحرٍ من الحسن، فألمحُ علبةَ البقلاوة التركية تبتسمُ للعابرين، كأنها تنتظرُ أن تذوبَ على شفتيّ حبيب

اللوحة الإلكترونية التي تتقافزُ فيها أرانبُ أرقامِ الرحلات ومواعيد الإقلاع، تصيبُ البعضَ بالدوار
أدلُ الفتاة التي تملك خصرَ قيثارة على رحلتها. تشكرني ثم تغيبُ في الزحام، فيتبعها رفُّ دلافين يضيء بحنينه ليلَ الأعماق
وأنا طائرٌ يطوي الجهات، ويبتسم
يغدو الغريبُ حميماً في القلبِ المنذور للجسد
وفي المطاراتِ نتشبثُ بالغائبين، الحاضرون نهملهم
للمطارات في كل الأزمنة والأمكنة روحٌ واحدة: لهفة على الذاهبين، وحنين إلى العائدين، وغيث يفاجئ الواقفين في حالة انتظار
إنها المكانُ المثالي لصداقاتٍ عابرةٍ لا تدوم

والمطارات جسدٌ ينتظرُ اكتشافه: شبقٌ يتأرجحُ وجرحٌ مفتون
إنها الكتابُ الذي يقرؤنا، ويفكُ رموزَ دهشتنا ثم يبعثرُنا مثلَ حريرٍ هامد

الطابورُ الطويلُ يقودُ إلى مسافرين يُكدسون الحقائبَ والأمتعةَ على عَجَلٍ، ويرفعونها على ميزان يشكو الاختناق، قبل أن يبتلعها حوتُ الحزام الكهربائي المتحرك
تتشابَكُ الأيدي وبعضُ الأعناقِ أيضاً، لكنها تظلُ مجردَ معانقات سريعة لمن نُبقيهم خلفنا
أصحابُ الرحلاتِ المتأخرة تتداعى أجسادُهم المنهكة، فيتوسدون قاعة الانتظار التي تقتل المسافة بين العين والضوء
بائعُ السوق الحرة ممشوق القوام، جسدُه خارج لتوه من انتحار سريع في أحضان امرأة
ينتظرُ بمكرٍ نساء أخرياتٍ يلتقطنه بابتسامةٍ وبعض الدلال
والزبائنُ يجولون في المكان بعيون زائغة، من دون أن يشتروا شيئاً يذكر
في المكتبة الضيقة التي تتراصُ على رفوفِها كتبٌ بالتركية والإنجليزية، أتحركُ بخفةٍ محاذراً الاصطدام حتى بالهواء


يرمقُني بارتيابٍ أتاتورك من غلاف كتابٍ يتجاوزُ عددُ صفحاته الألف، فأعتذرُ له ثم أباغته بالأسئلة:

لا بحرَ في أنقرة، فكيف تكونُ العاصمة؟

لا حربَ في أنقرة، فكيف تكونُ العاصمة؟

لا حبَ في أنقرة، فكيف تكونُ العاصمة؟

يُقطبُ أتاتورك حاجبيه الكثيفين في غضب، ويهتزُ الشَعر الذي ينبتُ من أُذنيه، فأردِفُ بثقة قائلا: أسطنبول معرضٌ أقامه الجمالُ في الهواء الطلق، وأطرافها هي آخر دفاتر الغجر السرية. ضفافُ البوسفور تحفظُ أسماء العشاق وتُخيركَ بين أن تكونَ السمكةَ أو الصياد، وأنطاكية حنانٌ مُفرط مثل سوارٍ يهتز برقصة، أما أنقرة التي تَزَوَّجَتها هضبةُ الأناضول زواجاً مُبَكِّـرَاً فهي شجرةٌ تجهشُ بالاغتراب وتهربُ من أغصانها
ييأسُ الرجلُ مني فيطوي بروزَ جبهته، ويُغلقُ في وجهي أغلفةَ الكتب
ألمحُ الشاعرَ ناظم حكمت يغمزُ لي بطرف عينه ممتناً
في الخارج، أبٌ يلتقطُ في زهو صورة لطفله ذي الشعر الأشقر أمام مجسم ميكي ماوس بألوانِه الفاقعة
الطفلُ يمنحُك شعوراً بأنك موجودٌ في الآخرين
طوبى للطفولةِ الغافلةِ عن رعبِ المستقبل
تسيرُ النساء، فيما الأرضية تئنُ تحت كعوبٍ شامخة فيها أثرُ مشي طويل إلى متاجرَ أنيقة وشوارعَ مزدحمة
تخترقُ المشهدَ فتاةٌ نحيفة عارية الظهر، يحدقُ الجميعُ في عراء ظهرها وبياضِه الذي لم تزره الشمس يوماً
بساتينُ خطوتِها تحدٍ، وزيُها الصارخُ لحنٌ صريحٌ ضِدَّ البساطةِ
لا توأمَ لها غير الخطيئة

ينزُ منها عرقُ الرغبة السائلة كحبر، والنحافةُ - كما يقول فولتير- أكثرُ عرياً وأقل احتشاماً من السمنة

الأمُ التي اتسع حوضها، تنهرُ بناتِها اللاتي ضحكاتُ ضفائرهن البريئة تبددُ الوحشة، وهي تدعو الله في سرها أن يحفظهن من هذا المُقْلِقِ الغامض الذي يُسمى الرجل
في المطعم، تتناولُ الفتاةُ غير المبالية وجبةً خفيفة. الأواني المحيطة بها تافهةٌ أمام آنيةِ الله
شفتان مكتنزتان تتهيئان دوماً لمتعٍ مُقبلة، وأنوثة تتوهج في سحر إيقاعها
‫ترفعُ خصلةَ شعرها بصلواتِ أصابعها، فيسجدُ لها الهواءُ مغشياً عليه
والهواءُ يعبثُ بأصابع قدميها، المحملةِ بالقصائد
أضواء النيون تقتربُ وتنأى في سماواتِ عينيها
أعشابُ الرجال تستيقظ حين يقع بصرهم عليها، لكنها لا تبالي
في عينيها دبّوسان صغيران. أحياناً تعضّ جسدَك دبابيسُها
وحيدةٌ، رغم أنها لا تدرك وحدتها
سوف يفاجئها معسولُ الكلام يوماً، وتعصفُ فيها أعاصيرُ التوقِ والعشقِ واللظى
وحين تصبحُ بين ذراعيّ عاشق، ستذوبُ في شفتيَّها الشمسُ، وسيكونُ صمتُها لغة شاهقة
ربما سينشغلُ هو قليلاً بأن يحصي الشامات التي تنام على جسدها
واحدة خلف العنق، اثنتان.. آه، هناك ثالثة تحاول الاختباء، لكنه ضبطها قبل أن تفر
ساعتها، سينهار هذا الجدار ويحترق مُتحف الشمع عن آخره
الموسيقى تنتشرُ في المكان وتقتحمُ السماء، كأنها وباءٌ من النشوة المتنقلة. لولا هيمنة العقل لحلت الموسيقى محل الفلسفة

في قاعاتِ الانتظار، يتناولُ راكبُ الترانزيت أطعمةً تصلحُ مادة للمختبر وليس لمائدة الطعام
شابٌ وفتاة يتعانقان على الطريقة الرومانية، من دون لمسةِ حنان، من دون حرارة، من دون إظهار مشاعر الفرح. قبلة متحفظة، تركت على مقعديهما ندفاً من جليد
وحدها القبلةُ الناعمة قد تسرقُ منا عُمراً بأكمله
إنها اللعنةُ التي تنقلها كلسعةٍ بطرفِ شفتيك وتغرسها كسم شهي
الصيني يخلعُ حذاءه ليريحَ قدميه، فترتفعُ رائحةُ جوربيه اللذين انتقعا بحموضة يوم طويل إلى أنفه، ليغرقَ في خجله
الأقدامُ المتسارعة باتجاه بوابة السفر تقرعُ طبولَ الخوفِ من عدم اللحاق بشيءٍ ما غامض. الراكضون في المطارات كريشةٍ انفلتت من جناح طائر، لا ينظرون خلفهم؛ ربما لأن الشرَ الحقيقي يكمنُ خلفنا لا أمامنا
السفرُ ليس انتقالاً إلى مكان آخر أو زمان جديد. إنه ببساطة هروب. البعضُ يركضُ باتجاه ميلادٍ جديد، والبعضُ الآخر يكافحُ للهروب من الموت
كلهم يستعجلون الوصولَ، مع أن آخرَ الطريق..أوله!
مسافرون بتذكرةٍ في اتجاهٍ واحد، وعائدون على جناح الحنين
فريقٌ يغالبُ أحزانه، وآخر يغلبُه الوطن
والندمُ هجرةٌ في الاتجاهِ المعاكس، إذ يمتعنا باستعادة حياتنا، ويوهمُنا بأننا عشنا الكثير من الحيرة
على المقاعدِ التي صُمِمَت لتمنحك شعوراً بأنك لن تبقى فوقها طويلاً، تبدأ في تنظيف رأسِكَ من شظايا الوعظ، والتصالحِ مع نزواتِك المغضوبِ عليها
لا أفعلُ شيئاً. أرى الساعات تمضي بتثاقل، فأقرر ألا أحاول ملأها
الوقتُ حاقدٌ كرصاص العدو، لكننا لا يمكن أن نصفح عنه إلا عندما لا نستخدمه
أبتعدُ عن الزمن كي أتأمله أكثر وهو يسترخي في فضائِه الرحيب
أبرزُ ما تميزُه في لحظاتِ الترقب، هو لهاثها واحتضارها، وليس الانتقال نحو لحظة أخرى
أدسُ في جيبي ساعتي التي أصابَها الخرف
أو كلما مر الزمنُ أدركتُ أكثر أن أيامي الماضية كانت الفردوسَ المفقود!
لعل أفضلَ ما في النضج هو الإدراكُ الصعب، الذي يشبهُ الارتطامَ بدرجاتِ سلم غير منتظم الحواف أثناء صعودك السريع إلى الطابق العلوي من مسكن آيل للسقوط
ترتطمُ بالألمِ أكثر مما ترتبطُ بالحافة التي في انتظارك
في تلك اللحظة تحديداً، يُولَدُ الإدراك
خديعة كبرى نتوهمُ أنها اكتشافنا الأهم: كم يتلألأ المطبخُ بالسكاكين البرّاقة!
تنبهني رنةُ الهاتفِ الجوال إلى رسالةٍ نصية قصيرة. امرأةُ الأوراس تقول لي: "أنا في مصر، أم الدنيا، أين أنت؟". أجيبها قائلاً:" حيث لا ينبغي أن أكون"
تبعثُ لي بصورتها وقد غطت شعرها أمام قلعة صلاح الدين. خصلاتُ الشعر التي تمردت كانت تشير إلى قامتِها المديدة وطلعتِها الساحلية
في دورة المياه، أغسل وجهي، فألمحُ صورةَ الرجل الذي كان يافعاً ذات مرة وقيلَ إنه عبقري
لا أرى أمامي سوى نظرةٍ تحملُ عذاباتٍ مضاعفة، ورأسٍ كتبت بماء السرابِ قصائد

تحت قبة زجاجية تتسللُ منها أشعة الشمس، أتشربُ الضوء مع الجو
أفكر قليلاً في هموم العمل. لابد أن العمل هو الملحُ الذي يحافظُ على أرواح المومياوات
رجل بذقن غير حليقة يجلسُ إلى جواري مكتئباً وجبينه منحنٍ طوال الوقت.. شديد الانحناء لدرجة أنه لا يرى شيئاً، ما عدا سُرته
فمه يأكلُ آخرَ أسنانِه، حتى يصير طائرَ لقلقٍ هائم
الكآبة تتغذى من
ذاتِها، ولهذا لا يعرفُ أحدٌ كيف تتجدد
ربما كان عليه أن يغطّي ضعفه بالانتباه
يعطي أذنيه لا عقله لثرثارةٍ، أقنعها الشيطان بأن تطمئنَ إلى قلبِه الطيب ونياته الطيبة، لكي تقنعَ كل ضحاياها بأن يطمئنوا لقلبها ونيتها الطيبة
أن يكون بعضُ الرجالِ قد وقعوا في غرام تلك السيدة، فذلك دليلٌ على انحطاطِ رجالِ هذا القرن
نحن نحبُ النساء بقدر ما هن غريبات عنا
وفي الحب، يكونُ التوافق الجسدي نتيجةَ سوء تفاهم يُدعى المتعة
لا يهم، فالحقيقةُ الأكيدة أننا كلنا مشروعاتُ رغبة لبعضنا البعض
بشرٌ معدودون ينبتون أمام البصر فجأة دون صخب في الممراتِ اللامعة، ثم يندسون في منعطفاتٍ جانبية ويختفون مثل أشباح حانَ موعدُ نومها
جندي يعودُ إلى رشده، وفي يديه أزهار حمقاء، وعلى صدره أوسمة اليأس
فتية لهم جلودٌ مُتغضِّنة لوّنَتها الريح، يسخرون برعونةٍ من رفيق لهم. الفتى المحرجُ يضحكُ ضحكةً غبية، لكن حين تلمحُ عينيه لوهلةٍ سيتبينُ لك كم شوَّهته سخريةُ الآخرين
الضحكُ العنيفُ بكاءٌ مستتر
المراهقة جحيم، فلماذا يتعينُ إذن على المراهقَين أن يتقاسموه معاً؟
عاملُ النظافة يكنسُ بِهمةٍ ما تبقى من ضحكاتِ العابرين، حتى لا يتعثرَ بها من يرتدون معطفَ الرصانة
ينادي صوتٌ في المطار على اسم عربي للحاق بالطائرة التي توشكُ على الإقلاع، فتتهادى فتاة في ثوبها الفضفاض وكحلها الكثيف
تفوح منها عُطورٌ، وتوابلُ، وهالٌ.. تنامُ في خليّتِها، فيقطرُ منها عسلٌ خليع
البقعةُ التي امتدت مثل ورمٍ على ردائها، ليست سوى ذاتِها المتضخمة
تملأ الدنيا صراخاً عن حديقتها، لكنها لم تحرر شبراً من أرضها الحبيسة
كيف انتبه شيخنا ابن عربي إلى "الكثير بالصور، الواحد بالعين"؟
آلام الظهرِ تزداد حدَّتُها مع طول فترات الجلوسِ
ينقذني نداءُ الطائرة الأخير

على سُلَّمِ الطائرة، عجوزان يصعدان الدرجات على مهل. كانت تصعدُ درجةً ثم تقفُ كي يقتربَ منها ويهدأ سعاله. يَستجمِعُ قواه ثم يُمسدُ ظهرها ويَدعُ يده تربتُ على كتفها. هكذا يصعدان سُلَّمَاً إلى الغيبِ، من دون أن يصلا إلى مكان
البابُ موصدٌ بألفِ ألفِ قفل، والطائرةُ غرفةٌ معدنيةٌ بلا ذاكرة، بابُها يمكنه الإغلاق من الداخل من دون أن يشكك أحدٌ في نياتِ أهلها البابُ موصدٌ، ها نحن جميعاً داخلَ زنزانةٍ بجناحين عملاقين: كادُ المسافرُ أن يكونَ أسيراً
أرضية الطائرة كانت مغطاة بحصى القلب، وكنتُ حافي القدمين
راكبٌ متأنقٌ يأكله الخوفُ والقلق من تذكرةٍ يقطعُها الغيبُ لنا، ناسياً أن الموتَ مبراةٌ بكفِّ الدهر والأعمار أقلامٌ
طفلٌ ينظرُ في فضول من النافذة إلى المدرج الذي احتشد بالطائرات
أمه تغمضُ عينيها المرهقتين على بهاء تشمُ في عُمقِه عبيرَ الجراح
أحملُ سلالاً من أمل، أغمضُ عينيَّ على هدير المحركات، حالماً بجناحيّ الطائرة وقليل من الملائكة

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator