المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

قضية الراهب المشلوح (3): هدوء.. من فضلكم






غليان

هكذا كانت الحال في الشارع المصري بعد نشر ممدوح مهران موضوعه عن أفعال وممارسات الراهب المشلوح برسوم المحروقي

لاذ ممدوح مهران بالصمت في الأيام التالية لتفجر الأزمة

صمت جعل الحروف المتآكلة في تلك القضية بلا نقاط تدل على معنى ما جرى ومغزاه

وسرعان ما شخصت الأبصار إلى المحاكمة

كانت قوات الأمن، سواء العناصر بالزي الرسمي أو أولئك الذين يرتدون ملابس مدنية، في حالة تأهب منذ الساعات الأولى من صباح ذلك الأحد الموافق 24 يونيو 2001، داخل وخارج مجمع محاكم عابدين في وسط القاهرة
الكل كان يترقب انعقاد محكمة جنح أمن الدولة عليا عابدين لبدء سماع الدعوى المرفوعة من قبل المجلس الأعلى للصحافة ضد رئيس تحرير جريدة "النبأ" وشقيقتها "آخر خبر" ممدوح مهران بتهم تتعلق بنشر صور فاضحة والإضرار بالوحدة الوطنية وتكدير السلام الاجتماعي

كان ما نشره مهران حول قضية الراهب المشلوح مازال يتفاعل ويثير موجات من الصدمة في أنحاء البلاد، سيما في صفوف الأقباط

بدا من اللحظة الأولى لمحاكمة ممدوح مهران أنها لن تسير على نحو هادئ

خارج مجمع المحاكم، تمركزت منذ الصباح الباكر ما لا يقل عن خمس عربات مدرعة، محملة بقوات الأمن المركزي. انتشر رجال شرطة بملابس مدنية في الشوارع المحيطة بمحكمة عابدين، تحسباً لوقوع أحداث عنف، خاصة بعد اندلاع أكثر من مظاهرة قبطية ضد مهران

لم يكن الأمن مستعداً لاحتمال إفلات الأمور من يده في ذلك اليوم

وعلى عكس المعتاد، تم الإعلان عن عقد جلسة المحاكمة مبكراً في حوالي الثامنة صباحاً ومنع أي أحد من دخولها سوى المحامين والصحافيين بعد إجراءات تفتيش دقيقة والتأكد من هوية الحضور. داخل المجمع كان العشرات من قوات الأمن المركزي والضباط الذين يرتدون ملابس مدنية، يسمحون فقط للمحامين ومجموعة مختارة من ممثلي الصحافة ووسائل الإعلام بالمرور عبر البوابة الإلكترونية التي تؤدي إلى قاعة المحكمة

لم يظهر مهران في هذه المحاكمة، في حين أوضح محاموه أن القانون لا يتطلب حضوره. ربما كان تغيبه هذا قراراً حكيماً؛ لأن وجوده كان سيثير بكل تأكيد غضب البعض، وخصوصاً المحامين الذين يمثلون الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

ووسط زحام الحاضرين، لم ينتبه كثيرون إلى وجود د. حاتم مهران، نجل المتهم في القضية، خصوصاً أن د. حاتم التزم الصمت طوال مدة الجلسة

تأجل انعقاد الجلسة إلى أكثر من ساعة ونصف الساعة، تبارى خلالها محامو طرفي القضية (مهران والكنيسة القبطية) في الادلاء بتصريحات لوسائل الإعلام. كان محامو الدفاع تسعة، أما محامو الكنيسة الذين يمثلون مدعين بالحق المدني فكانوا خمسة

المستشار مرسي الشيخ رئيس فريق الدفاع عن ممدوح مهران قال لوسائل الإعلام إن كثرة الحديث في الصحف حوَّل هذه القضية والإدانة المسبقة من جانبها له دور في خلق رأي عام يمكن أن يؤثر في القضاء. وطالب بوقف النشر لصالح إظهار الحقائق وتبرئة ساحة مهران، مشيراً إلى أن أن هناك حقيقة واحدة يجب التشديد عليها وهي أن هناك جريمة وقعت من جانب الراهب ونشرتها "النبأ" من دون قصد إحداث فتنة طائفية كما يروج البعض

وأضاف رئيس فريق الدفاع: "هناك خطٌ معين سيلجأ إليه الدفاع وهو يرتكز على عدم تكدير الرأي العام أو الاساءة للسلام الاجتماعي، خاصة أن القضية حساسة جداً وهناك من "يصيد في الماء العكر" ويحسم المشكلة"

من جانبه، وصف المحامي القبطي والموكل عن الأنبا ساويرس أسقف دير المحرق رمسيس النجار، مهران بأنه لم يكن يهدف بكتاباته التصعيد ضد المؤسسة القبطية "وإنما كان يهدف إلى إحداث شرخ في المجتمع المصري، وأن وراء كتاباته باعثاً خبيثاً وليس لمجرد النقد بل هو يزدري المسيحية، فكيف يصف الدير المقدس الذي مكثت به العائلة المقدسة بأنه بيت للدعارة؟!"

وشكك المحامي القبطي في واقعة ممارسة الراهب المشلوح للرذيلة مع نحو خمسة آلاف سيدة وعدد ضخم من الأطفال قائلاً: "إن هذا ضد المنطق السليم، فهل يصدق عاقل أن راهباً مخلوعاً يستطيع أن يمارس الجنس يومياً مع هذا العدد الضخم كما أن الأطفال المعمدين الذين تزعم الصحيفة أنه مارس معهم عمرهم 40 يوماً"


وأشار رفعت متري المحامي عن الكنيسة القبطية إلى أنه لم يكن معقولاً بأي حال أن تقبل الكنيسة بحق الرد في واقعة ليست صحيحة، فالصور ملفقة والراهب المشلوح فصل من الكنيسة لخلافات مع البابا وليس لمخالفات أخلاقية
ورأى أن النيابة أخطأت بحبس الراهب في قضية وهمية؛ لأنها بذلك رجحت كفة مهران الذي بث شائعات مغرضة، ولولا تدخل الكنيسة لتهدئة غضب الأقباط لاندلعت حرب أهلية

غير أن الحرب الأهلية كادت تقع قبل بدء الجلسة الأولى من المحكمة


وإذا كانت اضطرابات لم تحدث خارج المحكمة كما كان متوقعاً، فإن حالة من الفوضى قد سادت قاعة المحكمة واستمرت رغم بدء أعمال جلسة المحاكمة. واشتعل غضب المحامين الأقباط وكادت تصل المشادات الكلامية إلى تبادل بالأيدي عقب توزيع بيان من هيئة الدفاع على ورق يحمل شعار "النبأ"


بدأ البيان بتقديم تفسير للسبب الذي جعل فريق الدفاع يوافق على الدفاع عن مهران. وأشار إلى أن ما يبعث على القلق هو تشويه الوقائع للزعم بأن الصحيفة كانت تقصد تشويه سمعة الأماكن المقدسة. قال البيان: إن ما نُشِرَ بالصحيفة لم يكن إلا إعمالاً لرسالتها، ومن ثم فإن جريدة "النبأ" المصادرة وفي مقدمة التحقيق الصحافي محل الدعوى، قد أوضحت أن غرضها من النشر كان القصد منه تطهير بيوت الله مما يدنسها، بما يؤكد حرص الجريدة على حماية المقدسات ودور العبادة وسلامة مصر الوطن، إسلامية وقبطية


وجادل البيان بأنه لم يقصد من النشر سوى تصويب خطأ وقع فيه نفر يرتدي عباءة الدين، ولم يكن إلا لإيضاح الحقائق. وأضاف أن هذا الراهب المشلوح تجاوز كل أشكال السلوك المنحرف، ولم يرتكب فقط أعمالاً منافية للحشمة، ولكنه أقدم على هذه الأفعال داخل أماكن مقدسة


أثار البيان حفيظة عددٍ من محامي الكنيسة، واعتبروه إهانة لهم وتأكيداً لإساءة مهران للأقباط والديانة المسيحية. وأشار بعضهم إلى أن مضمون البيان كان مخالفاً لما أعلنته الكنيسة القبطية التي نفت بشدة أن يكون الدير قد تعرض للتدنيس

"اتخذوا مقاعد لكم؛ ستبدأ المحاكمة"

كانت هذه نصيحة رجال الشرطة الذين ارتدوا ثياب مدنية. امتثل أغلبية الحاضرين وجلسوا على المقاعد الخشبية داخل قاعة المحكمة، لكن تلك المقاعد لم تكن كافية لاستيعاب جميع الموجودين. وما إن دخل القاضي أسامة محمد علي قاعة المحكمة حتى هب الجميع واقفين-- وظلوا وقوفاً. البعض وقف فوق المقاعد لرؤية المنصة بشكل أفضل، في حين احتشد آخرون في الممر الموجود وسط قاعة المحكمة. ونصب مراسلو قنوات التلفزيون الميكروفونات أمام القاضي، الذي لم يعترض على ذلك

طلب القاضي من المحامين إثبات حضورهم، فأخذ محامو الدفاع يثبتون حضورهم، وترأسهم د. أحمد سعد وكيل حقوق بني سويف والمستشار مرسي الشيخ. طالب الدفاع في بداية الجلسة بضم التحقيقات رقم 765 الخاصة بالتحقيق مع الراهب برسوم المحرقي إلى القضيتين المنظورتين أمام المحكمة

لكن سرعان ما تعطلت تلك الإجراءات

"نود أن نؤكد أن الصحفي [مهران] ومحاميه يصرون على إهانة الأقباط عن طريق بيان وزعوه للتو"
هكذا صاح رمسيس النجار، ممثل الكنيسة لتندلع عاصفة من التصفيق

رد عليه محامي الدفاع المستشار مرسي الشيخ بالقول: "نُكن الاحترام الكامل لإخواننا الأقباط". وأضاف النجار: "هذا البيان يصر على أنه [الراهب المشلوح] ارتكب خطاياه داخل الدير"

تدخل القاضي الصبور طالباً من الجميع التزام الهدوء


لكن محامي الكنيسة نجيب جبرائيل صاح قائلاً "إننا لن نتسامح مع هذا"
وفي محاولةٍ لاستعادة النظام في قاعة المحكمة قال القاضي: "من فضلكم اهدأوا، أدعو الدفاع إلى تحديد مطالبه"

قال محامي الدفاع مرسي الشيخ "إن الدفاع يحتاج نسخة رسمية من وقائع محضر استجواب المدعي العام [لمهران]. إن جميع أبواب مؤسسات البلد أغلقت في وجوهنا، ولم تتح لنا فرصة إلقاء نظرة على المحضر. والمحكمة هي الملاذ الوحيد لدينا"

تساءل المحامي نجيب جبرائيل قائلاً: "أي مؤسسات الدولة تقصد؟"

لكن محامي الدفاع تجاهل السؤال، وقال: "إن هدف [المطبوعة] هو تبرئة ساحة الكنيسة من أي مخالفات"
وبحسمٍ، قال القاضي علي "نحن لسنا هنا اليوم للاستماع إلى مرافعة الدفاع"

مرة أخرى، صاح محامي الكنيسة رمسيس "هناك إصرار على تشويه سمعة الأقباط. هذه حرب"
هنا نفد صبر القاضي فقال: "لن أتسامح مع هذا أكثر من ذلك"، قبل أن يرفع الجلسة لحين عودة الهدوء، فيما استمرت مباراة الصراخ المستمر

بعد ذلك علم الجميع من رجال الأمن أن القاضي قرر أنه في حال استمرار هذا السلوك العصبي والمتوتر في القاعة، فإنه سوف يعقد جلسة الاستماع وراء أبواب مغلقة"

غير أن أحداً لم يهتم لهذا التحذير، وتواصل الجو الصاخب في القاعة وخارجها

هنا صاح ضابط شرطة في الجميع قائلا "أريد الهدوء" في الوقت الذي تدفق فيه العشرات من قوات الطوارئ على قاعة المحاكمة لإعادة الانضباط إليها، وتمركزت قوات الأمن المركزي في الممر وسط القاعة، وقرب المنصة

عادت المحكمة مرة أخرى إلى الانعقاد بعد أن ساد قدر من الهدوء، واستمع المستشار رئيس الجلسة لأقوال الادعاء العام وتسجيل طلبات كل من محامي المتهم مهران ومحامي الكنيسة
ثم طلب القاضي من رئيس نيابة أمن الدولة العليا، محمد الفيصل، أن يتلو التهم الموجهة ضد مهران في قضيتي "النبأ" و"آخر خبر"

تلا ممثل الادعاء قرار الاتهام في القضيتين والمتضمن توجيه 10 اتهامات لمهران تتمثل في أنه في يوم 17 يونيو 2001 بدائرة عابدين بالقاهرة وبدوائر أخرى بث دعايات مثيرة كان من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة، وحاز مطبوعات معدة للتوزيع واطلاع الغير عليها بأن نشر بعدد الجريدة تحقيقاً صحافياً صوَّره في الصفحة الأولى بعناوين مثيرة ومتناولاً سلوك أحد الرهبان السابقين بالدير المشار إليه ومعرضاً خلاله بالدين المسيحي وإدارة الكنيسة المصرية، مما كان من شأنه إثارة المواطنين والمساس بتقاليد المجتمع وقيم وحدته الوطنية، وحرض بطريقة النشر على ازدراء رجل الدين المسيحي بما يكدر السلم العام بنشر ذلك التحقيق الصحافي وعرضه للبيع والتوزيع نسخاً تتضمن عبارات وصوراً جنسية فاضحة منافية للآداب العامة، علاوة على نشر أمور من شأنها التأثير في جهة من جهات القضاء في دعوى مطروحة أمامها، بأن تناول في ما نشر بعدد الجريدة موضوع التحقيقات التي تجريها النيابة

أورد ممثل الادعاء بعض الأمثلة من العناوين الرئيسية في الصحيفتين ومنها: "الراهب المعجزة يمارس الجنس مع 5 آلاف سيدة في مذبح الكنيسة"

من جانبه، دفع فريق دفاع المجني عليه بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، مشيراً إلى أن الاختصاص لمحكمة جنايات أمن الدولة، مطالباً بتعديل الوصف للاتهامات واعتبار أن الوقائع المنسوبة للمتهم تكون جناية ومساساً لأمن الدولة العليا

وجدد الدفاع مطالبته بضم التحقيق مع عادل سعد الله غبريال - الراهب المشلوح برسوم المحروقي- في قضية شريط الفيديو الجنسي، على أن يكون ضمن الأدلة في القضية المنظورة

غير أن المحامي رمسيس النجار احتج قائلاً إن المحكمة لا تعنيها إلا تصرفات مهران، وليس التصرفات المنسوبة إلى الراهب المشلوح، لكن هذا لم يمنع محامي الكنيسة من طلب الاطلاع على ملف القضية

أحد محامي الكنيسة قال إن محكمة الجنح ليست مختصة للنظر في القضية؛ لأن التهم الموجهة إلى مهران هي تهم جنائية، وطالب بإحالة القضية إلى محكمة جنايات أمن الدولة. وطالب محامون أيضاً القاضي بزيارة دير المحرق للتأكد من استحالة ارتكاب الأعمال التي نسبتها الصحيفتان اللتان نشرتا الموضوع إلى عادل سعد الله غبريال

قضت المحكمة بتأجيل النظر في القضية إلى الأول من يوليو 2001، لحين تقديم جميع الأطراف ما لديها من مستندات

لم يكن أحد يعرف أن الدفاع سيفجر مفاجأة من العيار الثقيل في تلك الجلسة
تابع القراءة

gravatar

قضية الراهب المشلوح (2): اعترافات الفتى مهران



الطريق إلى جهنم مفروش بالنيات الحسنة

والطريق إلى السجن والحبس والتشريد مرصوفٌ بدوافع تبدو نبيلة، على الأقل بالنسبة إلى صاحبها

وجهنم التي فتح أبوابها الموضوع المنشور في جريدة "النبأ" حول الراهب المشلوح برسوم المحروقي، محفوفةٌ بالأخطار والأهوال، والتساؤلات الحائرة التي تثير الشك وتتراقص معها علامات الاستفهام المعلقة في هذه القضية التي أقامت الدنيا ولم تقعدها

والشاهد أنه بمجرد نشر تفاصيل ووقائع مثيرة عن الراهب المشلوح مدعمةً بالصور في جريدة "النبأ"، اتسعت دائرة الجدل ومساحة الخلاف، وانقسم الكل إلى بعض، وتحول الضوء إلى ظلال وأطياف مبهمة وغامضة. تداخلت الأشياء والخطوط، فلم يعد أحدٌ يعرف بالتحديد من هو الجاني ومن هو المجني عليه، وبات من الصعوبة بمكان القطع بمسؤولية طرف دون الآخر في هذه القضية الشائكة التي سار فيها الجميع على حبلٍ مشدود تمتد تحته ألسنة اللهيب، في انتظار الضحية التي ستقع حتى تلتهمها، وتلوكها النيران وألسنة الجميع

ووسط هذا الضجيج الذي ارتفعت فيه أصواتُ كثيرين حتى لم يعد أحدٌ يسمع شيئاً، وتحول فيه الكل إلى أجهزة إرسال ليست مهيأة لاستقبال رأي أو مناقشة أمرٍ بهدوءٍ وموضوعية، خوفاً من أن تلسعه نارُ حساسية الموضوع، نسي الجميع سماع صوت طرفٍ مهم في هذه القضية: ممدوح مهران

أغفل الكل - أو قل تجاهلوا- سماع رواية الصحفي الذي نشر الموضوع وأثار بالكلمة والصورة موجات متتالية من الغضب والخلاف. وربما أدت الزوابع المحيطة بالقضية إلى السكوت عن هذا الجانب وغض الطرف عنه

غير أن محاضر التحقيق التي أجرتها نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 769/2001، تبدو كأنها تجرجر وراءها قضية أخرى تحمل رقم 765/2001 حصر أمن الدولة العليا. ومثلما يحمل سيزيف في الأسطورة القديمة الصخرة حتى يبلغ قمة الجبل فتتدحرج إلى أسفل ليعاود رحلة المعاناة من جديد، تحاول قضية "النبأ" أن تحمل حكاية الراهب المشلوح إلى قمة الجبل، لكنها تفاجأ في كل مرةٍ بأنها تسقط إلى سفح الجبل تحت وطأة ثقل القضية التي تحملها فوق ظهرها

وبخطٍ جميل منمق –لا يوحي بسخونة الكلمات التي وردت فيه- يأتي محضر التحقيق الذي أجراه محمد الفيصل يوسف وكيل النيابة وكمال محمد سكرتير التحقيق في سراي النيابة في الساعة 5:45 مساء يوم 18 يونيو 2001 مع ممدوح مهران


أول ما يسترعي الانتباه في هذا التحقيق الذي أتيحت لي فرصة الاطلاع على نسخةٍ منه، ذلك الوصف التفصيلي الدقيق لهيئة وشكل الصحفي الذي جرى استجوابه، حيث نقرأ النص التالي: "وحيث نودي على المتهم خارج غرفة التحقيق فاستبان حضوره فأدخلناه إليها، وبمناظرته ألفيناه رجلاً في نحو منتصف العقد السادس من العمر، متوسط طول القامة، معتدل البنية، قمحي البشرة، أشيب الرأس وأسود لون العينين، يرتدي حلة بيج اللون وقميصاً لبنياً ورابطة عنق رمادية اللون، وبنطالاً أسود وحذاء جلدياً أسود اللون، ولم نلحظ بعموم الأجزاء الظاهرة من جسده إصابة أو علامة مميزة"

لا أحد يدري على وجه التحديد فائدة هذا الوصف التفصيلي الذي يبدو كأنه خارجٌ لتوه من إحدى الروايات والقصص عن أحد الأبطال في ذلك العمل الأدبي

وجه المفارقة أن "البطل" هنا كان في ورطة

فقد كان هذا "البطل" يخضع للاستجواب باعتباره "المتهم" في قضية "النبأ" التي نشرت في 17 يونيو 2001 موضوعاً مصوراً عن انحرافات الراهب المشلوح برسوم المحروقي

ممدوح مهران الذي كان آنذاك في سن الخامسة والخمسين، أبدى أثناء استجوابه عدم رغبته في حضور ممثلٍ عن نقابة الصحفيين التحقيق معه، وقال في محضر التحقيق: "وأنا من خلال رئاستي لمجلس إدارة ثالث أكبر مؤسسة صحفية في مصر، مؤسسة دار النبأ الوطني، وبصفتي رئيس تحرير الصحف الصادرة عن تلك المؤسسة، أضع قواعد وضوابط خاصة في عملية النشر. هذه القواعد أراعي فيها المقومات الأساسية للمجتمع والذي أعلم أنه ينهض على دعامتين هما المسيحية والإسلام، وأنه من هاتين الدعامتين يتشكل نسيج المجتمع"

وبغض النظر عن صحة ما يذهب إليه ممدوح مهران من كون دار "النبأ الوطني للنشر" ثالث أكبر مؤسسة صحفية في مصر في ذلك الوقت، فإن الرجل يتحدث مبرئاً نفسه من التهم الموجهة إليه، وتشمل اتهامه بالتحريض بطريق النشر على بغض طائفة من الناس والازدراء بها، وتكدير السلم العام، وحيازة مطبوعات وصور فوتوغرافية منافية للآداب العامة بقصد التوزيع، ونشره بطريق الكتابة أموراً من شأنها التأثير في دعوى متداولة أمام النيابة العامة

التحقيق مع مهران يكشف - بدايةً- عن أن دار "النبأ الوطني للنشر" التي تعد الأساس مؤسسة عائلية تتألف من ممدوح مهران رئيساً لمجلس الإدارة، وابنه د. حاتم ممدوح مهران نائباً لرئيس مجلس الإدارة وعضواً منتدباً، والزوجة هادية عزالدين أحمد. وإذا كانت النبأ الاسبوعية قد صدرت بدءاً من العام 1996، فإن بطاقة قيد مهران في نقابة الصحفيين – قبل شطبه وابنه من عضوية النقابة في ذروة الأزمة- تحمل الرقم 2087 وتاريخ القيد 26 من مارس 1978. الرجل إذن عضو في نقابة الصحفيين قبل صدور "النبأ"، وهو يقول أثناء التحقيق إنه عمل في كلٍ من "أخبار اليوم" ومجلات "أكتوبر" و"روز اليوسف" و"المصور"، قبل أن يؤسس دار النبأ

اللغز الكبير في أقوال مهران أثناء التحقيق معه اسمه فايز!

فهو يقول في أثناء التحقيق إنه "من حوالي عدة أيام قبل النشر، جاء إلى مكتبي واحد من شباب الصحفيين في المؤسسة وهو تحت التدريب فيها واسمه فايز، واعتذر عن الإفصاح عن باقي اسمه؛ لأنه وفقاً لقانون الصحافة من حقي أن أحتفظ بسرية مصادري في المعلومات. هذا الشاب الصحفي قال لي إن عندهم في الصعيد موضوعاً يتداوله الناس سراً، خاصاً بأحد الرهبان الكبار في دير المحرق، وهو يتم تداوله من خلال شريط فيديو يُباع في أسيوط بمئة جنيه للنسخة. وذكر لي فايز أن الشريط ده مسجل عليه فيلم جنسي بين الراهب وإحدى السيدات. وأثناء رواية هذا المصدر لمعلوماته عن الموضوع كنت أقوم بتدوين بعض الملاحظات عن روايته، وذكر لي أن هناك قضية رقمها 765/2001 أمن دولة يحقق فيها بخصوص هذا الراهب وانحرافاته، فطلبت منه أن يمدني بنسخة من هذا الشريط، وأعطيته مئة جنيه ثمناً لها، وبعد يومين فوجئت بهذا الصحفي الشاب يقدم لي بمكتبي نسخة من الشريط الذي حدثني عنه"

تستوقفك هنا تساؤلاتٌ طبيعية ومنطقية: كيف عرف هذا الصحفي تحت التمرين برقم القضية المذكورة؟ وهل كان من السهولة بمكان الحصول على نسخة من شريط الفيديو الجنسي المذكور في أسيوط؟ ولماذا لم يذهب ممدوح مهران بهذا الشريط وتلك القضية الجاهزة إلى أجهزة الأمن المعنية، بما يساعد التحقيق ويعزز الأدلة؟

السؤال الأخير فقط ورد في التحقيق، وأجاب عنه مهران قائلاً: "أخذت الشريط إلى منزلي وشاهدته، وهالني أمر ما شاهدته، وانفعلت انفعلاً شديداً للغاية واعتملت في نفسي مشاعر متضاربة لدرجة أني أخذت سيارتي في شارع الهرم "رايح جاي"، أفكر في الذي شاهدته..وكان الحوار الدائر بيني وبين نفسي هو كيف أتصدى لخطورة الأمر..في الوقت نفسه، تساءلت إزاي أتصدى لخطورته.. لو رحت بلَّغت مثلاً أي جهة أمنية لا أضمن كيف تتصرف مع هذه الكارثة، وكان عندي تخوف أنه في هذه الحالة من الوارد أن تأخذ مني الجهة الأمنية الشريط وتركنه عندها في الأدراج أو تسيء استعماله بعيداً عن هدفي المنشود، وهو التنبيه لفداحة الكارثة.. في الوقت نفسه، أي جهة دينية أخرى يمكنني إبلاغها ممكن أن تتصرف بذات الطريقة.. ولو أني نشرت الموضوع على استحياء وباقتضاب فقد يتم تجاهل الموضوع من المسؤولين، لذلك لم أجد أمامي سوى النشر الكامل والتفصيلي للموضوع بهدف التنبيه ودق ناقوس الخطر"


الكلام الذي قاله مهران يعكس شعوراً بالشك وعدم الثقة في حسن تعامل الأجهزة والمؤسسات المختلفة مع مثل هذا الموضوع، يقابله اقتناعٌ بأنه الوحيد القادر على إثارة الموضوع. وبالرغم من أن حالة الريبة وعدم الاطمئنان كانت - وفق ما قاله مهران- السبب في اندفاعه نحو النشر غير المحسوب لهذا الموضوع الشائك، فإن السبب الأصح في تقديرنا هو أن مهران وجد أمامه ما تصور أنها وجبة دسمة وشهية، لم يستطع مقاومة إغراء نشرها

هي إذن شهوة نشر، قبل أن تكون رغبة في تحريض أو تكدير السلم العام

ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد ما جاء في التحقيق كالتالي:

· ولماذا لم تقطع في هذا الأمر بمراجعة جهات التحقيق قبل هذا النشر؟
- بصراحة أنا أمام الشريط الذي شاهدته، وبشاعة ما فيه، لم يكن أمامي سوى نشره، وليكن ما يكون. وجميع المراجعات أو التأكيدات صغرت في عيني ولم يكن لديها محل
· فكيف كان تقديرك لمردود تحقيقك الصحفي على تحقيقات النيابة؟
- تصورت أن ما أنشره لن يؤثر على سير التحقيقات؛ لأني علمت بعدم وجود حظر للنشر في قضية تتعلق بهذا الموضوع أو تحمل الرقم الذي أعطاه لي فايز

لم يتحقق مهران من صحة المعلومات التي بين يديه، ولم يتأكد على سبيل المثال ما إذا كان برسوم المحروقي راهباً مشلوحاً، طردته الكنيسة ومنعته من ارتدء زي الكهنوت عام 1996، أم أنه مازال يؤدي مهام عمله في دير المحرق في أسيوط كما ورد في الموضوع الذي أثار الأزمة، ولم يتأكد من صحة حدوث الواقعة المصورة على شريط فيديو


لنقرأ السطور التالية من واقع محضر التحقيق

· قررت سابقاً أن تحري الصدق هو من بين القواعد الضابطة للنشر، فكيف كان هذا التحري إزاء ما تناولته في العدد المنشور حول واقعة سرقة الراهب برسوم لأربعة كيلوغرامات من الذهب؟
- لأن محور التحقيق وجوهره هو الانحراف الجنسي للراهب، وهو ما كان مؤكداً من واقع الشريط الذي شاهدته، ولذلك لم أجد حاجة إلى التأكد من واقعة السرقة التي حدثني عنها فايز
· يعني هذا أنك نشرت الواقعة المشار إليها دون التأكد من صحتها؟
- أيوه!

لكن مهران يقدم صورة أخرى عن الدافع وراء نشره الموضوع عن الراهب المشلوح، فيقول في أثناء التحقيق: "أخذت في اعتباري قبل أن أقرر النشر بهذه الكيفية ما يمكن أن يلحق بي من جراء سوء الفهم أو أصحاب المصالح الذين يصطادون في الماء العكر..ولكني حسمت الأمر مفترضاً أني جندي أضحي بروحي فداءً لبلدي، وقلت لنفسي إنه يشفع لي التاريخ الوطني المشرف لمؤسستي الصحفية ولي شخصياً"

وفي موضع آخر من التحقيق يؤكد أن "هدفي هو الصالح العام مع سلامة النية، وبالتالي فلا محل للاتهامات الموجهة لي والتي يجب أن توجه إلى الراهب؛ لأنه هو الذي ازدرى المسيحية وكدَّر "السلم العام"



بل إن مهران يرى أنه أسدى خدمة جليلة وصنيعاً إلى الجهات المسؤولة بنشره هذه القضية، حيث يقول: "أنا تصورت أني أكشف للمسؤولين فساداً هاماً في مكانٍ ديني حساس، وبالتالي، فأنا أقوم بدورٍ وطني"
نعود إلى حكاية الصحفي تحت التمرين: فايز

فهذه الشخصية تشبه - حسب أقوال مهران- الكنز الذي وضع يده عليه، وفي أحيانٍ أخرى بدا كأنه سبب الورطة التي وقع فيها ممدوح مهران ولم يخرج منها أبداً

ولأن التحقيقات تلف وتدور باحثة عن ثغرة أو منفذ لكشف الحقيقة، فإن المحقق يسأل مهران عن سبب التكتم على باقي اسم فايز، فيرد عليه قائلاً: "قانون الصحافة يعطيني الحق في الاحتفاظ بسرية مصادري"، ثم يرد الاستجواب التالي:


· ولكن هذا المصدر صحفي بالجريدة؟
- هو صحفي، ولكنه تحت التمرين وغير مسؤول بأي شكل عن التحقيق الذي نشرته.. هو فقط أمدني بالمعلومات ولم يكن له دورٌ في التحرير إطلاقاً، وبالتالي فهو بالنسبة لي مصدر معلومات وليس صحفياً
· فلماذا أفصحت عن اسمه أحادياً؟
- لأن الحقيقة أنا لا أعرف باقي اسمه بالتحديد
· وهل سبق له أن أمدك المذكور بمعلومات عن تحقيقات صحفية مثيلة؟
- لا.. دي أول مرة كان يدخل فيها مكتبي ويعطيني معلومات من هذا النوع
· وهل مازال المذكور يعمل متدرباً بالجريدة؟
- للأسف هو يوم السبت الماضي 16 -6-2001 انقطع عن الحضور للجريدة ولم أره اليوم ولا الأمس أثناء الضجة التي أثارها هذا التحقيق



وبالرغم من جدية التحقيق، فإنه لا يخلو من طرافة، مثلما هي الحال في الحوار الوارد بين مهران وفايز. وقد جاء في التحقيق ما يلي

· ما الذي قرره لك هذا الصحفي على وجه التحديد؟
- هو قالي يا أستاذ ممدوح في عندنا في البلد في أسيوط شريط جنسي الناس بتبيعه سراً للحبايب بمئة جنيه للنسخة، فقلتله: وماله يا فايز، ما الدنيا مليانة شرائط جنس، أنت باين عليك صعيدي قفل، فقالي: لا يا أستاذ ممدوح، ده شريط مصوره راهب كبير في دير المحرق اسمه برسوم مع واحدة ست. فقلتله: أنت جبت الكلام ده منين؟ قالي: الشريط موجود في البلد وأقدر أجيب لك واحد منه. وسألني بمنتهى البراءة: ينفع الموضوع ده كموضوع صحفي يتنشر؟ قلتله: طبعاً، بس أنت هاتلي الأول شريط يثبت الكلام ده..وأخذ مني مئة جنيه علشان يشتري لي الشريط، وفعلاً جابه لي بعد يومين تقريباً
· هل قرر لك سالف الذكر بمصدر حصوله على هذا الشريط؟
- مقلش لي، لما سألته عن اسم اللي جاب منه الشريط رد وقالي: يا أستاذ ممدوح الحاجات دي زي المخدرات وأنا أخذته في السر من واحد حبيبي

يطل علينا اسم فايز طوال التحقيق، ربما أكثر من أي اسم آخر – بما في ذلك الراهب المشلوح نفسه محور القضية- فهو هنا المصدر الرئيسي – إن لم يكن الوحيد حسب أقوال ممدوح مهران- لما نشرته "النبأ"، حيث يدور الاستجواب التالي بين المحقق ومهران

· وهل أدلى لك بثمة معلومات لدى أن سلمك هذا الشريط؟
- أيوه، وأنا اهتميت بكلامه ودوَّنته في مذكرة على مكتبي؛ لأنه كان كلام خطير جداً، وعلشان أحاول أتأكد من صحة المعلومات اللي قالها
· ما هي المعلومات التي قررها لك في هذا الشأن؟
- هي كل الكلام الذي نشرته في العدد موضوع التحقيق، وما أذكره أنه قال لي إن الراهب برسوم مقرب جداً من الأنبا ساويرس رئيس الدير وإنه مشهور عنه ممارسة السحر والشعوذة وتحضير الجن، وإنه يستقبل سيدات كتير..ويمارس معاها الجنس ويصور الممارسات دي

وينسب مهران في التحقيق إلى فايز معلومة أن هناك قضية رقم 765 أمن دولة حول الراهب المشلوح. وتزيد التساؤلات وعلامات الاستفهام حول "الصحفي المعجزة" فايز، حين يكرر ممدوح مهران أثناء التحقيق معه "المعلومة دي قالها لي فايز". وعلى سبيل المثال، فإن التحقيق يسير على النحو التالي

· وكيف علمت بأن النيابة العامة وجهت إلى الراهب برسوم تهمة استغلال الدين المسيحي في الترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة؟
- المعلومة دي قالها لي فايز، وأنا اعتقدت أن فايز عرفها من خلال ما يتردد في بلده من معلومات، قد يكون علم بها من خلال أحد أطراف القضية "أو" شقيق الراهب اللي بيوزع الشريط "أو" المحامين اللي ممكن يكون اتصل علمهم بها
· فكيف علمت بواقعة حيازة المتهم لدى ضبطه عظاماً وجماجم يستخدمها في تحضير الجان؟
- عندنا في الصعيد الأخبار يتم تداولها وبيسر، خاصةً أدق الأسرار، فمعلومة كهذه وهي الخاصة باستخدام المتهم مثل هذه الأشياء يمكن معرفتها بسهولة، خاصة أنه ذكرها لي فايز
· وبماذا تعلل الفقرة التي نشرتها في هذا التحقيق الصحفي والتي ذكرت فيها اعتراف الراهب لدى مواجهته بالتحقيقات بأمور تتعلق بممارسات غيره من رجال الدين، وبوجود علاقةٍ بينه وبين إحدى السيدات، وبأن النيابة قررت إحالة المضبوطات إلى الطب الشرعي..وقد كانت هذه الأمور جميعها مما تناولها تحقيق النيابة العامة؟
- فايز اللي قالي إن الناس في البلد تتكلم عن تحقيق مع الراهب، وبتقول إنه اعترف في التحقيق بكذا وكذا
· وبماذا تعلل اتصال علم أهالي بلدة المذكور بمجريات تحقيق النيابة العامة والذي لم يجرِ تناوله من قبل؟
- من الممكن يكون شقيق الراهب جرجس من اللي اتصلوا بالقضية سواء المحامين أو غيرهم أشاع هذا الكلام في بلدة فايز، وده كان تعليلي للأمر

ترى، هل كان ممدوح مهران يعلم أكثر مما قال؟
سؤالٌ مشروعٌ ومنطقي، تماماً مثل استنتاجاته المنطقية أثناء التحقيق، فلدى سؤاله
· من قولك والثابت من واقع المنشور بالتحقيق الصحفي، إفرادك عنواناً له تضمن "بلاغ سيدة مسيحية..."، وهو ما يعني علمك بوجود بلاغ، فكيف تسنى لك هذا العلم إذن؟
- علمت من واقع المعلومات اللي قالها لي فايز!

يرجح هذا ما ذكرناه آنفاً في التحقيق من أن المحقق سأل مهران: "وما قولك والثابت في مجمل تحقيقك الصحفي اشتماله على وقائع تناولتها التحقيقات فعلاً وعلى نحوٍ من التفصيل؟".. أما جواب مهران فكان "علمي بأن التحقيقات قد تناولت هذه الوقائع كان مجرد استنتاج". وفي موضعٍ آخر، قال مهران: "ما نشرته كان اعتماداً على ما أخبرني به مصدري الشاب، وتأكد من واقع مشاهدة الشريط. علمت من خلال مراجعة المكتب الإعلامي أنه لا يوجد حظر من نشر في قضية بهذا الرقم. ونسبة هذا الرقم إلى نيابة أمن الدولة من باب الاستنتاج، والإشارة إلى وجود بلاغ في النيابة هو نوع من تحري الصدق بقدر الإمكان"



لعبة الاستنتاج تتكرر مرة أخرى أثناء التحقيق، كما يلي

· ورد بهذا التحقيق المنشور أن الراهب المعجزة – على حد ما نشرت- مارست الجنس مع خمسة آلاف سيدة..فكيف وقفت على هذه المعلومة؟
- فايز قالي إن الراجل ده بقاله 18 سنة في الدير، فأنا ذكرت عدد السيدات اللي مارس معها الجنس باستنتاج منطقي، وهو أن يكون بالضرورة مارس الجنس مع عدد كهذا.. يتردد عليه كثير من السيدات طوال هذه المدة

التحقيق مع ممدوح مهران حول الاستنتاج يجرنا إلى جزئية أخرى في الاستجواب

· هل تأكدت قبل نشرك التحقيق أن وقائعه محل لتحقيقات نيابة أمن الدولة؟
- لا، ولكني كتبت رقم القضية زي ما أخبرني به فايز، ونسبت الرقم إلى نيابة أمن الدولة العليا من باب الاجتهاد والاستنتاج من واقع الخبرة
· وهل يجدي الاستنتاج عن الحق شيئاً في نسبة موضوع كالذي تناولت إلى جهةٍ قضائية دون التحري أو التثبت من حقيقة الأمر؟
- والله إن ما كان يهمني هو نشر الكارثة، ولم أتوقف عند هذا الأمر

لكن ما يستوقفنا نحن هو استجواب ضابط مباحث أمن الدولة في قضية "النبأ" يوم 19 من يونيو عام 2001
· وهل كان يعلم الصحفي ممدوح مهران وقت نشره التحقيق الصحفي المشار إليه بجريدة "النبأ" بأن الموضوع محل التحقيق الصحفي هو موضوع التحقيق في نيابة أمن الدولة العليا؟
- أيوه كان عارف، والدليل على ذلك أنه كان ناشر رقم القضية التي يتم التحقيق في الموضوع في نيابة أمن الدولة، وهي رقم 765 لسنة 2001 حصر أمن دولة عليا

على أي حال، فقد أمر المستشار هشام بدوي المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا بإخلاء سبيل ممدوح مهران بكفالة عشرة آلاف جنيه على ذمة التحقيق، وأحيل إلى محكمة جنح أمن الدولة عليا طوارىء بعابدين لمحاكمته في خمس تهم وجهتها له نيابة أمن الدولة العليا


أما سبب الإفراج عن مهران بكفالة فيعود إلى أنه جرى استجوابه على أساس قانون الصحافة لعام 1996، والذي يحظر حبس أي صحفي يخضع للتحقيق، ويمنع سجن الصحفي إلا بموجب حكم قضائي


هل لدينا أقوال أخرى؟

نعم لدينا، فأسئلة التحقيق اجتهدت في الإحاطة بحقيقة موقف ممدوح مهران ومعلوماته، والإجابات حاولت الاحتماء بشعار الدوافع النبيلة، في حين تولد دوائر لا تنتهي من التساؤلات حول حقيقة ما جرى وكان، وطبيعة النيات وهوية الأطراف التي تقف وراء النشر، وأسماء - لن ننسى فايز!- تم تداولها، بدءاً من إسحق روحي مدير تحرير "النبأ" الذي صحح كلمة واحدة من مقال مهران قبل النشر، واستشاره مهران لأنه مسيحي فعرض عليه المقال مثلما جعله يشاهد الشريط، فأفاده بأنه ليس في الموضوع ما يمس الكنيسة!

القائمة تضم أيضاً علي جمال، أحد المسؤولين الرئيسيين عن التحرير في جريدة "النبأ"، والمصور بالجريدة الذي التقط الصور من شريط الفيديو للنشر، وكل أصحاب الأسماء الواردة في القائمة شاهدوا شريط الفيديو بناء على طلب مهران

إنها أسئلة حائرة، وإجابات تلد علامات استفهام، ومعلومات داخت من التفاصيل في قضية "النباً" التي تداخلت بشكلٍ مثير مع قضية "الراهب المشلوح"

ونظن أن الفصول التي حدثت بعد التحقيق مع ممدوح مهران كانت أكثر إثارة مما توقع الجميع
تابع القراءة

gravatar

قضية الراهب المشلوح (1): "النبأ".. في عين الإعصار



في الصباحات العادية، وحدها عناوين الصحف تصنع الزلازل

هذا على الأقل ما حدث في أحد أيام صيف 2006 في قاهرة المعز

الشوارع التي يسير فيها كثيرون بلا هُدى مثل شمعةٍ مطفأة، أصيبت يوم الأحد الموافق 17 يونيو 2001 بصدمة اسمها
"قضية الراهب المشلوح"

فقد خصصت الصفحة الأولى من العدد رقم 663 من جريدة "النبأ"، لموضوع واحد يحمل عناوين مثيرة، بينها



"النبأ تنفرد بنشر الملف الكامل لأول فضيحة من نوعها تهزّ مصر بالوثائق"
"تحويل دير المحرق بأسيوط إلى بيت دعارة على يد الراهب الكبير"
"الساعد الأيمن للرجل الأول بدير العذراء يستحلّ أعراض المسيحيات"
"لقطات صريحة من أول فيلم جنسي صوّره الكاهن لابتزاز ضحاياه"
"الراهب المعجزة يمارس الجنس مع 5 آلاف سيدة في مذبح الكنيسة"
"الراهب الكبير يمسح عورته في ستر الهيكل المقدس بعد قضاء شهوته مع النساء في مكان تجلى فيه روح المسيح"


نشرت الجريدة مع موضوعها- الذي امتد على ثلاث صفحات- 14 صورة، بعضها اعتبر مخلاً بالآداب العامة، وتضمنت أوضاعاً جنسية لراهب مشلوح "مطرود من ديره" يُدعى برسوم المحروقي، مع تحقيق صحفي بأن هذه الجريمة ارتكبت في هيكل الدير الذي عرف منذ القدم باسم دير السيدة العذراء واشتهر بدير المحرق وأيضاً بدير جبل قسقام. وهذا الدير - الذي يقع في القوصية بأسيوط جنوبي مصر- يعد من أكثر الأماكن قدسية لدى الأقباط، حيث تقول مراجع دينية وتاريخية إن العائلة المقدسة مكثت بين جدرانه ستة أشهر أثناء هروبها إلى مصر

فضيحةٌ، يعجز كلُّ رجال الإطفاء عن إخماد حريقها

تبين أن الصور المنشورة في العدد المثير للجدل مأخوذة عن شريط جنسي صوَّره الراهب الذي تم خلعه قبل سنوات من الأزمة ومنعه من دخول الدير بسبب شكاوى وردت إلى الدير من تصرفات وسلوكيات غريبة صدرت عنه، بالإضافة إلى اتهامه بممارسة الدجل والسحر


وبالرغم من أن المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا، هشام بدوي، أمر بالتحفظ على نسخ الصحيفة، وقد تم بالفعل ضبط 1790 نسخة من الجريدة وغيرها من الجرائد التي نشرت الموضوع نفسه، فإن أعداداً من "النبأ" وصلت بطريقةٍ ما إلى أيدي المشترين الذين تلقفوا العدد وهم في حالٍ من الدهشة أو الصدمة. كما صادرت النيابة في اليوم التالي صحيفة "آخر خبر" التي يصدرها أيضاً رئيس تحرير "النبأ" ممدوح مهران، بعدما أعاد نشر الموضوع نفسه ولكن بدون الصور

أثارت الصور - والشريط الجنسي- احتجاجات واسعة، فيما سارعت مؤسسات المجتمع المدني والحكومي إلى عقد اجتماعات متزامنة لبحث الأزمة في ظل أجواء مشحونة بالتوتر والاستياء

وبصورة عاجلة أصدرت نقابة الصحفيين المصريين والمجلس الأعلى للصحافة بيانين عاجلين. وقالت نقابة الصحفيين في بيانها إن مجلس النقابة يدين كل ما نشر متعلقاً بموضوع الراهب المفصول واعتباره محاولة غير مسؤولة لتلويث سمعة الكنيسة المصرية العريقة المشهود لها بالتقاليد والمثل الوطنية والأخلاقية السامية. وأشارت إلى أنها تستنكر السياسة العامة للتحرير بجريدة "النبأ" وترفض أسلوبها الذي يعتمد على الإثارة ونشر الفضائح والعبث بأعراض المواطنين وتندد بمخالفتها الدائمة للأصول المهنية للعمل الصحفي المسؤول، وأنها ستستكمل التحقيق مع ممدوح مهران بشأن مخالفاته لميثاق الشرف الصحفي ومساءلته عن دوافعه وراء نشر هذه المادة المسيئة للوحدة الوطنية ورسالة الصحافة

وبعد اجتماع المجلس الملي العام للأقباط صدر بيان الكنيسة، جاء فيه أن "ما نشرته تلك الجريدة امتلأ عن آخره بما يثير الأقباط إثارة بالغة لمشاعرهم والنيل من مقدساتهم، كما نشر بأسلوب مقزز لكل القراء أياً كانت ديانتهم وهو يمس فرداً منحرفاً لا يمت إلى الرهبنة بصلة، وليس للكنيسة سلطان على لحيته، والملابس التي استتر وراءها، واستمر مرتدياً إياها دون وجه حق، لأن الزي الكهنوتي ليس مسجلاً رسمياً حتى الآن
"
أما شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوي فقال إن ما نشر لا يمثل إساءة للأساقفة الاقباط‏، وإنما هو إساءة بالغة للمجتمع المصري بأكمله

وتحت رماد الأحداث، اشتعلت جمرة مفادها أن الأمن هو الذي يقف وراء تسرب الشريط الجنسي إلى أيدي الصحافة
استدعى الأمر تدخل الرئيس المصري حسني مبارك بنفسه


ففي حوار مطول أجراه معه رئيس تحرير "المصور" المصرية مكرم محمد أحمد في مطلع يوليو 2001، نفى مبارك الشائعات التي ترددت عن أن شريط الراهب المشلوح قد حصلت عليه جريدة "النبأ" من مصادر أمنية، وقال إن وزير الداخلية أبلغه أن الراهب يوزع الشريط على مناطق القاهرة وأنه يخشى من انتشار الأمر. وأضاف مبارك أنه أرسل رئيس ديوانه زكريا عزمي وسكرتيره السابق للمعلومات د. مصطفى الفقي إلى البابا لمعرفة رأيه. وقال إن البابا طلب اتخاذ الإجراءات القانونية ضد الراهب المشلوح. وتساءل مبارك ما الذي حول قضية الراهب الفاسد والصحيفة الصفراء إلى مشكلة تم إقحام الدولة فيها عنوة وتصور البعض أنها فرصة للمزايدة وإظهار أن الأقباط لا يتحصلون على حقوقهم. وأكد أنه رفض استخدام قانون الطوارئ بإيقاف الصحيفة طالما أن الأمر منظورٌ أمام القضاء في جلسات مستعجلة


جهودٌ مكثفة بُذِلَت لاحتواء الموقف، لكنها لم تفلح في نهاية الأمر في تجنب وقوع احتجاجات


بدأت الاحتجاجات في القاهرة بتجمع بضعة آلاف من الأقباط داخل أسوار الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، واصطدم محتجون مع قوات الشرطة عندما حاولوا الخروج إلى الطريق العام وأصيب في الاشتباك عدد من الأشخاص، بينهم ستة رجال شرطة إثر رشق المتظاهرين لهم بالحجارة. وتمكنت قوات الشرطة من استعادة الهدوء ونظمت خروج المتظاهرين من الكاتدرائية في جماعات صغيرة

في اليوم التالي، انتقلت المظاهرات إلى أسيوط، كرة النار التي تتدحرج دائماً

وشهدت ثلاث كنائس على الأقل في أسيوط مظاهرات ضم كل منها ما بين 1500 و2000 قبطي كانوا يهتفون ضد رئيس تحرير النبأ ممدوح مهران قائلين "يا مهران يا مهران.. لن تنال من الرهبان"
تحرك الأقباط خلال هذه الأزمة جاء على محورين، الأول جاء بتوجه 50 محامياً إلى مكتب النائب العام وتقدموا ببلاغ ضد ما حدث لأنه يشكل تحقيراً وازدراء للدين المسيحي طبقاً لنص المادة 98 من قانون العقوبات. وقد أحال النائب العام البلاغ إلى المحامي العام لنيابات أمن الدولة العليا للتحقيق


المحور الثاني جاء بتوجه الأنبا ساويرس رئيس دير المحرق الذي كان يتبعه الراهب المخلوع إلى مكتب نقيب المحامين - بعد أن مثل أمام نيابة أمن الدولة العليا للإدلاء بشهادته حول الواقعة- وقام بتوكيله برفع دعوى جنحة سب وقذف بطريق النشر ضد صحيفة "النبأ" ورئيس تحريرها


بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية البابا شنودة أقام بدوره دعوى قضائية ضد ممدوح مهران في 13 يوليو 2001، وأكد أنه على استعداد للتسامح مع الإهانات الشخصية، لكن الإهانة هذه المرة كانت لرمز الكنيسة والمسيحية

وبجانب دعوى البابا شنودة، قرر الادعاء العام استدعاء ممدوح مهران لمواجهة تهمة التحريض على الفتنة ونشر موضوعات مسيئة فاضحة فيها إهانة لطائفة دينية، الأمر الذي يشعل نار الفتنة في البلاد

وفي الإجمال، واجه ممدوح مهران عدة دعاوى مباشرة وصلت إلى نحو خمس وعشرين جنحة رفعها محامون ورجال دين أقباط في محاكم مختلفة


القمص باخوميوس وكيل دير المحرق والذي قالت الجريدة إن الشريط تم تصويره فيه، أكد أن المدعو عادل سعدالله غبريال المعروف ب "برسوم المحروقي" بدأ رحلة الانحراف وخرج على تقاليد الكنيسة والرهبنة، فتم تجريده من رتبته الكهنوتية عام 1996 وغادر الدير مطروداً ولم يدخله مرة أخرى، وبذلك فهو ليس راهباً


وأكد وكيل الدير أن ما نشرته الجريدة من صور بها ازدراء للدير هي بعيدة تماماً عن جدران الدير، وأن الجريدة استغلت صورة للراهب المطرود أثناء وجوده في الدير بجوار صورة السيدة العذراء بالملابس الكهنوتية، أما باقي الصور فهي في أماكن بعيدة عن الدير


وحول ما ادعته الجريدة أن ممارسة الرذيلة تمت داخل المذبح الموجود في "قلاية" الراهب، أكد وكيل الدير أن هذا الادعاء غير صحيح؛ لأن المذبح لا يسع لأكثر من شخص، بالإضافة إلى أن المذبح الذي قالت الجريدة إنه شهد ممارسة الراهب المخلوع للفاحشة مع السيدة، هو منطقة محظور على السيدات دخولها نهائياً


لم يكن ذلك كل شيء


فقد فجرت النيابة فجأة كبرى حين قالت إن شريط الفيديو الجنسي والمستندات موجودة من ضمن أحراز النيابة في القضية رقم 765/ 2001 حصر أمن دولة. وتبين أن الراهب المشلوح محبوس لدى مباحث أمن الدولة مع شقيقه منذ يوم 2 يونيو في المخالفات التي ارتكبها
وأمام النيابة، قالت السيدة صاحبة البلاغ - كما جاء على لسان محاميها عادل عدلي لصحيفة "أخبار الحوادث" - بتاريخ5 يوليو 2001 - إن علاقة صداقة بدأت بين الراهب المخلوع وزوجها بعد أن قدم نفسه له على أنه راهب بدير المحرق


دعاه زوج السيدة إلى منزله للتبرك به، وراح الراهب المخلوع يتردد على منزل الأسرة وتوطدت العلاقة بينه وزوج السيدة. تدريجياً، بدأت زيارته تطول من عدة دقائق إلى ساعات ثم أيام، حتى إن زوج السيدة خصص له غرفة بالشقة ليقيم بها عندما يحل على الأسرة للزيارة، وتحل على البيت مباركته. ذاع صيت الراهب المخلوع في المنطقة، وأخذت السيدات يترددن عليه للحصول على البركة، وراح يمارس هوايته المفضلة ويعبث في الفتيات


وذات يوم، خرجت السيدة وزوجها لقضاء بعض الأمور - كما أكدت في أقوالها- وعندما عادا إلى منزلهما اكتشفا اختفاء 4.5 كيلو من الذهب من خزانة المنزل، حيث يمتلك الزوج محل مجوهرات.. لم يشكا لحظة واحدة في أن يكون الراهب المحروقي هو اللص الذي استولى على المجوهرات

وبدأت الشكوك تتجه في عدة اتجاهات كلها كانت بعيدة تماماً عن الراهب المشلوح

لجأ زوج السيدة إلى برسوم المحروقي يطلب منه مساعدته في كشف اللصوص واستعادة المجوهرات المسروقة، خاصة أن الرجل كان معروفاً عنه ممارسة السحر. اغتنم الراهب المشلوح الفرصة، فأوهم زوج السيدة أنه سوف يعيد له الذهب المسروق، وبدأ يمارس أعمالاً خدع بها السيدة وزوجها وجعلهما يثقان في قدراته، ثم بدأ في تنفيذ خطته للنيل من السيدة، حيث طلب من زوجها السفر إلى مدينة الإسكندرية لإلقاء قطعة من القماش في البحر، على ألا يعود إلى منزله إلا بعد أن يصرح له بذلك

وفي غياب الزوج راح الراهب المشلوح يتحرش بالسيدة ويحاول الإيقاع بها والنيل منها، وعندما نهرته ورفضت الاستجابة له، راح يمارس أعمال السحر الأسود على طفلها الصغير حتى شعرت الأم بمرض طفلها. وتحت التهديد، أقام الراهب المشلوح علاقة جنسية مع السيدة، قبل أن يتوعدها بالانتقام من الطفل إن هي أبلغت زوجها بما بدر منه


لم يكتفِ الراهب المشلوح بذلك، بل راح يطارد السيدة في غياب زوجها حتى فاض بها الكيل، فأخبرت زوجها بأن الراهب له أغراض دنيئة فيها وفي بنات العائلة فطرده الزوج من منزله، كما طرد شقيقه الذي كان يعمل لديه في محل ذهب يمتلكه. بعدها أصيب الزوج بشلل نصفي ادعى الراهب المخلوع أن "الجنية" هي التي فعلت ذلك به، انتقاماً لطرده له من منزله


بعدها أسرعت الزوجة - كما أكدت في اعترافاتها أمام النيابة- إلى رئيس دير المحرق لإنقاذها من مضايقات برسوم ليفاجأ الزوجان برئيس الدير ينهرهما على استضافتهما له في منزلهما، وأكد لهما أنه تم عزله الرهبنة وشلحه ومنع تماماً من دخول الدير منذ سنوات بسبب سوء سلوكه وطالبهما بقطع علاقتهما به. عاد الزوجان إلى منزلهما ورفضا إبلاغ الشرطة خوفاً من الفضيحة. واعتقد الزوجان أن مشكلتهما مع الراهب المشلوح قد طويت صفحاتها وانتهت

لكن ما حدث كان خلاف ذلك، ربما لأن الفضيحة تلوّن ضحاياها أحياناً بألوان فاتحة


­ ففي شهر مايو 2001 - أي قبل نحو شهر من نشر جريدة "النبأ" تفاصيل الموضوع- فوجئت السيدة بشقيق الراهب المشلوح يطلب مقابلتها ويعطيها شريط فيديو عندما أدارته وجدت فيه لقطتين في أوضاع مخلة تجمعها مع الراهب. أحرقت السيدة الشريط معتقدة انها قد تخلصت بذلك من ذيول الفضيحة ومن ابتزاز الراهب وشقيقه، لكنها فوجئت بظهور شريط آخر حيث أخبرها شقيق الراهب المخلوع بأن لديه نسخاً أخرى من الشريط وراح يساومها للحصول على مبلغ 50 ألف جنيه مقابل تسليمها الشريط. وبالفعل أعطته مبلغ ثلاثة آلاف جنيه، لكنها ضاقت بمحاولات ابتزاز شقيق الراهب المشلوح، فأسرعت إلى المحامي الذي نصحها بإبلاغ الشرطة

تم نصب كمين لشقيق الراهب في أتيليه خاص بالسيدة، بعد أن أوهمته بأنها سوف تعطيه مبلغ خمسة آلاف جنيه، وهناك كانت الشرطة في انتظاره

وفي إفادتها أمام النيابة، أكدت السيدة أنها لم تلتق الراهب في الدير وأنها لم تعطه الذهب بل سرقه كما اعتدى عليها وهي غائبة عن الوعي وتحت تأثير سحره، مشيرة إلى تهديده لها بقتل ابنها الوحيد وزوجها


وقتها صدر قرار باعتقال عادل سعدالله غبريال الراهب المشلوح والمعروف باسم برسوم المحروقي، وتولت نيابة أمن الدولة العليا التحقيق في بلاغ السيدة


جريدة "الأهرام المسائي"، نشرت موضوعاً للصحفي عادل السروجي جاء فيه: "أكدت مصادر قريبة من دوائر التحقيق أن النيابة قد استمعت إلى أقوال السيدة التي تقدمت بالبلاغ ضد برسوم المحرقي وشقيقه (جرجس)، حيث أكدت في بلاغها أنها لجأت إلى الكنيسة قبل بلاغ النيابة وأن بلاغها إلى نيابة أمن الدولة العليا جاء بعد عمليات الابتزاز التي رضخت لها من برسوم المحرقي وشقيقه وسرقتهما كمية كبيرة من المجوهرات بالإضافة إلى حصولهما على مبلغ 34 ألف جنيه مقابل عدم ترويج شريط الفيديو الذي تظهر فيه مع المتهم. وأشار المصدر إلى أن المتهم برسوم المحرقي كان يقوم بإقناع ضحاياه من السيدات بأنه يساعدهن على الإنجاب من خلال تسخير الجان لتلبية مطالبه

وقد أكدت التحقيقات التي يشرف عليها المستشار هشام بدوي المحامى العام لنيابة أمن الدولة العليا أن عملية تصوير السيدات كانت تتم خلسة بالاتفاق بينه وبين شقيقه، حيث يقوم برسوم المحرقي بتثبيت كاميرا في مكان مخصص كان يلتقي فيه السيدات، وبعد انتهاء اللقاء يقوم بطباعة الأشرطة، حيث يتولى شقيقه الاتصال بالسيدات الضحايا لبدء عمليات الابتزاز بطلب مبالغ مالية نظير إعادة الأشرطة للسيدات"


وفي أثناء التحقيقات التي تجريها النيابة، فوجيء الجميع بنشر الموضوع وبه صورٌ اعتبرت خادشة للحياء العام وأثارت نفور وغضب المسلمين والأقباط على حد سواء

نسي الناس تفاصيل الوجه، وتوقفت أصابعهم طويلاً عند موقع الندبة

ولكن، من هو بطل الفضيحة "برسوم المحروقي"؟


عادل سعدالله غبريال الذي حمل في سلك الرهبنة اسم "برسوم المحرقي"‏، شخصٌ معروفٌ عنه الذكاء الحاد والقدرة على إدارة الحوار في مجالات مختلفة. التحق بالدير عام 1983 وتخرج في كلية الهندسة وقد مكث بخدمة الدير لمدة 13 عاماً‏. تدريجياً نجح في التقرب من الرهبان الكبار ثم وثق علاقته بالأنبا ساويرس رئيس أسقف دير المحرق‏،‏ وأصبح راهباً معروفاً في الدير‏،‏ تخصص في حل المشكلات العائلية وعهد إليه رئيس الدير بمهمة الإشراف على شؤون الكهرباء‏،‏ وما يرتبط بها‏. وفي عام ‏1992 ‏بدأ الرهبان يقدمون ضده شكاوى متتالية،‏ أبرزها أنه لا يلتزم بأصول الرهبنة‏، وأن بعض تصرفاته لا تليق بشأن ومكانة الراهب

في هذا العام تحديداً، 1992، جلس الراهب برسوم على كرسي الاعتراف أمام رئيس الدير، وتمت مواجهته بكل ما يُثار ضده. وكانت الاعترافات تتلخص في عدم التزامه بواجبه تجاه الرهبنة،‏ التي من أهم سماتها الخدمة الروحية للمترددين والزوار، وأنه بدلاً من أن يصبح سبباً في بركة وشفاء الكثيرين‏،‏ أصبح يجلب لهم المتاعب


ومع مرور الوقت ازدادت الشكاوى ضد الراهب برسوم وجلس على كرسي الاعتراف 7‏ مرات، وعندما ظهرت شكاوى جديدة ضده، دعا الأنبا ساويرس إلى عقد مجمع من أساقفة رؤساء الأديرة السبعة على مستوى الجمهورية للنظر في أمر هذا الراهب وهم رؤساء دير المحرق ودير الأنبا بيشوي ودير البراموس ودير السريان ودير الشهيدة دميانة ببلقاس ودير الخطاطبة بالبحيرة ودير مارمينا بمطروح. الاجتماع الذي عقد عام 1996 واستمر لمدة 8 ساعات انتهى بالموافقة الإجماعية على تجريد الراهب برسوم المحرقي من الكهنوت ورجوعه إلى اسمه العلماني وهو عادل سعدالله غبريال وكذلك حرمانه من دخوله الدير مرة أخرى ولو حتى للزيارة

‏ وبعد فصله حاول تقديم اعتذار وجلس على كرسي الاعتراف مرة أخرى‏، وصدر عفو عنه بعد فترة‏‏ لكنه لم يعد إلى دير المحرق‏، بل نقل إلى دير الشهداء في سوهاج‏. غير أن سيل الشكاوى ضده ظل مستمراً‏، إلى أن وقعت فضيحة الشريط الجنسي

نيابة أمن الدولة قررت حبس الراهب المشلوح 15 يوماً على ذمة التحقيق بتهمة استغلال الدين المسيحي في الترويج لأفكار متطرفة، وممارسة أفعال منافية للآداب مع النساء داخل الكنيسة، والاستيلاء على مبالغ مالية من السيدة صاحبة البلاغ

وفي النيابة العامة، كان رئيس تحرير "النبأ" يخضع للتحقيق

المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا، هشام بدوي، وجَّه أربع تهم إلى ممدوح مهران رئيس تحرير جريدة "النبأ"، تضمنت اتهامه ببث دعاياتٍ مثيرة ونشر صور منافية للآداب والتحريض بطريقة النشر على الازدراء بطائفة‏. من جهته، دافع مهران عن نفسه قبل بدء التحقيقات بالقول إنه لم يقصد الإساءة للكنيسة ولكنه نبَّه إلى موقف يسيء إليها

تصريحٌ يأتي متأخراً كالتوبة

إلا أن سلسلةً من المفاجآت كشف عنها التحقيق مع الرجل الذي فجَّر قنبلة النشر الصحفي للقضية

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator