المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

سليمان جودة.. عن فيلم مصري طويل



خط أحمر

سليمان جودة

فيلم مصري طويل‮!‬
ليس هذا هو الكتاب الأول للدكتور ياسر ثابت،‮ ‬فقد صدرت له من قبل،‮ ‬عدة مؤلفات مهمة،‮ ‬وكان كل واحد فيها،‮ ‬يدل على أن المؤلف يعرف جيداً،‮ ‬كيف يختار موضوعه،‮ ‬وكيف يختار الكتاب الذي يوضع اسمه على‮ ‬غلافه‮!‬ ولكن الكتاب الجديد،‮ ‬هذه المرة،‮ ‬عنوانه‮ "فيلم مصري طويل" ‬وهو صادر عن مركز الحضارة العربية،‮ ‬ولا ينافس الغلاف في جاذبيته،‮ ‬وأناقته،‮ ‬وشياكته،‮ ‬إلا المادة المنثورة على صفحات الكتاب‮!‬

ولأن فصول الكتاب،‮ ‬تتناول موضوعات،‮ ‬تبدو وكأن كل موضوع مستقل بذاته،‮ ‬فأنت تستطيع أن تبدأ القراءة من أي موقع شئت‮.. ‬تستطيع ـ مثلاً‮ ‬ـ أن تفعل كما فعلت أنا،‮ ‬فتبدأ من عند الفصول الخمسة التي تتناول حياة المشير عبدالحليم أبوغزالة،‮ ‬من البداية،‮ ‬إلى النهاية،‮ ‬لترى كيف كانت الدراما حاضرة،‮ ‬في مواقف كثيرة،‮ ‬من حياة ذلك الرجل،‮ ‬وربما يكون أكثر المواقف درامية،‮ ‬متجسداً‮ ‬في اللحظة التي خرج فيها المشير،‮ ‬من موقعه في الوزارة عام‮ ‬1989،‮ ‬فعاش صامتاً‮ ‬بعدها لا يتكلم،‮ ‬حتى رحل عام‮ ‬2008‮!.. ‬ولم يحدث أن خصص المؤلف خمسة فصول كاملة،‮ ‬لأحد في الكتاب‮.. ‬إلا المشير‮!‬
وتستطيع أن تبدأ من عند الفصل الذي يحمل عنوان‮ "وعليكم السلام 89" ‬أو من عند الفصل الذي يتكلم عما كان ذات يوم،‮ ‬بين أحمد حسنين باشا،‮ ‬رئيس ديوان الملك فاروق،‮ ‬وبين الملكة نازلي،‮ ‬أم الملك‮!‬ أو تستطيع أن تقفز فوق الزمن،‮ ‬للتأمل مع المؤلف ياسر ثابت،‮ ‬ما كان يوماً،‮ ‬بين عبدالناصر،‮ ‬وبين المشير عامر‮.. ‬أو ما كان في يوم آخر‮.. ‬بين الرئيس السادات،‮ ‬وبين عثمان أحمد عثمان‮.. ‬أو‮.. ‬أو‮.. ‬إلى آخر هذه العناوين التي سوف تتكفل وحدها بأن تُسيل شهية كل قارئ محترف،‮ ‬نحو التهام مادة مكتوبة باحتراف،‮ ‬لهدف،‮ ‬كما أن وراءها فلسفة تريد أن تقول إن تاريخنا،‮ ‬في الفترة التي تناولها الدكتور ياسر،‮ ‬يبدو وكأنه فيلم مصري طويل حقاً،‮ ‬وهو وإن كان فيلماً‮ ‬معروفة بدايته،‮ ‬إلا أن نهايته تظهر،‮ ‬وكأنها مجهولة،‮ ‬أو كأنها مفتوحة على الأفق،‮ ‬بكل احتمالاته‮!‬
ولا أعرف لماذا أحسست من ناحيتي،‮ ‬بأن معنى عنوان الكتاب يتجسد علي أفضل ما يكون،‮ ‬في فقرة جاءت في الفصل الأخير،‮ ‬حين قال الرئيس مبارك،‮ ‬يوم أن تولى الحكم،‮ ‬عام‮ ‬1981،‮ ‬ما يلي‮: ‬ولكل أهم ما يتعين أن نوفره للعمل الوطني،‮ ‬في هذه المرحلة،‮ ‬هو ما كان القائد الراحل ـ يقصد السادات ـ يسعى لتحقيقه في عهد السلام،‮ ‬وهو الجدية والطهارة،‮ ‬فلا هزل،‮ ‬ولا جدل،‮ ‬ولا تضليل،‮ ‬ولا استخفاف بعقول الجماهير،‮ ‬ولا تناقض بين القول والعمل،‮ ‬ولا نفاق،‮ ‬ولا رياء،‮ ‬ولا فساد،‮ ‬ولا اتجار بقوت الشعب،‮ ‬ولا حاكم،‮ ‬ولا محكوم،‮ ‬فكلنا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات‮.. ‬ثم يقول الرئيس‮: ‬لا فضل لأحدنا إلا بالتقوى،‮ ‬والعمل الصالح،‮ ‬ولا عصمة لأحد من سيف القانون القاطع،‮ ‬الذي لا يفرق بين قوي وضعيف،‮ ‬وبين‮ ‬غني وفقير،‮ ‬وقريب وبعيد،‮ ‬وأن يشعر كل مواطن بأنه يستطيع الحصول على حقوقه دون وساطة أو شفاعة،‮ ‬ويؤدي ما عليه من واجبات دون ملاحقة أو مطالبة،‮ ‬لأن الجهد القومي العام هو محصلة عمل الأفراد والجماعات،‮ ‬بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات‮!‬

في هذه الفقرة،‮ ‬التي جاءت على لسان الرئيس،‮ ‬يوم وقف يخطب فينا،‮ ‬عندما تولى شئون الدولة دستورياً،‮ ‬في‮ ‬14‮ ‬أكتوبر‮ ‬1981،‮ ‬يتجلى عنوان الكتاب،‮ ‬وموضوعه،‮ ‬ثم هدفه،‮ ‬على أوضح ما يكون‮!
جريدة "الوفد"، القاهرة، 15 أبريل 2010 ‬
تابع القراءة

gravatar

جرائم الأفندية



حملت رياح القرن العشرين عدداً من الأزمات الاقتصادية التي بدأت تطرق أبواب مصر منذ عام 1907
ففي عام 1906 ازداد الإقبال على المضاربات الطائشة في سوق الأوراق المالية وأراضي البناء، مما أدى إلى حدوث أزمة اقتصادية شديدة في عام 1907 استمرت تداعياتها حتى عام 1909
فاقمت الأزمة المالية عام 1907 من سوء الأوضاع في مصر، الأمر الذي زاد من حدة الفرق بين كبار مُلاك الأراضي وصغارهم، حتى إذا جاء عام 1909 كانت الصحف تنشر يومياً ما لا يقل عن 40 إعلاناً من البنك الزراعي بتوقيع الحجز على صغار المُلاك وبيع أراضيهم في المزاد. وكان معظم هذه القطع مساحات صغيرة تتراوح بين نصف فدان وعشرة أفدنة
[1]
ومع انخفاض دخل المواطن، ارتفع المنحنى البياني لأمر آخر: معدل الجرائم
فقد واكب الانهيار الاقتصادي ارتفاع كبير في معدل الجرائم، فبلغ عدد الجرائم 3288 جريمة في عام 1907، وارتفع الرقم إلى 3655 جريمة في عام 1907 ثم إلى 3828 في عام 1909
ويبدو أن نشوب الحرب العالمية الأولى أدى إلى حدوث تغيير ملموس في مجرى الحياة الاقتصادية في مصر، ففي أعقاب إعلان الحرب سارع الأفراد إلى سحب ودائعهم من البنوك وأقبلوا على الأسواق لشراء ما بها تحسباً لمقبل الأيام. ونجم عن ذلك أن البنوك لم تقو كلها على استمرار دفع الأمانات إلى أصحابهم، فأغلقت في وجوههم أبوابها. ثم كفت البنوك عن التسليف على المحصول، الأمر الذي دفع الحكومة إلى إصدار أمرها في 4 أغسطس 1914 بإعلان "الموراتوريوم" – التأجيل الجبري – أي عدم دفع الودائع والأمانات والديون لأربابها إلى أول نوفمبر 1914. غير أن هذا الإجراء لم يُجدِ نفعاً بسبب تلاعب التجار من أولي الذمم الواسعة
[2]، فصدر في 26 أكتوبر 1914 أمرٌ بانتهاء التأجيل الجبري، لتسوء الحالة المالية، وتزداد أحكام الحجز على التجار، وتضطرب الأسواق. كما قلت الأموال المتداولة بين الناس، وقلت بالتالي الثروة التي يملكونها، والنتيجة، أن أقبل الأفراد على بيع حليهم ليدفع بعضهم ديونه، وليقتات البعض الآخر بأثمانها[3]

وارتفعت أسعار حاجيات المعيشة الضرورية إلى درجة عالية، ووقع عبء هذا الارتفاع على كاهل الطبقات الفقيرة التي لم يكن باستطاعتها ولا بقدرتها دفع الأثمان العالية للوازم حياتها. وتبعاً لذلك، زادت الوفيات من 300 ألف حالة قبل الحرب إلى 375 ألف حالة عام 1916، وفي عام 1918 وصل عددها إلى 510 آلاف حالة أو أكثر من عدد المواليد في تلك السنة، هذا بالإضافة إلى ضحايا الحرب والجرحى والمشوهين[4]. وكثرت الجثث التي عثر عليها وتبين أن أصحابها قد ماتوا بسبب الجوع[5]
وأصيب الفلاحون بدورهم بالضنك الشديد أثناء الحرب العالمية الأولى، خاصةً بعد انخفاض أسعار القطن انخفاضاً كبيراً في موسم 1914، وزيادة إيجارات الأطيان، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتشدد البنوك في تحصيل الديون العقارية. وانتشرت ظاهرة طرح أراضي الفلاحين في المزاد العلني وبيعها بأبخس الأثمان، واتسع نشاط المرابين الذين زادوا من ديون الفلاحين وساهموا في نزع ملكية الأراضي[6]
هنا، تعالت الأصوات في الصحف مطالبة الأغنياء بمد يد المساعدة لفقراء مصر، وسط دعوات للدولة كي تشرف على هذه الجهود. فقد قالت صحيفة "الأهرام": "أما البلاد فمع حالتها الحاضرة يوجد بها أغنياء كثيرون يملكون أطياناً وعقارات جمة ويستطيع كل منهم أن يتبرع بجانب عظيم من أمواله الوافرة تنفق على فقراء البلاد، وهذا لا يتم إلا بأن تأمر الحكومة بتأليف لجنة لكل مركز قوامها العمدة والأعيان والتجار والعلماء وتعين هذه اللجنة لجاناً فرعية تؤلف لهذا الغرض وتفرض هذه اللجنة على كل مقتدر نقوداً يدفعها أو غلالاً لإعانة الفقراء[7]
وبعد فترة من الارتباك والتردد، اضطرت الحكومة المصرية أثناء الحرب العالمية الأولى إلى منح موظفيها علاوات غلاء معيشة. الطريف أن الحكومة رأت في الوقت نفسه أن تستقطع من الموظف الذي يزيد مرتبه على 15 جنيهاً رُبع المرتب والذي يزيد مرتبه على 50 جنيهاً ثلث مرتبه، ثم قرر قومسيون بلدية الإسكندرية توفير المستخدمين الذين لايزيد مرتب الواحد منهم على 14 جنيهاً في الشهر، بحجة التدابير الاقتصادية. حدث ذلك في وقتٍ كان أكثر موظفي بلدية الإسكندرية يتقاضون فيه راتباً شهرياً يتراوح بين 40 جنيهاً و100 جنيه[8]
المشكلة أنه حتى المعونات التي قررت الحكومة أن تعطيها للبعض ما لبثت أن قطعتها، فعلى سبيل المثال "جعلت محافظة القاهرة للمدعوة فاطمة زهرة وأولادها إعانة يومية قرشان، فلم ينقض إلا وقت قصير بمنحها إياه حتى قطعتها"[9]
الأخطر أن شركات المرافق العامة راحت تضغط على الشعب، فقطعت شركة المياه خدماتها عن الأهالي[10]، وطرد أصحاب المساكن الأهالي منها فافترشوا الأرصفة[11]
ترتب على اشتداد الأزمات الاقتصادية كثرة الجرائم
وإذا ذهب الفقر إلى بلدٍ، قال له الكفر خذني معك
فقد قالت إحدى الصحف: "توالت أخبار الجرائم في أنحاء القطر لدرجة لم يعهد الناس لها مثيلاً، فقد عددنا أمس في إحدى جرائد العاصمة اثنتي عشرة حادثة وقعت في الأرياف والمدن متباينة النوع ما بين قتل وسطو وجرح، واشتد الرعب في بعض القرى خصوصاً في مديرية الشرقية ومدينة الزقازيق نفسها، فقام الأهالي يضعون قضبان الحديد وراء أبوابهم غير مكتفين بالأقفال"
[12]
وبدا واضحاً أن سنوات الحرب العالمية الأولى كان عنوانها كثرة جرائم القتل والحوادث الجنائية، مع انتشار سلطة الأشقياء والخطرين. وقويت شوكة عصابات السرقة، حتى كان أفراد هذه العصابات يسرقون الحبوب من مخازنها فوق الأسطح ويسرقون المصوغات والنقود، وانضم إليهم بعض الخفراء. ولما كثرت الجنايات وتعددت حوادث السطو، اضطرت وزارة الداخلية إلى نشر بلاغ رسمي أمرت فيه المشايخ والعُمد أن يقدموا إلى مأموري المراكز تقارير وافية كاملة يذكرون فيها أسماء الرجال المشتبه فيهم في دائرة محيطهم، وفي نفس الوقت يلاحظون عن قرب جميع التحركات[13]
اللافت للانتباه أن عدداً من العُمد والمشايخ كانوا يتسترون على جرائم سرقة إن لم يكونوا ضالعين فيها، ولذا تمت محاكمة 28 عمدة ورفت 38 آخرين[14]. وكان للموظفين والأفندية نصيب من السرقات، حتى قال المستشار القضائي في تقريره "إن حوادث الضيق الذي أصاب فريقاً من الناس، كان سبباً في زيادة السرقات في القطر"[15]
وطوال سنوات الحرب العالمية الأولى تباينت أرقام ومعدلات ارتكاب الجريمة. ففي عام 1914 كان عدد الجنايات 3769 حالة، ثم بلغ الرقم 4192 في عام 1915، وفي عام 1917 ارتفع إلى 4241، حتى وصل في عام 1918 إلى 4494
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى كانت حالة الموظفين قد ساءت أكثر. وبالرغم من علاوات غلاء المعيشة، فإن الوثائق تؤكد أن حالة موظفي الحكومة ظلت سيئة للغاية وصولاً إلى عشرينيات القرن العشرين، ولم تشهد تحسناً يذكر مع تلك العلاوات، حتى وقع معظمهم في ديون ضخمة، وفق ما تورده وثائق الأرشيف البريطاني الموجودة في دار الوثائق القومية المصرية
[16]
وفي عامي 1920 و1921 وقعت كارثة القطن التي هبطت بأسعاره من 99 ريالاً إلى 19 ريالاً المتوسط، فنتجت عن ذلك أزمة طاحنة، ارتفع خلالها معدل ارتكاب الجرائم إلى 7502 جناية عام 1920 ثم بلغ 8681 جناية في عام 1921[17]
وفي ظل تلك الظروف، أطلت البطالة برأسها
مدينة القاهرة - على سبيل المثال- كانت تعج بعشرات الألوف من ساكني الأحياء المتواضعة مثل بولاق التي غصت بأعداد غفيرة من العاطلين وغير اللائقين للعمل. وكل هذه الأماكن كانت معامل تفريخ لمرتكبي الجرائم، ولم يكن مستغرباً والحال كذلك أن تشهد معدلات ارتكاب الجرائم ارتفاعاً ملحوظاً
[18]
وأتت سنوات الكساد الاقتصادي العالمي، بدءاً من عام 1929 وحتى منتصف الثلاثينيات، لتلقي بظلالها على الاقتصاد المصري. ظهرت أولى آثار الأزمة الاقتصادية في مصر على شكل انخفاضٍ رهيب في أسعار القطن وصعوبةٍ بالغة في تسويقه. ضربت مظاهر الفقر مصر - وخاصة المناطق الريفية- نتيجة قلة الطلب على القطن المصري، في حين اتخذت الحكومة المصرية مجموعة تدابير لتصحيح خطأ الوقوع في فخ الاقتصاد الأحادي منذ عهد محمد علي وحتى وقوع الأزمة بتحول مصر إلى مزرعة للقطن
والشاهد أن مصر بمدنها وريفها قد تأثرت بشدة بهذا الكساد العالمي، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، ومن ذلك أحوال المعيشة والزواج والطلاق والتعليم والصحة والتبشير والبطالة والإجرام والبغاء والمخدرات
وخنقت الأزمة الاقتصادية معظم الأسواق المحلية، وأدت إلى إفلاس كثيرين نتيجة استمرارها بضعة أعوام
وخلال الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) ارتفعت أعباء المعيشة وفشلت الحكومة في توفير المواد الأولية الضرورية، في حين وجد المواطنون صعوبة في العثور على الوقود (الكيروسين)، والمواد التموينية الضرورية كالزيت والسكر والدقيق، وهو ما تسبب في أزمة الخبز
[19]
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، استمر مستوى المعيشة في الانخفاض، لترتفع في المقابل معدلات الجرائم التي تغذيها الظروف الاقتصادية السيئة والبطالة المنتشرة
وتقدم د. عبير حسن عبدالباقي في دراسةٍ مهمة لها ملامح تستحق الرصد والتحليل عن طبيعة الجرائم التي ارتكبها أصحاب الياقات البيضاء، أو الأفندية، خلال النصف الأول من القرن العشرين
لعل أبرز تلك الجرائم هو الرشوة
لقد كان نظام الرشوة شديد التعقيد كثير الفروع، حتى رسخ في ذهن الهيئتين الرسمية والاجتماعية في مصر
[20]. ويبدو أن أسباباً عدة ساعدت على انتشار الرشوة، ومنها ارتفاع أسعار السلع مقارنة بتواضع مستوى الأجور، وتأخر دفع رواتب الموظفين، إضافة إلى عوامل أخرى مختلفة
ووفق التقارير السنوية لوزارة الداخلية، وتحديداً بوليس مدينة القاهرة، فإن الرشوة شقت طريقها في مجتمع الأفندية والموظفين، إذ تم ضبط حالة رشوة واحدة في عام 1913، وارتفع الرقم إلى 3 حالات في عام 1914، ثم بلغ الرقم 20 في عام 1924، ثم 25 في عام 1925، و20 في 1926 و19 في عام 1927. وبعد سنواتٍ شهدت تراجع عدد حالات الرشوة المضبوطة، ارتفع الرقم إلى 16 في عام 1943، قبل أن ينخفض مجدداً ليصل إلى 10 في عام 1944، ثم ارتفع إلى 14 في عام 1945، قبل أن ينحسر إلى 6 حالات مضبوطة في عام 1946
[21]
الأرقام السابقة لا تشير بطبيعة الحال إلى العدد الفعلي لجرائم الرشوة التي وقعت، وإنما تتحدث عن الجرائم التي تم ضبطها على يد بوليس مدينة القاهرة. وفي ظل انتشار مفهوم عدم الإبلاغ عن الرشوة، فإن الحالات المضبوطة والمسجلة رسمياً تظل أدنى بكثير من واقع الحال
وربما نلاحظ من الأرقام السابقة أن عدد جرائم الرشوة في القاهرة ارتفع ووصل إلى ذروته أثناء وقبل الأزمة المالية العالمية وأثناء الحرب العالمية الثانية. أمرٌ يشير بجلاء إلى ارتباط معدل جرائم التعدي على المال بدون إكراه – كالرشوة- في أوقات الأزمات الاقتصادية. بل إن انخفاض أرقام جرائم الرشوة أثناء الحرب العالمية الأولى قد يكون خادعاً، إذ يمكن أن نعزو ذلك إلى انشغال أجهزة الأمن بأمور أخرى، مثل الحفاظ على استقرار الأوضاع في البلاد وتقديم الخدمات المختلفة لقوات الجيوش المتحاربة على أرض مصر
ويبدو أن الرشوة كانت على أشدها خارج القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين
فقد بلغ عدد حالات الرشوة المضبوطة في أنحاء القطر المصري 13 حالة في عام 1906، و8 حالات في عام 1907، ثم ارتفع الرقم إلى 11 في عام 1910. عدد مماثل من حالات الرشوة تم ضبطها في أنحاء مصر عام 1931، قبل أن ينخفض الرقم إلى 4 في عام 1932، ويرتفع إلى 7 في عام 1933، ثم يصل إلى 9 في عام 1936، ويبلغ رقماً قياسياً (14) في عام 1950
[22]
والأفندية أنواع.. حتى في جرائمهم
وتحكي الصحف عن رجال الشرطة الذين تغاضى بعضهم عن مخالفات في قضايا التسعيرة وغش المأكولات وتجاوز مواعيد السهر في الحانات وبيوت الدعارة، مقابل رشى مالية
[23]. كما تروي الصحف عن الرشى التي كان عدد كبير من العُمد والمشايخ يتقاضونها كي يُعفوا البعض من إرسالهم إلى السلطات العسكرية، في ظل عدم وجود رقيب عليهم في اختيار من يقدمونه للسلطة. وحكمت محكمة بولاق الدكرور بالحبس سنة مع الشغل؛ لأنه ثبت عليه الرشوة. وكتب المستشار القضائي في تقريره عن جرائم الرشوة "إن قلة ما يبلغ ولاة الأمور منها لا يمكن أن يؤخذ دليلاً قاطعاً على قلة ما يقع منها"[24]
وارتكب جريمة الرشوة فليبدس مأمور ضبط القاهرة، الذي كان رئيساً للمكتب السياسي، وقوبل الحكم عليه وعلى زوجته بارتياح شعبي نظراً للمظالم التي تسبب فيها من قبل. وتقاضى أحد مأموري الضرائب مبلغاً من المال على سبيل الرشوة من أحد أصحاب الأملاك، في مقابل تسهيل حصوله على إعفاءات ضريبية، وهو ما أتاح له فرصة التهرب من الضرائب[25]
وتتحدث أوراق أخرى عن وكيل نيابة تقاضى رشوة من مواطن، في مقابل التغاضي عن عدد من المخالفات القانونية[26]. وتغاضى أحد الأطباء بدوره عن فحص مومسات فحصاً دقيقاً كما تقضي به لوائح عمله –وكنا آنذاك في عصر السماح بالبغاء قانوناً- في مقابل حصوله على مبلغ مالي منهن[27]
كما تسجل صحيفة واقعة ضبط طبيب يعمل مفتشاً في مصلحة الصحة، تقاضى مبالغ مالية على سبيل الرشوة من بقالين وتجار، نظير التستر على مخالفات، وعدم تحرير محاضر مخالفة لبيعهم عقاقير ممنوعة من التداول في مثل تلك المتاجر ومحال البقالة[28]
أطباء وموظفون ومأمورو ضرائب.. إلخ. كلهم سقطوا في امتحان طهارة اليد، وتقاضوا رشى للتجاوز عن مخالفات قانونية أو لتسهيل ارتكابها
وبالمثل، انتشرت جرائم الاختلاس التي تعد نموذجاً آخر لجرائم التعدي على المال العام بدون إكراه
ظلت معدلات ضبط تلك الجريمة في القاهرة متقاربة طوال النصف الأول من القرن العشرين. ومن 7 جرائم اختلاس تم ضبطها عام 1917، انخفض الرقم إلى 3 حالات في عام 1918، قبل أن يرتفع إلى 5 في عام 1925، ثم يصبح 7 عام 1926، ويقفز إلى 9 جرائم مسجلة عام 1928، ويستقر العدد عند الرقم 6 في عامي 1929 و1930، ويصل إلى 5 عام 1936، قبل أن ينخفض إلى جريمة واحدة مضبوطة عام 1937. غير أن الرقم يأخذ في الارتفاع نسبياً في الأعوام التالية، فمن 3 جرائم اختلاس في عام 1938 إلى 8 في عام 1939، و9 حالات في عام 1940، ويهبط قليلاً إلى 8 جرائم في أعوام 1942 و1943 و1945، ثم يقل الرقم ليبلغ 4 جرائم في عام 1946
[29]
وإذا كانت التقارير الأمنية لا تتحدث عن جرائم اختلاس مسجلة في الفترة بين عامي 1913 و1916، فإن هذا لا يعد دليلاً كافياً على عدم وقوع مثل تلك الجريمة، خاصة أنها شهدت اضطراباً في الأحوال الاقتصادية. غير أن أولويات أجهزة الشرطة على ما يبدو تختلف في أوقات الأزمات والحروب، كما أن وجود قوات متحاربة على أرض مصر، فرض مشاغل أخرى على البوليس المصري
وفي عموم القطر المصري، يتضح لنا مجدداً أن الجرائم المسجلة خارج القاهرة كانت أكبر بكثير. فقد سجلت التقارير السنوية لوزارة الداخلية عن حالة الأمن العام 25 جريمة اختلاس عام 1929، و24 جريمة في عام 1930، قبل أن يرتفع الرقم إلى 39 في عام 1931. وعام 1933 بلغ الرقم 24 جريمة اختلاس مسجلة، قبل أن ينخفض الرقم إلى 19 حالة في كلٍ من عامي 1934 و1935، و21 جريمة في عام 1936. وإذا كان عام 1937 قد شهد ضبط 11 جريمة اختلاس، فإن عام 1950 شهد تسجيل 15 جريمة من هذا النوع
وتشير الصحف إلى نماذج من جرائم الاختلاس في تلك الفترة، ومن ذلك اختلاس أحد الموظفين مبلغ 1500 جنيه، واختلاس آخر من مصلحة الري في الإسكندرية مبلغ 400 جنيه، ووصل الأمر إلى اختلاس أحد موظفي السكة الحديد 40 صفيحة بترول
[30]. واختلس كاتب في تفتيش المساحة مبلغاً من المال من خزينة المصلحة عن طريق الغش في استمارات صرف رواتب المستخدمين، وزيادة عدد الموظفين بإضافة أسماء وهمية في دفاتر الحسابات ثم الاستيلاء على رواتبهم[31]. ووقعت عدة جرائم اختلاس في قلم الهندسة بمصلحة السكك الحديدية، كان أبرزها ما وقع في محطة القباري من أحد كتابها، الذي حرر كشوفات مزورة بأسماء عمال وهميين، ليسهل لنفسه اختلاس هذه الأموال، قبل أن يختفي ويذوب في زحام الحياة[32]. واختلس موظف في مصلحة السكك الحديدية بعض الطرود المرسلة عن طريق المصلحة، والتي تحوي بداخلها أقمشة وأمتعة وأجهزة[33]
ولم يكتف البعض باختلاس الأموال، فقد وجدنا من اختلس الشيكات والسندات والأوراق المالية – كما حدث في حالة مجموعة موظفين في بيت المال
[34]- والأشياء العينية كالأمتعة والأجهزة
وانتشرت جريمة خيانة الأمانة بين الأفندية بشكل ملحوظ، وبخاصة بين المحامين، وطفت على السطح شكوى الموكلين وأصحاب القضايا والمصالح من المحامين. وشهدت تلك الفترة أيضاً جرائم أخرى، كالتبديد، والتزوير، والتلاعب بالعطاءات، والإهمال. ونقرأ في "الأهرام" عن تورط ناظر مدرسة في تبديد مبالغ مالية خاصة بأهالي بعض التلاميذ، وبرسوم الشهادات الدراسية الخاصة بالتلاميذ، بدلاً من تسليمها لوزارة المعارف، الأمر الذي تسبب في منع هؤلاء التلاميذ من أداء امتحاناتهم، وهو ما دفع الأهالي لإبلاغ النيابة التي أمرت بإحالة الناظر إلى المحاكمة
[35]
وتحكي "المقطم" عن جريمة تزوير بطلها أحد المستخدمين المفصولين من عملهم، بعد أن زوَّر شهادة رسمية تثبت أنه لم يستخدم بالحكومة وأنه حسن السير والسلوك، وذلك لرغبته في أن يستخدم بإحدى الوظائف، وبالفعل تم توظيفه، ولم يكتشف أمره إلا بعد أن زوَّر في أوراق عمله[36]
ولم يعد مستغرباً أن تطفو على السطح جرائم غش وتزييف سواء في المصوغات أو النقود، فظهر النحاس المطلي بالذهب الذي يباع على أنه ذهب خالص، وانتشرت أوراق مزيفة من فئة 100 جنيه، وضبطت الآلات المستخدمة
[37]، حتى المأكولات مسها الغش في مختلف الأنواع والأصناف[38]
وانتشر الربا بسبب الظروف الاقتصادية الخانقة، وظهر المرابون في القرى والعواصم والبنادر، فكبلوا المزارعين بالديون ووصل الأمر إلى فقدان الملكيات، فقد أراد تاجر أن يقترض 500 جنيه إلى سنة، فطلب 50%، واقترض صاحب محل 150 جنيهاً بفائدة قدرها 45% وقد أصبحت قيمة الجنيه المصري في شرع المرابين 480 قرشاً[39]
ووقعت جرائم الاحتيال، إذ أوهم البعض البسطاء أنهم موفدون من جانب السلطة العسكرية، ليستحوذوا على ممتلكاتهم، ومنهم من شكَّل عصابات احتيال بدعوى إخراج الشبان من الجندية[40]. كما وجدت أعمال الدجل والشعوذة والتنجيم أرضاً خصبة في تلك الفترة
وتكررت جرائم التلاعب في العطاءات أو المواصفات، ومن ذلك ما نشرته إحدى الصحف عن تلاعب مهندس في مواصفات مبنى كان مكلفاً بالإشراف على إتمام بنائه مما أدى إلى انهياره
[41]، وتلاعب أحد موردي الأغذية لوزارة المعارف في الأغذية المتفق على توريدها لبعض المدارس[42]
بعض الجرائم التي انتشرت في ذلك الزمان تنتمي إلى فئة الإهمال، ومن ذلك خبر إهمال طبيب علاج أحد الأطفال، بعد أن تركه بين أيدي الممرضات وهو في حالة سيئة وانصرف إلى بيته، وهو ما أدى إلى تحويل الطبيب إلى مجلس تأديب[43]
ومن جرائم الخلل الاجتماعي التي ارتكبها الأفندية، تبرز جرائم صادمة، ومن ذلك أن أحد الفقراء "أخذ بنتاً من بناته إلى بلد أخرى غير بلدته وعرض بيعها على رجلٍ وساومه فيها، فابتاعها منه بثمنٍ بخس بدراهم معدودة"[44]
صورةٌ أخرى من الذل والهوان، وبلاء الفقر الذي دفع البعض إلى الإقدام على ارتكاب جرائم غير مألوفة
ووقعت أيضاً جرائم التعدي على النفس، وتتمثل في جرائم القتل والشروع فيه، والانتحار والشروع فيه، والضرب. وتحفل الصحف والدوريات المختلفة بنماذج لمثل هذه الجرائم. جرائم القتل على سبيل المثال، كانت ترتكب باسم الثأر، أو لضغائن، أو لنفقة شرعية، أو لدفع العار، أو نتيجة ضائقة مالية. كما كانت ترتكب بسبب المنازعات والمشاجرات التي تقوم بسبب الري، أو النزاع، أو بسبب السرقات
[45]
ولهذا ليس مستغرباً أن نقرأ عن إقدام موظف في إحدى المصالح على قتل أخيه طعناً بمدية، طمعاً في ماله[46]، أو نطالع خبراً عن قتل موظف جدته لأمه بعد أن سرق أموالها[47]
أما جرائم الانتحار فقد كانت في الغالب الأعم نتيجة اضطرابات عصبية وضغوط نفسية، أو نتيجة إدمان المخدرات والمسكرات، والضيق المالي، وسوء المعاملة، والتخلص من مرض ما
وفي فترة الكساد العالمي التي كانت لها تداعياتها على مصر، انتشرت حوادث الانتحار، فمثلاً رب البيت الذي لا يجد ما يكفيه وعائلته ولم يستطع فعل شيء كان يستسلم وينتحر، ولهذا ارتفعت نسبة حوادث الانتحار وعلى الأخص بين الطبقة الفقيرة الأكثر تعرضاً من غيرها لآثار الأزمة. فقد "شنق شخص نفسه بحبل يدعى الشيخ أحمد حسن من كفر علي آغا بطنطا لضيق ذات يده"
[48]
ومن أرقام حوادث الانتحار نتبين أن حدة الأزمة كانت في عامي 1931 و1932، إذ وصلت حوادث الانتحار في تلك الفترة إلى أعلى نسبة بالمقارنة بإجمالي حوادث الانتحار خلال الفترة بين عامي 1929 و1933[49]
غير أن جرائم الانتحار كانت معروفة ايضاً في مطلع القرن العشرين
فقد شرب أحد مستخدمي مصلحة التلغرافات قدراً من حمض الفينيك، لضيق ذات اليد، فلفظ أنفاسه
[50]. كما شنق أحد مستخدمي المجلس البلدي نفسه، نتيجة لتراكم ديونه، والحجز على ممتلكاته[51]
وشهدنا أيضاً انتشار جرائم التعدي على الممتلكات، ومن ذلك السرقة. وبطبيعة الحال، كانت السرقة رائجة في سنوات الحرب العالمية الأولى، بسبب البطالة وغلاء المعيشة وضيق ذات اليد. وتنوعت الدرجات الوظيفية والمهنية والمستويات الاجتماعية للأفندية الذين ارتكبوا هذه الجريمة، فكان بينهم الطبيب وموظف الجمارك، وصغار مستخدمي النظارات المختلفة[52]
وتكررت جرائم النصب، التي ارتكب عدداً منها محامون استغلوا درايتهم بالقانون في خداع الآخرين، ووقعت جرائم التدليس التي ارتكبها أفندية أحياناً بحق أحد الأقارب أو الأصدقاء أو الأصهار. ولم تكن جرائم التعدي على الأخلاق والآداب العامة غائبة، فشهدنا جرائم هتك العرض والفسق والتغرير والشذوذ الجنسي وغيرها[53]
ومن جرائم هتك العرض نورد واقعة لأفندي هتك عرض ابنة عمه[54]، وواقعة كان بطلها محامٍ اعتدى على موكلة بعد خداعها وإغرائها بقضاء حاجتها لديه[55]
ووقع الأفندية أيضاً في المحظور حين تورطوا في قضايا تتعلق بالعبث بالآداب العامة، كالسُكر والقمار، وتعاطي المخدرات والبغاء. وعن وجود السُكر والقمار في مطلع القرن العشرين، يقول اللورد كرومر: "قلما يرى ساكنو الريف - في قراهم- رجلاً سكران، أما البنادر فالسُكر فيها أكثر انتشاراً"[56]
ويبدو أن وجود القوات المتحاربة أثناء الحرب العالمية الأولى على أرض مصر، كان له دورٌ وتأثير في انتشار الخمور ومحال تناولها، كما انتشرت المخدرات كالكوكايين. وأسهم الأفندية في مصر في انتشار المخدرات، سواء بالاتجار أو تسهيل التداول، أو التعاطي، إذ تم ضبط عدد من الصيادلة والأطباء وأطباء الأسنان الذين سهلّوا التعامل في المواد المخدرة على اختلاف أنواعها من الحشيش والهيروين والكوكايين[57]. وكان هناك من الصيادلة من يبيع الكوكايين بدون تذكرة طبيب طمعاً في الربح، ووصل الأمر إلى تهريب المواد المخدرة إلى المرضى داخل مستشفيات العلاج من الإدمان[58]. وتحايل عدد من الأطباء على القانون ومنحوا مواد مخدرة لآخرين عبر التبادل الشخصي او الطرود البريدية المرسلة لآخرين باسم عينات طبية.. إلخ. ونشير هنا إلى أن القضاء العادل أصدر أحكاماً بالحبس والسجن لمدد متفاوتة على من أحيل من هؤلاء الأطباء إلى محاكمات جنائية[59]
وامتدت جرائم الاتجار في المخدرات وتعاطيها لتشمل فئات ومهناً أخرى مثل المحامين والموظفين، حتى إن بعضهم كان يتخذ من منزله وكراً ومخزناً للمواد المخدرة المختلفة[60]. ولوحظ أن إدمان المخدرات كان سبباً في ارتياد عدد من الأفندية – وبخاصة صغار الموظفين- بيوت الدعارة، وممارسة البغاء، بل وأحياناً ما كانت تتم زيجات بين بعض الأفندية ومومسات[61]
أما الدعارة فقد كانت تجارة معروفة في مصر منذ زمن، وفي عام 1908 كان عدد الفتيان والفتيات الذين عملوا في هذا المجال في الإسكندرية 759 ثم ارتفع الرقم إلى 1203 عام 1909 ووصل إلى 2263 في عام 1910[62]. ومع تزايد عدد المهاجرين واشتداد الأزمة الاقتصادية، راجت تجارة الرقيق الأبيض وانتشرت مهنة الدعارة، خاصة في ظل وجود جنود بريطانيين قادرين على الدفع مقابل إقامة مثل تلك العلاقات الجنسية العابرة. وهكذا "انتشرت البيوت السرية في القاهرة والإسكندرية وحواضر المديريات، وتعدى الفساد إلى النيل فإذا بشاطىء النيل من وجهة العاصمة والجيزة رست عليهما الذهبيات أعدت للفحش والتجارة بالأعراض، وكذلك كثرت في منطقة الأزبكية وشارع وجه البركة بما وفد عليها من البغايا والمتهتكات فكثرت باراتها وبيوتها، ولم تخل طرقاتها من أسرابهن تغدو وتروح تشاغل المارة وتعاكس الجالسين"[63]
وانتشر القمار بدوره في ربوع مصر، وأصبح في كل مقهى مجتمع للمقامرة يؤمه الناس، لدرجة أن أحدهم خسر في جلسة قمار واحدة مبلغ 600 جنيه، ودخل القمار المنازل والنوادي وغيرها[64]. أما وزارة الداخلية فلم يكن منها سوى أن سمحت بتداول القمار، وشاركت النساء في الأمر فإذا بهن يقامرن في النوادي العامة[65]
خلاصة القول، إن طبقة الأفندية التي نشأت مع نشأة التعليم في عصر محمد علي ثم برزت في عصر الخديو إسماعيل، كانت طرفاً في جرائم النصف الأول من القرن العشرين، مثلما كانت جزءاً من الحراك الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته مصر في تلك الفترة
وفي كلتا الحالتين، كان الأفندي حاضراً بقوة، قبل أن تأتي ثورة يوليو 1952 وتلغي اللقب، وتتغير صورة الموظف.. ودوره
الهوامش
[1] جمال بدوي، نظرات في تاريخ مصر، الطبعة الثانية، دار الشروق، القاهرة، 1994، ص 35- 36.
[2] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 13 أغسطس 1914.
[3] د. لطيفة محمد سالم، مصر في الحرب العالمية الأولى، طبعة الشروق الأولى، القاهرة، 2009، ص 113.
[4] Charles Issawi, Egypt: an Economic and Social Analysis, New York, Oxford Univ. Press, 1947, p. 31.
[5] جريدة "وادي النيل"، القاهرة، 19 مارس 1915.
[6] جريدة "الأفكار"، القاهرة، 11 سبتمبر 1914.
[7] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 6 سبتمبر 1914.
[8] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 29 أغسطس 1914.
[9] الديوان العالي السلطاني، القسم العربي 1915، 25 أكتوبر 1915.
[10] جريدة "الدليل"، القاهرة، 16 سبتمبر 1914.
[11] جريدة "السفير"، القاهرة، أول سبتمبر 1914.
[12] جريدة "المحروسة"، القاهرة، 25 أكتوبر 1914.
[13] جريدة "الأخبار"، القاهرة، 10 أغسطس 1915.
[14] جريدة "الوطن"، القاهرة، 16 نوفمبر 1918.
[15] جريدة "الوطن"، القاهرة، 26 مايو 1917.
[16] (F.O. 407/186, Enclosure in No. 302, Report on General Situations in Egypt for Period from, May 18 to 24, 1920).

[17] د. عبدالوهاب بكر، البوليس المصري (1922-1952)، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1988، ص 106.
[18] المرجع السابق، ص 109- 112.
[19] د. محمد صابر عرب، هجوم على القصر الملكي.. حادث 4 فبراير 1942، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مكتبة الأسرة، 2003، ص 395- 406.
[20] اللورد كرومر، تقرير عن المالية والإدارة والحالة العمومية في مصر والسودان لسنة 1902، المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، 1903، ص 60.
[21] د. عبير حسن عبدالباقي، طبقة الأفندية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2005، ص 205.
[22] المرجع السابق، ص 206.
[23] جريدة "الإكسبريس"، القاهرة، 6 أغسطس 1917.
[24] جريدة "المحروسة"، القاهرة، 31 يوليو 1917.
[25] جريدة "الزمان"، القاهرة، 2 فبراير 1948.
[26] دار الوثائق القومية، محافظ عابدين، محفظة رقم 508، القاهرة.
[27] د. عبدالوهاب بكر، مجتمع القاهرة السري (1900- 1952)، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2000.
[28] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 6 يوليو 1932، ص 8.
[29] د. عبير حسن عبدالباقي، مرجع سابق، ص 210.
[30] جريدة "الأفكار"، القاهرة، 31 يوليو 1915.
[31] جريدة "المقطم"، القاهرة، 26 إبريل 1900، ص 3.
[32] جريدة "الزمان"، القاهرة، 3 فبراير 1948، ص 4.
[33] جريدة "اللواء"، القاهرة، 10 إبريل 1903، ص 3.
[34] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 5 مايو 1935، ص 6.
[35] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 1 يوليو 1935، ص 6.
[36] جريدة "المقطم، القاهرة، 17 يناير 1900 ، ص 3.
[37] وزارة الداخلية، أحكام تأديبية، فهرست الأوراق العمومية 1918، القاهرة، 4 إبريل 1918.
[38] جريدة "الأهالي"، القاهرة، 11 نوفمبر 1916.
[39] جريدة "المحروسة"، 16 أغسطس 1914.
[40] جريدة "وادي النيل"، القاهرة، 31 مايو 1915.
[41] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 15 مارس 1934، ص 8.
[42] مجلة "المحاكم"، القاهرة، 4 يناير 1932، ص 4.
[43] دار المحفوظات العمومية، القاهرة، ملف 27060، محفظة 1227، رف 3، دولاب 60.
[44] جريدة "وادي النيل"، القاهرة، 24 فبراير 1915.
[45] المملكة المصرية.. وزارة الداخلية: إدارة عموم الأمن العام، تقرير عن حالة الأمن العام في القطر المصري عن المدة من سنة 1930 إلى سنة 1937، المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، 1952، ص 13.
[46] جريدة "كوكب الشرق"، القاهرة، 5 يناير 1930، ص 6.
[47] دار الوثائق القومية، محافظ عابدين، القاهرة، محفظة رقم 511، "التماسات".
[48] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 16 سبتمبر 1914.
[49] كريمة حسن، الكساد ضرب أمريكا عام 1929 فأفلست بنوك وتجار مصر في الثلاثينيات، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 31 أكتوبر 2008.
[50] جريدة "المقطم"، القاهرة، 5 سبتمبر 1900، ص 2.
[51] جريدة "المقطم"، القاهرة، 7 نوفمبر 1900، ص 2.
[52] د. عبير حسن عبدالباقي، مرجع سابق ص 227.
[53] جريدة "الحرية"، القاهرة، 24 أغسطس 1915.
[54] جريدة "الجريدة"، القاهرة، 7 إبريل 1908، ص 4.
[55] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 16 أغسطس 1935، ص 6.
[56] اللورد كرومر، تقرير عن المالية والإدارة والحالة العمومية في مصر والسودان، سنة 1904، المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، 1905.
[57] د. عبير حسن عبدالباقي، مرجع سابق، ص 234.
[58] جريدة "وادي النيل"، القاهرة، 18 سبتمبر 1916.
[59] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 2 يوليو 1934، ص 8.
[60] جريدة "الوفد"، القاهرة، 4 مايو 1944، ص 2.
[61] جريدة "الإكسبريس"، القاهرة، 8 يونيو 1919، ص 3.
[62] جريدة "الأهالي"، القاهرة، 6 يوليو 1911.
[63] مجلة "العفاف"، القاهرة، 7 سبتمبر 1914.
[64] د. لطيفة محمد سالم، مرجع سابق، ص 197- 198.
[65] جريدة "الإكسبريس"، القاهرة، 25 نوفمبر 1917.
تابع القراءة

gravatar

أشهر عشرة بهلوانات في مصر





كان ياما كان في سالف العصر والأوان.. بهلوان، يضع على وجهه كل الأصباغ والألوان


وبعد حياة مليئة بالعروض والمسرحيات، قرر هذا البهلوان أن يقدم عرضا خاصا له لوحده أمام مرآة. صبغ وجهه بخطوط زرقاء وبيضاء، ووضع على أنفه كرة حمراء.. وضع على رأسه قبعة طويلة مزركشة الألوان. لبس ملابسه الفضفاضة وانتعل حذاءه الطويل العريض، وأمسك في يده عصا صغيرة وتحرك بطريقة حلزونية مثل دون كيشوت الذي يحارب طواحين الهواء. رقص فوق السلك ولعب بالنار، وشرع في تقديم أحسن عروضه. ضحكت المرآة، ولم يضحك البهلوان

عن البهلوانات نتحدث

إنها سلالة الهوان التي أصبحت هذه الأيام تتصدر عناوين الصحف وأعمدتها، وحفلات المجتمع الراقي، وكواليس صناعة القرار السياسي، وملاعب كرة القدم، وحفلات توقيع الكتب، والاتحادات والنقابات.. وغيرها من الخيبات

والبهلوان في مصر خرج من حدود السيرك وانتشر وتكاثر وأصبح نجم الموسم في كل مكان. سار البهلوان فوق كل الحبال، وانتقل من حبل إلى حبل، مثل لاعبي السيرك تماماً، ولكن ليس لأداء حركات أكروباتية أو أراجوزية تسعد الجماهير، وإنما لطعن هذا والنيل من ذاك، وسط ضحكة أو ابتسامة تشبه خنجراً عُمانياً حاداً. بعضهم استغل منابر الإعلام وبعضهم الآخر اتخذ من الدعاوى القضائية سبيلاً، وفريق ثالث لجأ إلى التشهير والإساءة إلى الآخرين، والهدف في النهاية واحد: المكاسب الشخصية
ويبدو أنها لم تعد بلد شهادات كما كان يردد "دسوقي أفندي" وكيل المحامي أو عادل إمام، وإنما "بلد بهلوانات صحيح"
هؤلاء وحدهم يستطيعون التسلق والتملق والتزلف

لقد رأينا من بهلوانات العصر من يصفق لقدمي القيصر حتى عندما تكونان ملطختين بدماء الضحايا أهلنا.. ومن يبتهل إليه أن يُعينه على بني قومه الذين لم يفقهوا قط أن الحاكم هو القضاء والقدر، وكل ما عداه عدم بعدم

ربما لأن البهلوانات ملأوا الساحة، وتفوقوا على أشباههم الذين تحدث عنهم يوسف إدريس في مسرحيته "البهلوان"، فقد قررنا أن نختار منهم عينة.. والعينة بينة. عشرة نماذج قد تكفي للاستدلال على الظاهرة المؤسفة في عصرنا ومصرنا. لن نشير إلى أسماء، ولسنا مسؤولين عن تشابه هذه النماذج مع أكثر من شخص، فالقلم مسؤوليتنا.. والتشابه إلى حد التطابق مسؤوليتهم هم
(1)


أحد هؤلاء البهلوانات، رئيس تحرير

رجل وظيفته الشتم والردح لكل من تسول له نفسه ويفكر مجرد تفكير في معارضة السياسات القائمة أو ينادي بالإصلاح والتغيير. وبأسلوب لا يخلو من السوقية، تجده يتصدى للمهمة، وقد يتبرع بذلك حرصاً على إثبات الولاء لدى أهل الحكم. غير أنه ينسى أن أهم أدوات الصحفي هو موهبة الكتابة، وأمضى أسلحته دقة المعلومة وموضوعية الأسلوب. أما صاحبنا فهو لا يجد حرجاً في فرش الملاءة وانتقاء ما لذ وطاب من قاموس يمكن أن نسميه "المُغني في الكلام المُتدني"
يكفي أن نشير إلى أن من عاداته المزاح الثقيل بالأيدي مع الصحفيين والعاملين في مؤسسته. وذات مرة استخدم يده الثقيلة في ضرب أحد العاملين على سبيل المزاح السخيف، الأمر الذي أدى إلى سقوط الرجل - الذي كان يعاني متاعب في القلب- ونقله إلى المستشفى للعلاج. غير أن هذا لم يردع صاحبنا عن مواصلة تهريجه بالأيدي مع أبناء مؤسسته الصحفية. ويحكي أبناء المؤسسة الصحفية كيف كان هذا الرجل حريصاً على ضرب الساعي الذي يعمل لديه، وكان يعمد في مراتٍ كثيرة إلى أن يطلب منه الاستلقاء على الأرض ليضع الكرسي الخشبي القديم فوقه، ثم يجلس على هذا الكرسي بجسده الثقيل، فيما الساعي يجأر بالألم ويطلب منه الصفح ووقف "اللعبة" اليومية السخيفة التي يمارسها رئيس التحرير، حتى يستلقي على ظهره من الضحك

سخافة تلتقي مع السادية في منتصف الطريق
أيام زمان، كان يطالب زملاءه العاملين في صالة التحرير في مؤسسته الصحفية بأن يتركوا أقلامهم ويدعوا أوراقهم ويستغنوا عن عقولهم قليلاً - أو كثيراً- كي يتحفهم بآخر مقتنياته من الأغاني الشعبية التي يهواها سائقو الميكروباصات ومن لف لفهم. وفي أوقات فراغه، كان يتربص بأعداء سيده ولي نعمته رئيس التحرير السابق، حتى إنه اعتدى بالضرب على أحدهم كي ينال الرضا من جانب رئيسه. لم يتورع يومها عن الإساءة إلى زميله، لفظاً وفعلاً، لعل الرجل الكبير يجد في ذلك دليلاً على الطاعة العمياء

وبالفعل، أثمرت تلك الخطة، فإذا برئيس تحريره يرشحه لدى السلطات لخلافته، مطمئناً إلى أنه سيضع رجله في مكانه. إلا أن البهلوان طبق نظرية "ازرع رجلاً.. يقتلعك"

"ندالة"
هكذا وصفه رئيس تحريره الذي يقول في حسرة إنه "اكتشف" متأخراً حقيقة رجله السابق
واليوم، يطل علينا هذا البهلوان بكتابات ركيكة وأسلوب فج يعكس ضحالته، في مساحة احتلها بحكم وضع اليد، وقادها كالسيارة الملاكي، ينجرف ويتحرك بها تارة ويناور بها تارة أخرى. المهم أن يستمر عطف أولي الأمر ويواصل أداء وظيفته كبهلوان يرتدي الزي الرسمي

(2)
في كتابه "محاوراتي مع السادات" يقول أحمد بهاء الدين: "وفي صحفنا، لا تخلو صحيفة على الإطلاق من "محررين نشطين" يعكفون على كتابة التقارير إلى أصحاب السلطة مع اختلاف في المستويات: بدايةً ممن يرتفع مستواه على الكتابة إلى المباحث. وهي كتابات أثرَّت كثيراً في حياة الصحافة والصحفيين وعلاقات المهنة بالسلطة"

رحم الله أحمد بهاء الدين، فكأنه يتحدث عن بهلوان آخر، تم تعيينه مندوباً لصحيفته في وزارة الداخلية، فاختلط عليه الأمر وأصبح مندوباً للداخلية لدى صحيفته القومية

أوراق "الدشت" التي اعتاد الصحفيون كتابة موضوعاتهم عليها زمناً طويلاً، كان لها غرض آخر بالنسبة له. فقد دأب على كتابة التقارير عن زملائه والإبلاغ عن أي حوارات أو مواقف تظهر معارضة لرئيس التحرير الذي طال بقاؤه في منصبه بالمخالفة لكل القوانين، أو تفوح منها رائحة التحفظ على سياسات الحكم والحكومة. وبحبر أسود تماماً مثل قلبه، كان يكتب ويكتب عن سلوكيات زملائه، ويستغل مواسم انتخابات نقابة الصحفيين كي يلعب دور قلب الدفاع لحماية رئيس التحرير من شغب المشاغبين ومعارضتهم له. كان يستميت على الصناديق ويراقب بعينين ضيقتين زملاءه الناخبين، ويقود حملة لتلميع قائده، حتى إنه هتف ذات يوم في قلب نقابة الصحفيين: "خيانة.. خيانة" بعد اكتشاف تصويت عدد لا بأس به من صحفيي مؤسسته لصالح مرشح آخر غير مرشحه الأوحد

ودارت الأيام، وانتقل صاحبنا من الصحافة المكتوبة إلى الصحافة المرئية، مع أنه يفتقد القبول من حيث الشكل والموهبة من حيث المضمون، لكن يا لحظ "من كان الأمن خاله"
ولا يحتاج أحدهم لجهد كبير يذكر كي يلاحظ ضعف قدرات صاحبنا على الشاشة، فلا هو مذيع لبق ولا هو مقدم برامج ناجح، وإنما هو مجرد "رقيب أول"، وبالتالي فهو يتعثر ويتلعثم كلما فتح فمه، ويرتكب الكوارث إذا انطلق في حديثه مثل شاحنة ترتج على الطريق الصحراوي، فيقع في المحظور ويثير دعوات أصابها العفن بالتحريض والكراهية بين أبناء الوطن الواحد.. وأبناء الأمة الواحدة إن لزم الأمر

"اخرجوا إلى الشارع واقتلوا أي واحد منهم"
هكذا صرخ ذات يوم على شاشة التليفزيون، محرضاً على القتل والعدوان، لمجرد أنه سمع شائعة فآمن بها، ورأى أن الحل هو الفتك ب"الأعداء".. الذين كانوا في هذه المناسبة أشقاءنا
يا ليته يصمت ويتخلص من عباءة الأمن التي تلاحقه ليل نهار
(3)


بهلوان وألعبان آخر، قادر ببراعة منقطعة النظير على تقديم آيتين على الأقل من آيات المنافق "إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف"
فقد تعهد باعتزال مهنة الادعاء والتفرغ لعمل آخر.. إدارة محل للورود مثلاً
استبشرنا خيراً، فالرجل له سقطاته المهنية الكبيرة، ويهوى إطلاق الأحكام مع وصلة مزعجة من الزعيق والصراخ غير المبرر، لكنه على ما يبدو ابتلع وعوده وشرب فوقها كوباً من المياه المعدنية
ويبدو أن الفتى الذي يجيد التمثيل، يعرف جيداً أنه بحاجة إلى هذا المنبر الإعلامي كي يواصل حصد المكاسب الشخصية والعائلية.. وعن تلك المكاسب والغنائم حدث ولا حرج
وحين يجد الجد، ينسب المذكور إلى الرئيس مبارك قوله لمعاونيه "محدش يقرب من....". ولم لا، والعائلة كلها تهوى "تلميع" الصورة في الانتخابات والأمراض والأحزان.. لا فرق
وحكايات هذا البهلوان كثيرة، ومن ذلك حكاية تبنيه لاتهامات أوردتها صحيفتان محليتان دون أي سند أو دليل، عن سلوكيات لاعبي المنتخب واصطيادهم فتيات ليل في ليالي بطولة كأس القارات في جنوب إفريقيا عام 2009. وبعد أن شخط ونطر، وسخر قائلاً: "هو ده منتخب الساجدين"، وتكلم عن رائحة النجاسة، اكتشف في نهاية الأمر أن مصدر الرائحة أقرب إليه مما يتصور، فعاد نادماً ومعتذراً وبراءة الأطفال في عينيه، خاصة بعد أن قدم رئيس اللجنة المنظمة لبطولة كأس القارات ومونديال عام 2010 دانة جوردان اعتذاراً رسميا لبعثة منتخب مصر عن هذه الشائعات، فيما تلقى رئيس بعثة منتخب مصر خطاباً من شرطة جنوب إفريقيا تنفي فيه علاقتها بما نشر في صحيفتين محليتين

والأكيد أن أخلاقيات المهنة باتت ليلتها تبكي دماً، لأن المذكور تبنى معلومات وتقارير تفتقر إلى الدقة والمصداقية، وتجاهل من يخالفونه الرأي، ولجأ إلى سلاح الاستهجان، وخلط الرأي بالخبر، فكأن ما كان
وفي مناسبة أخرى، ارتدى ثوب الجنرال، وأخذ يوجه سهام انتقاداته إلى الجزائر أثناء السباق لانتزاع بطاقة التأهل إلى مونديال جنوب إفريقيا. أطلق صاحبنا الشرارة الأولى مبكراً ومنذ مباراة الجزائر ضد رواندا حينما صدح بدعائه الشهير "يا رب نكِّد على الجزائريين"، لتتوالى بعدها التصريحات النارية والتعليقات غير الرياضية التي تورطت فيها فضائيات مصرية وصحف جزائرية. وفي نهاية الأمر، أصبح المُحرِّض التليفزيوني المنتصر الوحيد في معركة تراشقٍ إعلامي وسياسي خسرناها جميعاً

لقد ابتدع هذا المحرِّض "إعلامه الخاص"، ذلك الذي تحل فيه الشتائم والكلمات النابية محل الوصف والتعليق، وتتم الاستعاضة عن نقل الأخبار ومتابعتها باختلاقها والتهويل من شأنها

ولا يخفى على أحد حقيقة أن نجومية هذا البهلوان تنبع من سياسة الأرض المحروقة التي تشهدها مصر، فلا يصعد إلا من يجيد التسلق أو يجد له ظهراً يحميه أو جهازاً أمنياً يدعمه أو مالاً يرفعه.. وفي ظل هذه المعادلة المبتورة، يصبح للصغار من النجومية نصيب، ويسهل استمالة الجمهور الطيب والمنبهر بالشخص على حساب المضمون، بكلمات جوفاء وشعارات زائفة

ولعل من عرفوا الفتى أيام دراسته وبعد تخرجه في الجامعة، يتذكرون كيف كان يجأر بالشكوى من إهمال شقيقه الأكبر له، وكان الشقيق في تلك الفترة يرفل في نعمة الكتابة الرومانسية في لندن على طريقة "قلبي برتقالة، أشطره نصفين.. نصف لي ونصف لك".. فلما تذكره الشقيق وأفاض عليه من الخير الذي ناله، تغيرت حاله وأحواله، فهجر الزوجة الأولى والابنة الصغيرة، وارتبط بأخرى تناسب المرحلة
بل إنه اخترع طريقة غريبة لتحية أصدقاء الأمس: السلام بالحاجبين
فهو يرفع حاجبيه عندما تشاء الظروف أن تقع عيناه على صديق أو زميل دراسة قديم، حتى يكفي نفسه مؤونة السلام والكلام مع من يعرفون ماضيه.. وحاضره

أما آخر أخبار الفتى فهو أنه يردد في جميع مجالسه جملته الأثيرة "محدش يشبهني"

وهذا من رأفة الله بعباده.. وحسن حظنا جميعاً

(4)

في ملاعب السياسة، هناك من يجيد التلون والتحول، حتى طلبت منه الحرباء تعليمها دروساً في التنكر وتغيير الجلد
فها هو الرجل القادم من رحم التنظيم الطليعي في عصر مضى، يقود حملة الدفاع عن سياسات تخالف قناعات الأمس. لقد كان أحد الصاعدين في التنظيم الطليعي الذي أسسه الرئيس جمال عبدالناصر عام 1962 كأحد تنظيمات الاتحاد الاشتراكي العربي لتطويره، وقياس الرأي العام ونقل اتجاهاته ومشكلاته، إلى أن قام الرئيس السادات بحله عام 1971
غاب صاحبنا زمناً عن الأضواء واختفى في أروقة الجامعة، قبل أن يعاود الظهور مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي مدافعاً ومنافحاً، حتى بايعه كثيرون كأفضل "مبرراتي" في البلد

وفي قلب أزمة عصفت بالموقف العربي إبان حرب تحرير الكويت عام 1990، تمت الاستعانة به لكي يتولى "التكييف" القانوني لقرار مشاركة دول عربية ضمن قوات التحالف الدولية في هذه الحرب. يومها تكفل قائد الثورة الليبية معمر القذافي على رؤوس الأشهاد بإهانة هذا البهلوان، الذي قرر في لحظةٍ ما تقليد الفنان عادل أدهم في دور "زكي قِدرة" وعبارته الشهيرة " ادبح يا زكي قِدرة.. يدبح زكي قِدرة، بيع يا زكي قِدرة.. يبيع زكي قِدرة، اهرب يا زكي قِدرة.. يهرب زكي قِدرة"

رجل لكل العصور، كأن الزيني بركات يعود إلى الحياة من جديد
يهوى استرضاء السلطان، وكبح جماح طموحه السياسي، إذ مازالت في القلب غصة من هزائم الماضي بعد قضية مراكز القوى في عام 1971
وعندما تولى رئاسة جامعة عريقة، تم اعتقال الطلاب من داخل الحرم الجامعي، ويومها أنحى باللائمة على الطلاب أنفسهم لمخالفتهم اللائحة
وهتف الطلاب ضده "يا.. يا.. هتروح فين يوم الحساب" بعدما وافق على شطب الطلاب المنتمين لقوى سياسية معارضة من كشوف المرشحين لانتخابات الاتحادات الطلابية
لكن الرجل أغلق عينيه وأصم أذنيه حتى لا يرى أو يسمع ما يؤرق ضمير رجل العلم والقانون. فهو يقدم نفسه دائماً كموظف مطيع مثالي يجيد تنفيذ التكليفات، حتى وإن اتهمه رجل الشارع بأنه أحد "ترزية" القوانين
إنه من النوع الذي يستدعي إلى الذاكرة فوراً مقولة وزير الإسكان الأسبق حسب الله الكفراوي "اللي بيقولوا لأه خلصوا"
بل إنه لا يتورع عن التصدي لكل من يرغب في ممارسة حقه الديمقراطي في الترشح خارج إطار الحزب الحاكم، ويشير كثيرون إلى أنه لم يجد بأساً في استنكار فكرة ترشح د. محمد البرادعي لمنصب الرئيس بعد أن أخذ عليه عدم تعرضه "
"للمرمطة" في مصر

ولم يكن أحد يعرف من قبل أن "المرمطة" شرط أساسي للترشح لمنصب الرئيس
حين قال إن مشروع قانون جرائم النشر يهدف إلى تحقيق مزيد من الحريات، كتب أحمد رجب في "1/2 كلمة" مردداً جملة صاحبنا، قبل أن يعلق بذكاء قائلاً: "انتهت النكتة"

يمكنك أن تجده متحدثاً عن كل شيء: أمن الخليج، الرياضة، موسم الحج، وإنفلونزا الخنازير
ويبدو أنه مفيد جداً للحكومة.. ضار جداً بنفسه

(5)

الرجل الذي كان يفترض به أن يكون باحثاً كبيراً، انتهى به الأمر سياسياً صغيراً
فلا الحصانة تنفع، ولا ضخامة اللقب تخفي الثقوب التي أصابت ثوب هذا الذي كان في طريقه إلى أن يصبح أستاذاً جامعياً مرموقاً، فإذا به ينزلق إلى متاهة التوزير، فيصير وزيراً يتقن لغة برقيات التهنئة إلى أصحاب المقام الرفيع من ساكني قصور الحكم، أكثر مما يجيد إدارة شؤون وزارته

تلغرافاته المُعلبة والمنتهية الصلاحية، كانت حديث الناس أيام توليه الوزارة، فكل نصر رياضي إنما من هو عند الحاكم، وكل هدفٍ نسجله تستحق أن نشكر عليها أبانا الذي في السلطة
لقد استسلم الرجل لنداء "نداهة" السياسة وغواية المنصب، فإذا به يستغني عن حلمه العلمي ومشروعه الفكري ورسالة الدكتوراه المهمة التي أنجزها في فرنسا، فيتضاءل تارة ويتضخم تارة أخرى.. يغيب بضعة أعوام بقرار، ثم يعود إلى الصورة بعدها بقرار ثان، كأنه أداة يسهل استخدامها وقت اللزوم

ومصيبة الأرنب أنه يخرج من قبعة الساحر، ليصفق الجمهور

(6)

هذا بهلوان طبق استراتيجية اتحاد الطلاب على الحياة، فحقق نجاحاً جعله الآن محمولاً على أكتاف أنصاره، فيما يضرب غيرهم أخماساً في أسداس متسائلين: من أين خرج لنا هذا البهلوان؟
والذين يعرفون هذا البهلوان يضحكون كثيراً حتى تدمع أعينهم عندما يتذكرون كيف استفاد هذا الرجل من تجربته الجامعية، ليس في مجال تحصيل العلم، وإنما في مجال تحصيل آخر. ومن بوابة لجنة الكشافة والرحلات اكتشف هذا الشاب طرقاً وألاعيب للتسلق والوصولية والاستفادة الشخصية.. فإذا خرج وصحبه من رحاب الجامعة إلى فضاء الحياة، سقط عدد من رفاقه تحت حافر تهمة تقاضي الرشوة أو "الزيس" في مغارة ماسبيرو المذهلة، أما هو فقد آثر السلامة، وبنى شعبيته بطريقة اتحاد الطلاب في كليته الذي كان أحد أعضائه لسنوات. التصق الرجل بمن أعلى منه منصباً وصار خادمهم المطيع، في حين لم يتقدم كثيراً في مهنته الأصلية التي أبقاها على الهامش وأجلسها على مقاعد البدلاء، مفضلاً عليها استرضاء رؤسائه في المبنى الكبير المترهل

ومن "بيت الطاعة" إلى بيت أصغر حجماً، ارتضى لسنوات أن يبقى رجل الظل لرجل أكبر وأكثر نفوذاً، حتى إذا حان الوقت كي يغادر الرجل الكبير المشهد، جاء بساعده الأيمن لكي يدير شؤون البيت، على رغم افتقار الأخير لأي إنجاز في هذه الصناعة، فإذا به يقتنص لقب صاحب البيت.. وليذهب أهل الدار إلى الجحيم
(7)
من بيته الريفي المتواضع كان يحلم بالمجد الذي ينتظره

من حق أي شخص ان يحلم. المهم هو كيفية تحويل الحلم إلى حقيقة. الأهم هو ما الذي سنفعله بتلك الحقيقة الجديدة
مشوار طويل قطعه في ميادين الرياضة، هذا الشاب القادم من الأقاليم، حتى أصبح من أشهر نجوم اللعبة. وبعد ممانعة، أقر بأن الوقت حان كي يترك الساحة لمن هم أصغر سناً وأكثر لياقة. وبعد الاعتزال، بدأ النزال. ومن بوابة الإعلانات والتوكيلات الرياضية صنع مزيداً من المال والتربيطات، حتى بدأ يشتهي مجداً آخر، فحاول مرة واثنتين حتى تحقق له ما أراد. ولأن الإعلام ليس له صاحب في بلادنا، وجدناه يطل علينا معلقاً وناقداً في الرياضة أولاً وغيرها تالياً. الغريب أنه يقول بملء فيه إنه يعد رمزاً كبيراً في الإعلام الرياضي، لأنه نجح في انتشال رجال الإعلام الرياضي، وساهم في رفع رواتبهم إلى الآلاف بعدما كانت بمئات الجنيهات
وهكذا الرمز.. وإلا فلا

المجموعة المحيطة به تقول إنه تغوَّل، ولم يعد قطاره قادراً على التوقف في أي محطة، كأنما أصابت المكابح مشكلة، وغابت القدرة على وقف هذا الاندفاع
لم يكتف بالشهرة في الصندوق الصغير، فإذا به يتطلع إلى حصة أكبر من الكعكة عبر دهاليز الحزب وكواليس الانتخابات
المشكلة أنه سقط في فخ النميمة والحكايات المذمومة، وسرعان ما صنع لنفسه أعداء أكثر مما ربح من الأصدقاء، ووَّرطته زلات لسانه مثلما أوقعت به شراهته إلى مزيد من النجاح. وبدأت التهم تلاحقه والشائعات تطارده، وهو لا يأبه لخصومه ويستخف بهم. غير أنه أخرج الجنيّ من القمقم، وفشل في إعادته إلى مكانه، فإذا بالجنيّ يقف أمامه عملاقاً، وهو يتضاءل ويصغر في ظل الحلفاء الذين انفضوا عنه وباعوه بأرخص الأثمان

"تهم كيدية". هذا ما كرره الرجل في معرض دفاعه عن نفسه ومصالحه، وكاد البعض يصدق ذلك لولا أن جانباً من هذه التهم مثبت بالصوت.. والصورة

موقف اضطر معه في النهاية إلى رفع راية الاستسلام طالباً الصفح ومنادياً بأن الصلح خير

والله يسلط دوماً بهلوانات على بهلوانات
وما بين حكماء يرون أنه أخطأ التدبير والتقدير، وشامتين يرون أنه "من أعمالكم سلط عليكم"، يقف الرجل أمام مفترق طرق، باحثاً عن مخرج من المصائب التي قلبت حياته رأساً على عقب، بعد أن ظن أن الدنيا شطبت اسمه من سجلات الأزمات

(8)

البعض قد يهوى القراءة، البعض الآخر قد يهوى السباحة، وفريق ثالث قد يفضل مشاهدة الأفلام
أما هذا الرجل فهوايته الأولى، وربما الوحيدة هي التنغيص على الآخرين وإثارة الضجيج حول أي شيء وكل شيء
"بتاع كله"
مهنته الأصلية محام، لكن القضاء العالي والنزيه يبدو بريئاً من إزعاج هذا الرجل الذي يسعى إلى إقامة دعاوى قضائية على الآلاف من عباد الله، ربما بسبب تصريح أو قرار، وربما أيضاً بسبب حوار تليفزيوني أو حتى مشهد سينمائي. وفي كل مرة، نراه يصرخ متحدثاً عن الملابس الداخلية لهذه أو تلك، ومحاسباً أي امرأة معروفة عما ظهر منها.. وما بطن
النتيجة لا تهم، فالمهم بالنسبة له هو المهم هو الضجة في حد ذاتها

وفي إحدى القضايا المثارة حديثاً، ظهر وسط الزحام بصوته الجهير كأحد رافعي الدعاوى في القضية بالأصالة عن نفسه، وطلب تعويضاً مقداره ملياري جنيه مع أن أحداً من اطراف القضية لم يوكله بها ولا علاقة له من قريب أو من بعيد بالقضية وأطرافها. ويتندر كثيرون بالحديث عن طرافة الدعاوى التي يرفعها أو البلاغات التي يقدمها للنائب العام وتكون في الغالب في موضوعات لا تعنيه وليس طرفاً فيها ولم يكلفه أحد بها.. وليس مستغرباً أن نجده مطالباً بتطليق كاتبة من زوجها وتقطيع أرجل ممثلة وطرد معلق رياضي. لم يسلم منه أحد، خصوصاً نجوم الفن والفكر والرياضة

تراه جالساً إلى مكتبه المكدس بأوراق قضايا وهمية، حريصاً على إبراز نفسه في ثوب المدافع عن القيم والأخلاق، في حين أن معظم القضايا التي تم توكيله للترافع عنها لا تخرج عن جرائم يكون فيها المتهم متورطاً حتى النخاع في مخالفات مهنية وأخلاقية جسيمة، أو حتى جرائم قتل تثير شبهاتٍ لا تحصى وعلامات استفهام لا تنتهي
زعيقه أمام عدسات المصورين في القضايا الكبرى التي لم يدع إليها أصلاً، وحديثه عن العفة والأخلاق، يتناقضان كثيراً مع دفاعه عمن أصابوا المجتمع بجراح الطائفية حيناً، والصدمات غير الأخلاقية حيناً آخر
الرجل - بحسب كثيرين- شبه عاطل عن العمل ويتكسب من خلال الدعاية لنفسه عن طريق إقحام نفسه في أي موضوع إعلامي أو شخصية مشهورة طلبا للشهرة
اسمه ليس على مسمى، والله أعلم
(9)


"ملك الحسبة"

حين نزلت قضايا الحسبة على أرض مصر المعاصرة، صعد نجم هذا الرجل بطريقة عجيبة غريبة

يفاخر الشيخ - كما يلقب- بأنه "التطور الطبيعي للحاجة الساقعة".. فهو الذي يقاتل للتفريق بين الأزواج وتكفير هذا وذاك، وهو الذي يصادر الأثاث ويقاضي الشعراء والمفكرين وأصحاب المؤلفات وكُتاب المقالات
حروبه ضد التفكير تقوده دائماً إلى التكفير
تراه يقود حملة ضد مثقفي مصر ورموز إبداعها، وضد كل فكرة من شأنها التجديد في الفكر والممارسة الإسلامية، بدءاً من إعادة تفسير النص الديني وصولاً إلى حظر ختان الإناث. كلما اختفت زوبعة من الزوابع التي يثيرها هذا الشيخ في الإعلام بسبب ملاحقته لهذا المفكر أو المثقف أو الفنان حتى يثير زوبعة أخرى

أدمن المزايدة على التحدث باسم الدين، بحيث يظهر بمظهر حامي الدين، بما يخفض من سقف الحريات أكثر فأكثر ويحاصر الإبداع والمبدعين
وعندما أراد بعضهم اصطياده بالسلاح نفسه وافتضاح أمره وطرق متاجرته باسم الدين عن طريق تقاضي مبالغ مالية مقابل الرقية الشرعية، أرغى وأبد، وعاد إلى مزاولة هوايته المفضلة: إقامة دعاوى قضائية ضد خصومه
لم يتورع هذا الرجل عن إقامة دعاوى قضائية حتى ضد غيره من علماء الدين رجالاً ونساء
الطريف أنه في برنامج تليفزيوني عرضته إحدى قنوات التليفزيون في مصر، اتصلت ممثلة معروفة بأدوار الإغراء التي تؤديها، وكان الشيخ حاضراً في الاستويو، فابتسم وتهلل وجهه قبل أن يقول: "..... تلميذتي، سلمولي عليها"
"فتح الله عليك يا عم الشيخ"
يومها تساءل البعض عن سر إعلان هذا الشيخ على الملأ بفرح طفولي أن هذه الممثلة تلميذته، وحكاية استشارته له باستمرار، وهذا يفتح الباب أمام أحد احتمالين لا ثالث لهما: إما أن الشيخ لا يرى أفلاماً أو حتى إعلانات الأفلام التي تقوم هذه الممثلة ببطولتها، أو أنه يرى أدوار الممثلة بصفة دائمة ويوافق على كل ما تقدمه
وكلا الأمرين مثير للاهتمام، خصوصاً إذا علمنا أنهما – كما قالت الممثلة- جيران وأبناء حي واحد
عادي.. في المعادي
والجيرة قد تزيل أسباب الحيرة


(10)


من خانة إلى خانة ومن ديانة إلى ديانة، تبدو هذه المرأة لغزاً كبيراً، وإن يكن هناك من يفسر الأمر ببساطة على أنه رغبة في الشهرة والاستئثار بالأضواء

سيدة في منتصف العمر، انفعالية إلى حد كبير، ترد على محاوريها بحدة، وترفع نبرة صوتها في الحديث، وتقاطع الرأي المخالف لها بصورة لا تخلو من استفزاز

تطوعت ذات مرةٍ للدفاع عن ضحية قضية شهيرة في التحرش الجنسي. وبعد النطق بالحكم، قالت إن هذا انتصار للفتاة وللمرأة المصرية، وليت كل البنات مثل هذا الضحية حتى يأخذن حقوقهن، ليعلم كل متحرش أن جزاءه ثلاث سنوات "ورا الشمس"، ثم ما لبثت أن تحولت من موقف الدفاع إلى الهجوم، فاتهمت الفتاة المجني عليها بحمل الجنسية الإسرائيلية، بل ودافعت عن السائق نفسه، لأنه حسن النية كان يبعد الفتاة عن سيارته، فلم يجد في يده إلا صدرها ليمسك به، وهو ينبهها قبل أن تصدمها سيارته المجنونة

ورددت عبر وسائل الإعلام غير ذلك من أقاويل، تبين للجميع لاحقاً أنها كاذبة وادعاءات ملفقة

هوايتها إثارة الغبار، وهي قد تهيل التراب على أي شخص أو إنجاز، لمجرد تسليط الأضواء عليها ولفت انتباه المراسلين وعدسات المصورين، فمن أجل التليفزيون.. كله يهون

الفتاة الدمياطية المحجبة، تحولت بقدرة قادر إلى حقوقية تطالب بإلغاء التقيد بالشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع باعتبارها "كلام فارغ". ثم ألقت بقنبلة لها دويها في المجتمعات الهشة: اعتناق دين آخر
دع عنك حكاية تغيير الدين هذه، فاعتناقها ديانة جديدة لا يعني بأي حال الضرر لديانتها الأولى أو الفائدة لديانتها الثانية، غير أن الأخطر في رأينا هو الفصام في الشخصية الذي أحاط بتصرفاتها من كل حدب وصوب
إذ لم يمض على خبر تنصرها الكثير، حتى عادت لتؤكد رفعها دعوى الخلع ضد زوجها؛ لأنها أصبحت "تبغض الحياة معه"، رغم أن "الخلع" ينتمي إلى الشريعة الإسلامية وليس المسيحية

تحدث البعض عن حصولها على أموال تبرعات مقابل تغيير قناعاتها الدينية، لكنها نفت ذلك، مع أنها شنت هجوماً حاداً على شخصيات بالاسم قيل إنهم هم من يقومون بدور الوساطة لأنها أرادت أن تحرقهم أمام من يدفعون، ولترفع الوسطاء من طريقها، لتحصل هي مباشرة علي التبرعات، فلا داعي للسمسرة في منتصف الطريق

وما أصعب أن تجد أمامك إنساناً لا يهمه سوى الجري وراء أهواء شخصية، من المال والشهرة والأضواء

في مناسبة حديثة، قامت من مقعدها غاضبة أثناء انعقاد مؤتمر، لتحتج في مداخلة حادة على عدم دعوتها للمشاركة والإدلاء برأيها في فعاليات مؤسسات المجتمع المدني بسبب موقفها الديني
إنها اللغة الوحيدة التي تتقنها: الصراخ، أما أبجدية هذه اللغة فيمكن اختصارها في كلمة واحدة: التقلب

........

انتهت الحكاية.. وبقي البهلوانات
ولا عزاء للمتفرجين
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator