المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

دنشواي.. ضحايا وجلادون



في مطلع القرن العشرين، وفي إحدى قرى المنوفية، أعيد كتابة التاريخ
أما القرية فهي دنشواي، التي تقع في مركز الشهداء، شبين الكوم بمحافظة المنوفية، ويُعتقد أن الاسم مشتقٌ قديماً من دير جواي ثم تحول إلى دنجواي. ينطقها أهلها "دنشية"، وهي تستقبلك بأبراج الحمام.. رمز السلام الذي تحول إلى رمز للظلم والاحتلال
تعود بدايات الحكاية إلى عام 1906، حين صدرت أوامر الحكومة في مصر إلى عُمد بعض البلاد بمساعدة كتيبة تابعةٍ للاحتلال البريطاني آنذاك مكونة من خمسة ضباط ممن كانوا يرغبون في صيد الحمام ببلدة دنشواي كما اعتادوا
وفي نهارٍ صيفي عادي هو يوم الأربعاء الموافق 13 يونيو عام 1906، كان الضباط الإنجليز في رحلة صيد حمام بجوار قرية دنشواي بالمنوفية المشهورة بكثرة حمامها بدعوة من عبد المجيد بك سلطان أحد أعيان القرية
تجول هؤلاء الضباط الإنجليز بقيادة الميجور بين كوفين بالقرب من القرية المنكوبة ومعهم الأومباشي "العريف" أحمد حسين زقزوق والترجمان عبد العال صقر. وكان الميجور مغرماً بصيد الحمام فأقنع رجاله - وهم: الكابتن بول، الملازمان بورثر وسميث، الطبيب البيطري الملازم بوستك - بأن يتراهنوا لاصطياد الحمام من على أشجار دنشواي
وكان كوفين وبول وبوستك يطلقون الرصاص لاصطياد الحمام بجوار الأشجار على جانبي الطريق الزراعي، ولكن تشاء الأقدار أن يتوغل بورثر وسميث داخل القرية حيث كان الحمام عند أجران الغلال يلتقط الحَب. ويصوب بورثر بندقيته إلى جُرن الحمام الخاص بالشيخ محمد عبد النبي مؤذن البلدة، فتفقد زوجة الشيخ وعيها بعد أن أصابتها خرطوشة
وتفيد روايات أخرى بأن مؤذن البلدة جاء يصيح بهم كي لا يحترق التبن في جُرنه، لكن أحد الضباط لم يفهم منه ما يقول وأطلق عياره فأخطأ الهدف وأصاب المرأة، وتدعى أم محمد. واندلعت النار في التبن بفعل البارود المشتعل، فهجم الرجل على الضابط وأخذ يجذب البندقية وهو يستغيث بأهل البلد صارخاً "الخواجة قتل المرأة وحرق الجُرن، الخواجة قتل المرأة وحرق الجُرن"، فأقبل الأطفال والنسوة والرجال صائحين "قتلت المرأة وحرقت الجُرن"، وهرع بقية الضباط الإنجليز لإنقاذ صاحبهم
وفي هذا الوقت وصل الخفراء للنجدة كما قضت أوامرهم، فتوهم الضباط على النقيض بأنهم سيفتكون بهم فأطلقوا عليهم الرصاص وأصابوا بعضهم فصاح الجمع "قتل شيخ الخفر" وحملوا على الضباط بالطوب والعصي، فألقى الخفراء القبض عليهم وأخذوا منهم الأسلحة إلا اثنين منهم وهما "كابتن" الفرقة وطبيبها اللذين أخذا يعدوان تاركين ميدان الواقعة وقطعا نحو ثمانية كيلومترات في الحر الشديد حتى وصلا إلى بلدة سرسنا، فوقع "الكابتن" بول مطروحاً على الأرض ومات بعد ذلك متأثراً بضربة شمس إثر عدوه لمسافة طويلة تحت أشعة الشمس
[1]

عندها تركه زميله الطبيب وأخذ يعدو حتى وصل إلى المعسكر، وصاح بالعساكر فركضوا إلى حيث يوجد الكابتن، فوجدوه وحوله بعض الأهالي، فلما رآهم الأهالي لاذوا بالفرار، فاقتفى العساكر أثرهم وألقوا القبض عليهم إلا أحدهم - ويُدعى سيد أحمد سعيد - هرب قبل أن يشد وثاقه واختبأ في فجوة طاحونةٍ تحت الأرض فقتله الإنجليز شر قتلة، بعد أن انهالوا عليه ضرباً بالسونكي، حتى أصبحت أكبر قطعة في رسه – كما ذكرت "مجلة المجلات العربية" التي صدرت بعد الحادث مباشرة- في حجم عملة النقود الصغيرة التي تسمى بالقرش تعريفة[2]!

واصل الجنود الإنجليز سيرهم إلى دنشواي، ليتسلموا بقية الضباط، الذين كانوا قيد التحفظ في الجرن الذي أشعلوا فيه النار
وفي ظل الاحتلال، تختل الموازين وتأخذ العدالة إجازة. فقد تجاهل الإنجليز جريمة قتل سيد أحمد سعيد، والإصابة التي تعرض لها كل من أم محمد، وعامر عدس، وشحاتة داود وعلي الدبشة، وأخذوا يبحثون عن "عدالة" تقتص لمقتل الكابتن بول، الذي أكد زميله الطبيب بوستك إنه كشف عليه طبياً، وتبين له أن سبب الوفاة احتقان في المخ من أثر ضربة الشمس التي تعرض لها بسبب مسيرته الطويلة تحت الشمس الحارقة

وقد نظم حافظ إبراهيم إثر حادثة دنشواي قصيدة يقول فيها
أيها القائمون بالأمر فينا .. هل نسيتم ولاءنا والودادا؟
خفّضوا جيشكم وناموا هنيئاً .. وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا
وإذا أعوزتكم ذاتُ طوق .. بين تلك الربا فصيدوا العبادا
إنما نحن والحمام سواء .. لم تغادر أطواقنا الأجيادا
[3]

جاء رد الفعل البريطاني قاسياً وسريعاً، فقد ألقي القبض على عشرات الفلاحين، وأحيل 60 منهم – بينهم 8 هاربين- إلى المحاكمة بتهمة القتل المتعمد
وطبقاً للقانون العرفي الصادر في 25 فبراير سنة 1895 لحماية أرواح قوات الاحتلال البريطاني، وبناء على قرار الاتهام المقدم من محمد شكري باشا مدير المنوفية، صدر في يوم 20 يونيو عام 1906 قرار بتشكيل محاكمة خاصة وأن يكون انعقادها في شبين الكوم يوم الأحد 24 يونيو. كانت المحكمة برئاسة بطرس باشا غالي نيروز ناظر الحقانية بالنيابة، وعضوية كلٍ من أحمد فتحي بك زغلول (حمل لاحقاً لقب: باشا) رئيس المحاكم الأهلية، و"مستر" وليام جودنفا هيتر المستشار القضائي بالنيابة، و"مستر" بوند وكيل محكمة الاستئناف الأهلية، وكان القاضي العسكري الكولونيل لادلو يمثل جيش الاحتلال، أما سكرتير المحكمة فكان عثمان بك مرتضى. وقام بالدفاع عن المتهمين كلٌ من أحمد لطفي السيد وإسماعيل عاصم ومحمد بك يوسف وعثمان بك يوسف. وتولى إبراهيم بك الهلباوي الادعاء في المحاكمة التي استمرت من 24 إلى 27 يونيو
[4]
وهنا جاء دور الهلباوي في تلك المسرحية الهزلية
على رغم من أن الناس إبراهيم الهلباوي عرفوا كأحد أعظم المحامين الذين أنجبتهم مصر، فإن حياته تعد نموذجاً تقليدياً لقصة حياة البطل الذي يخطىء مرةً واحدةً فيهيل على تاريخه التراب، ويظل مثل سيزيف يكافح طوال ما تبقى من عمره – دون جدوى- للصعود بالصخرة إلى قمة الجبل، دون أن يغفر له أحدٌ خطيئته في حق الشعب
أحب شعب مصر آنذاك إبراهيم الهلباوي (30 إبريل 1858- 20 ديسمبر 1940) الذي وصفه عباس محمود العقاد ذات مرةٍ بأنه "كان ذا ذلاقة لسانٍ لا تطيق نفسها ولا تريح صاحبها"
[5]. وكان الهلباوي – وهو من قرية العطف في محافظة البحيرة- خطيباً مفوهاً وممثلاً رائعاً يمزج بين العربية الفصحى والعامية البسيطة ويتحرك بخفةٍ ورشاقة، يجبر المحكمة على سماعه ويجعل من يسمعه ويراه مشدوهاً بعبقرية هذا الرجل. قال عنه عبد العزيز البشري إنه "شيخ يتزاحف على السبعين إن لم يكن قد اقتحمها فعلاً، عاش مدى عمره يحبه ناس أشد الحب ويبغضه ناس أشد البغض.. إلا أن هؤلاء وهؤلاء لا يسعهم جميعاً إلا التسليم بأنه رجل عبقري"[6]

كان الهلباوي يقف في المحكمة فيهز مصر كلها بفضل حججه القانونية البارعة التي جعلته يُدعى أعظم طلاب المرحمة، على حد وصف معاصريه.. لكنه فشل في طلب الرحمة لنفسه من الشعب في حادثة دنشواي. وعلى امتداد 30 عاماً طويلة حاول أن يُكفِرَ عن ذنب ارتكبه، لكن الشعب أصم أذنيه لأن الذنب كان من النوع الذي يصعب نسيانه وغفرانه
كان الهلباوي في عزبته في البحيرة إذ وقعت حادثة دنشواي، فلما سمع به اعتزم حضور التحقيق مع المتهمين الأبرياء يوم السبت الموافق 16 يونيو عام 1906، لكنه لما وصل إلى طنطا وهو في طريق العودة من البحيرة إلى القاهرة، تبين له أن التحقيق كان يجري في البتانون، فعدل عن رأيه لبُعد المسافة وارتفاع درجة الحرارة في ذلك اليوم
وعلى رصيف القطار في القاهرة، وجد الياور الخاص برئيس الوزراء مصطفى فهمي باشا يخبره بأن "الباشا" ينتظره في مكتبه لأمرٍ مهم. ثم التقى الهلباوي محمد محمود بك رئيس حزب الأحرار الدستوريين فيما بعد، وكان يعمل آنذاك سكرتيراً خاصاً لمستشار وزير الداخلية الإنجليزي "مستر" ميتشل، الذي سأله عما إذا كان أحد من المتهمين في حادثة دنشواي قد وكله للدفاع عنه.. فلما نفى ذلك أخطره بأن الحكومة قد اختارته ليمثلها في إثبات التهمة ضد المتهمين أمام المحكمة المخصوصة، باعتباره من أكبر المحامين سناً وأقدمية
المفاجأة كانت في حسم الهلباوي تردده وقبوله المهمة، بل وتواضعه في تحديد أتعابه، فمع أنه – كما قال فيما بعد- "كان يتقاضى 500 جنيه في القضايا الكبرى، فإنه خفض أتعابه في هذه القضية، فقبِلَ أن يترافع فيها ب 300 جنيه فقط"
وبدا لكثيرين أن الهلباوي لا فرق لديه بين أن يدافع عن المتهم البرىء، أو أن يكون المدعي العام الذي يثبت عليه الاتهام ليطالب بإعدامه
وهكذا استقبل الهلباوي في مكتبه "مستر" موبيرلي المفتش الإنجليزي لوزارة الداخلية لوزارة الداخلية و"مستر" مانسفيلد الحكمدار الإنجليزي لبوليس القاهرة اللذين أبلغاه أنهما مكلفان بأن يكونا في خدمته في كل ما يتعلق بقضية دنشواي، واقترحا عليه أن يحضر التحقيق وأن يشارك في استجواب المتهمين، لكنه اعتذر عن ذلك وفضلَ أن يزور مسرح الأحداث ليعاينه
وفي تلك القضية، ترافع الهلباوي ثلاث ساعات في ليلة 26 يونيو وفي صباح اليوم التالي. استخدم الهلباوي دهاءه لتكييف واقعة اعتداء الفلاحين بالضرب على الضباط الإنجليز بحيث يثبت أن الحريق الذي وقع في الجُرن نتيجة رصاص الضباط الإنجليز أثناء رحلة الصيد في دنشواي، هو حادثٌ تالٍ للاشتباك بين الفلاحين والضباط، وهو ما لم يكن صحيحاً. بل إن الهلباوي زعم أن الضباط الإنجليز لم يكونوا أصلاً السبب في حدوث حريق الجُرن، وأشار إلى أنه حريقٌ متعمد اصطنعه الفلاحون ليخفوا أدلة سبق إصرارهم وتعمدهم التحرش بالضباط الإنجليز والاعتداء عليهم بالضرب
وفي ظل تراخي فريق الدفاع عن المتهمين واكتفائه بطلب الرأفة، تمكن الهلباوي من تبرئة الضباط الإنجليز من الأخطاء والجرائم التي ارتكبوها، في حين زاد من مسؤولية الفلاحين عن الحادثة. واتخذ الهلباوي من نجاح الفلاحين في إخماد النيران في الجُرن في غضون ربع ساعةٍ فقط دليلاً على أن الفلاحين هم الذين أطفأوا النيران بعد أن أشعلوها
ولم يبق في إثبات ركن سبق الإصرار على القتل والشروع فيه سوى إثبات أن فكرة القتل لم تكن عرضيةً وإنما كانت نيةً مبيتة
وصوَّر الهلباوي الأمر أمام المحكمة وكأن الفلاحين رتبوا الأحداث بحيث صمموا على قتل الإنجليز إذا جاءوا للصيد في قريتهم. وكان الملازم بورثر قد ذكر أثناء إدلائه بأقواله أمام المحكمة أن المتهم التاسع عبد المطلب محفوظ قد حماه هو وزملاءه من العدوان عليهم، وقدم إليهم المياه ليشربوا، وهي شهادةٌ كانت كافية لتبرئته
وعندما جاء الدور على الشاهد فتح الله الشاذلي نجل عمدة دنشواي، ورد في أقواله هو الآخر أنه قد قدم الماء للضباط.. فتنبه الهلباوي إلى نقطةٍ جزم بأنها فاتت على الملازم بورثر، ووقف ليقول إنه يلاحظ شبهاً كبيراً في الملامح بين المتهم عبد المطلب والشاهد فتح الله، وإنه يعتقد أن الأمر قد اختلط على الملازم بورثر.. فاستدعت المحكمة الضابط الإنجليزي الذي حسم الأمر، وقال إن الذي سقاه هو ابن العمدة وليس المتهم. وبذلك حرم الهلباوي المتهم التاسع من فرصته للنجاة من الحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة
[7]

وعلى هذا النهج يروي لنا صلاح عيسى كيف بذل إبراهيم الهلباوي جهداً ضخماً في تفنيد كل ما جاء في أقوال المتهمين والشهود ليهدم كل واقعةٍ يمكن أن تتخذ ذريعةً للتخفيف عن المتهمين الأبرياء في حادثة دنشواي، وليثبت للمحكمة أن الحادثة ارتكبت عمداً ومع سبق الإصرار، حتى يفوز بما كان قد اتفق عليه مع سلطات الاحتلال ويعطي المحكمة مبرراً للحكم بالإعدام على المتهمين[8]

بل إنه فند التقارير الطبية التي قالت إن الضحية الوحيدة في الحادثة وهو الكابتن البريطاني بول، قد مات متأثراً بضربة شمس، وأكد أن موت بول بضربة شمس لا ينفي أن المتهمين هم الذين قتلوه لأنهم هم الذين ضربوه، وألجأوه إلى الجري تحت أشعة الشمس اللاهبة. أضف إلى ذلك أن الهلباوي اتهم المتهم البريء حسن محفوظ بأنه "لم يكدر قريةً بل كدَّر أمةً بأسرها بعد أن مضى علينا 25 عاماً ونحن مع المحتلين في إخلاصٍ واستقامة وأمانة.. أساء إلينا وإلى كل مصري.. فاعتبروا صوتي صوت كل مصري حكيمٍ عاقل يعرف مستقبل أمته وبلاده"

وبذلك قتل الهلباوي شعبه كله بعد أن صدرت أحكام غير قابلة للطعن بإعدام أربعة متهمين، هم: حسن علي محفوظ، يوسف حسني سليم‏،‏ السيد عيسى سالم، ومحمد درويش زهران.‏ كما قضت المحكمة بالأشغال الشاقة المؤبدة على اثنين - هما محمد عبد النبي وأحمد عبد العال محفوظ- والسجن 15 سنة على أحمد السيسي، والأشغال الشاقة لمدة 7 سنوات على 6 آخرين، غير أحكام أخرى بالجلد 50 جلدة على 8 من أهل القرية
رفع اللورد كرومر راية الدم فور صدور الحكم، وفي الثانية من ظهر يوم ‏28‏ يونيو جرى تنفيذ تلك الأحكام الجائرة، بعد محاكمةٍ استمرت بضعة أيام فقط وأمام أعين الأهالي
قامت الصحافة المصرية في ذلك الحين بتغطية الحادث وأفردت له الصفحات الطوال واختلفت المعالجة وفقاً لسياسة كل صحيفة، فبينما نددت به صحيفة "اللواء" وقامت "الأهرام" بوصف الحدث المحزن، ظهر جلياً موالاة صحيفة "المقطم" للاحتلال الإنجليزي
[9]
وكتبت صحيفة "الأهرام" تحت عنوان "إنفاذ الحكم في دنشواي" تصف وقائع تنفيذ أحكام الإعدام والجلد على المتهمين فقالت
"في الساعة الرابعة من صباح هذا اليوم ازدحمت شوارع شبين الكوم بالجماهير لرؤية المتهمين الذين يرسلون إلى دنشواي لإنفاذ حكم المحكمة المخصوصة عليهم. وكان رجال البوليس المصري ورجال جيش الاحتلال يحافظون على النظام وهم على صفين شاهرين السلاح
"وفي الساعة 6 صباحاً وصلت إلى محطة البتانون فوجدت المحطة مزدحمة بالأهالي وبينهم الوصفاء ووكلاء الجرائد ومكاتبوها وكلهم يبحث عن ركوبة توصلهم إلى دنشواي ولم يتوصلوا إلى بغيتهم إلا بكل صعوبة وبلغت أجرة الحمار عشرين قرشاً صاغاً في الذهاب والإياب وهي أجرة لم أسمع بها في مدة إقامتي بالمنوفية لأن يومية الحمار لا تزيد على خمسة قروش صاغ
"فتركت نقطة الشهداء والنفس حزينة لمنظر أولئك الذين يبكون ذويهم وهم صابغون وجوههم ورابطون رقابهم ودموعهم تتناثر وأصواتهم ترتفع، ولما وصلت دنشواي نظرت إلى تلك الأبراج العديدة فلم أر ذلك الحمام الذي كان يحوم كعادته حينما كنت أمر على تلك الناحية لقضاء أعمالي كأنه حزن على ما كان فأقسم أن ينوح في أبراجه فلا يخرج في ذلك اليوم العصيب.. وفيها ثلاث خيام خيمة منها بالجهة الغربية وقد أعدت لوضع جثث الذين يعدمون وخيمة بالجهة الشرقية لوضع جميع المتهمين فيها قبل تنفيذ الأحكام والثالثة إلى جانبها أيضاً وهي لوضع المتهمين المراد جلدهم بعد إنفاذ الجلد
"وفي ساعة وصولي كانوا يشتغلون بنصب المشنقة التي يطلب نصبها زمناً طويلاً وكان عشماوي الجلاد يلاحظ إقامتها ويساعد النجار المخصص لها وكثير من الخفراء يخدمونه في عمله المشؤوم وقد علقت في أطراف المشنقة آلات الجلد ورأيت الأهالي في حزن لا أستطيع وصفه وحسب القارئ أن يتصور أناساً يتوقعون مقتل ذويهم أمام عيونهم
"وصل المتهمون للساحة التي أعدت لتنفيذ الأحكام عليهم فيها فلا تسل عن الصراخ والبكاء"
[10]
أما صحيفة "المقطم" فقد كتبت مقالا تعليقاً على الحادث تحت عنوان "الحادثة المشؤومة في دنشواي" تقول: "فأول تلك الحقائق ابتعاد الضباط الإنكليز عن الشر وحبهم العجيب للمسالمة وخلوص طويتهم وصفاء نيتهم إلى حد لا يكاد يصدق فقد ذهبوا لصيد الحمام.. وهم يحسبون أنهم معدودون ضيوفاً كراماً وأنهم ينزلون على الرحب والسعة في كل مكان وأنه لا يضن أحد عليهم بحمامات لو طلب ثمنها منهم لدفعوا قدر عددها جنيهات..
وجعلوا يصيدون الحمام بعيداً عن البلدة والأجران فلم يمس أحد بسوء من جراء ذلك ولكن قوماً من الأهالي أنكروا أمر هذا الصيد فجعل بعضهم ينازع أحد الضباط بالكلام..
والحقيقة الثانية أن أهل دنشواي فعلوا حينئذ فعلاً يحل عنه أهل الشرق ولا يليق بأبناء مصر الكرام فقد كان الواجب عليهم إكرام الضيف على كل حال ولا سيما بعد ما رأوهم لابسين الحلة العسكرية فعلموا أنهم ضباط في جيش الاحتلال
ولجيش الاحتلال الفضل الأعظم على كل فلاح في بر مصر بلا جدال"
[11]

وفي عدد آخر كتبت تقول "ساءت حادثة دنشواي هذه العالم المتمدن عموماً وعقلاء مصر خصوصاً لما ارتكبه أهل دنشواي فيها من الجرائم الفظيعة والعيوب الفاضحة حتى بات كل مصري عاقل يغار على بلاده يتبرأ منهم"[12]
جريدة "اللواء" لصاحبها مصطفى كامل باشا قالت"لا حديث لأهل الأرض في هذه الأثناء سوى حادثة دنشواي الفظيعة التي مثلت أدوارها إلى آخر فصل مريع وهو تنفيذ ذلك الحكم القاسي بما جعل الناس يذكرون أحكام المماليك الاستبدادية بنوع من الرأفة أمام ما رأوه في هذه الأيام"[13]
وتكتب الجريدة في صفحتها الأولى مقال "يا دافع البلاء – الإعدام والتعذيب في دنشواي" لكاتبها أحمد حلمي وقال فيه "وحينئذ كان دمي قد كاد يجمد في عروقي من تلك المناظر الفظيعة فلم أستطع الوقوف بعد الذي شاهدته...
كنت أسمع صياح ذلك الرجل يلهب الجلاد جسمه بسوطه. هذا ورجائي من القراء أن يقبلوا معذرتي في عدم وصف ما في البلدة من مآتم عامة وكآبة على كل بيت وحزن باسط ذراعيه حول الأهالي حتى إن أجران غلالهم كان يدوسها الذين حضروا لمشاهدة هذه المجزرة البشرية وتأكل منها الأنعام والدواب كأن لا أصحاب لها.. لأني لم أتمالك نفسي وشعوري أمام البلاء الواقع الذي ليس له من دافع"
[14]




ويقول د. محمد حسين هيكل: "ونفذ هذا الحكم بطريقةٍ همجية لا عهد للإنسانية بها منذ عصورها المظلمة. فقد نصبت المشانق التي أُرسلَت إلى قرية دنشواي قبل صدور حكم المحكمة أمام منازل الأهالي مباشرة ونصبت إلى جانبها آلات الجلد. وغداة صدور الحكم نفذ على صورةٍ يقشعر من هولها البدن. فكان كل محكومٍ عليه بالإعدام يعلق في المشنقة ويبقى معلقاً أمام أنظار أهله وأبنائه إلى أن يجلدوا اثنين من المحكوم عليهم بالجلد. وكان هؤلاء يجلدون بكرابيج ذات ثمانية ألسن معقود طرف كل لسان منها بقطعةٍ من الرصاصز ومن حول المشانق والمجالد وفوق أسطح المنازل وقف الناس من أهل هؤلاء التعساء وذويهم يشهدون جلودهم تُشوى بالكرابيج وجثثهم فارقتها أرواحها معلقة في المشانق، ومستشار الداخلية الإنجليزي واقف يحافظ على النظام لهذا المشهد الذي أبدعته انجلترا في مطلع القرن العشرين. ما أشدها وحشية وما أتعسها حضارة!"[15]
الكاتب الأيرلندي الشهير جورج برنارد شو لم يجد في مقدمة إحدى مسرحياته سوى السخرية من عدل سلطات الاحتلال، التي أجهدت نفسها بحثًا عن "بروجرام" تشغل به المتفرجين على حفل الإعدام وتحول بينهم وبين الملل خلال نصف الساعة الذي كان مفروضاً أن يظل فيه جسد المشنوق معلقاً للتأكد من وفاته، ولإتاحة وقت كاف لأسرته كي تشاهده وهو يدور حول نفسه. وقد حلَّت المحكمة هذه المشكلة فقضت على ثمانية من المتهمين بالجلد؛ لتتيح لفرقة التنفيذ ملء فراغ "البروجرام" بجلد اثنين بين كل مشنوقين، حتى يكتمل الطابع الاحتفالي والاستعراضي لعدل المحتلين
وعلق جورج برنارد شو قائلاً: "إذا كانت إمبراطوريتها [انجلترا] تعني حكم العالم كما جرى حكم دنشواي في عام 1906 -- وأخشى أن هذا هو ما تعنيه "الإمبراطورية" بالنسبة إلى الجزء الرئيسي من الطبقات الأرستقراطية العسكرية والطبقة الثرية المتنفذة ذات العصبية القومية لدينا – فإنه لن يكون هناك أي واجب سياسي مقدس، وأكثر إلحاحاً على وجه الأرض من تقويض هذه الإمبراطورية، وإلحاق الهزيمة بها، وقمعها، علاوة على إضفاء الطابع الإنساني على أنصارها"
[16]
في قصيدة "شنق زهران" للشاعر صلاح عبد الصبور نقرأ عن كفاح فلاح بسيط من أبناء الشعب في وجه احتلالٍ غاشم. يقول الشاعر:
مر بظهر السوق يوماً
ورأى النار التي تحرق حقلاً
ورأى النار التي تصرع طفلاً
كان زهران صديقاً للحياة
مدّ زهران إلى الأنجم كفاً
ودعا يسأل لطفاً
ربما سورة حقد في الدماء
ربما استعدى على النار السماء
...........
وضع النطع السكة والغيلان جاؤوا
وأتى السياف (مسرور) وأعداء الحياة
صنعوا الموت لأحباب الحياة
وتدلى رأس زهران الوديعْ
قريتي من يومها لم تأتدم إلا الدموعْ
قريتي من يومها تأوي إلى الركن الصديعْ
قريتي من يومها تخشى الحياة
كان زهران صديقاً للحياة
مات زهران وعيناه حياة
فلماذا قريتي تخشى الحياة؟
[17]

وحينما وقعت حادثة دنشواي، كان الزعيم الوطني مصطفى كامل يعالج من المرض في باريس، فقطع رحلة علاجه وسافر إلى لندن وكتب مجموعة من المقالات العنيفة ضد الاحتلال والتقى هناك السير كامبل باترمان رئيس الوزراء البريطاني الذي عرض عليه تشكيل الوزارة في مصر، لكنه رفض ونشر مقاله الشهير "إلى الأمة الإنجليزية والعالم المتمدن" في صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية دفاعاً عن القضية المصرية والتنديد بوحشية الإنجليز في دنشواي
[18]
يقول مصطفى كامل في مقاله الذي حمل فيه على اللورد كرومر في مصر وأوروبا: ".. نصبت المشانق ووضعت آلات الجلد والتعذيب في وسط دائرةٍ مساحتها 2000 متر مربع وأحاطت "عساكر الدراجون" الإنجليزية بالمحكوم عليهم. والتفت الخيالة المصرية حول الإنجليز وتولى "المستر" ميتشل "مستشار الداخلية" ومعه مدير المنوفية أمر التنفيذ! وقد تقدم إليهم ابن أول المحكوم عليهم بالشنق، سائلاً مقابلة والده لأخذ وصاياه الأخيرة فرفضوا قبول الرجاء الذي هو أعز ما يرجوه الإنسان ويحتمه الشرع والعدل... فشنق رجل، ولبث أعضاء عائلته وأقاربه وهم على بُعدٍ يملأون الفضاء بصراخهم الممزق للقلوب.. وجلد اثنان أمام الجثة وتكرر هذا المنظر ثلاث مرات! واستمر ساعة من الزمن!... منظر وحشي مهيج"[19]

ويتابع مصطفى كامل في تقريره قائلاً: "جئت أسأل الذين يجاهرون في كل آن، ذاكرين الإنسانية، مالئين الدنيا بعبارات الانفعال والسخط، إذا حدثت فظائع في بلاد أخرى دون فظيعة "دنشواي" ألف مرة أن يثبتوا صدقهم وإخلاصهم بالاحتجاج بكل قوة وشدة على عمل فظيع مثل حادثة "دنشواي" يكفي وحده أن يسقط إلى الأبد المدنية الأوروبية في أعين العالم كافة... جئت أسأل الأمة الإنجليزية إذا كان يليق بها أن تترك الممثلين لها في مصر يلجأون بعد احتلال دام أربعة وعشرين عاماً، إلى قوانين استثنائية ووسائل همجية، بل وأكثر من همجية..."[20]

وانتقل الأمر إلى مجلس العموم في انجلترا وتداولته الصحافة في فرنسا، حتى أطيح اللورد كرومر الذي استقال في 4 مارس 1907. واضطرت انجلترا إلى العفو عن المحكوم عليهم في دنشواي – أو من بقي منهم حياً!- في 8 يناير 1908 بفضل مصطفى كامل وجهوده الكبيرة
وقال أمير الشعراء أحمد شوقي بعد مرور عام على حادثة دنشواي
يا دنشواي على رباك سلام .. ذهبت بأنس ربوعك الأيام
كيف الأرامل فيك بعد رجالها .. وبأي حال أصبح الأيتام
عشرون بيتاً أقفرت وانتابها .. بعد البشاشة وحشةٌ وظلام
نوحي حمائم دنشواي وروّعي .. شعباً بوادي النيل ليس ينام
السوط يعمل والمشانق أربع .. متوحدات والجنود قيام
والمستشار إلى الفظائع ناظر .. تدمى جلود حوله وعظام
وعلى وجوه الثاكلين كآبة .. وعلى وجوه الثاكلات رغام
[21]

أما وصف "جلاد دنشواي" فقد كان صاحبه الشيخ عبد العزيز جاويش، الذي زعم الهلباوي أن هجومه عليه ليس سوى لخصومة بينهما وقضية تعود إلى مارس 1906 تسبب فيها الهلباوي في إدانة أخوة الشيخ جاويش لمصلحة الكونت زيزينيا، وسط سجال على صفحات "المؤيد" و"اللواء"، علماً بأن الشيخ عبد العزيز جاويش لم يهاجمه وحده وإنما قال في حق الثلاثة – الهلباوي وبطرس غالي وأحمد فتحي زغلول- إنه "أصبح يشق علينا وجودهم على سطح الأرض ورؤيتهم على الأبصار وصوتهم على المسامع وذكرهم على الألسن وذكراهم في الصدور"[22]. وفي هذا المقال الذي جاء بعد ثلاث سنوات على أحداث دنشواي، كتب عبد العزيز جاويش تحت عنوان "في ذكرى دنشواي" متهماً الهلباوي علناً بالعمالة للاحتلال وتقديم أهالي دنشواي "قرابين إلى هيكل الاحتلال، الذي هو معبد الخائنين، وقرة أعين المارقين". ومضى يقول إن الهلباوي قدم الضحايا إلى الهيكل ببراهين "يعلم أن حظها من الصحة كحظه من الوطنية، وقربها من الحق كقرب موقفه من العواطف البشرية" لكنها "أموال استهوته، ومناصب استغوته، وعظمة للاحتلال استرغبته"[23]

وهناك من يؤكد أن صاحب براءة هذا الوصف هو الشاعر حافظ إبراهيم حينما هجا إبراهيم الهلباوي لموقفه في دنشواي في قصيدة قال فيها

أيها المدعي العمومي مهلا .. بعض هذا فقد بلغت المرادا
قد ضمنا لك القضاء بمصر .. وضمنا لنجلك الإسعادا
فإذا ما جلست للحكم فاذكر .. عهد مصر فقد شفيت الفؤادا
لا جرى النيلُ في نواحيكِ يا مصرُ .. ولا جادكِ الحيا حيث جادا
أنتِ أَنْبَتِّ ذلك النَّبتَ يا مصرُ .. فأضحى عليكِ شوكاً قتادا
أنتِ أَنْبَتِّ ناعقاً قام بالأمس .. فأدمى القلوب والأكبادا
أيا مدرة القضاء ويا من .. ساد في غفلة الزمان وشادا
أنت جلادنا فلا تنس أنا .. لبسنا على يديك الحدادا
[24]

عاش الهلباوي 34 عاماً بعد تلك المأساة، ذاق أثناءها الذل والهوان من المصريين الذين لم ينسوا له دوره في تلك المحاكمة، بالرغم من محاولته التكفير عن ذلك، وحورب حرباً شديدة من الناس وخصومه وأصدقائه، وطارده لقب "جلاد دنشواي" في كل مكان
يقول الأديب يحيى حقي: "حضرتُه- أي الهلباوي- يخطب في سرادق ضخم ازدحم فيه أنصار حزب الأحرار الدستوريين من أجل تخليص البلاد من يد المحتلين، وقوبل خطابه بالهتاف والتصفيق، وامتلأ الرجل ثقة وزهواً وظن أن الدنيا قد صالحته، ولكنه لم يكد يفرغ من خطابه حتى ارتفع صوت في آخر السرادق يهتف "يسقط جلاد دنشواي"
[25]

ومن الطريف أن الهلباوي انتدب نفسه فيما بعد عن إبراهيم الورداني، الذي اغتال بطرس باشا غالي، رئيس محكمة دنشواي، ربما كمحاولة يائسة للتكفير عما جنى سلفاً. وفي أثناء محاكمة الورداني، قدم الهلباوي مذكرات تستحق التوقف عندها. فهو يقول في إحدى مذكراته أمام المحكمة: "لقد كانت دنشواي إحدى الفواجع التي رزئت بها مصر من عهد الاحتلال البريطاني. كانت محكمة بلا قانون، بلا نصوص، تصدر ما تراه مناسباً من العقوبات، ولها أن تحكم أقسى الأحكام - حتى الإعدام – على من يرتكب أهون اعتداء على جندي بريطاني"[26]

بل إنه يذهب إلى ما هو أبعد ذلك، إذ يقول: "لقد كان الحكم في قضية دنشواي بإجماع المصريين حكماً قاسياً لا يستحقه المتهمون، وكان تنفيذه فوق ذلك أكثر استحقاقاً للسخط. لا فائدة في القول بأن جميع المصريين الذين شاركوا في هذه المحكمة قد كرههم مواطنوهم واحتقروهم – ولربما استطاع أحد المدافعين في القضية الحالية أن يؤكد ذلك أكثر من غيره، لكنا لسنا هنا في مقام التوجع ولا الدفاع عن أنفسنا.. لقد جئنا إلى هذه القاعة للدفاع عن الورداني.."
[27]

والأكيد أن الهلباوي قدم نفسه في السنوات التي أعقبت محكمة دنشواي كمحامٍ بارع في عدد من القضايا الوطنية، وهو ما جعل الوطنيين المصريين يطلبون منه الدفاع عنهم في قضية التظاهر ضد قانون المطبوعات، وفي قضايا أخرى عدة لبراعته المهنية في المحاماة، ولكن حكم الشعوب يصعب أن يتغير
ويذكر لنا التاريخ أن واحداً من أهم أحداث عام 1913 هو ما حدث في 9 ديسمبر من ذلك العام، حيث استكملت نقابة المحامين وجودها القانوني هذه السنة، وكان اتجاه المحامين هو اختيار عبد العزيز فهمي لمنصب رئيس النقابة "النقيب"، ولم يكد الدكتور هيكل يفاتح عبد العزيز فهمي في أحقية إبراهيم الهلباوي بهذا المنصب حتى بادر على الفور بالموافقة قائلاً: "أستاذنا وشيخنا"، وتحول فهمي من المرشح المختار إلى داعية لانتخاب الهلباوي الذي صار أول نقيب للمحامين في مصر
[28]

وكان إبراهيم الهلباوي بك قد كتب مذكراته، التي قدمها د. عبد العظيم رمضان الذي يقول في تقديمه لها: "إنه من المحقق أن الهلباوي وطني مصري كفَّر عن سيئة دنشواي بمئات من الحسنات، وقد تعامل معه الوطنيون المصريون على هذا الأساس، فلم يستبعدوه من الصف الوطني وطلبوا منه مثلاً الدفاع عنهم في قضية التظاهر ضد قانون المطبوعات المقيد لحرية الصحافة كما حرص إبراهيم الورداني، قاتل بطرس غالي، على أن يطلب من الهلباوي الدفاع عنه رغم معرفة دوره في محكمة دنشواي
[29]

كما كان للهلباوي - تلميذ جمال الدين الأفغاني- دور بارز في شن حملات صحفية في "المؤيد" على الحكومة والاحتلال البريطاني في مواقف عدة، ومنها تفنيد تبريرات الاحتلال. ومما ينساه البعض أن الهلباوي كان من مؤسسي الجمعية الخيرية الإسلامية
وينطلق الهلباوي في سرد مطول لسيرة حياته وصولاً للمحطة التي نترقبها وهي دوره في دنشواي. يقول الهلباوي في مذكراته: "يُخيل إليَ أن الذين سيقع بين أيديهم هذا الكتاب سيقلّبون صفحاته سراعاً باحثين عن تلك القضية التي شاء القدر أن يقترن اسمي بها، فها أنا ذا أرى في نفوسهم غريزة حب الاستطلاع، ويعلم الله أنني ما كنت وحدي لأستحق هذه الشهرة السيئة فيما هناك كثيرون أحق وأولى بهذا الصيت المشين"
[30]
ثم حكى الهلباوي ملابسات الحادث وصولاً لترشيحه للقيام بدور الادعاء، حيث جرى العرف أن يمثل الادعاء واحد من شيوخ المحاماة وفق قانون المحكمة المخصوصة وقدرت أتعابى بثلاثمئة جنيه، ولم أتدخل في التحقيق، ولأن قانون المحكمة المخصوصة يقضي بطلب أقصى العقوبة للمتهمين فقد فعلت، وكان الإنجليز يطالبون بالإعدام للمتهمين الواحد والخمسين، وقد ترافعت بما أملاه عليَّ الواجب، حتى إن شعوري بوطنيتي وصل بي إلى حد لا يتفق مع واجبي"[31]
ويسوق المستشار عبد الحليم الجندي وجهة نظره في مجال الدفاع عن أستاذه الهلباوي، إذ يقول إن الأخير عندما سمع بالموضوع سارع واتجه قاصداً المحكمة ليدافع عن المتهمين، ولكن حدث حادث منعه، إذ إن ناظر النظار مصطفى باشا فهمي استدعاه إلى مكتبه وطلب منه أن يكون مدعياً ضد المتهمين، فوافق. ويحلل المستشار عبد الحليم الجندي ذلك بأنه كان لمصلحة المتهمين، ولو ترك الأمر لغيره لكانت العقوبات أشد وما برأت المحكمة أحداً على الإطلاق، كما أن أتعابه من الدولة كانت دراهم معدودات بالقياس لما كان يتقاضاه عادةً من أتعاب. ويمضي في التدليل على سلامة موقف الهلباوي أنه بعد ذلك بسنوات قليلة، أي في عام 1910، ترافع الهلباوي عن إبراهيم الورداني الذي قتل بطرس باشا غالي رئيس الوزراء آنذاك[32]

كسب الهلباوي كثيراً وأنفق أكثر مما كسب، واشترى عدداً من العزب ثم باعها، ومات عن أملٍ لم يتحقق، هو أن يحصل على لقب باشا، على رغم أنه فعل في سبيل ذلك الكثير، ومن ذلك زواجه من عدد من الجواري الشركسيات ووصيفات الأسرة المالكة[33]

وكانت للهلباوي مقولة شهيرة مفادها: "ما أتعس حظ المحامي وما أشقاه.. يعرض نفسه لعداء كل شخص يدافع ضده لمصلحة موكله فإذا كسب قضية موكله، أمسى عدواً لخصمه دون أن ينال صداقة موكله"
غير أنه هو أيضاً القائل: "ليعلم المترافعون.. أن أسمى مراتب المحاماة وأعلى معانيها، هو أن يقفوا في جانب مظلوم تحالفت عليه القوى وأن يتحملوا معه شطراً مما يقاسيه، فهذه هي حقيقة المحاماة"
توفي الهلباوي في عام 1940 وهو في الثالثة والثمانين
والذكرى الوحيدة الباقية للهلباوي- كما يرصد الأديب يحيي حقي- تسمعها من كمساري الأتوبيس في خط المنيل بالقاهرة وهو يعدد المحطات فيقول "محطة الجراج.. محطة الهلباوي"!


الهوامش
[1] محمد جمال الدين المسدي، "دنشواي"، مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، القاهرة، 1974
[2] صلاح عيسى، حكايات من دفتر الوطن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998، ص 315
[3] حافظ إبراهيم، ديوان حافظ إبراهيم، دار العودة، بيروت، 2004
[4] د. خالد عزب وصفاء خليفة، "المصري اليوم" تفتح ملف اغتيال بطرس باشا غالي في الذكرى المئوية الأولى (1)، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 22 فبراير 2010
[5] صلاح عيسى، مرجع سابق، ص 292
[6] عبد العزيز البشري، في المرآة، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1948
[7] صلاح عيسى، مرجع سابق، ص 338
[8] المرجع السابق، ص 331- 332
[9] كريمة حسن، الجريمة في مانشيتات الصحف، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 10 يوليو 2009
[10] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 29 يونيو 1906
[11] جريدة "المقطم"، القاهرة، 18 يونيو 1906
[12] جريدة "المقطم"، القاهرة، 27 يونيو 1906
[13] جريدة "اللواء"، القاهرة 30 يونيو 1906
[14] جريدة "اللواء، القاهرة، 29 يونيو 1906
[15] د. محمد حسين هيكل، تراجم مصرية وغربية، دار المعارف، القاهرة، 1980، ص 139- 140
[16] George Bernard Shaw, John Bull's Other Island, London, Constable, 1927
[17] صلاح عبد الصبور، الناس في بلادي (الطبعة الثانية)، دار المعرفة، بيروت، 1962
[18] خالد حجاج، مصطفى كامل.. باعث الحركة الوطنية وفاضح فظائع الاحتلال البريطاني، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 10 يوليو 2009
[19] عبد الحليم الجندي، نجوم المحاماة في مصر وأوروبا، دار المعارف، القاهرة، 1991، ص 32
[20] المرجع السابق، ص 32- 33
[21] أحمد شوقي، مرجع سابق
[22] جريدة "اللواء"، القاهرة، 28 يونيو 1909
[23] المرجع السابق
[24] حافظ إبراهيم، مرجع سابق
[25] ماهر حسن، جلادون مصريون في المذبحة.. إبراهيم الهلباوي.. جلَّاد دنشواي وابن المحمودية بحيرة.. وأول نقيب للمحامين، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 10 يوليو 2009
[26] عبد الحليم الجندي، مرجع سابق، ص 43
[27] المرجع السابق، ص 43
[28] ماهر حسن، مرجع سابق
[29] مذكرات إبراهيم الهلباوي: تاريخ حياته، إبراهيم الهلباوي بك (1858- 1940)، تحقيق عصام ضياء الدين؛ تقديم د. عبد العظيم رمضان
[30] المرجع السابق
[31] المرجع السابق
[32] عبد الحليم الجندي، مرجع سابق، ص 33- 34
[33] عبد الحميد يونس، نجوم في حياتنا، مرجع سابق، ص 105
تابع القراءة

gravatar

عصر الجواري.. والباشوات أيضاً







الرقيق، كانت كلمة السر في مصر لزمن طويل

فقد كانت تجارة الرقيق منتشرة، وخاصة بين مصر والسودان

وفي مذكراته المهمة، يقول السياسي والمؤرخ أحمد شفيق باشا (1860- 1940) "كان الرقيق يكاد يعتبر يومئذ جزءاً من الأسرة. وكانت تجارة الرقيق منتشرة في البلاد، سواء منه الأسود أو الأبيض
"وكانت توجد في القاهرة بيوت خاصة ببيع الرقيق تعرض بواسطة (يسرجيات أو يسرجيين) فكان يرتاد هذه البيوت من يريد اقتناء الجواري أو المماليك أو العبيد
"وكان المعتاد أن يكشف عن الجنسين وهم عرايا. وقد يبالغون في ذلك، خصوصاً بالنسبة للإماء، فيوضعن في طسوت ملأى بالماء، ثم يخرجن، فإن نقصت كمية الماء دل ذلك على الصحة
"وكان يوجد بين الجراكسة عائلات بتمامها، ذكوراً وإناثاً، كباراً وصغاراً؛ وقد اقتنى أبي عائلة مؤلفة من رجل وامرأة، وولد وبنت صغيرين
"وكان مالكو الرقيق يستمتعون بالإناث منه (الجواري) وخصوصاً البيض منهن. وكن يملأن بيوت الكبراء. وبذا اختلط الدم المصري بدم الجراكسة في بعض الأسر. وكان المصريون يعاملون الرقيق معاملة حسنة، فيرسلون الذكور للمدارس ويعتقونهم. ومن هؤلاء من وصل إلى وظائف مهمة في الجيش والإدارة، حتى إن شوارع حلوان قد سمي أكثرها بأسمائهم؛ ومنهم من كان يزوج بناته منهم، أما الإناث فكان يعنى بتزويج الكثيرات منهن"
[1]
ولما تولى الخديو إسماعيل حكم مصر أصدر أمراً إلى حكمدار السودان عام ‏1863‏ بتعقب تجار الرقيق ومنعهم بالقوة من ممارسة تجارتهم المحرمة،‏ ونفذ الحكمدار أوامر الخديو فضبط 70 سفينة مشحونة بالرقيق واعتقل التجار الذين جلبوهم،‏ أما الأرقاء فقد أطلق سراحهم وأعادهم إلى بلادهم. وفي عام ‏1865‏ احتل الجيش المصري بلدة فاشودة لكي يسد الطريق على تجار الرقيق،‏ وأقام فيها نقطة حربية دائمة لمنع تجارة الرقيق‏.‏ وفي 4 أغسطس عام ‏1877‏،‏ وقعت مصر على معاهدة حظر الاتجار في الرقيق، مع فترة سماح لمن لديه جوارٍ لمدة 12 سنة للتصرف فيهن
[2]

استمرت عمليات تجارة الرقيق في مصر، على رغم صدور المعاهدة الثانية لمنع الرقيق في بروكسل عام ‏1890‏‏، وإنشاء مصلحة لرعاية شؤون الرقيق وبحث أحوالهن وما استتبع تطبيق قانون إلغاء الرقيق من إجراءات ومشكلات،‏ يقودها ضابط إنجليزي يُدعى شيفر بك. وكانت من مهام المصلحة ملاحقة تجار الرقيق وتقديمهم للعدالة وكانت تلك الجريمة عقوبتها حينئذ السجن لمدة خمس سنوات. ووفق التقديرات البرطانية وتعداد السكان عام 1850 ومن واقع سجلات مكتب تجارة الرقيق الذي تأسس في أعقاب معاهدة عام 1877، فإن عدد الرقيق في مصر طوال القرن التاسع عشر تراوح بين 20 ألفاً و30 ألفاً
[3]. وعلى رغم صعوبة تحديد رقم الرقيق في مصر آنذاك، فإن الباحثة جوديث تاكر، تقول إنه خلال الفترة بين عامي 1877 و1905، نال 25 ألفاً من الرقيق حريتهم في مصر[4]. غالبية هؤلاء الرقيق كن من النساء، اللاتي عملن خادمات في المنازل، كما وردت الوثائق حالات رق لغرض الزراعة في الصعيد، في حين جرى تجنيد أعداد كبيرة من الرقيق في الجيش مطلع القرن التاسع عشر[5]
لكن حادثة وقعت في عهد الخديو عباس حلمي الثاني حفيد إسماعيل،‏ كان لها تأثير كبير على تاريخ الرق في مصر‏.‏
ففي الأول من أغسطس عام ‏1894‏ حطت في عزبة نصار بجوار أهرامات الجيزة قافلة مكونة من خمسة نخاسين من البدو معهم ست من الجواري، كالآتي:حمدان ومعه جارية تُدعى مريم، علي مبروك ومعه سعيدة، محمد شغلوب ومعه حليمة وفاطمة، محمد درحان ومعه مراسيلة، وعبد الله سعيد ومعه زنوبة
توجه النخاسون الخمسة إلى منزل أحد معارفهم بالعزبة - ويُدعى عبد الرحمن نصار- لإخفاء الجواري الست في حجرة بأعلى المنزل، لحين العثور على زبون. لجأ علي مبروك إلى صديق يهودي يدعى إبراهيم منير - وكان صاحب ورشة لإصلاح العربات سابقاً، قبل أن يصبح عاطلاً عن العمل في أغلب الأحيان- وباح له بالسر، وطلب منه أمرين، الأول هو البحث عن مشترٍ، والثاني هو تدبير وسيلة لنقل الجواري سراً إليه
صحبه إبراهيم منير إلى يوسف اليَسَرجي صاحب عربخانة بدرب المناصرة، فهو بحكم عمله يلتقي الأعيان، الذين يصلح لهم عرباتهم. أجابهم الرجل بأنه يعرف بستانياً في قصر علي باشا شريف رئيس مجلس شورى القوانين حينئذ
وبالفعل عرض البستاني الأمر على الباشا، فوافق وطلب عرض الجواري عليه بقصد المعاينة. عاد البستاني لإبلاغ أفراد المجموعة الذين كانوا في انتظاره في "قهوة أبو فراخ" في الفوالة
وعلي باشا شريف هذا كان رجلاً قصير القامة، ممتلىء الجسم، يميل إلى الإسراف والتبذير. تزوج أربع نساء، بينهن مغنية سيئة السيرة، وعرف بطيشه ونزواته حتى إنه تم الحجر عليه مرتين وبلغت ديونه أكثر من 300 الف جنيه على الرغم من امتلاكه 13 ألف فدان
وعندما توفي عباس باشا الأول ورث ولده إلهامي باشا ثروته من الخيول العربية، لكنه انصرف عنها وباع حوالي 200 رأس من صفوة الخيل، اشترى أكثرها علي باشا شريف، فاستمر في تربيتها وأسس اسطبلات في الشارع الذي يعرف بالهدارة الذي يؤدي إلى شارع عبد العزيز في القاهرة. واشتهر علي باشا شريف بتنظيم حفلات سباق الخيل والعناية بها وإحراز قصب السبق في اقتناء خير الجياد، حتى صار عنده نحو 400 رأس، لكن مرض الطاعون حصدها. وبعد وفاته، بيعت خيول علي باشا شريف في مزاد عام
تولى هذا الباشا رئاسة مجلس شورى القوانين (7 سبتمبر 1884 - 24 سبتمبر 1894)، وكان هذا المجلس صنيعة الاحتلال وتألف من 30 عضواً يعين الإنجليز نصفهم، فضلاً عن كونه مجلساً استشارياً فقط، ليس قراراته ملزمة
في هذه الأثناء، كان شيء آخر يدور في عزبة نصار.فقد ارتاب مرشد يُدعى محمد بطران في التجار الخمسة، فجمع أتباعه وهجم على منزل عبد الرحمن نصار، وهو الرجل الذي أخفيت عنده الجواري وعثر عليهن بالفعل، لكنه أخذ بعض المصوغات وجنيهين من عبد الرحمن مقابل عدم إفشاء سره، فخرج وقال لأتباعه إنه لم يجد شيئاً
طلب الجميع التعجيل ببيع الجواري بعد هذا الموقف، وبالفعل حضر السمسار اليهودي ومعه زوجته تحت جنح الليل لنقل الجواري، كما كان معهم أحد خدم الباشا لإرشادهم إلى طريق القصر
عاين الباشا البضاعة وبعد مساومة دفع في ثلاث منهن - هن حليمة وسعيدة ومراسيلة- 60 جنيهاً، إضافة إلى 7 جنيهات للسماسرة، ثم استبدل الجارية سعيدة بزميلتها فاطمة، بعد أن رأى أن الأولى معتلة الصحة
ورجا النخاسون علي باشا شريف إخفاء الجواري الثلاث الباقيات في قصره لحين توفر مشترٍ، وهو ما تم بالفعل في اليوم التالي
الدكتور عبد الحميد الشافعي، طبيب مرموق، تعلم في أوروبا وتزوج أيضاً من طبيبة أوروبية شهيرة، أقامت معه في مصر بعد ذلك وعملت طبيبة لسيدات الأسر الكبيرة في مصر. استعرضت السيدة الجواري الثلاث، واشترت منهن واحدة، وطلبت إبقاء اثنتين لعرضهما على بعض معارفها. توجهت الطبيبة بهاتين الجاريتين إلى منزل حسين باشا واصف مدير مديرية أسيوط، وكانت حرم د. الشافعي طبيبة خاصة لزوجة حسين باشا واصف، وعرضت عليها الجاريتين، فاشترت واحدة، وأرسلت الأخيرة إلى عزبة محمد باشا الشواربي عضو مجلس النواب وأحد أعيان قليوب
كان مجلس شورى القوانين في تلك الفترة قد بدأ في المشاكسة والعناد، فرفض المرتبات الضخمة للموظفين الإنجليز ورأى أنها تستنزف ميزانية الدولة، كما أنهم بلا كفاءة تذكر تؤهلهم لتولي تلك المناصب. وانتقد المجلس شغل المناصب العليا في مصر بعددٍ من الأوروبيين، كما طالب بتفكيك مصلحة إلغاء الرقيق؛ لأنها تزدحم بالأوروبيين الذين يتقاضون مرتبات ضخمة، بالإضافة إلى أن تجارة الرقيق قد انتهت من مصر

وكان الخديو عباس حلمي الثاني، الشاب الصغير المعروف بمشاكسته لقوى الاحتلال، قد زار بعض وحدات الجيش المصري وانتقد بشدة مستوى التدريب السيء بها، مما عده السردار الإنجليزي كتشنر باشا قائد الجيش المصري حينئذ طعناً فيه وتقدم باستقالته، الأمر الذي أثار المعتمد البريطاني اللورد كرومر ضد الخديو، ودفعه إلى مطالبة الخديو باسترضاء كتشنر، وهو ما فعله خديو مصر مُكرهاً
في غضون ذلك، ظهرت علامات الثراء على محمد بطران، فشك فيه زملاؤه وأبلغوا عنه شيفر بك، وبعد البحث تبين صحة الشكوك، وتجمعت الخيوط في يد شيفر، وعرف من هم الزبائن، فانطلق إلى رؤسائه يبشرهم بالصيد الثمين
فقد خولف القانون، وممن؟ من رئيس مجلس شورى القوانين وعضوين في المجلس وطبيب مشهور. لقد بدت الفرصة سانحة للطم الجميع وإسكات الأصوات المشاغبة، والانتقام من المحرضين على رفض سياسات الاحتلال
توجه ضابط مصلحة الرقيق بنقطة الأهرام، إلى حيث يقيم النخاسون الخمسة وألقى القبض على أربعة منهم،‏ في حين لاذ الخامس بالفرار.‏ واعترف النخاسون تفصيلياً ببيع الجاريات إلى الباشوات المصريين. ووصلت إشارة إلى مأمور قسم السيدة زينب، وهو البكباشي محمد ماهر، فتوجه إلى منزل الدكتور الشافعي وسأله عن الموضوع، فأجاب الطبيب بمنتهى البراءة بكل تفاصيل الموضوع
[6]‏ ‏
أرسل علي باشا شريف وحسين واصف باشا والدكتور الشافعي إلى قسم عابدين ليبيتوا فيه، على ذمة التحقيق في القضية. أما الشواربي باشا، فإن الجنود الذين ذهبوا لإلقاء القبض عليه لم يجدوه في منزله بالقاهرة، وقيل لهم إنه موجود في عزبته في قليوب، فأرسلت إشارة عاجلة لضبطه وإحضاره مخفوراً إلى القاهرة
وتوجه الضابط محمد ماهر إلى بيت رئيس مجلس شورى القوانين علي باشا شريف،‏ وطلب التحقيق معه،‏ لكن الباشا تذرع بحصانته البرلمانية ورفض التحقيق‏.‏ ورفع محمد ماهر تقريراً بذلك إلى رئيسه الإنجليزي شيفر بك،‏ فتقرر استدعاء علي باشا شريف للتحقيق، فتوجه الباشا إلى وكيل نظارة الداخلية الذي أفاده بأنه لا علاقة له بالموضوع وأنه مطلوب للتحقيق في مكتب شيفر بك
توجه علي باشا شريف إلى مكتب شيفر وهم بالدخول، فمنعه الحاجب وجعله ينتظر فترة قبل أن يسمح له بالدخول.وجه الضابط شيفر بك إلى علي باشا شريف تهمة الاشتراك في الاتجار بالرقيق،‏ فطلب الباشا الاتصال برئيس النظار نوبار باشا أو الإبراق له، لكن الضابط الإنجليزي رفض‏.‏ وعندئذ لجأ الباشا إلى حيلة كان يلجأ إليها أثرياء مصر في ذلك العهد،‏ وهي الاحتماء بسفارة أجنبية بحجة أنه واحد من رعاياها،‏ حتى يتمتع بالامتيازات الأجنبية التي لم تكن قد ألغيت بعد‏.‏ فقد زار علي باشا شريف أحد أبنائه فطلب منه ضرورة إحضار ورقة مهمة من بيته تفيد بأنه يتمتع بالجنسية الإيطالية، وبالفعل عثر عليها ابنه وعرضها على القنصل الإيطالي الذي توجه معه إلى القسم وطلب الإفراج عن الباشا لكونه أحد رعايا إيطاليا، وهو ما تم على الفور
أما واصف باشا والدكتور الشافعي، فقد أفرج عنهما بضمانة من عثمان باشا ماهر
كان كبار المسؤولين حينها يُصيفون خارج القطر المصري، فالخديو عباس كان مسافرا للآستانة ومنها إلى فينيسيا وسويسرا، أما اللورد كرومر فكان يروِّح عن نفسه بالصيد والقنص في مروج اسكتلندا. في هذه الأثناء، كان نوبار باشا رئيس النظار ونائب الخديو يمارس سلطته من قصره بالإسكندرية، ووصلت إليه أخبار الحادث لكنه آثر الانتظار حتى يرجع الخديو، فمازالت حادثة السير كتشنر قريبة، وبدا له أن الموضوع له أبعاد أخرى، فمن غير الطبيعي أن يتخذ شيفر بك إجراءات بمثل هذه الخطورة بدون موافقة ودعم رؤسائه
وتحت الضغط الشديد على نوبار باشا، وافق على إحالة القضية إلى المحاكمة العسكرية. وصدر قرار من السردار كتشنر باشا بتشكيل المجلس العسكري العالي برئاسة ضابط أرمني يُدعى زهراب باشا، وعضوية عدد آخر من الضباط الإنجليز والمصريين
توجه الشعب – الذي أثاره موقف الاحتلال من مسؤولين مصريين- بنظره إلى الخديو أملاً في إنقاذ الموقف، وكان ينظر للحاكم على أنه سيدٌ مطلق،‏ حتى إن أمير الشعراء أحمد شوقي نظم قصيدة في نهاية عام ‏1900‏ في مدح الخديو عباس يهنئه على حلول شهر رمضان المعظم كان مطلعها‏:‏
عباس ظل الله في مصر ------------- ومجمل الاسلام في العصر
[7]

أمر عباس حلمي الثاني بتأجيل القضية لحين عودته، لكن هذا التأجيل لم يستمر سوى يوم واحد، فالجميع في النهاية خضع لسلطان الاحتلال

تشكلت محكمة عسكرية في ‏4‏ سبتمبر ‏1894‏ لمحاكمة كل من اشترك في الجريمة‏:‏ النخاسين والجواري والباشوات‏.‏ استقطبت المحاكمة اهتمام جميع الأطراف، ومن هؤلاء الزعيم الوطني مصطفى كامل الذي انتقد بسرعة إجراءات تلك المحاكمة ، فيما أرسلت الصحف المصرية مجموعة من مراسليها إلى قاعة المحكمة لموافاتها بتقرير إخباري يومي عن تطورات المحاكمة. كما أرسلت "لندن تايمز" و"ذي مانشستر غارديان" صحفيين للتغطية الغخبارية، وكذلك فعلت الصحف الإيطالية والفرنسية. وبدت محاكمة الباشوات، كما أصبحت معروفة، فضيحة ذات أبعاد دولية
أخذت المحاكمة شكل المواجهة بين معسكرين
على جانب واحد برز معسكر المدافعين عن الرقيق وهم موالون للنخبة من المشترين، إضافة إلى محامي الدفاع وغيرهم من الوطنيين الذين يعتقدون أنه لا توجد جريمة في شراء الرقيق والجواري من السودان. وأصر هؤلاء الكتاب الوطنيون على أن جلب الرقيق والجواري من السودان ليس في حقيقة الأمر سوى مهمة حضارية لتعليم هؤلاء الفتيات السودانيات الفنون الراقية وشؤون التدبير المنزلي وتعاليم الإسلام بطريقة لا يمكن أن يحصلن عليها في السودان نفسه
على الجانب الآخر وقف المسؤولون البريطانيون ودعاة إلغاء الرق، الذين رأوا في شراء الجواري مثالاً آخر على الوحشية والاستبداد، مما يثبت عدم قدرة المصريين من أن تكون قادرة على حكم بلادهم، وفي ذلك تبرير آخر لاستمرار الوجود البريطاني في مصر
في قفص الاتهام، وقف حسين باشا واصف والشواربي باشا والدكتور الشافعي، بجوار النخاسين الأربعة المقبوض عليهم والمرشد الخائن والسمسار اليهودي وصاحب العربخانة، في حين كان علي باشا شريف قد سقط قبل ذلك بأيام متأثراً بأزمة قلبية حادة، وأُجِّلت محاكمته إلى حين شفائه
أرسلت المحكمة إلى القنصلية الإيطالية لتسألها هل علي باشا شريف يتمتع بحمايتها أم لا؟ فردت القنصلية الإيطالية بأن الباشا وإن كان قد قيد نفسه بدفاترها كرعية إيطالية إلا أنه لم يدفع الاشتراكات المفروضة على الرعايا الإيطاليين منذ عدة سنين،‏ وعليه فهو لا يعتبر واحداً من رعاياها‏
[8]
دفاع المتهمين من الباشوات انحصر في نقطة قانونية، هي أن الإثم هو الاتجار في الرقيق فقط، أما الشراء فلا يعاقب عليه القانون، وأن الاتهام ينحصر في النخاس فقط وليس بالنسبة للمشترين؛ لأن المشتري يقدم خدمة للجارية، إذ تنتقل من حياةٍ قاسية تعاني شظف العيش إلى رغده
[9]

وكان القانون ينص بالفعل على عقاب التاجر لكنه لم ينص على عقاب المشتري، وهو ما فطنت إليه الداخلية، فأصدرت منشوراً يفيد بأن العقوبة للبائع والمشتري باعتبار أن كلاً منهما مكمل للآخر
وأقبلت الجواري للشهادة، فقالت سعيدة: "سيدي اللي في سيوة مات، وأهل بيته باعوني لسيدي على مبروك (النخاس) وجينا من سيوة لمصر"
أمر القاضي زنوبة بأن ترفع رأسها عندما تتكلم، فكانت ترفعه لثوان ثم يهبط مرة أخرى، فالرأس اعتاد الانحناء، وبعد تكرار الطلب من القاضي، أصابه اليأس وسلم أمره لله وكف عن أن يأمرها برفع رأسها
ثم طلب القاضي من مريم أن تصف المكان الذي أتى بها النخاسون إليه، فأجابت قائلة: "جنب الحجرين الكبار والحجر الصغير" تقصد أهرام الجيزة، فضجت القاعة بالضحك.سألها القاضي: هل تعرفين الشواربي باشا، فأجابت بنعم، وعندما سألها: هل له لحية؟، لم تستطع الإجابة فهي لا تعرفها.فقال لها القاضي: اللحية شعر ينبت في الوجه، في حين أشار أحد الأعضاء إلى لحيته
فجأة أصبحت الجواري الخمس حديث الساعة ومحل اهتمام العالم كله، يهتم لأمرهن الخديو وكرومر، ووزراء خارجية بريطانيا وفرنسا، تتبنى قضيتهن جريدة "التايمز" وكبرى صحف العالم
اتهمت صحف عالمية المصريين بالتوحش والبربرية، فيما تغزلت "التايمز" في العدالة الإنجليزية التي تلقن الشعوب الهمجية دروساً في الحرية والمساواة
وفي إيطاليا، أمر وزير الخارجية بنقل القنصل الإيطالي في مصر؛ لأنه تدخل للإفراج عن علي باشا شريف، وطلب تأجيل محاكمته دون أن يستأذن من الحكومة الإيطالية أولاً. كما أمرت الخارجية الإيطالية بنفي الفرنسي - الإيطالي، "المسيو جوارنبري" – صاحب ومدير جريدة "الجورنال إجبسيان" التي تصدر في مصر- لأنه هاجم إنجلترا
ودارت رحى المعركة نفسها بين الصحف المصرية، فتبنت جريدة "المقطم" - وكانت ممالئة للاحتلال- قضية الجواري والحرية والكرامة، وهاجمت الباشوات "الذين يتمنون أن يكونوا هم السادة وسائر الناس العبيد".دافعت الجريدة دفاعاً مستميتاً عن حرية الإنسان وضرورة تحرير العبيد، وأوضحت موقف الإسلام تجاهه، وأن البيع والشراء وجهان لعملة واحدة. واستماتت تلك الصحيفة وغيرها من صحف الاحتلال في الدفاع عن العبيد والمطالبة بتحريرهم، والمطالبة بسيادة القانون وتساوي الجميع أمامه
وكتب محرر "الإجبشيان جازيت"، التي تحظى بدعم اللورد كرومر، مقالاً خلال سير المحاكمة قال فيه إن العلاقة بين المالك والرقيق وثيقة الصلة بالسؤال الأكبر، وهو: أي الثقافتين أو الحضارتين، البريطانية أم المصرية، أفضل وأكثر استعداداً للسيطرة على السودان نفسه؟
بالنسبة لمحرر الجريدة، فقد كان المجتمع المصري متأثراً إلى حد بعيد بقدر من الاستبداد الإسلامي بشكل علني أو في الخفاء، وهو عامل يجعل في رأيه المصريين غير قادرين على حكم الآخرين!
[10]
وبدا لكثيرين أننا أمام مفارقة مضحكة، إذ إن تلك الصحف تحديداً لم تأل جهداً للدفاع عن شرعية الاحتلال، في حين تجاهلت عدالة قضية الاستقلال الوطني
أما إبراهيم رمزي الأرضروملي، صاحب جريدة "الفيوم"، وهو أيضاً كاتب وشاعر شهير، فقد كان من القلائل الذين حملوا على النخاسين والباشوات على حد سواء، واتهمهم بالوحشية والبربرية. وقال في مقال له إن هؤلاء الباشوات الأعضاء في مجلس شورى القوانين كان يُفترض بهم أن يكونوا أشد الناس حرصاً على قيم ومبادىء الأمة، فإذا فسدوا فإن المجتمع كله سيصاب بالفساد
[11]
على الجانب الآخر، تبنت الصحف المصرية الوطنية المعارضة للاحتلال مهمة الدفاع عن الباشوات وتبرير قضية الرق
فعلى سبيل المثال، رأت جريدة "المؤيد"، لصاحبها الشيخ علي يوسف، أن الحادثة مدبرة بهدف البرهنة على "عدم كفاءة رجال الشورى لمناصبهم"، وقالت أيضاً إن اختيار علي باشا شريف بالذات لإيقاعه في هذا الفخ عملية مقصودة "بصفته رئيس مجلس كان في آخر السنة الماضية يعارض في بقاء "مصلحة إلغاء الرقيق" ويبرهن على قلة الحاجة إليها بزوال معنى الاسترقاق من عقول المصريين"
[12]
وناقشت "المؤيد" قضية الحرية الشخصية للباشوات وإساءة استخدام السلطة معهم، ووصفت إجراءات شيفر بك بالمتعسفة. وقالت الصحف ذات الميول الوطنية إن شراء الرقيق عمل حضاري بعكس بيعه، فالسادة بذلك الفعل يقدمون عملاً للخير، فالرقيق لم يطمعوا في العتق ولا يرغبون في مفارقة منازل وقصور شبوا فيها ولم يعرفوا سواها، فالعبيد الذين غادروا منازل أسيادهم عانوا الفقر المدقع والتشرد، وأدى بهم هذا إلى "أن يعاشروا أمثالهم من أبناء جلدتهم، ففسدت أخلاقهم تمام الفساد.. واصبحوا ضربة قاضية على الحرية وعالة على الإنسانية، وقد بلغ الشقاء ببعضهم مبلغاً ليس بعده غاية، وهم أحرار، فليتهم لبثوا أرقاء، فإنه كان خيراً لهم في كل حال"
[13]
كما شددت تلك الصحف على أنه من حق أي عبد أو جارية أن يطلب عتقه وقتما أراد ويمنح شهادة بذلك
ومن المؤسف حقاً أن يكون هذا هو دفاع الصحافة الوطنية التي كانت تحارب الاحتلال بشدة وتستنقذ كرامة الشعب
ردد الدفاع عن الشواربي باشا – وكان يتولاه خليل بك إبراهيم- الفكرة نفسها، فقال إن من يشتري عبداً أو جارية، فإنه ينقله من التعاسة إلى السعادة ويحسن تربيته ويطعمه ويكسوه ويشبعه، فينقذه بالتالي من أسباب الشقاء ووجوه الفقر
[14]
أما الدفاع عن واصف باشا فقد احتج في مرافعته على قلم الرقيق؛ لأنه أخرج الجارية "سعيدة" من منزل الباشا ومنحها شهادة العتق، وقال: "بفرض المستحيل أنه اشتراها فإنه لا يحق للمذكور أن يعتقها طالما أنها لم تشتكِ أو تطلب عتقها"
[15]
من جهته، غازل إسماعيل بك عاصم الاحتلال في مرافعته، وتحدث عن دوره في نقل مصر إلى المدنية، وأثنى على دور مصلحة الرقيق، وقال "ولكن نقول إن عمال قلم الرقيق مجتهدون.. والمجتهد لا يكون معصوماً، بل هو دائماً مُعرضٌ لكل خطأ"
وفي محاولة لتبرئة أنفسهم، ادعى النخاسون أن الجواري الست لسن سوى زوجات لهن
وبالنسبة لرجال مثل فريث بك، وهو أحد القضاة الإنجليز في المحاكمة، فإنه يمكن فقط وصف الجواري بأنهن ضحايا: فريسة بريئة، وجاهلة للصوص الرقيق الذين يشنون غارات بهدف أسرهن، والنخب المسلمة التي بلا ضمير
[16]
وخلال المحاكمة، اقتراح السردار كتشنر باشا تفتيش حريم علي باشا شريف بحثاً عن ثلاث من الجواري. وفي أثناء البحث "كان يتم التعرف على النساء البيضاوات عبر أيديهن، ويسمح لهن بالمرور بدون فحصهن"
[17]. في نظر هؤلاء المسؤولين، إذن، ارتبطت فكرة الرقيق باللون. وأي امرأة ذات بشرة سوداء تعيش في كنف أسرة مصرية، فإنها تعتبر تلقائياً من الرقيق. ورأت بريطانيا أن وجود النساء غير المتزوجات من ذوات البشرة السوداء في شوارع القاهرة، مؤشراً يدعو إلى القلق
وبحسب وثائق وزارة الخارجية البريطانية، فقد أبدى مسؤولون في الخارجية خشيتهم من أنه، بمجرد التحرر من العبودية، فإن النساء السودانيات من ذوات المهارات القليلة والصلات العائلية المحدودة، يعدن إلى الأسر المسلمة، ليصبحن فريسة مرة أخرى إما للرق أوالتسري أو البغاء. ولمواجهة ذلك، تأسست "دار الجواري المعتقات" في القاهرة عام 1886 للمساعدة في توفير عمل مناسب لهؤلاء المساء، وأغلبهن من السودان وإثيوبيا
[18]
من جهته، كان البوليس المصري في منتصف القرن التاسع عشر إذا ألقى القبض على امرأة ذات بشرة سوداء ولم تتمكن من تقديم ما يثبت أنها حرة وليست من الرقيق، فإنه كان يعيدها إلى سوق الرقيق في حي خان الخليلي
[19]
إلا أنه مع إغلاق مثل تلك الأسواق، وتشديد الحرب على الرق، لجأ البعض إلى التمييز بين الجواري وغيرهن عن طريق الملبس. وفي أثناء إدلاء الشهود بإفاداتهم عن حركة الجواري وتنقلهن من وإلى منازل الباشوات، كانت الملابس هي التي تحدد هوية الجارية
[20]. وعلى سبيل المثال، فإنه في أثناء المحاكمة، سأل محامي الدفاع سائق العربة عن لون الملابس التي رآها على إحدى الجواري وهي تغادر منزل علي باشا شريف، وهل كانت تلك الملابس معروفة أم لا بوصفها ملابس مصرية؟[21] وسأل محام آخر البواب كيف عرف أن المرأة التي تم جلبها إلى المنزل الذي يحرسه من الجواري، فرد بالقول "من ملابسها". وأضاف وفق ما أوردته الصحف أنها "جاءت بملاءة سوداء وغطاء وجه أبيض، كملابس الجارية"[22]

استغرقت "محاكمة الباشوات" نحو عشرة أيام
ولما كانت الإدارة الإنجليزية قد شفت غليلها وأسكتت الساسة في مصر وقرصت آذان البعض، فقد صدر الحكم في ‏13‏ سبتمبر كالتالي:
براءة حسين باشا واصف ومحمد باشا الشواربي، أما الدكتور عبد الحميد الشافعي فقد أدين وصدر حكمٌ بحبسه خمسة شهور، كما صدرت أحكام على النخاسين وصلت إلى السجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة

اندهش كثيرون لهذا الحكم، الذي استند إلى أن الدكتور الشافعي هو من اعترف صراحة بشراء جارية، في حين أنكر الشواربي باشا الأمر، وأصر حسين باشا واصف على أن حرم الطبيب هي من أرسلت الجارية لتتعلم الطبخ في مطابخه
واتهمت جريدة "الأهرام" الطبيب الشافعي بأنه دسيسة إنجليزية، وقالت إنه اعترف ليورط الباشوات الثلاثة في القضية
وسخر الأدباء والشعراء من الحكم، فقال أحدهم مخاطباً الدكتور الشافعي:



والصدق إن ألقاك تحت العطب ------------- لا خير منه، فاعتصم بالكذب

ونظم إبراهيم رمزي في مديح المجلس العسكري شعراً جاء فيه:

دعوى الرقيق أبانت عدل من حكموا ---------- فيا بني مصر، أنتم خير أقبال
فبائع الناس ذو إثم بفعلته --------------- لكن شاريهم خلٌ لهم غال


وكان ضرورياً اتخاذ إجراء مع آخر المتهمين: علي باشا شريف، فقد طُلِبَ منه إرسال اعتراف مُذل بخط يده بالخطأ الذي ارتكبه، يقول فيه إنه تصرف بقدرٍ من الإهمال وقد ندم وتأسف على ما بدر منه، طالباً العفو والسماح. وبالفعل، فقد سامحه الخديو وأصدر أمراً بالعفو عنه، مما قلب عليه الصحافة المصرية بالكامل، من مؤيدي الاحتلال ومعارضيه، ونعتوه بالدناءة والجبن واللجوء للدول الأجنبية. قدم علي باشا شريف استقالته من رئاسة مجلس شورى القوانين بذريعة ظروفه الصحية[23]، ولزم بيته حتى مات بعد ذلك بنحو عامين إثر أزمة قلبية
بعد ذلك، لم يجرؤ مجلس شورى القوانين على أن يثير مرة أخرى موضوع إقفال أو تفكيك مصلحة إلغاء الرقيق
[24].أما الجواري فقد خرجن من قاعة المحكمة إلى الحرية، ومنحتهن مصلحة إلغاء الرقيق مستندات تثبت عتقهن من الرق، وأقمن لفترة معاً في دار الجواري المعتقات في القاهرة، بدعم من الجمعية البريطانية والأجنبية لمكافحة الرق[25]. وحين غادرن المنزل إما للعمل في مصرأو للزواج اختفت أخبارهن فلم يُعرف أين ذهبن، وإن كان الثابت أن مريم، أكثرهن ذكاء، كانت أول من مزق شهادة العتق الصادرة عن المصلحة البريطانية، وعادت إلى بيت سيدها[26]
وأيامها، لم يكن هناك أمام الجواري من سبيل للحياة المستقرة سوى أن يعملن في منازل وقصور تضمن لهن المسكن والطعام.. والأمان!




الهوامش


[1] أحمد شفيق، مذكراتي في نصف قرن جـ 1 (1873- 8 يناير 1892)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999
[2] إقبال بركة، حكاية الباشوات والجواري، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 7 مارس 2001
[3] Gabriel Baer, “Slavery and Its Abolition” in Studies in the Social History of Modern Egypt, Chicago: University of Chicago Press, 1969, p. 167
[4] Judith E. Tucker, Women in nineteenth-century Egypt, Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1985
[5] See: Tucker, p. 167; Baer, p. 165; John O. Hunwick, “Black Africans in the Mediterranean” in Slavery and Abolition, 13:1, April 1992, p. 21
[6] صلاح عيسى، حكايات من دفتر الوطن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998، ص 233
[7] أحمد شوقي، الشوقيات، دار الأرقم للطباعة والنشر، عمان، 2001
[8] إقبال بركة، حكاية الباشوات والجواري، مرجع سابق
[9] عبد الحميد يونس، تاريخنا الجنائي في الشارع السياسي، مرجع سابق، 2003
[10] The Egyptian Gazette, Cairo, 31 August 1894
[11] جريدة "الفيوم"، الفيوم، 6 سبتمبر 1894
[12] صلاح عيسى، مرجع سابق، ص 241
[13] المرجع السابق، ص 242
[14] جريدة "المقطم"، القاهرة، 10 سبتمبر 1894
[15] صلاح عيسى، مرجع سابق، ص 244
[16] Eve Troutt Powell,The Tools of the Master: Slavery and Empire in Nineteenth Century Egypt, School of Social Science, Institute for Advanced Study, New Jersey, 1 September 2002, Paper Number 13
[17] F.O. 407/127 Rodd to Kimberly, 17 September, 1894
[18] F.O. 84/1770 Report by C.G. Scott Moncrieff, May 1886
[19] Terence Walz, “Black Slavery in Egypt”, Slaves and Slavery in Muslim Africa, vol. 2, ed., John Ralph Willis (London: Frank Cass, 1985), p. 149
[20] Ibid., p. 139
[21] جريدة "المقطم"، القاهرة، 6 سبتمبر 1894
[22] جريدة "المقطم"، القاهرة، 10 سبتنمبر 1894
[23] F.O. 407/127, no. 125 and 126 Rodd to Kimberly, Cairo, Sept. 24, 1894
[24] .Eve Troutt Powell,The Tools of the Master: Slavery and Empire in Nineteenth Century Egypt
[25] The Anti-Slavery Reporter, vol. 14 (July-August 1894), p. 246
[26] صلاح عيسى، مرجع سابق، ص 250
تابع القراءة

gravatar

كتاب الرغبة




المرأة هي التاريخ، وجسدها هو الجغرافيا


وفي كل مرةٍ نبحر فيها في جغرافيا الجسد، علينا أن نتذكر جيداً أننا نغوص في أعماق أعماق التاريخ.. تاريخهن وتاريخنا أيضا
ً


والذي لا يتجاوز غلاف الجسد لن يفهم أبداً حقيقة المرأة وجوهرها. إن شؤون المرأة وشجونها هي في الأصل مسألة اجتماعية وقضية إنسانية، تتداخل فيها حكايات الاضطهاد والقمع والخديعة، لتثمر في النهاية فوضى وحرية غير عاقلة، وفي ذلك شقاءٌ للمدن وهلاكٌ لأهلها


وهذا الكتاب محاولة للإبحار في الشرايين التي توصل قلب المرأة بعقلها، وعاطفتها برغباتها، وحريتها بحياتها، بدلاً من احتجاز النساء في قيود المكان والمظهر العام، فلا يبارحن ذلك "كأنهن النبات ينمو ويذبل في إنائه" كما يقول ابن رشد

إن الحب فنٌ وحنان وليس شهوة وعدواناً، و"المرأة ليست لعبة الرجل" كما يقول الكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن، وهي ليست قطعة أثاث تركها أبٌ مستبد أو "زوج يغار وهو في قبره" على حد تعبير الكاتب سلامة موسى. ومحو شخصية المرأة ليس في رأينا سوى دليل آخر على ضعف الرجل سواء أكان أباً أو أخاً أو زوجا
ً


وما بين سطور قصص الكاتبات اللاتي وردت أسماؤهن في هذا الكتاب، نلمح رفضاً قاطعاً لسعادة الغفلة والنعاس والأنانية، مثلما نكتشف أن الذين قتلوا إرادة المرأة ووعيها يعاودون دائماً استغلالها والاستخفاف بها والحط من شأنها


هنا نطالع كتابات نساء حاولن استعادة أجسادهن الحاضرة الغائبة، وحطمن قوالب الحجز والعزلة القسرية، وكشفن عن حقيقة بالغة الأهمية، مفادها أن حرية الرجل ترتهن بحرية المرأة، فإذا سلبنا من المرأة حريتها، فقد الرجلُ كثيراً من حريته.. وإرادته. إن الإنسان الذي يجعل من نفسه عبداً للشك والغيرة العمياء وحب التملك، ليس بالإنسان الحر على أي حال


والذي يخشى شيطان جسد المرأة فيقرر حبسه في قارورة الكبت كأنه جنيٌّ مخيف، يجهل أن النوافذ والأبواب المحكمة الإغلاق تصنع خميرة الانفلات والتعهر


بعض الأعمال المنشورة في الكتاب لقيت من العنت الكثير، حتى صودرت ومنعت من التوزيع وألصقت بها تهم الفضائحية والتعري والابتذال، في مشهد يستعيد أجواء التحقيق والمحاكمة التي خضعت لها الأديبة اللبنانية ليلى بعلبكي في ستينيات القرن الماضي، بسبب ما ورد في سياق قصتها "سفينة حنان إلى القمر". ويستوقفنا هنا مقطعٌ من استجواب مفوض الشرطة للأديبة ليلى بعلبكي جاء فيه:

"سؤال: ألا يتهيج المراهقون بعد قراءة كتابك، ويجب مصادرته؟
جواب: الكتاب يتكلم عن البشر، عن الناس، عن الأشخاص، في هذا البلد. يصور الواقع بطريقة أدبية فنية. وإذا كانت تجب مصادرته فالأصح أن تصادر البشر هنا، لأنهم مادته"

هنا نتذكر قصيدة لإدواردو غاليانو
"تقول الكنيسة: الجسد خطيئة
يقول العلم: الجسد آلة
تقول الإعلانات: الجسد مشروع تجاري
يقول الجسد: أنا مهرجان"

إن الجسد أداة لتشكيل الذات، فلا تجعلوا الطبيعة تغادر طبيعتها. والعقل والجسد مرتبطان على نحوٍ لا فكاك منه بسبب موضع العقل ضمن الجسد


والأعمال التي وقع عليها الاختيار في هذا الكتاب تقدم كتابات للمرأة أو عنها، وهي جميعها بأقلام نسائية، باستثناء الفصل الخاص برسائل المبدع الفلسطيني غسان كنفاني لمحبوبته الأديبة غادة السمان، وهو في رأينا أمرٌ ينسجم مع محتوى الكتاب ورسالتهن.. فالمرأة هنا طرفٌ أساسي في علاقة تحف بها الرغبة والمحبة معاً، وهي التي عمدت إلى نشر الرسائل مع مقدمة ضافية وكثير من الهوامش الشارحة، قبل أن تنشر كتاباً بعنوان "محاكمة حب" يضم تعليقات وحوارات عن تداعيات نشر تلك الرسائل


أما الأقلام التي اخترناها فهي تمتد على امتداد الخارطة العربية، من مصر (نوال السعداوي، لطيفة الزيات، أهداف سويف، سحر الموجي) إلى الأردن (عفاف البطاينة، حزامة حبايب)، ومن لبنان (علوية صبح، إلهام منصور) إلى سوريا (غادة السمان/ غسان كنفاني، سلوى النعيمي، سمر يزبك، هيفاء بيطار)، ومن الكويت (ليلى العثمان) إلى السعودية (رجاء الصانع، وردة عبدالملك، صبا الحرز، زينب حفني) مروراً بالعراق (عالية ممدوح)، ومن الجزائر (مليكة مقدم) إلى المغرب (فاطمة أوفقير، مليكة أوفقير، باهية الطرابلسي، فاطمة المرنيسي). ومن رحم هذا التنوع الجغرافي والفكري، يمكن أن نلتقط تفاصيل مهمة عن الرواية العربية وكتب السيرة الذاتية، خاصة تلك التي تتحدث عن المرأة


وبغض النظر عن لعبة الأسماء المستعارة والهويات الملتبسة نتيجة اعتبارات اجتماعية واخلاقية فرضت على عدد من الكاتبات إخفاء هوياتهن الحقيقية، فإن الهوية الأنثوية تبقى الأوضح والأكثر التماعاً مثل سيف في الظلام


هنا نساء من مختلف الطبقات والأعمار، أغلبهن يروين قصة حياتهن، وبعضهن يلجأن إلى حكايات تتقاطع مع الذات. قد تدور الأحداث على أرض الوطن، فتشير إلى الغربة وسط الأهل والأحبة، وربما تخرج إلى تخوم أخرى من بلاد المهجر أو المنافي، فتكون الكتابة عن الذات الممزقة والهوية المرتبكة بين الأمكنة والأزمنة و"الآنا" والآخر"


ولا يخلو الكتاب من حكايات - أقرب إلى البحث عن بوصلة- عن الحب والحرب، الدين والسياسة، الخضوع والانعتاق


وفي هذا كله نجد المرأة العاشقة، ذلك الميناء المفتوح على الحرية والجنون. تأتي إلينا المرأة في تلك الأعمال كصحراء تتسع لشمس لا تغيب، وظمأ إلى الحياة، وحنين جارف إلى التحرر من ثنائية الصائد والطريدة


وحكمة النساء كما يقدمها الكتاب تقول: كوني قوية كالحياة، وإلا صرعتك الأيام بعد جولة واحدة


"إننا ننام على فضيحة، وستنكشف يوماً"، كما يقول عبدالرحمن الربيعي في روايته "خطوط الطول.. خطوط العرض". وفي كتاب الأيام، تستيقظ بعض النساء على تسرب العمر من بين اليدين، فتبدأ رحلة محاسبة النفس والآخرين على ليالي الحرمان والفرص الضائعة والقبلات المختلسة، والأيدي التي ضلت الطريق إلى أجساد خضعت لأنها لا تعرف سوى لغة الرضوخ


وما بين الاستعباد والاستبعاد، وجدت المرأة نفسها أسيرة مفاهيم تتجرع منها أشد أنواع المهانة والازدراء


لحظات مكاشفة. هذا ما يتجلى في تلك التجارب الإنسانية المذهلة


وفي كل الأحوال، تعد هذه القراءة الإنسانية في الكتاب جهداً متواضعاً لرؤية العالم بعيون نساء رأين في الجسد حرية.. وفي الاشتهاء حرائق مستحبة.. وفي الرغبة طيف غريزة ونسائم شهية وملايينُ البحار


الرواية كانت الشكل الأمثل للكشف والتمرد، ربما لأن الرواية هي بيت أسرار المرأة وصندوقها السري الذي يحوي أسرار العصا والعصيان


ويسترعي الانتباه في تلك القراءات أن المرأة يحدوها في أغلب الأحوال توقٌ إلى الحرية وشوق إلى الرحيل. ويبدو لنا أن النساء يجدن في الخروج من صدفة الوطن إلى محيط العالم فرصة لبدء حياة جديدة تختلف كلياً عن حياتهن الأولى
وإذا كانت شهرزاد قد أنقذت نفسها وبنات جنسها من بطش شهريار بالسيطرة عليه عبر حكايات متدفقة، فإنها تنقذ حياتها اليوم من بطش المجتمع بحكايات أخرى تفتح بها النوافذ المغلقة ليدخل هواء نقي إلى حياتنا جميعاً


سنلاحظ في الكتاب أن هناك من اكتفين في الحديث عن الجسد والجنس باختراق المنطقة المحرمة على أجنحة الخيال، وهناك أيضاً من نجحن في إضفاء بُعدٍ فني وفكري عميق على مشاعرهن وتجاربهن الحميمة. القهر الذي تعرضت له غالبية هؤلاء الكاتبات والمبدعات قد يكون أحد دوافع الكتابة والبوح، بأسلوبٍ لا يخلو في معظمه من وعي بحقيقتها في مجتمعات تعاني التشظي والازدواجية والعطب الاجتماعي


في عالم الأنثى، سنجد علاقات مبتورة وحكايات تدخل سراديب ودهاليز وقاعات، ونرى شبابيك ذات زجاج ملون تطل على شجيرات ياسمين. متاهات تصنع اليقين


ثراء التفاصيل سمة معظم الكتابات النسائية موضوع الدراسة، إذ تصحبنا "النساء المنذورات كالقرابين للغياب، القابضات على الغبار، المرسومات بفرجار وفق زوايا منحنية" - كما تقول الشاعرة البحرينية حمدة خميس- إلى أعماق الذات البشرية والحواس، والإحساس بالوجود، والوعي بالمكان، مع اهتمامٍ جلي بالجذور الدفينة للمخزون العاطفي والحسي المضمر. ومن يقرأ لهؤلاء الكاتبات بإمعان سيلحظ توظيف الموسيقى والرسم والأدب، لتولد من بين أصابعهن لغة عربية ساحرة وأنيقة ومدهشة


الوشائج بين النصوص في هذا الكتاب واضحة، فهي تعبر عن محنة نساء وجدن أنفسهن أسيرات لنظام بطريركي تفرضه السلطة في شتى مجالات الحياة، بدءاً من عالم الأسرة وانتهاء بعوالم السرير


ونحسبُ أن نصوص المرأة رمزٌ للخصب والنماء، ومفتاحٌ يلج منه القارىء الفطن أبواب المعرفة بدلاً من بقائه في غرف الحيرة متدثراً بعباءة الماضي


قد يتساءل البعض: هل تلك الحكايات حدثت فعلاً لكاتباتها أم أنها محض خيال؟


والإجابة التي نراها هي أن هذا الأمر ليس مهماً، ما دمنا نقرأ ونتذوق ونعيش تلك الرحلة الوجدانية بصدق وشغف. ولعلنا في هذا نتذكر قول الرسام العالمي بابلو بيكاسو "كلنا نعرف أن الفن ليس الحقيقة، الفن هو الأكذوبة التي تجعلنا ندرك الحقيقة. على الأقل الحقيقة التي ندركها
"


على أي حال، فإن كتابة السيرة الذاتية عند المرأة نوع من تحويل البياض إلى تجربة نابضة، قد تكون أحياناً جارحة. ففي مجتمعٍ أبوي بامتياز، يكون من الصعب العودة إلى البئر الأولى بقصد البوح بطوفان الرغبات وشهوة الأحاسيس، وتحرير الروح المعاقة بالموروث الاجتماعي ومنظومة القيم والتقاليد والأعراف والمحظورات التي صيغت عبر قرون واستمرت الى اليوم. وما بين ماء الطوفان المُهلك وماء البوح المبدع، تلجأ كثيرات إلى اللعب بالواقع والخيال، وممارسة تقنية الكشف والإخفاء عبر تذويب ذاتها في ثنايا السرد. وبذلك تكون المرأة حاضرة من خلال التفاصيل التي يتورط القارىء في حبها والتلصص عليها ملتبساً بفضوله أو سيف ثقافته، إما ليروي كبته أو ليجز عنق النص باتهامات مُعلبة
لا تُجهدوا أنفسكم إذاً في البحث والتحقق من مدى تطابق العمل الإبداعي مع شخصية كاتبته، فلا نظن أن هناك كاتبة لم تلبس ثوب بطلاتها، حتى تخرج من الخباء دون أن تنال منها أقلام حادة وأصوات زاعقة هنا أو هناك. أما من وجدن في أنفسهن الجرأة على وضع أيديهن في "أسيد" الكتابة الحارق، فإنهن تصدين لقوانين الذكورة كما تقول أنيسة عبود ("كتابة النساء بين الشكوى والاحتجاج" في "السير الذاتية في بلاد الشام"، تنسيق: ماهر الشريف وقيس الزرلّي)

إن المرأة التي تهتم بكتابة تفاصيل حياتها الشخصية، سرعان ما تصبح متهمة بكتابة تلك التفاصيل، ولذا لجأت كثيرات إلى التوسل بالمتخيّل الروائي حتى لا يعثر القارىء على جسدها بالكامل في النص


ولعل الفصل الحاد بين الرواية والسيرة الذاتية مسألة قد تهم النقاد المولعين بالتصنيف، غير أن ما يهمنا هو مدى جودة النص وتأسيسه لحضور مبدعه والقضايا التي يطرحها بعمق، على أجنحة من الخيال


ونشير هنا إلى رفضنا لأي تقييم أخلاقي للأدب أو دعوة إلى تنقيته من الجنس؛ لأنه فعل إنساني جوهري تماماً، وأي أدب لا يفهم دور الجنس أو كيفية التعامل معه وتوظيفه فنياً هو في نظر كثيرين أدب ناقص. بل إنه من الخطأ - أو الخطل- اعتبار أي مشهدٍ جنسي في أي عمل إبداعي دليلاً على أنه أدب إيروتيكي، فالكتابة الإيروتيكية هي الأدب المبني مباشرة من أجل الجنس باعتباره المحور والأساس ولبّ الكون. وهناك فرقٌ كبير بين ثقافة الحكي عن الجسد وتجاربه.. وافتعال الجرأة وتعمد فجاجة الألفاظ والمعاني


إنه الجسد ولا شيء سواه


كتاب الرغبة وسيرة الذات ومفتاح الصراخ المكتوم الذي تمتزج فيه اللذة بالألم في إبداعات العديد من الأديبات والكاتبات العربيات


وفي السيرة الذاتية لهؤلاء الكاتبات تفوح رائحة الاعتراف وأشواق الحنين وهواجس الجنس. الرغبة هنا تحاول الخروج من حيز المصادرة لتصبح كلمة مكتوبة يراها البعض أدبا راقيا ويعتبرها الآخرون - ببساطة يحسدون عليها- مجرد فضيحة


وسطور الغرام واعترافات الحب واللذة التي خطتها أنامل الأديبات والكاتبات العربيات تبدو كأنها طائرات فانتوم تكسر حاجز الصوت.. والصمت


ربما حان الوقت لكي نستمتع بصدمة "الفانتوم" وهي تخترق الحاجز.. أي حاجز.. في تلك السير الذاتية والرسائل والأعمال الروائية المدهشة والصادمة معاً


ربما حان الوقت كي نبدأ في التطبيع بين الحياة العربية والحقيقة، كي نتخلص من كابوس الازدواجية


بقيت كلمة أخيرة


إن نحن لم نقرأ للنساء وعنهن، فإننا نقع في فخ الغياب عن واقعنا، إلى أن تغير النار اتجاهها، ونكتشف سقطتنا في الوقت الضائع


أتمنى لكم جميعاً قراءة ممتعة


من مقدمة "كتاب الرغبة"، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2010

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator