المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

لدغة حب




21

نزل الرقم عليه كالصاعقة
لعله كان يدري أو يحزر الأمر، وإلا لما كان قد أجل طرح السؤال الذي تلقى عليه تلك الإجابة
يا إلهي، هل الفتاة التي في سريره الآن، مراهقة تمرُّ على العروق فتوقظها
الآن يكتشف أن في فراشه فراشة في نصف عمره
هذه اللحظات الكاشفة تأسرنا إلى الأبد
التقاها في القاعة الكبيرة وقت الاستراحة. وقف متأنقًا كعادته يحادث أخرى بهدوئه غير المتكلف، حين وجدها واقفة أمامه بابتسامة واسعة وعينين تلقيان ما هو أكثر من التحية
نظر لها في البداية بوجه محايد كقِط، قبل أن تذيبَ بابتسامة ساطعة كل الشمع حول جسده
قوامُها يشبه ساعة الرمل، إذ ينسكبُ صدرها بتماسك فوق خصر دقيق، سرعان ما يتفرع عنه ردفان دائريان

تشبه فيرونيكا جينزَها الضيق: ملامح دافئة تترك الرجال على حافة خيط دخان
نصبَ فمُها الذي يضحك للندى وجسدُها الغامض حوله شباكا بدائية بخيوط من عذوبة
وكأي راغب إذا عَرَضت طريدة، فكر في أن ملامستها تنسي الهرم، وأن عليه أن يقاوم برد برلين بالمزيد من الشقراوات
تستفسر منه عن تفاصيل وردت في كلمته أمام المؤتمر، وكان كل شيء فيها يعربد عشقا أمام افتراعات عينيه
على مائدة العشاء في المطعم اليوناني، تأسره موسيقى ميكيس ثيودوراكيس، ويضجره لغط الرفاق حول مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن"، والسكارى الذين عجزوا عن الفصل بين الضحك والدموع، والنادل المتزلف الذي يغمز له بطرف عينه حين يراها تقرب وجهها من وجهه تحت ضوء الشموع
فراشة تقترب من ضياء رجل، وكأس نبيذ تراوغ شفتين عاريتين إلا من الحب
قالت له وهي تتأمله: "عيناك الساحليتان، هما كل وجهك"، قبل أن تردف بعبث مستحب: "خفتُ ألا تنتبه لي وسط زحام المعجبات الذي قد يوفر لك الخبز اليومي من الثناء المحبب للذات"
تجاهلَ خبث جملتها الأخيرة بعد أن احتكّتْ به في دلال مُخلّفَة عبيرها



وفي الأحاديث، تقود الشاعرية إلى الشعر: من إنسانية سعدي الشيرازي إلى جرأة آن سكستون التي كان فمها يزهرُ كجرح
ينتبه إلى أن الوزير التركي اعتذر بلباقة عن عدم تلبية دعوة العشاء في المطعم اليوناني. ارتباطات أخرى، أم أنها السياسة تفرض حساباتها حتى في المطاعم

يسكن الجميع في المطعم حين تصدح لينا ماير-لاندروت، المغنية الألمانية ذات التسعة عشر ربيعا في مسابقة "يوروفيجن". غناؤها الصافي مثل قدر محتوم في جغرافيا الأوتار
تغمر المكان "حمى لينا"، التي تجتاح ألمانيا بحثًا عن لقب ضائع منذ 28 عاما
يسيران في الشوارع الطويلة المتكبرة، حيث الأحجارُ المتراصفة المطلية بسوادٍ وبياض يكسوها لونٌ غامض في قلب الليل
تلهو نسمة هواء بشعرها الناعم، وترِّفُ تحت قميصها في عبث يقيم الليل ويقعده
مشيُها طيران على اتصال طفيف بالأرض، وهي تخطر في خيلاء مُهْرَة عربية

يسيران في شوارع بلا نهايات، وسط أشجار عارية إلا من الشبق، يرصدان نجمة هربت من أقاصي الليل، ويطالعان الألعاب النارية التي تضيء سماء برلين احتفالا بفوز لينا باللقب الغنائي الأوروبي
هذا يوم المراهقات بامتياز
ابتسمت فيرونيكا قبل أن تقول له: "أنغيلا ميركل وجه ألمانيا؟ هراء.. لينا هي وجه ألمانيا". وأضافت: "لقد فزنا في أوسلو.. الآن كل شيء ممكن على جبهة كرة القدم في جوهانسبرغ"
بدا رذاذ المطر خفيفا كقبلة عابرة، ولم ينتبه إليه إلا حين انفصلت عنه هالته وسقطت على وحل الرصيف
يراقبان البيوت والنوافذ والأزهار والنافورة المضيئة التي تطاولُ سماء تكاد تفلتُ منها
عند المنعطف الذي يؤدي إلى الفندق الذي ينزل فيه، أجابها: "ليس هناك ما هو أفضل من الموسيقى لربط صلة لا تنفصم بين كائنين. الموسيقى ذات جوهر أسمى من الحياة، وربما أسمى من الموت"
في الغرفة التي تقع في الطابق التاسع عشر، يراقبان من شرفة تغطي أساها بالحصى، وقع الاحتفال بالنصر الموسيقي. تشير بإصبعها إلى السماء، وتكاد تقسم أن القمر - الذي كان بدر التمام- يبدو على هيئة وجه مبتسم، فيوافقها الرأي إذ يبدو ضوء القمر غجريا ومغويا كأنه سوناتة مفقودة لبيتهوفن، وكانت عيناها تعيدان كل الحكايات إلى فتنة الألق
يُقبلها، فيتسرب ريقُها إلى دمه، ويتبعثر شعرُها على أشجار روحه مثل أيام هادرة
الشفاه التي تنضغط ثم تنزلق في غياهب التمني، لا تطيق لحظة فراق
تسائله وهي دائخة: "تلك قبلةٌ أم قنبلة؟!"
يصمت.. ويداه تتكلمان
وفي المشاعر المتدفقة كنهر، فإن خير العشق عاجله

تَتَبَّعُ قِنديلَه في باطن كَفّها، ويلمس نهديها الشقيين إذ يتحرران من صرامة المشد، وحين يلثمها تفوح منها رائحة النبيذ الأحمر
قطرة ضوء انزلقت في فراغ الأسرار بين الثديين، فيما طارت فراشات ثوبها لتحط في غابة شعر صدره
ينشغل بصدرها العاجي العامر بحلمتيه الوقحتين، وتشده هي إلى هاوية لذتها السحيقة
يعضُ برفق تلك الدائرة القانية التي تخفيها عن أعين الفضوليين، فتبدو سعيدة وعنيدة كجواد جامح يجري وسط لظى جسد يبوح بما لا يباح
جسدُها جمرة لم تعد تميّز بين وقع قلبه ووقع رائحتها


تعتليه بغنج لتُسكنه جنانها وجنونها
تهتز بإيقاع منتظم، وهو يحملق في السقف، قبل أن ينظر في اتجاه النافذة استجداء لبعض الهواء
الهواء له رائحة مسك الليل
وهو يصطاد الخفة الهاربة
نهدُها الأيسر يباغته فينطلق كأرنب البراري، فيما بطنُها الضامر يهربُ من كتب البلاغة

وحدهما عيناه كانتا تتشربان المشهد.. ويداه تتكلمان
تهدج صوتها وهي تقول: أعطني نهدين بلمستك، امنحني شفتين بقبلتك
يقول لها جسده: هذا التأني ينضج حبات الفاكهة في حقولك.. دعي اللمسات تحكي، وتنساب رويدا رويدا لتروي هذه الأرض

خائنة الأعين تكشف خبايانا: الرغبة المتقدة، الهوى الهش، الحب القصي، والجسد الذي تخلى طوعا عن لعبة التمنع
حرة دون انفصام، إلا حين تحتضنه فتشهق به منه إليه
يراقبُ كلَّ لحظة تغيُّرها في عوالمِ ضوئِه، كأن قيامتَها قد حانت
يحصي بتمهل شديد كل الشامات في جسمها

‫واحدة نافرة أعلى العنق

‫وواحدة قبل النهد الأيمن بقليل

‫ وواحدة في بطن الساق

‫وأخرى تنام في مكان ما بين الحدائق والحرائق
يمتص رحيق المياسم، يعاقر الكرز والعسل، خفيفا كرغوة، يغزِلُ بأصابعه أجنحة من الماء
يلمس الوردة التي اختبأت في أوراقها، ويُلهب ظهر المساء
يدرك ببراعة ما تبوح به كل استجابة وامضة، وهو ينقش اسمه فوق سديم سُرتها

يبذر حنطة العشاق في حقول الشقرة، يهصرها في جنون الشبق، فتتمدد على مساحات اللمس، مغمضة عينيها لتتذوق الواقع
جسدها الأبيض اللدن به شوق للخدوش، وفواكه الجسد كلها لذيذة
امرأة تشبه كعك البراوني الساخن الذي تسيل من قمته طبقة آيس كريم
تخبىء في كل زاوية كنزا، وتحت كل زهرة رحيقا
كان يفترسها بشراهة لا تشي بشبع أو ارتواء قريب، وهي تنجلي وتتجلى
جسده ناي يحلم بالمرج، إذ ينشد مع امرىء القيس:
مكرّ
مفرّ
مقبل
مدبر
معا
ترتخي وتتردد أنّاَتُها داخله كالصدى، فيما لهاثها الوحشي يتصاعد من عمق بعيد
ترهقه هجمة العري الوفير، فيتسلل إلى رحمها الدافىء
ساخ اللحم في اللحم، واستغرقت الرغبة في الرغبة
تخلَّلها مثل تروس آلة الزمن، داخلاً في فراغاتها، حتى امتلأت به
عناق يُذيب الأغطية
تستعجلُ غيبوبة اللذة ثم تنعم باستبطائها، إلى أن تهتزَ حد الرعشة وتعصف كبركان فائر
حين تكون داخل امرأة، تعرف سر الحياة.. وحين تتساقط دموع العنب، تتذوق طعم اللذة
الماء لا يتحدى الجاذبية

‫أما الجاذبية فهي تتحدى كل سوائل الدنيا
كلَّما انثنى على ظلِّها ظلُّه، تُمطر بسخاء عاشقة
يقفزان من لذة إلى أخرى، من ذروة إلى أخرى
ليلة واحدة، تمر ببطء اختاراه، لكنها تسبح بثقة إلى القلب
روحان في ليل كثيف، ورغبات تركل النعاسَ بعيدًا، حتى ينطفىء الكون
والليل نهار مُتعَب، يعلمنا لعنة التوهج ونعمة الانطفاء
قالت له: أنت أول رجل لي من خارج عالمي
وكان عالمها هو بلدها النائم على أنهار
تسأله: من أنت؟


يجيبها متفاديا النظرة المباشرة إلى وجهها: لست سوى طائر نبتت له في المنفى أجنحة، خانته البلاد التي أحبَّ بكلّ الجنون، فاستعار منطق سيزيف، ليواصل التفوق في امتحانات اليأس
تعيد الكَرَّة: هل لك حبيبة؟
يرد بصوت خفيض كأنه سفينة تمشي بأطراف أصابعها على الماء: ألف عاشقة تغذّتْ من دمي، وحين لا أجدهن أحرثُ بياض الورق. لا تُوحِشُ الوحدةُ أصحابَها
جف ريقُ الأسئلة
تُقبله بنهم، قبل أن تنزلق بين الأغطية، عارية مُترعة بالشبع


تضبط ساعة هاتفها الجوال، ثم تذوب في غابات أحلامها المتوهجة
أما هو فجمع جسده إليه وطوى الرغبة التي فردت أذرعها
كانت كل الأشياء مرمية على الأرض، وعلى السرير جسدان عاريان
عندما أطل قرصان النهار فاجأته بالقول: لكم هو جميلٌ وشاعريّ سريرك
لكنه ليس سوى سرير في غرفة فندق سيغادره هذا المساء
بعد الحمام السريع الدافىء، يجد السرير عاد مرتبا:
- "سوَّيته؛ لأزيل آثار المعركة"
- "كانت معركة جميلة، استغاث فيها الجلد بالجلد، لكنها بدون جيوش"
يلمحها وهي تمشط شعرها المبتل، فيرتبك ُ المشط

يتضاحكان إذ يكتشفان أنه ترك "لدغة حب" أعلى العنق

فضيحة موشومة بأزرق عابر للجنون، خبّأتها بخصلات شعرها السائب
تخبره بأن عليها العودة إلى منزلها قبل أن تظهر مجددا في اليوم الأخير من المؤتمر
يسألها في دهشة عن السبب، فتجيبه قائلة: "سيعرفون.. رفيقاتي بالذات سينتبهن إلى أنني لم أغيّر ثيابي، ولن تفوتهن تلك الملاحظة"
شعر بالأسف والأسى، وتَشَاغَلَ بترتيب ثيابه في جوف حقيبة سفر تنامُ في محارة العزلة، حتى أنها نسيت كيف يبدو العالم في الخارج
يتناولان طعام الإفطار في الفندق.. اختار العسل والكرواسان، وفضلَّت هي التوست وشرائح الجبنة

تتهادى مع قهوتها في المطعم، يُداخلها زهو امرأة مارست الحب حتى الصباح
يحين الوداع
عمره كله نضج على نار تلك اللحظة
يمسكُ بيديه وجهَ الفتاةِ واهبةِ العسل ويقول: سوف ينتهي العالم. السبب الوحيد الذي قد يمكنه أن يدوم لأجله هو أنك موجودة فيه
يواسيها ببضعة أبيات نظمها غوته، قبل أن يحتضنها برأفة قبطان.. لوهلة، أو لوهم
يحدثها عن وعود بالتواصل - لن تتم عادة- فتكافئه بدمعة
يتنهدُ وهو يراقبُ ظلها الذي يوشك أن يختفي
سوف تبدد الدفء رسائل إلكترونية لاحقة
وأسوأ كوابيس البعاد هو النسيان

تابع القراءة

gravatar

شهقة اليائسين: الانتحار على الطريقة المصرية



الانتحار، شهقة اليأس، والفعل الوحيد الذي يصبح الفاعل بعده جزءا من الماضي

وعلى حافة الحياة، يرغب البعض في خلاص يوقف دبيب جيوش الألم، وراحة وقتية قد تفتح باب عذابات أبدية

إنها اللحظة التي يبدو فيها كل شيء خاليا من المعنى والأساس والمبرر، ويجتاح الأيام عقم مطلق، بالنسبة لشخص عاجز عن الاستقرار أو الاستمرار، فيتأهب لمواجهة هاوية أخرى لا تنضب

الأرقام تقول إن مصر تشهد سنويا نحو 3 آلاف حالة انتحار سنويا لمن هم أقل من 40 عاما[1]، فيما تقول تقارير أخرى إن خمسة أشخاص من بين كل ألف شخص يحاولون الانتحار بهدف التخلص من مشكلاتهم[2]

عام 2009 وحده شهد محاولات للانتحار في مصر بلغت 104 آلاف حالة، تمكن‏ 5‏ آلاف منهم في التخلص من حياتهم‏. وتقول الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إن جريمة الانتحار في مصر، أصبحت ظاهرة خطيرة تتصاعد يوما بعد يوم

وتبين الإحصائيات أنه في عام ‏2005 شهدت مصر ‏1160‏ حالة انتحار، وعام ‏2006 وقعت‏ 2355 حالة، وعام‏ 2007 شهد وقوع‏ 3700 حالة، أما عام ‏2008‏ فقد وقعت‏ 4‏ آلاف حالة انتحار، في حين كانت هناك‏ 50 ألف محاولة أخرى
[3]
وفي السنوات الأخيرة، أخذت حوادث الانتحار في مصر أشكالا مختلفة، مثل الشنق وهذا ما يميل إليه الرجال، أو القفز تحت عجلات المترو، أو من أعلى أسطح المنازل، أو في النيل، أو قطع شرايين اليد، وهذا ما تميل إليه النساء‏.‏
ويلاحظ إقدام عدد من المراهقين والأطفال على هذه الخطوة إما لتأثرهم بالألعاب الإلكترونية،‏ أو عدم تحملهم الضغوط الدراسية والخوف من الرسوب. بل إن حوادث الانتحار في مصر بدأت تأخذ في السنوات الأخيرة طابعا مختلفا بقيام رب الأسرة بقتل أسرته‏‏ أو بعض أفرادها ثم إزهاق روحه، وربما كان أبرز ما تحفظه الذاكرة هو تنفيذ شريف كمال الدين حافظ (56 سنة)، وهو صاحب شركة كمبيوتر في مصر الجديدة، مذبحة عائلية، إذ أنهى حياة زوجته وابنيه ببلطة وقطع شريان يده محاولا التخلص من حياته. وتبين أثناء التحقيق أنه نفذ الجريمة لمروره بضائقة مالية وأنه كان يخشى على أسرته معاناة الفقر، فاتخذ قرارًا بقتلهم وتخليصهم من الحياة، حتى لا تصدمهم ديونه والمتطلبات المادية التي يواجهها
[4]
كذلك حال الشاب الذي رفضت زوجته العودة إليه بعد فصله من عمله فأخذ ابنته في حضنه وقفز من الطابق السادس، والفتاة التي ألقت بنفسها في النيل لعدم قدرة والدها على دفع مصروفاتها الدراسية
وقضية الانتحار لها أبعاد كثيرة، بعضها ذو طابع اقتصادي، في ظل دولة لا تحمي المهمشين، وغياب الشعور بالأمن النفسي والطمأنينة خاصة في الطبقات الفقيرة. ولعله من الضروري التحذير من خطورة تزايد هذه الظاهرة خاصة بين الفقراء
ومن الأسباب التي تؤدي إلى الإقبال على الانتحار، شعور المواطن بمرارة الفوارق الطبقية، وما يقرؤه وما يسمعه من نهب الأموال أو من الرشوة أو من عدم هيمنة قوة الدولة على التفاوت الطبقي، الأمر الذي يوجد خللا في نفوس المواطنين
"الفقر كل يوم بيكبر في الدنيا.. 17 سنة عايشة في حجرة مترين في متر فوق السطوح ودورة مياه مشتركة مع 4 أشخاص.. قلت الموت أهون من الذل ومد الإيد"
[5]
كلمات تلخص حالة نفيسة حسن يوسف أحمد (35 سنة)، التي ألقت بنفسها من أعلى كوبري قصر النيل في مطلع شهر يونيو 2010 وأنقذتها العناية الإلهية من موت محقق. يكفي أن نشير إلى أنها حاولت التخلص من حياتها 3 مرات، في الأولى ألقت بنفسها من أعلى كوبري مسطرد في ترعة الإسماعيلية وتناولت مواد سامة - بعد تعرضها لصدمات وقسوة وإدخالها مستشفى الأمراض النفسية - إلى أن سمعت أن مياه النيل تحمل الموت الأكيد، فقفزت من أعلى كوبري قصر النيل
البعض قد ينتحر بسبب الشعور بالخزي الاجتماعي، ومن هؤلاء نجل الفنانة إجلال زكي - التي اشتهرت بدور الفتاة الجادة في مسرحية "سك على بناتك"- الذي كان معيدا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في منتصف تسعينيات القرن العشرين، لكنه انتحر في حمام منزله. وكانت إجلال زكي قد وجهت لها في وقت سابق تهمة التورط في أعمال منافية للآداب
[6]
وقد تكون الصدمات العاطفية سببا في اليأس

ومن هؤلاء قتيل كوبري قصر النيل، عمرو موسى عبد اللطيف
لم يرغب عمرو (31 سنة) في التخلي عن حبيبته، لم يستسلم لكلمات الأب الذي أراد لابنته عريسا ثريا. حسم أمره سريعا، وقادته قدماه من دير الناحية بمنطقة ميت عقبة، حيث يقيم، إلى كوبري قصر النيل. ربط طرفه في سور الكوبري وترك الطرف الآخر يلتف حول رقبته[7]. ألقى بجسده ناحية النيل الذي طالما رسم على صفحة مياهه صورة حبيبته، لم يسقط، لكنه ظل معلقا بضع ساعات.. ينتظر يدا تمتد إلى ملابسه لتلتقط رسالته الأخيرة، التي طلب فيها إبلاغ ابنة الجيران "منى" أنه عاش لأجلها.. ومات لأنه يحبها[8]. المنتحر قال أيضا في رسالته لحبيبته إنه يستطيع ترك الدنيا لكنه لا يستطيع الحياة بدونها


انتحار عمرو بحبل وعلى كوبري العشاق تبدو في نظر البعض نقطة تحول في جريمة قتل النفس في مصر، وهي واقعة تعد إنذارا مبكرا وشديد اللهجة من الطبقات الكادحة إلى الحكومة ولكل الطبقات المرفهة، حيث إن مكان الانتحار يعتبر موقعا استراتيجيا يقع أمام الفنادق الكبرى[9]


هذه الحادثة تذكرنا بانتحار الطالب المتفوق عبد الحميد شتا خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بتفوق، وذلك لرفض تعيينه في السلك الدبلوماسي، لعدم لياقته اجتماعيا، على رغم اجتيازه اختبارات القبول ونجاحه بتفوق على أقرانه المتقدمين للوظيفة[10]. ها هم المرفوضون اجتماعيا يتزايدون فى المجتمع ويشكلون قوة رافضة للأوضاع، علما أن فريقا منهم مصاب باكتئاب نفسي شديد، الأمر الذي يجعل فكرة الانتحار واردة


دعونا نتذكر أن في مصر نحو 1.5 مليون مصاب بالاكتئاب الحاد، في حين أن الاحصائيات العلمية تؤكد أن 15% من هؤلاء المصابين بالاكتئاب الحاد يلجؤون إلى الانتحار للتخلص من معاناة هذا المرض
[11]


وهذا يقودنا إلى غياب أو تغييب الصحة النفسية في بلادنا


وبينما تنصح منظمة الصحة العالمية بأن تكون ميزانية الصحة النفسية نحو 10% من ميزانية الصحة العامة نجد أنها لا تزيد على 1.5% في البلاد الفقيرة، و3% في البلاد متوسطة الدخل أما في البلاد مرتفعة الدخل فلا تزيد على 7%، ناهيك عن أن ميزانية الصحة العامة في البلاد منخفضة الدخل تتراوح بين 3 و7% من الميزانية العامة وتصل في الولايات المتحدة إلى نحو 14% من الميزانية العامة، وللأسف فى مصر لا تتجاوز ميزانية الصحة 3% من الميزانية الكلية وهي أقل من معظم البلاد العربية والإفريقية
[12]


يخطىء البعض في تصور أن الانتحار ظاهرة جديدة أو مستحدثة


وتحفل الصحف والدوريات المختلفة قبل عقود طويلة بنماذج لمثل هذه الحوادث

كانت جرائم الانتحار في الغالب الأعم نتيجة اضطرابات عصبية وضغوط نفسية، أو نتيجة إدمان المخدرات والمسكرات، والضيق المالي، وسوء المعاملة، والتخلص من مرض ما. ومن ذلك، نطالع خبر انتحار موريس سمعان "في مكتبه شنقًا، ليتخلص من مرض"الدوسنتاريا" الذي لم يقو على احتماله"[13]


وفي فترة الكساد العالمي التي كانت لها تداعياتها على مصر، انتشرت حوادث الانتحار، فمثلا رب البيت الذي لا يجد ما يكفيه وعائلته ولم يستطع فعل شيء كان يستسلم وينتحر، ولهذا ارتفعت نسبة حوادث الانتحار وعلى الأخص بين الطبقة الفقيرة الأكثر تعرضًا من غيرها لآثار الأزمة. فقد "شنق شخص نفسه بحبل يدعى الشيخ أحمد حسن من كفر علي آغا بطنطا لضيق ذات يده"[14]


ومن أرقام حوادث الانتحار نتبين أن حدة الأزمة كانت في عامي 1931 و1932، إذ وصلت حوادث الانتحار في تلك الفترة إلى أعلى نسبة بالمقارنة بإجمالي حوادث الانتحار خلال الفترة بين عامي 1929 و1933[15]


غير أن جرائم الانتحار كانت معروفة أيضًا في مطلع القرن العشرين
فقد شرب أحد مستخدمي مصلحة التلغرافات قدرا من حمض الفينيك، لضيق ذات اليد، فلفظ أنفاسه
[16]. كما شنق أحد مستخدمي المجلس البلدي نفسه، نتيجة لتراكم ديونه، والحجز على ممتلكاته[17]
في عام 1929 وحده، سجلت في المدن المصرية الكبرى 105 حوادث انتحار، ذهبت أكثرها بأرواح شبان بين العشرين والأربعين من العمر، كما يتضح من البيان التالي:
من سن 10 إلى 19 سنة: 18 حادثة
من سن 20 إلى 29 سنة: 26 حادثة
من سن 30 إلى 39 سنة: 22 حادثة
من سن 40 إلى 49 سنة: 14 حادثة
من سن 50 إلى 59 سنة: 16 حادثة
من سن 60 إلى 69 سنة: 4 حوادث
من سن 70 فما فوق: 5 حوادث
من ناحية الجنس، كان ضحايا تلك الحوادث 76 رجلا و29 امرأة... والفرق في الأرقام واضح
لجأ المنتحرون في العام المذكور إلى التخلص من حياتهم بوسائل مختلفة، أبرزها الشنق والخنق، والسقوط من مكان مرتفع، وإطلاق النار، وتعاطي السموم، واستعمال آلات حادة، والغرق والدهس
[18]

وفي ظل انتشار الظاهرة في عام 1929، استطلعت مجلة "كل شيء والعالم" آراء كل من الدكتور منصور فهمي أستاذ الفلسفة في الجامعة المصرية، والدكتور زكي حفني الذي وصفته المجلة بأنه "من أبرع أطباء وزارة المعارف وهو ضليع في البسيكولوجيا وله آراء قيمة في التربية العقلية"، وعبد الله فكري أباظة مدير شركة مصر للملاحة ورئيس نادي التجارة العليا


د. منصور فهمي قال بوضوح: "ميدان المكافحة يجب أن يكون في المدارس؛ لأن المنتحرين معظمهم من الطلبة والشبان.. وعلى أولياء الأمور أن يؤدوا واجبهم في المكافحة، كأن يمعنوا في التحدث عن فضائل الصبر والجلد دون أن ينفكوا عن استخدام الوسائل التي تقوي الإرادة".. "هذا فيما يتعلق بالتلاميذ والطلبة، أما فيما يتعلق ببقية الأفراد فإني أنصح للجمعيات القائمة من الجنسيات أن تبث بين أفرادها روحًا جديدة بحيث يصير أعضاؤها نماذج وقدوة للناس في استقبال الشدائد بابتسام الهازىء.. وللمحاضرات وطرق الدعاية أثرها.. وللصحافة عليها واجب محتوم قبل الذين فطروا على استعداد للتخلص من حياتهم"[19]

أما د. زكي حفني فقال: "وعندي أن خير طريقة لمكافحة الانتحار هي فحص التلاميذ والطلبة فحصا طبيًا بسيكولوجيًا، ثم العناية بالفريق المذكور عناية خاصة، ولكن يجب أن نضع نصب أعيننا أن الإرادة والأعصاب قد يدركهما بعد المدرسة نوع من الاضطراب أو الانحلال. ومن أجل ذلك أنصح للأهل والأصدقاء وأنصح للمصابين بضعف في الإرادة أن يتعاونوا على شفاء الضحايا من دائهم قبل استفحاله، فليذهب إلى الطبيب من كان هذا شأنه، وليقدم المقربون من الصحب والعشيرة ما يطيب الخاطر ويبعث على التفاؤل"
"بهذا تقل حوادث الانتحار أولا، ثم يمكن استئصالها فيما بعد. فلنتخذ هذه الخطوة ولنفكر فيما يليها، إذ الاقتراحات لا فائدة منها. الفائدة كل الفائدة في الأعمال"
[20]
من جهته، قال عبد الله فكري أباظة إن "بعض حوادث الانتحار تتسبب من العطل والخسائر المفاجئة، والأزمات التي ليست في الحسبان تقوي الميل في الانتحار.. لكن الذين ينتحرون لهذه الأسباب لا بد أن يكونوا من العصبيين غير المجربين؛ لأن الرجل القوي الأعصاب لا تؤثر فيه الصدمات، والذي يجرب تكسبه التجارب مرانًا على احتمال الشدائد وتعطيه الثبات"
".. إني لا أميل إلى الاعتقاد بأن جميع المنتحرين يقضون على حياتهم لأسباب اقتصادية، وشاهدي على صحة قولي: إن الانتحار يكثر بين الطلبة، وهؤلاء أبعد الناس عن الكسب والربح والطمع في الغنى.."
ويفاجئنا عبد لله فكري أباظة برأي غريب، إذ يقول "إن الطريقة المثلى لمكافحة الانتحار هي عدم نشر حوادث الانتحار في الصحف، فأنا على يقين من أن للإيحاء والاحتذاء أثرًا كبيرًا في ازدياد الانتحار أخيرًا.. هذا من جهة ومن الجهة الأخرى يجب علينا أن نغير الوسط الذي نقضي أوقاتنا فيه، وطريقة ذلك سهلة، هي أن نضرب عن الجلوس في القهوات وأن يلزم الموظفون منازلهم بعد الانصراف من الدواوين"
[21]
هكذا كان الانتحار الشغل الشاغل لكثيرين في مصر قبل نحو قرن من الزمان
فما أشبه الليلة بالبارحة

الهوامش
[1] ممدوح حسن، الطب النفسي: الانتحار على قصر النيل إنذار للعشاق والحكومة، جريدة "الشروق"، القاهرة، 5 يونيو 2010
[2] ضحى الجندي وخالد موسى، آمنة نصير: الإقبال على ظاهرة الانتحار متزايد في دولة لا تحمي المهمشين، جريدة "الشروق"، القاهرة، 4 يونيو 2010
[3] سميرة علي عياد، 104 آلاف محاولة للانتحار في 2009، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 12 يونيو 2010
[4] عمر حسانين وفاطمة أبو شنب، مهندس ينفذ مذبحة في مصر الجديدة بقتل زوجته وابنيه ويحاول الانتحار، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 16 يناير 2009
[5] فاطمة أبو شنب، صاحبة محاولة الانتحار الفاشلة: أسعد لحظات حياتي أثناء سقوطي في مياه النيل، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 11 يونيو 2010
[6] جريدة "الوفد"، القاهرة، 2 مارس 1992
[7] إبراهيم أحمد، بالصور.. شاب يشنق نفسه على كوبري قصر النيل لفشله في الزواج من حبيبته .. آخر كلماته: "أستطيع ترك الدنيا لكني لا أستطيع أن أترك حبيبتي"، جريدة "اليوم السابع"، القاهرة، 2 يونيو 2010
[8] السيد أحمد، وصية شهيد الحب الذي شنق نفسه على كوبري قصر النيل، جريدة "الفجر"، القاهرة، 6 يونيو 2010
[9] ممدوح حسن، مرجع سابق
[10] محمد حامد الجمل، ظاهرة انتحار الشباب المصري، جريدة "الوفد"، القاهرة، 12 يونيو 2010
[11] وفاء بكري، الدكتور أحمد عكاشة في ندوة بـ "المصري اليوم": ١.٥ مليون مصري مصابون بـ"اكتئاب جسيم".. و١٥% يلجأون لـ"الانتحار"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 9 أكتوبر 2008
[12] شريف عاشور، د. أحمد عكاشة في "الكونجرس الإسكندنافي": المصري ليس جديرا بحقوقه ما دام ينتظرها "هبة" من الحاكم، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 9 أكتوبر 2009
[13] مجلة "المصور"، القاهرة، 26 أبريل 1929، ص 4
[14] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 16 سبتمبر 1914
[15] كريمة حسن، الكساد ضرب أمريكا عام 1929 فأفلست بنوك وتجار مصر في الثلاثينيات، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 31 أكتوبر 2008
[16] جريدة "المقطم"، القاهرة، 5 سبتمبر 1900، ص 2
[17] جريدة "المقطم"، القاهرة، 7 نوفمبر 1900، ص 2
[18] _________، يجب أن ننقذ 100 نفس من الموت، مجلة "كل شيء والعالم"، القاهرة، 21 ديسمبر 1932، ص 8 – 9
[19] المرجع السابق
[20] المرجع السابق
[21] المرجع السابق

تابع القراءة

gravatar

اغتيال الباشا.. بأثر رجعي



لم يكن إبراهيم الهلباوي الجلاد المصري الوحيد في حادثة دنشواي
فقد كان هناك اثنان آخران، أولهما بطرس باشا غالي (12 مايو 1846- 21 فبراير 1910) وزير الحقانية بالنيابة آنذاك ورئيس المحكمة
وبطرس باشا غالي هو أحد رجلين من الأقباط توليا رئاسة الوزارة، هو ويوسف وهبة باشا، كما أنه أحد رجلين من الأقباط نالا شهرة سياسية واسعة هو ومكرم عبيد باشا. تولى ابنان له الوزارة هما نجيب غالي وواصف غالي كما تولى ثلاثة من أحفاده الوزارة أيضا وهم مريت غالي وبطرس بطرس غالي ويوسف بطرس غالي، وكان أحد أبنائه من أقطاب الوفد وهو واصف غالي.عمل بوظيفة مترجم في مجلس تجار الإسكندرية في أوائل عام ١٨٦٧ ثم باشكاتب المجلس انتقل بعدها في ١٨٧٣ لنظارة الحقانية التي ترقى في سلكها سريعا حتى أصبح سكرتيرا لها في ١٨٧٩ ثم وكيلاً في ١٠ أكتوبر ١٨٨١ وأنعم عليه برتبه الباشوية في العام التالي وكان أول قبطي يحصل على هذا اللقب الرفيع
ويمكن القول إن القدر وضع بطرس باشا غالي - المولود في بلدة الميمون بمحافظة بني سويف سنة 1846- في رئاسة محكمة دنشواي نتيجة لظروف إدارية بحتة وهي غياب ناظر الحقانية آنذاك إبراهيم فؤاد باشا الموكل إليه أساساً رئاسة المحاكمة بحكم قانون عام 1895
ويقول مستر بوند- وكيل محكمة الاستئناف الأهلية والعضو بالمحكمة المذكورة- إن هيئة المحكمة كانت مصممة على إعدام خمسة لولا إصرار بطرس غالي الذي لم يوافق على إعدام أحدهم، وقال إن ضميري غير مرتاح لإعدامه، ولذلك فقد سعى عقب الحادثة في مفاوضة الحكومة الإنجليزية، التي وافقت على العفو الذي أصدره الجناب العالي الخديو رسمياً يوم عيد جلوسه عام 1907. ظن الوطنيون أن هياجهم وحده هو الذي أرجف الإنجليز فأصدروا أمرهم بالعفو عن المسجونين مع أن الفضل الأكبر في العفو عنهم يرجع إلى تدخل الخديو عباس حلمي الثاني ووزيره بطرس باشا غالي كما يُستدل على ذلك من الوثائق البريطانية والمصرية التي لم يُنشر منها سوى القليل إلى اليوم
[1]
الكاتب والسياسي د. محمد حسين هيكل يتحدث عن بطرس باشا غالي ودوره في حادثة دنشواي قائلاً: "ويقول المدافعون عن بطرس باشا في هذه المسألة: إن حكم دنشواي كان حكماً سياسياً أملته السلطة الإنجليزية التي أمرت بإرسال المشانق قبل أن يصدر، إذ أرادت أن تضرب بكل صرامة وحزم – وأنه كان صادراً من أغلبية انجليزية لأعضاء المحكمة، فلم يكن للأقلية الموجودة فيها، بحكم القانون، بدٌ من إقراره وتوقيعه. وبطرس باشا كان رئيساً للمحكمة المخصوصة بحكم القانون الذي ألقى بهذه الرئاسة إلى ناظر الحقانية، فكان لا مفر له من الخضوع لرأي أغلبية الهيئة التي يرأسها والتي أصدرت ذلك الحكم الجائر"
[2]
لكن د. محمد حسين هيكل يمضي قائلاً: "وهذا الدفاع على ظاهره من الوجاهة لتبرير عمل بطرس باشا إلا إذا كان معتقداً عدالة الحكم الذي أصدره وإنسانية تنفيذه مما لا يصدق على رجل كان له من عواطف الخير والإنسانية ما كان لبطرس. ذلك بأن الرجل الذي يجلس رئيساً لهيئة قضائية يعهد إليها بتطبيق العدل يجب ألا يخضع لصوت غير صوت الضمير ولاعتبار غير اعتبار العدل المجرد من كل هوى. فأما أن كانت المحكمة المخصوصة ليست هيئة قضائية وكانت صورة هزلية لعدلٍ لا وجود له وإنما تملي السياسة أحكامه، فكان حرياً برجل له ما كان لبطرس من دهاء ومقدرة أن يصل من تخفيف الجور إلى أقل حدوده وألا يرضى هذا التنفيذ الذي بعث إلى قلب الإنسانية رعشة اشمئزاز وتقزز واستفز في نفسها أشد المقت لعملٍ لا يمكن أن يكون من الإنسانية المهذبة ولا من الإنسانية المتوحشة في شيء"
[3]
وقد عهد الخديو عباس حلمي الثاني إلى بطرس باشا غالي برئاسة النظارة في 12 نوفمبر 1908، ولكن شابت علاقته بالحركة الوطنية خاصة الحزب الوطني شوائب أثرت بالسلب على صورته منها اضطراره لتوقيع اتفاقية السودان 19 يناير 1899، وترؤسه لمحكمة دنشواي الخاصة، بعث قانون المطبوعات 25 مارس 1909، دوره في مشروع مد امتياز قناة السويس
أما نهاية هذا الرجل فكانت على يد شاب صيدلاني يُدعى إبراهيم الورداني
ففي الساعة الواحدة بعد الظهر يوم (11 من صفر 1328 هـ=20 فبراير 1910)، خرج بطرس غالي من غرفته في ديوان الخارجية بصحبة حسين باشا رشدي ناظر الحقانية، وفتحي باشا زغلول (وكيل الحقانية)، وعبد الخالق ثروت (النائب العمومي)، وأرمولي بك التشريفاتي بالخارجية، ثم فارق من كانوا معه عند السلم الخارجي، وبينما هو يهم بركوب عربته اقترب منه الورداني متظاهراً بأنه يريد أن يرفع له عريضة وأطلق عليه رصاصتين أصابته إحداهما في صدره، وما كاد يلتفت خلفه ليرى صاحب هذه الفعلة حتى أطلق عليه الفتى ثلاث رصاصات أخرى أصابت عنقه من الخلف واثنتين في كتفه، وأطلق رصاصة سادسة أصابت ثيابه[4]
واستدعي الدكتور سعد بك الخادم فأخذ يسعف الجريح ويخرج الرصاصات من العنق والكتف، وأفاق الجريح قليلاً وكان في النزع الأخير، فحُمِل إلى مستشفى الدكتور ملتون بباب اللوق، وفور وصول بطرس باشا غالي إلى المستشفى اجتمع حوله 15 طبيباً من كبار الأطباء في مصر، وقد رأوا في بادئ الأمر عدم إجراء عملية له لكن في النهاية تم إجراؤها لإخراج الرصاصات الباقية
ولما وقف الخديو عباس حلمي الثاني على هذا النبأ بلغ منه التأثر ومن رجال الحاشية مبلغه نظراً لما كان يتمتع به بطرس باشا من ثقة الجناب العالي ومحبته له، وأصدر أوامره في الحال تليفونياً إلى فتحي باشا زغلول باتخاذ جميع الوسائل الممكنة بكل سرعة للعناية بالجريح
وقد زار الخديو بطرس غالي، ودخل عليه في غرفته وقبَّله في وجهه والدموع تملأ عينيه، وكان بطرس باشا قد تنبه قليلاً، فجعل يقول: "العفو يا أفندينا.. متشكر.. العفو يا أفندينا.. متشكر". وأمر الخديو أن تبلغ له الأخبار لحظة بلحظة[5]
وبعد انتهاء العملية لإخراج الرصاص ارتاح الجريح نوعاً ما، ولكن الألم ازداد بعد قليل وارتفعت حرارته، وأصبح في خطر قريب، ولم تأتِ الساعة الثامنة والربع من صباح يوم الاثنين 21 فبراير عام 1910 حتى أسلم الروح وسط بكاء الحاضرين
كانت آخر كلماته قبل رحيله: "يعلم الله أني ما أتيت أمراً يضر ببلادي.. لقد رضيت باتفاقية السودان رغم أنفي وما كان يمكن أن أعترض".. ثم قال: "ويسندون إليّ حادث دنشواي ولم أكن منها ولا هي مني ولكنها أقوال سادت فأساءت.. إن هي إلا غباوة ضعيف صارت وقوة قدير بطشت فتوسطت بينهما كما توسط المصلح بين المتخاصمين فنالنا من شرها ما نال"
[6]
ثم عقد مجلس النظار برئاسة الجناب العالي في سراى عابدين وقرر تعطيل نظارات الحكومة وجميع مصالحها والمدارس الأميرية إلى أجل غير مسمى. وكذلك تنكيس الأعلام على الثكنات العسكرية ودور الحكومة حداداً على الفقيد
في اليوم التالي للحادث، روت جريدة "الجريدة" تفاصيل ما جرى، فقالت: "بقي – الباشا- كذلك حتى كان يوم أمس نزل كعادته في جماعة من الموظفين، وعند باب نظارة الحقانية صافحهم وانصرف ومعه النائب العمومي، فما كاد يضع رجله على سلم عربته حتى أصابه الرصاص المتعاقب من غدارة شابٍ لعب الشباب برأسه وتصور ما تصور وتجسمت في نفسه الخيالات فلم ترعه هيبة الوزير ولا وقار الشيخ ولا خوف العقاب.. أصابه الرصاص في العنق والكتف والبطن فخر صريعاً فحمل إلى أودة ناظر الحقانية ثم إلى مستشفى الدكتور ملتون. وهناك زاره سمو الخديو وجميع الوزراء والسير غورست والأمراء وأعيان الأمة وكلهم يرجون له الشفاء العاجل. فلما كانت الساعة السادسة عملت له عملية جراحية لإخراج الرصاصة الباقية، ولكن كانت، مع الأسف، قد نسفت الأمعاء ونفذت في صدر المعدة"
[7]
وربما كان اغتيال بطرس غالي هو أول جريمة اغتيال سياسي في مصر الحديثة، إذ جاء بعد أكثر من قرن من اغتيال سليمان الحلبي للقائد الفرنسي كليبر
أما الجاني إبراهيم ناصف الورداني، فقد كان شاباً في الرابعة والعشرين من عمره، تلقى علومه الأولى في المدارس المصرية حتى نال البكالوريا، وتوفي والده فقام بتربيته الدكتور ظيفل باشا حسن وأرسله إلى سويسرا لتلقي علوم الصيدلة ثم ذهب إلى إنجلترا، فقضى بها سنة وعاد إلى مصر فافتتح بها صيدلية في شارع عابدين، وكان من المتحمسين لمبادئ الحزب الوطني المناوئ للخديو عباس وقتذاك

اعترف إبراهيم الورداني بجرمه، وبرر إقدامه على قتل بطرس باشا غالي بأنه وقع اتفاقية السودان في 19 يناير عام 1899، بالنيابة عن الحكومة المصرية باعتباره وزير خارجيتها، وكان ضمن تشكيل محكمة دنشواي، وإعادته العمل بقانون المطبوعات القديم في 25 مارس عام 1909، وقانون النفي الإداري في 4 يوليو من العام نفسه، وكان له دور في محاولة مد مشروع امتياز قناة السويس. كما اعترف أنه قصد قتل بطرس باشا غالي منذ زمن[8]
فقد وَّقع بطرس باشا غالي اتفاقيتي الحكم الثنائي للسودان في عام 1899 بالنيابة عن الحكومة المصرية باعتباره وزير خارجيتها، واللورد كرومر بالنيابة عن الحكومة الإنجليزية، وبموجب تلك الاتفاقية أصبح لإنجلترا رسمياً حق الاشتراك في إدارة شؤون الحكم بالسودان، ورفع العلم الإنجليزي إلى جانب العلم المصري في أرجائه كافة، وتعيين حاكم عام للسودان بناء على طلب الحكومة البريطانية، وأصبح المصريون غرباء عنه أو خداماً للإنجليز فيه
ولم يذع أمر الاتفاقية إلا عقب إمضائها، وكانت الصحف تجهل أمرها، ولم تنشر شيئاً عن مقدماتها، ولم تحصل مفاوضات ما بصددها، وإنما هي إرادة اللورد كرومر أملاها على وزارة مصطفى فهمي، فقبلتها بلا مناقشة، كل ما حصل من المفاوضة بشأنها أن اللورد كرومر سلم بطرس باشا غالي مشروع الاتفاقية كما وضعته وزارة خارجية انجلترا، فأخبر بطرس باشا غالي الوزراء بالأمر، فقبلوا المشروع دون أن يطلع أكثرهم عليه
يذكر أن هذه الاتفاقية جعلت لبريطانيا حقاً مشروعاً وأعطتها نفوذاً لم تكن تحلم به، فمن الناحية الفعلية فصل هذا الاتفاق السودان عن مصر، وأصبحت جميع السلطات في يد حاكم عموم السودان وهو بريطاني، كما أن موافقة الحكومة المصرية عليه تتم في صورة شكلية، وتشريعات القطر المصري لا تسري على السودان
[9]
غير أن الواقع بالنسبة للاتفاق الثنائي يخالف الجانب الرسمي له كل المخالفة، فقد انفردت بريطانيا وحدها بمهمة وضع الاتفاق، وكان دور مصر شكلياً بحتاً، لم يزد على توقيع الاتفاق حين قدم لها
قرر الجناب العالي تشييع جنازة بطرس باشا غالي، في اليوم التالي للحادث، في احتفال رسمي مهيب على نفقة الحكومة، وأن يسير المشهد يوم الثلاثاء في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً من مستشفى ملتون بباب اللوق إلى الكنيسة المرقسية ومنها إلى دير أنبا رويس، وقد بدأت مراسم الجنازة بحمل النعش من الكنيسة إلى المدفن بعربة يجرها ثمانية من الجياد و12 عربة مملوءة بأكاليل الزهور

وبكّر الناس في صباح يوم الثلاثاء إلى الأحياء التي تسير منها جنازة فقيد مصر حتى خلت المنازل والقصور من سكانها وتعطلت كل الأعمال والسيارات وعربات الترام وأغلقت المصارف المالية ونكست الأعلام على جميع المباني الأميرية والقنصليات وفي كل مكان، وأخذت الأجراس تدق. وفي منتصف الساعة الحادية عشرة شيعت الجنازة في موكب لم تر له مصر مثيلاً حتى في وفيات ملوكها وأمرائها[10]
الصحف القبطية والأجنبية اعتبرت أن تحريض صحف الحزب الوطني قد ساهم على الأقل في تهيئة أسباب اغتيال بطرس باشا غالي
ولذلك زادت مطاردة الحكومة لنشاط الحزب ومبادئه. وقال صحيفة "الإيجيبسيان" إن "الورداني وهو يقتل بطرس غالي كان يجهز في الوقت نفسه على الوطنية المصرية في مصر"
[11]. كما اندفعت الحكومة المصرية تقبض على الناس وتفتش البيوت للكشف عن أي جمعيات أو مؤامرات سرية، لذلك لم تبدأ محاكمة الورداني إلا بعد شهرين من وقوع الحادث، أي في 21 إبريل
وعندما ألقي القبض على إبراهيم الورداني، وقد قيدوه بحبل من ذراعيه ويديه وأدخلوه في إحدى غرف النظارة ووجدوا في جيوبه 24 رصاصة، و75 قرشاً وساعة فضية، وقبل أن يفتح معه محضر التحقيق الرسمي، سأله وكيل الحقانية: لماذا فعلت فعلتك بالباشا، فأجاب غاضباً: "لأنه خائن للوطن، وأنا غير نادم على فعلتي". وذكر في التحقيق الابتدائي أنه لم يؤلمه شيء إلا ضرب حسين رشدي باشا له إذ لم يكن يظنه يقبح (عملاً وطنياً (مثل عمله
اعترف الورداني في بداية التحقيق بأنه قتل المجني عليه لأنه خان وطنه وكان مصمماً على قتله من أشهر بعيدة، ولكنه لم يتعمد تنفيذ فكرته إلا عقب إعلان الاتفاق الجديد مع شركة قنال السويس، وعدَّد من خيانته أن الأسباب التي دفعته إلى التفكير في قتله، منها قبوله رئاسة محكمة دنشواي، وتوقيعه اتفاقية السودان، وإخراجه قانون المطبوعات، وإهانته مجلس الشورى والجمعية العمومية، وذكر في أقواله أنه ليس متصلاً بإحدى الجمعيات الفوضوية لأن مبدأ الفوضوية هو التخريب وهو ضد مبدئه فهو دستوري محب للنظام. وقال إن هذا المبدأ هو الذي جعله يرتكب هذه الجريمة؛ لأنه في البلاد الدستورية يجب سقوط الوزارة وتخليها عن الأعمال متى فقدت ثقة مجلس النواب لها، أي أن الأمة لا تريدها
وفي يوم 3 مارس في التحقيق كتب الورداني إقراراً بخط يده: "أنا الذي قتلت بطرس باشا كبير الوزراء المصريين في يوم الأحد الساعة واحدة إفرنجي مساء لاعتقادي أن الرجل خائن لوطنه وأن سياسته ضارة لبلاده، ولست أسفاً على ما ارتكبته لأني أرى ذلك خدمة في بلادي"
فرد عليه فتحي زغلول باشا قائلاً: "يا مسكين لو عرفت أنه أكبر وأصدق وطني في خدمة البلاد ما فعلت فعلتك"، ثم تولى النائب العام تحقيقه مع إبراهيم الورداني، وكان النائب العام آنذاك هو عبد الخالق ثروت باشا
[12]
ذكر الورداني أنه القاتل الوحيد دون أن يشترك معه أحد وأنه يوم السبت قبل الحادث كان مع كل من شفيق منصور وصادق سعد، وكانت وجهته النادي لمقابلة الدكتور حافظ عفيفي
وحينما ووجه بسؤال عن طبيعة الحديث الذي دار بينه وبين شفيق منصور وصادق سعد أجاب بأنه كلام عادي وأقسم بالله العظيم وبأغلظ الأيمان أنه لم يتكلم مع أحد بما كان مصمماً عليه. وقال إنه توجه ليلة السبت 19 فبراير أيضاً إلى النادي لتجهيز بعض الأوراق الخاصة بلجنة الإرساليات العلمية
وقد تولى النائب العمومي ثروت باشا التحقيق، وسئل عدة أشخاص ممن كانت لهم علاقة بالورداني، ممن وجدت صورهم وأسماؤهم معه أثناء القبض عليه، فضلاً عما كان معه من أوراق تخص الحزب الوطني أو أشخاصاً فيه، وكان في مقدمة هؤلاء محمد فريد والذي قرر أنه عرف الجاني منذ سنة 1906 في جنيف حيث كان أميناً عاماً لصندوق جمعية الطلبة المصريين بها، وأن هذه الجمعية أسست لمساعدة الطلبة المصريين الذين يفدون إلى جنيف
وقد خلت مذكرات محمد فريد، رئيس الحزب الوطني، من هذا الحادث وقت وقوعه، وهذا إن دل يدل على الصدمة التي لحقت بالحزب من جراء وقوع هذا الحادث الضخم وبعيد الأثر في حياة البلاد والذي كاد يفرق وحدتها إلى دهر من الزمان لولا أن كانت ثورة 1919 فجمعت شمل المسلمين والأقباط كأوثق ما يكون"
وإذا كان القاتل من شباب الحزب الوطني فقد تشعب التحقيق، واتجهت تهمة الاشتراك في الجناية إلى لفيف من شباب الحزب، وقبض على كثيرين منهم ثم أفرج عن بعضهم
في 13 مارس 1910، أذاع عبد الخالق ثروت النائب العمومي قرار الاتهام في قضية الورداني التي حملت قضية الجناية رقم 14 عابدين 1910 وأقامت النيابة الدعوى العمومية على إبراهيم ناصف الورداني، وعلى ثمانية بتهمة المشاركة في الجريمة، باعتبارهم جميعاً أعضاء في جمعية من مبادئها استعمال القوة في الوصول لأغراضها، وأن جريمة القتل كانت نتيجة محتملة لهذا الاتفاق، وهم
1- إبراهيم ناصف الورداني- 25 سنة – كيماوي ومقيم في مصر
2- علي أفندي مراد – 24 سنة – مهندس ري بالفيوم
3- محمود أفندي أنيس – 28 سنة – مهندس ري بالمنيا
4- شفيق أفندي منصور -22 سنة - طالب بمدرسة الحقوق
5- عبده أفندي البرقوقي – 24 سنة - طالب بمدرسة الحقوق بمصر
6- عبد العزيز أفندي رفعت - 23 سنة - مهندس تنظيم
7- عبد الخالق أفندي عطية – 24 سنة - محام
8- محمد أفندي كمال – 22 سنة - طالب بالمهندسخانة
9- حبيب حسن أفندي – 25 سنة – مدرس بمدرسة خليل أغا
واعتبرتهم النيابة شركاء في الجريمة المذكورة آنفاً طبقاً لنص المواد 194، 40، 43 من قانون العقوبات – وأكدت أنهم أعضاء مع المتهم الأول في جمعية من مبادئها استعمال القوة في الوصول إلى أغراضها ، وبذلك يكونون قد اتفقوا على استعمال القوة في تنفيذ تلك الأغراض وأن جريمة القتل التي ارتكبها المتهم الأول هي نتيجة محتملة لهذا الاتفاق، "لذلك تطلب النيابة من حضرة قاضي الإحالة أن يحيل المتهمين المذكورين إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهم طبقاً للمواد الآنف ذكرها"
[13]
وفي 21 مارس 1910 أحيل المتهمون جميعاً إلى قاضي الإحالة بمحكمة مصر الأهلية متولي بك غنيم، وقد نظرت القضية أمامه، وصدر القرار ببراءة الأشخاص الثمانية من تهمة الاشتراك في قتل بطرس غالي وقصر التهمة على الورداني
وقال القاضي إن الأوجه التي حددها القانون للاشتراك في الجريمة لم تتوافر في هؤلاء الثمانية. فضلاً عن ذلك، فإنه ثابتٌ أن أعمال الجمعية وقفت منذ شهر يونيو 1909، أي قبل وقوع الجريمة بسبعة أشهر تقريباً، ولم يثبت حصول مراسلة بين أعضائها أو اجتماع منهم بخصوص العمل باتفاقهم في غضون تلك المدة بل ثبت العكس اشتغال المتهمين بأعمالهم الشخصية دون غيرها، فإنه ثابتٌ من اعتراف المتهم الأول الاعتراف الصريح الذي ثبت عليه من أول التحقيق إلى منتهاه أنه ارتكب جريمته وحده دون علم رفقائه وبأسباب معينة وهي إمضاء المجنى عليه على اتفاقية السودان وإعادة قانون المطبوعات وسعيه في تجديد امتياز قناة السويس
وقرر القاضي ثانياً: إحالة إبراهيم أفندي ناصف الورداني إلى محكمة جنايات مصر المحدد لانعقاد دورها يوم السبت الثاني من أبريل 1910 لمحاكمته بمقتضى المادة (194) عقوبات. وجاء في قرار القاضي استمرار حبس المتهم على ذمة هذه القضية وقد أفرج عن المتهمين الآخرين بعد دخولهم السجن بنصف ساعة. وقد تولى الدفاع عن المتهمين أحمد بك لطفي، وإسماعيل شيمي بك، ومحمود بك فهمي حسين، محمد علي علوبة بك، ومحمود بسيوني، أحمد عبد اللطيف بك، ومصطفى عزت
أما الورداني فقد وجهت إليه تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار، وهي جريمة عقوبتها الإعدام، وحوكم أمام محكمة جنايات، وكانت برئاسة المستر دلبروغلو وعضوية أمين بك علي، وعبد الحميد بك رضا المستشارين، وجلس في كرسى النيابة عبد الخالق ثروت باشا، النائب العام، وتولى الدفاع عن المتهم كل من أحمد بك لطفي، ومحمود بك أبوالنصر، وإبراهيم بك الهلباوي. وقد اشترط الورداني في قبول تعيين هذا الأخير أن يتكلم في مسألة دنشواي بالانتقاد، فقبل هذا الشرط؛ لأنه كان يريد أمن يغسل بمرافعته أحزان ما اقترفه في محاكمة دنشواي
بدأت المحاكمة التي انعقدت بمحكمة الاستئناف وسط إجراءات أمنية مشددة. ولم تكتف السلطات المعنية بحصر حضورها في مَنْ بيدهم تذاكر، بل قفلوا جميع الأبواب إلا باباً واحداً، ووضعوا الأرصاد على كل باب، ولم يؤذن لحامل التذكرة بالدخول إلا بعد التحقق منه
تركز دفاع المحامين في البحث عن السبب الذي أدى إلى وفاة بطرس غالي أنه بعد موت بطرس لم تجر عملية تشريح له لمعرفة سبب الوفاة، فدفع المحامون بأن وفاة بطرس غالي لم تنشأ مباشرة عن رصاص مسدس الورداني، ولكن عن العملية الجراحية التي أجريت له بالمستشفى على إثر الحادثة والتي لم تكن ضرورية وأنها هي التي أدت إلى وفاته
وقد كثر القول في تأييد هذا الرأي حتى إن المحكمة نفسها رأت أنه من الضروري أن تطلب النظر في الأمر من قبل لجنة طبية خاصة ومؤلفة من طبيبين إنجليزيين (مادن وهاملتون) وطبيب مصري (علي لبيب.. وحل محله لاحقاً بهجت وهبي). وقد انقسمت آراء هذه اللجنة فكان من رأي الطبيبين الإنجليزيين أن الجراح التي نشأت عن عمل الورداني جراح قاتلة، في حين أن الطبيب المصري قرر أنه لولا العملية التي لم تكن هناك حاجة لها لظل بطرس باشا على قيد الحياة. وتأجلت القضية لجلسة 12 مايو لتقدم اللجنة تقريرها. وجاء في تقرير اللجنة: "وفي النهاية نقول بأنه نظراً لعدم عمل الصفة التشريحية، فقد قدنا الوسائط التي بها يمكننا أن نحكم على نتائج العملية. ونظراً لقلة البيانات التي جاءت بأقوال الشهود، فلا نستطيع كلية أن نعطي جوابا مُرضياً على السؤال الموجه إلينا، وهو: هل العملية أجريت مع الاحتياطات الطبية المقررة فنياً؟"
[14]
ولم يكن أمام المحامين نقطة أخرى يبنون عليها دفاعهم، فالمتهم كتب إقراراً بارتكابه الجريمة بخط يده
وقد قام عبد الخالق باشا ثروت الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب النائب العام بالتحقيق في القضية، وقد ذكر في مرافعته أن: "الجريمة المنظورة أمام المحكمة هي جريمة سياسية وليست من الجنايات العادية، وأنها بدعة ابتدعها الورداني بعد أن كان القطر المصري طاهراً منها ثم طالب بالإعدام للورداني"
وأصدرت المحكمة حكمها بتاريخ 18 مايو 1910 برفض ما طلبه الدفاع من إحالة المتهم إلى لجنة طبية لمراقبته حيث ثبت في يقين المحكمة سلامة قواه العقلية، وثانياً إرسال القضية لفضيلة مفتي الديار المصرية الشيخ بكري الصدفي، ورفع محامو الورداني طعناً على هذا الحكم أمام محكمة النقض التي رفضت نقضه
وفي المحاكمة المذكورة، رفض المفتي الأكبر، لأسباب شرعية، أن يصدر فتوى بالمصادقة على الحكم بالإعدام، وأخذ بوجهة نظر الدفاع القائلة باختلال قوى المتهم العقلية وضرورة إحالته إلى لجنة طبية لمراقبته، ولكن تم تجاهل تلك الفتوى وأُعدم الورداني سراً
[15]
ففي الساعة الخامسة والدقيقة 45 من يوم 28 يونيو سنة 1910، دخل وكيل المحافظة والحكمدار وطبيب السجن ومأموره إلى سجن الاستئناف وذهبوا إلى غرفة الإعدام ثم جيء بإبراهيم ناصف الورداني ووضع الحبل في عنقه الساعة الخامسة والدقيقة 50، وتلا عليه مأمور السجن حكم الإعدام فقال الورداني: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن الحرية والاستقلال من آيات الله"، ثم قابل الموت بجأش ثابت ثم فتحت الهوة فهوى، وبعد قليل حُمِل إلى غرفة التشريح وشرحت جثته حسب العادة وغسل وكفن وسارت عربة السجن تواً إلى مقابر الإمام الشافعي يحرسها بعض رجال البوليس السري من راكبي الدراجات، ودفنت في مقابر عائلته
[16]
ويقول الزعيم الوطني سعد زغلول إن محاكمة إبراهيم الورداني فتحت باباً للخلاف بين عنصري الأمة. "وقد اتخذ الأقباط هذه المسألة لتحريك البغضاء بينهم وبين المسلمين، وقامت جرائدهم تنسب القتل للتعصب الديني، وتجسم أمر الحادثة، وتبالغ في الحوادث التي ترتبط بها ولا يخلو من وقوعها بلد من البلدان. وتختلق الحوادث الأخرى للدلالة على وجود ذلك التعصب
"فلما أحس المسلمون بذلك، نقموا وعطفوا على الورداني وتمنوا لو خلص من العقاب. وانبث هذا الميل خصوصاً في العامة والنساء والأطفال، وتمكن من أفراد الحزب الوطني. بل عمل الكثير منهم على تمكينه في النفوس، وسعوا جهدهم في تلطيف العقاب، واستعملوا لذلك كثيراً من الوسائل"
[17]
وهكذا تحول إبراهيم الورداني إلى بطل وطني في الحس الشعبي، وكان كثيرون يغنون "يا ميت صباح الفل على الورداني"، ورددوا "قولوا لعين الشمس ما تحماشي، أحسن غزال البر صابح ماشي"
[18]
من جهتها، رأت الصحف القبطية، ومعها كثير من القبط، أن هذه الجريمة لم تُرتكب إلا بدافع من التعصب الديني، وأن بطرس غالي لم يُقتل إلا لأنه قبطي. واتهموا الحزب الوطني بأنه هو الذي هيَّج الرأي العام عليه بكتاباته واحتجاجاته على معاهدة 1899 ودنشواي وقانون المطبوعات وقانون النفي الإداري، واعتبروا أن تحريض صحف الحزب المستمر قد ساهم على الأقل في تهيئة أسباب الاغتيال
وعند ذاك انحرف بعض أفراد حركة القبط انحرافاً خطيراً، فزادوا على الكتابة في الصحف القبطية الشكوى إلى الصحافة الإنجليزية، والنقل عنها في صحفهم، وسافر بعض رجالهم إلى إنجلترا، شاكين مستنجدين. ودعوا إلى إيجاد فرق من الاحتلال تجوب المدن لحماية الأقباط، وإغلاق الصحف التي تحرض على كراهية الأقباط
[19]
واستغلت الصحافة القبطية الحوادث البسيطة التي كانت تحدث من الجماهير المتعاطفة مع الورداني، وسيلة لإثارة جماهير الأقباط، وأخذت جريدة "المقطم" الموالية للإنجليز تنشر الروايات المختلفة والمهيجة لمشاعر المسيحيين المصريين. وعندما قدم المفتي فتواه في قضية الورداني، استخدمتها الصحافة الاستعمارية وسيلة للطعن في الإسلام وإثارة الأقباط. وقالت "الجازيت" تعليقاً على الفتوى
"إن الشريعة الإسلامية لا تحسب حياة الوزير المسيحي الأول شيئاً مذكوراً في جنب أحقر المسلمين"
[20]
ونهجت الصحافة الاستعمارية الأخرى على غرار "الجازيت"، فقد مسخت المستند الأصلي الذي ساق فيه المفتي أسباب الرفض، لتوهم الناس أنه بمقتضى الشريعة الإسلامية لا يمكن الحكم على مسلم قتل مسيحياً بالموت. وبعد أن شاعت في أوروبا تلك الصورة الممسوخة وعملت عملها في إثارة الحفيظة الدينية في إنجلترا أرغم وزير الخارجية البريطاني السير إدوارد جراي على إظهار المستند الأصلي، فظهر أنه مستند عادي اتبعت فيه أوضاع اصطلاحية
وانتقد الأقباط موقف أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي لم ينظم قصيدة رثاء في بطرس باشا غالي، وكان من أصدقائه المقربين، وهو القائل
"في منازل غالي فزنا بصفو الليالي"
وكتب أحد الأقباط يقول "لعمرك لقد خان شوقي نفسه وهو يقول إنني رجل أخدم الوطن كلما عرضت حال، في خطابه إلى روزفلت. يكذبك الحال يا شوقي. وقد مر عليك موت عظيم مصر بطرس باشا غالي، وقد جمد إحساسك وجف شعورك في مقام العزاء لمصر. أو لم تذكر صفو لياليك حيث قلت

- في منازل غالي فزنا بصفو الليالي
"عجباً لك يا شوقي! تذكر صفو الليالي، ولا تذكر كدر الأيام!"
[21]

وقال كامل منصور مُعرضاً بالشعراء المسلمين

"إن يحجم القوم عن نظم الرثاء له فقد رثـاه النهـي والعلـم والأدب
وإن تجف دموع عيونهــــم فدمع المجـد مُنهـل ومنسكــب
وإن دعاه الألى طالت عقولهـم بظالم فأيـادي عدلـه قشـــب
هل حافظ قد عصته فيه قافيــة أم ابن هاني عراه الخوف والرهب
ابن القصائد يا شوقي مدبجــة من كل ضافية ما إن لها سبــب؟
هل القريض عزيز أن تدبجــه في فقد من الملا آراؤه شهــب؟
أم الدماء التي سالت تروق لنـا دم البرئ قلوب حوله تجـــب؟
دم البرئ ينادينا ألا اجتهــدوا لا تغمضوا الطرف حتي ترفع الحجب"

وقد اضطر أحمد شوقي إلى نظم قصيدة قصيرة جاء فيها

"بني القبط، إخوان الدهور رويدكم هبوه "يسوعاً" في البرية ثانيـــا
حملتم لحكم الله صلب ابن مريـم وهذا قضاء الله قد غال غاليـــا
ووالله لو لم يطلق النار مطلــق عليه لأودى فجأة أو تداويــــا
تعالوا عسى نطوي الجفاء وعهده وننبذ أسباب الشقاق نواحيــــا
فلا يئنكم عن ذمة قتل بطــرس فقد ما عرفنا القتل في الناس فاشيـا"

وشوقي هنا يخاطب العقل، فيدعو إلى ترك العواطف الهوجاء. ويقول إن لكل مخلوق أجلاً معلوماً. وبطرس لم يمت قبل انقضاء أجله. ولو لم يقتله الورداني لقضى نحبه فجأة أو بعد فترة من المرض والعلاج

وقد نظم شوقي قصيدة رائعة في الاحتفال بالذكرى السنوية لبطرس غالي، جاء فيها

"قبر الوزير تحية وسلامـــا الحلم والمعروف فيك أقامـــا
ومحاسن الأخلاق فيك تغيبـت عاماً، وسوف تُغَيَّب الأعوامــا
قد كنت صومعة فصرت كنيسة في ظلها صلى المطيف وصامـا"
[22]

على أنه ينبغي القول إن أصواتاً قبطية حكيمة لم تنجرف وراء أجواء الاحتقان، واتسمت رؤيتها بالوطنية والبعد عن التعصب الطائفي، ونفي فكرة وجود خلفية دينية أو طائفية وراء عملية الاغتيال، ومن هؤلاء نصيف المنقبادي، ومرقس حنا، ومرقس فهمي
كتب مرقس فهمي المحامي يقول


"إذا قتل الورداني تعصباً وحده أو شركاؤه، فليس ذلك دليلاً على أن كل المسلمين أرادوا هذا القتل بسببه.. التضامن هو روح الوطنية وروح كل اجتماع، فلا وطن بدونه، ولا مسلم بدونه، ولا أقباط بدونه"
كما ألقى خطبة في اجتماع عقده القبط بحديقة الأزبكية، ينفي فيها عن المسلمين تهمة التعصب، مسفهاً أقوال الذين يتهمون طائفة من الأمة بالاشتراك في اغتيال بطرس غالي جملة، ويحصر عمل الورداني في شخصه، مؤكداً أن الجريمة التي راح ضحيتها رئيس الحكومة عملٌ يأسف له كل مصري مسلماً كان أو قبطياً
وقال في إحدى خطبه
".. تنازعنا في نسبة بطرس باشا: من منا خسره؟ أو من الذي كان يملكه؟ هذا يقول: بطرس للأقباط. وذلك يقول: إنه مسلم، لأنه بصفته ناظراً في الحكومة المصرية مدة خمسة عشر عاماً؛ كان شيخاً للأزهر في كل هذه المدة. ولم يكن له أي وظيفة شرعية عند الأقباط، فهو مسلم حكماً وعملاً، بل هو شيخ المسلمين"
"قسمت هذه المناقشة البلد إلي شطرين: أقلية تدعي أنها هي وحدها التي أصيبت في شخص الفقيد، فهي التي عز عليها المصاب، وهي التي يجوز لها أن تطالب بالعقاب. وهي التي يحق لها أن تراقب أعمال التحقيق، وتلاحظ عليه وهي التي تتألم لكل حركة تعتقد أن فيها إهمالاً لتقدير ذلك المصاب الجلل، أو جموداً في شعور الأكثرية، أو سكوتاً لا يتفق مع أهمية الحادث. أما الأكثرية - يعني المسلمين - فماذا كان موقفها؟"
"أخبرني صديق منها أنه صمم علي تأبين الفقيد يوم الأربعين، معتقداً أن هذا أقل واجب يؤديه. فلما رأي هذه المناقشة خشي أن يحسب الناس منه ذلك نفاقاً ورياء؛ فعدل عن قصده نهائياً"
[23]

وقال مرقس حنا: "إن التعصب إذا كان موجوداً فلا قضاء عليه إلا بالدستور، ودعا الأقباط إلى كتابة العرائض من أجل الدستور"
وكتب نصيف جندي المنقبادي المحامي إلى جريدة "الإكلير" في باريس خطاباً يقول فيه
"اسمح لي بصفتى مصرياً أن أقرر بعض نقط تتعلق بمقتل بطرس غالي باشا رئيس الوزارة المصرية، ليس من اختصاصي تقدير عمل إبراهيم الورداني، ولكني أريد من صميم فؤادي أن أبعد التهم التي أشاعها الإنجليز في العالم ضد هذا الشاب، ليقللوا من النتيجة السياسية لعمله، فقد اتهموه بأنه فتى مختل الشعور، قليل الذكاء وأنه أطاع داعي التعصب بقتله بطرس باشا غالي المسيحي، الذي يقولون إنه كان حراً ووطنياً"
"أنا أعرف الورداني شخصياً فهو فتى شديد الذكاء كثير المعارف، ملأت صدره الوطنية الحرة وليس شخصاً متعصباً.. وأنا بصفتي قبطياً - أعني مصرياً مسيحياً– أصرح بأن حركتنا هي حركة وطنية مجردة ترمي إلى الترقي والحرية.. وما تهمة التعصب الإسلامي إلا من إشاعات الإنجليز التي يشيعونها ليبرروا المظالم التي يرتكبونها في مصر"
[24]

وفي مذكراته، يؤكد سعد زغلول أن أدلة المحكمة قاصرة في حكمها بالإعدام على الورداني، وإن كان يقول: "ولا أنتقد هذا الحكم في ذاته ولكن الطريقة التي انتهت به. ولقد كان السير جورست متخوفاً من المسألة ويخشى ألا يحكم بالإعدام فيها، وأظهر لي هذه الخشية خصوصاً بعد الحكم التمهيدي"
[25]
وبذل الحزب الوطني وغيره محاولات كثيرة للعفو عن الورداني، واهتم الأوروبيون خاصة بالإسكندرية للعفو عن الورداني، وكتبوا عريضة وقع عليها 1500 شخص، ولكن المعتمد السامي البريطاني السير إلدون جورست سعى لدى القناصل لوقف هذه الحركة، وأوعز بسرقة العريضة التي بلغ الموقعون عليها ثلاثة آلاف من محل استين بالإسكندرية
[26]

أما الشخصية الثالثة في محاكمة دنشواي، فهو أحمد فتحي زغلول (فبراير 1863- 27 مارس 1914) عضو المحكمة ورئيس محكمة مصر الابتدائية الذي كتب حيثيات الحكم بخط يده وطالب بتوقيع أقصى العقوبة. ولم يغفر له أحدٌ ما فعله في دنشواي.. لم يغفر له أنه الشقيق الأصغر لزعيم الأمة سعد زغلول، حتى إن ذكراه كانت تمر بعد ذلك وسعد زعيم الأمة المحبوب، فلا يجسر أحدٌ على الإشارة إليها
بل إن خصوم سعد زغلول كانوا يشيرون إلى شقيقه أحمد فتحي كدليلٍ على عدم وطنية الأول
مع أنه في الكراستين السادسة والسابعة من مذكراته، تحدث سعد زغلول عن علاقته بشقيقه أحمد فتحي زغلول بأنه كانت لديه غيرة شديدة منه، إذ كان يرى أن وجود سعد يمنع عنه الترقي إلى الوزارة ويمنعه من الاسترسال في شهواته وكان يرى أنه دائماً أحق من سعد بمنصب الوزارة، وأنه أكفأ منه
ويسجل سعد في مذكراته أيضاً أنه قال لشقيقه فتحي "إن كثيراً من الناس يقولون عليك، إنك دساس تسيء إلى إخواتك إذا تمكنت ولا تبالي إلا بفائدتك فإن كنت تعمل من ذلك شيئاً فأقلع عنه"
[27]
وعلى رغم أن الزعيم الوطني محمد فريد كان يكره سعد زغلول ويكره سيرته فإنه - أي محمد فريد- لم ينكر زعامة سعد. ويذكر محمد فريد ما لا يعرفه كثيرون عن حياة فتحي زغلول فاسمه الأصلي فتح الله صبرى وكان تلميذاً بالمدارس التجهيزية وإبان الثورة العرابية كان خطيباً من الخطباء الذين يحضون على الثورة مع النديم. ولما جاء أحمد خيري باشا ناظراً للمعارف رفض فتح الله صبري بسبب اشتراكه في الثورة، لكن خيري كان يحبه لنباهته وفصاحته وأراد مساعدته فنصحه بتغيير اسمه لإعادة قيده كطالب جديد فسمي باسم أحمد فتحي ودخل الألسن
وفي عام 1883 سافر إلى أوروبا وعُيِّنَ في قلم القضايا ثم المحاكم الأهلية عام 1889 وظل يترقى حتى أصبح رئيساً لمحكمة مصر وتوثقت علاقته باللورد حتى وقعت حادثة دنشواي التي كان أحد أعضاء محكمتها
ألقت مشاركة فتحي زغلول في المحاكمة بظلال قاتمة على سيرته، فقد كان اسمه يذكر مقروناً بالمذبحة وقليلون عرضوا على جانب مضيء ومشرق للرجل وهو الجانب المتعلق بمشاركته في تأسيس "الجريدة" لسان حزب الأمة، كما أنه قدم للمكتبة العربية عدداً من الكتب المهمة التي نقلها عن الفرنسية والإنجليزية ومنها "سر تطور الأمم" و"أصول الشرائع"، وفوق هذا فقد كان يملك ناصية اللغة العربية ويشدد على الاهتمام بها ويحذر من إفسادها
حدث في العام التالي مباشرةً لمأساة دنشواي، أي في عام 1907، أن تمت ترقية أحمد فتحي زغلول إلى منصب وكيل وزارة الحقانية، ولذلك قصة نرى أنها تستحق أن نسردها. إذ يروي المستشار أحمد عرفان باشا أن الشيخ محمد عبده هو الذي قدم له أحمد فتحي زغلول ووصفه بأنه ذا علم غزير، فضلاً عن إجادته للغة الفرنسية وإتقانه لقواعد اللغة العربية. وبعد وفاة الشيخ محمد عبده بعشرين يوماً، أرد شقيقه أن يزور اللورد كرومر ليشكره على حسن مواساته لأسرة الفقيد في مصابها. ولما كان يجهل التخاطب بإحدى اللغات الأجنبية فقد أراد أن يرافقه في الزيارة الزعيم الوطني سعد زغلول، لكن الأخير أشار عليه بأن يصطحب معه شقيقه أحمد فتحي بدلاً منه، فذهب إليه وكاشفه بالغاية من زيارته فرضي أن يرافقه في اليوم الذي ستحدد له فيه ساعة المقابلة
وفي الموعد المضروب توجه شقيق الشيخ محمد عبده ومعه أحمد فتحي إلى دار المندوب السامي البريطاني، فاستقبلهما السكرتير الشرقي وقادهما إلى القاعة التي كان اللورد كرومر ينتظرهما فيها. كرر المضيف عزاءه لشقيق الإمام، وتولي أحمد فتحي مهمة الترجمة بين الاثنين. ويبدو أن اللورد كرومر أعجب بفصاحته ولباقته فأخذ يحادثه في موضوعاتٍ شتى. سأله المندوب السامي البريطاني عن منصبه الذي كان يتقلده آنذاك، فأجاب أحمد فتحي زغلول بأنه رئيس محكمة
وفي اليوم التالي، أرسل اللورد كرومر يدعو المستشار القضائي إلى مقابلته فخف إلى داره، ولما دخل عليه في مكتبه ابتدره بالقول: "هل تعرف أحمد فتحي زغلول بك؟" فأجاب: "أعرفه"، فقال اللورد كرومر: "إني أريد أن يُعين في الحال وكيلاً لنظارة الحقانية"، فقال المستشار بعد ترددٍ قصير: "ولكن للحقانية وكيلاً في الوقت الحاضر".. فقال له كرومر: "تستغنون عن الوكيل الحالي ويُعين أحمد فتحي زغلول بك محله"
[28]
وهكذا كان
وحين أقام بعض الموظفين حفل تكريمٍ لأحمد فتحي زغلول في فندق "شبرد" بمناسبة توليه منصب وكيل وزارة الحقانية، طلبوا من أحمد شوقي الاشتراك في الحفل بقصيدة، فأرسل إليهم ما أرادوا في مظروفٍ.. وفتحته لجنة الاحتفال في الموعد المحدد، فوجدت به أبياتاً تقول

إذا ما جمعتم أمركم وهممتموا .. بتقديم شيءٍ للوكيل ثمين
خذوا حبال مشنوقٍ بغير جريرةٍ .. وسروال مجلودٍ، وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه، فحسبُه .. من الشعر حكمٌ خطه بيمين
ولا تقرأوه في "شبرد" بل اقرأوا .. على ملأٍ في دنشواي حزين
[29]

وكانت لطمةً قويةً.. وأنقذ أحمد فتحي زغلول نفسه، فغادر الدنيا بعدها بسنواتٍ قلائل، إذ مات في عام 1914 وهو وكيلٌ لوزارة العدل

الهوامش


[1] د. خالد عزب وصفاء خليفة، "المصري اليوم" تفتح ملف اغتيال بطرس باشا غالي في الذكرى المئوية الأولى (1)، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 22 فبراير 2010
[2] د. محمد حسين هيكل، تراجم مصرية وغربية، دار المعارف، القاهرة، 1980، ص 116- 117
[3] المرجع السابق
[4] د. خالد عزب وصفاء خليفة، "المصري اليوم" تفتح ملف اغتيال بطرس باشا غالي في الذكرى المئوية الأولى (1)، مرجع سابق
[5] جريدة "المؤيد" – الملحق الثاني، القاهرة، 20 فبراير 1910
[6] د. خالد عزب وصفاء خليفة، "المصري اليوم" تفتح ملف اغتيال بطرس باشا غالي في الذكرى المئوية الأولى (2)، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 24 فبراير 2010
[7] جريدة "الجريدة"، القاهرة، 21 فبراير 1910
[8] د. خالد عزب وصفاء خليفة، "المصري اليوم" تفتح ملف اغتيال بطرس باشا غالي في الذكرى المئوية الأولى (2)، مرجع سابق
[9] د. طلعت إسماعيل رمضان، الإدارة المصرية في فترة السيطرة البريطانية 1882- 1922، دار المعارف، القاهرة، 1983
[10] المرجع السابق
[11] جريدة "الإيجيبسيان"، القاهرة، 8 يناير 1911
[12] د. خالد عزب وصفاء خليفة، "المصري اليوم" تفتح ملف اغتيال بطرس باشا غالي في الذكرى المئوية الأولى (2)، مرجع سابق
[13] المرجع السابق
[14] د. محمد عبد الرحمن برج، دراسة في الحركة الوطنية المصرية.. وزارة بطرس غالي (1908- 1910)، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1980
[15] عبد الحميد يونس، حكايات قضائية، سلسلة "كتاب اليوم"، عدد يوليو 1994، دار "أخبار اليوم"، القاهرة، 1994، ص 37- 39
[16] د. خالد عزب وصفاء خليفة، "المصري اليوم" تفتح ملف اغتيال بطرس باشا غالي في الذكرى المئوية الأولى (2)، مرجع سابق
[17] سعد زغلول، مذكرات سعد زغلول (تحقيق د. عبد العظيم رمضان) ج 3، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990، ص 354[18] عبد الحميد يونس، تاريخنا الجنائي في الشارع السياسي، مرجع سابق، 57
[19] د. خالد عزب وصفاء خليفة، "المصري اليوم" تفتح ملف اغتيال بطرس باشا غالي في الذكرى المئوية الأولى (3)، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 7 أبريل 2010
[20] المرجع السابق
[21] محمد سيد كيلاني، الأدب القبطي قديماً وحديثاً، دار الفرجاني، القاهرة، 1962
[22] يوسف القعيد، لماذا امتنع شوقي عن رثاء بطرس غالي؟، جريدة "الدستور"، 13 أبريل 2010
[23] محمد سيد كيلاني، مرجع سابق
[24] المرجع السابق
[25] سعد زغلول، مرجع سابق، ص 357
[26] المرجع السابق، ص 361
[27] إبراهيم الخضري، جلادون مصريون في المذبحة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 19 يونيو 2009
[28] ­­­­­­­­­­­كيف عُين أحمد فتحي زغلول باشا وكيلاً للحقانية؟، مجلة "كل شيء والعالم"، القاهرة، 31 ديسمبر 1928، ص 4
[29] أحمد شوقي، مرجع سابق
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator