المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

أبو غزالة.. من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (3): ذهب مع الصاروخ




كان أبو غزالة شريكاً في السلطة

وبدا مألوفاً أن يستقبل رؤساء وسفراء أجانب ويدير جانباً من السياسة المصرية في أهم الملفات الإقليمية وقتها، ويصرح لوسائل الإعلام حول الموقف من مختلف القضايا العسكرية وغير العسكرية، ويسافر إلى الخارج لعقد مباحثات ومفاوضات مع دول العالم باسم مصر

وأشرف أبو غزالة على التصنيع الحربي. وبالإضافة إلى المصانع الحربية والهيئة العربية للتصنيع فقد وقف وراء إنشاء مصانع وزارة الدفاع، ومنها مصنع 200 الخاص بتجميع الدبابة إبرامز أ1، ومصنع 99 المتقدم. ومع اندلاع المقاومة الأفغانية للغزو السوفيتي، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية، ازدهر الإنتاج الحربي لمصر في عهد أبو غزالة لتتعدى صادرات مصر العسكرية بليون دولار عام 1984

والشيء المؤكد أن هذه المشروعات المختلفة والخدمات المتنوعة للعسكريين والمدنيين على حد سواء زادت من رصيد وشعبية المشير أبو غزالة، الذي اعتمد على جاذبيته الشخصية وحضوره الطاغي إلى جانب دهائه السياسي في زيادة مساحة هذه الشعبية داخلياً، وتعزيز شبكة السلطة الأبوية التي أقامها في مواقع مختلفة من الحياة المدنية والعسكرية
وأبو غزالة كان أقوى المرشحين لمنصب نائب الرئيس

وقد سُئِلَ منذ سنواتٍ طويلة عن ذلك، فقال: "إن من الصعب شغل هذا المنصب الشاغر إلا بعد عمرٍ طويل". ومرت سنوات أخرى على هذه الإجابة، من دون أن يٌعيَن نائباً للرئيس. على أن إجابة المشير كانت توحي بالثقة في أن هذا المنصب لن يكون من نصيب أي شخص غيره، ولو بعد حين

لكن هذه الثقة دخلت غرفة الإنعاش بمجرد أن ترك أبو غزالة وزارة الدفاع، ثم تبخرت تماماً بعد خروجه من منصب مساعد رئيس الجمهورية

وسبقت ذلك الخروج مؤشراتٌ ظلت كالبخار المكتوم، عن خلافاتٍ بين الرئيس والمشير، جعلت مبارك يتخلى تدريجياً عن حذره الريفي ويضيق ذرعاً بصديقه القديم

مصور الرؤساء فاروق إبراهيم عمل مع الرئيس مبارك لفترة قصيرة كمصور خاص للرئاسة عقب منع مصوري الصحف من الاقتراب من الرئيس. وكما يقول فاروق إبراهيم، فقد منع مصورو الصحف بعد نشر جريدة "الأهرام" صورة للرئيس مبارك مع المشير أبو غزالة يبدو منها أن هناك تشاحناً بينهما، وأثارت الصورة وقتها ضجة كبيرة

والمؤكد أن الرئيس مبارك نفى حينها أي أصل لقصة الصراع بينه وبين أبو غزالة، كما فعل في حوار مع مجلة "الصياد" اللبنانية عام 1986 حين قال: "هذا كلام فارغ.. وأنا أسمعه.. من قال إنني لا أسمع به.. أسمعه وأضحك.. مصر دولة لها مؤسساتها.. أنا الذي أصدر الأمر للجيش، وفي الخارج يقولون خلافات، طبعاً يزيدون في الخلافات ويقولون إنها عميقة بين الرئيس ووزير دفاعه المشير.. لكن الكلام ده كله ماباكلش منه حتي لو كتبوا كل يوم عشر صفحات"، أو كما قال قبلها في حوار مع "التضامن" اللندنية عام 1983 : "المشير أبو غزالة هو أحد أبطال حرب أكتوبر وهو وزير الدفاع وليس عليه أي غبار". ويمكنك توقع حقيقة ما آلت إليه العلاقة بين الرجلين فعلاً عندما تقرأ في الحوار نفسه أن الرئيس "متشدد في التعامل مع أولاده لحساب الموقع العام الذي يشغله.. إلى الحد الذي لا يعرف فيه أحد حتى أسماءهم"، وهو ما فسره مبارك بـ"أننا أسرة محافظة لا نحب الدعاية"


طبعاً، الأيام دارت، ليعرف المصريون جيداً اسم نجلي مبارك: علاء وجمال

نعود إلى أبو غزالة، لنتساءل: كيف خرج الرجل القوي من منصبه المؤثر بهدوء ودون ضجيج، بعد أن ذهب محللون بعيداً، ظناً منهم أن المشير في طريقه إلى درجةٍ وربما درجات أعلى، وليس إلى التقهقر والتراجع والانزواء عن الأضواء، بعد سنواتٍ من المجد والشعبية الكبيرة

الأجدر بنا أن نتابع سرد الأحداث وفق تسلسلها التدريجي لتوضيح أبعاد هذا التطور المفاجىء الذي أوقف قطار نجومية المشير عند محطة وزير الدفاع

يمكن القول أن أبو غزالة كان أقوى شخصية في مصر حتى 16 إبريل نيسان 1989 عندما قرر الرئيس حسني مبارك إعفاءه من منصبه، وتعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية، وهو القرار الذي أسال الكثير من الحبر. ولكن أبو غزالة اعتصم بالصمت، بالرغم من أن العديد من المراقبين رأوا أن الرئيس مبارك أصبح يخشى على نفسه من شعبية أبو غزالة المتعاظمة داخل القوات المسلحة، وأيضاً في الشارع المصري، وخاصة بعد أحداث قوات الأمن المركزي، ومهاجمتهم منشآت وكازينوهات شارع الهرم في فبراير شباط 1986، ما استدعى تدخل القوات المسلحة للسيطرة على الموقف
غير أن هناك من يرى أن سبب إقالة أبو غزالة هو تمرده على الولايات المتحدة

إذ إن أبو غزالة سعى إلى تطوير برنامج الصواريخ المصري، ولم يتورع منذ 15 فبراير شباط 1984 عن الدخول في برنامج تطوير صاروخ "بدر 2000" أو "كوندور 2" البعيد المدى بالتعاون مع العراق والأرجنتين

وتحدثت تقارير صحفية غربية حينها عن صلةٍ ما لأبو غزالة بمحاولات الحصول على تكنولوجيا الصواريخ الأميركية بطريقةٍ تخالف قوانين حظر التصدير الأميركية، وخصوصاً بعد إلقاء القبض على عالم الصواريخ عبد القادر حلمي عام 1988
ففي 24 يونيو حزيران 1988، اعتقلت أجهزة الأمن المعنية في كاليفورنيا عالم الصواريخ الأمريكي المصري عبد القادر حلمي بتهمة تجنيده من قِبل المشير عبد الحليم أبو غزالة للحصول على مواد محظورة لبرنامج الصاروخ المصري"بدر 2000" المعروف في العراق باسم "سعد 16" وفي الأرجنتين باسم "كوندور 2"

وعبد القادر حلمي المولود في قرية الأشمونين في ملوي بمحافظة المنيا في 10 فبراير شباط 1948، كان ضمن العشرة الأوائل في الثانوية العامة في مصر. التحق بالكلية الفنية العسكرية وتخصص في دراسة الهندسة النووية والكيميائية وتخرج عام 1970 وانخرط في خدمة القوات المسلحة المصرية. حصل على الماجستير في الهندسة الكيميائية بامتياز وسافر بعدها للحصول على الدكتوراه في الهندسة الكيميائية في تخصص دقيق (مكونات الصواريخ). وبالفعل نال الدكتوراه بامتياز وكان لبحوثه بالغ الأثر في تطوير أداء وقدرة الصواريخ المصرية في حرب أكتوبر 1973
استقال عبد القادر حلمي من خدمة القوات المسلحة عام 1975 وعمل في الهيئة العربية للتصنيع لمدة ثلاث سنوات سافر بعدها إلى كندا ليعمل في مجال التصنيع الحربي

وبعد ستة شهور سافر إلى الولايات المتحدة وتدرج في المناصب هناك، حتى أصبح مهندس صواريخ يحمل تصريحاً أمنياً رفيع المستوى من وزارة الدفاع الأمريكية بدخول مواقع ومنشآت عسكرية



اتُهِمَ حلمي بالعمل على تصدير مواد صواريخ أمريكية محظورة إلى مصر، وحوكِمَ بتهمة تحميل غير قانوني لشحنة
ألياف كربونية " كربون كربون" - التي تستخدم في صناعة مقدمة الصواريخ وتلعب دوراً في تقليل البصمة الرادارية للصاروخ وأيضاً زيادة دقته في إصابة هدفه- على متن طائرة نقل عسكرية متجهة إلى القاهرة

دعونا نقرأ تفاصيل تقرير – ننشره لأول مرةٍ مترجماً إلى اللغة العربية- لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية صدر في العاصمة الأمريكية واشنطن في 19 سبتمبر أيلول 1988، ووصل إلى المدعي الأمريكي في منطقة شرق كاليفورنيا، كما نوقش أثناء محاكمة حلمي

"إن وزارة الدفاع المصرية، بالتعاون مع ممولين من العراق، تعاقدت مع الأرجنتين لإنتاج صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس حربية وزنها 500 كيلوغرام ويصل مداها إلى 1000 كيلومتر. وهذا الصاروخ يشار إليه عادة على أنه الصاروخ "كوندور". ويستوفي الصاروخ كوندور الحد الأدنى من المعايير المنصوص عليها في الفئة 1 من نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ (MTCR)

"ويخضع برنامج كوندور لرصدٍ دقيق من جانب الدول السبع الأعضاء في نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ المتحدة (الولايات المتحدة، جمهورية ألمانيا الاتحادية، فرنسا، كندا ، بريطانيا العظمى، إيطاليا واليابان) وهي المسؤولة عن مراقبة أنشطة انتشار الصواريخ في جميع أنحاء العالم. وهذا الصاروخ تحديداً، من شأنه أن يمثل تحسناً كبيراً في الوقت الراهن للقدرات الصاروخية المتوقعة لمصر. وترى وكالة الاستخبارات الدفاعية أن حلمي كان يشتري هذه المواد للصاروخ كوندور"

التقرير الذي أعده مايكل هيغنز محلل استخبارات الأمن التكنولوجي، كان واضحاً في تفسير ما جرى

"برنامج الصاروخ كوندور قائم منذ عام 1984 على الأقل. وقد كان التقدم بطيئاً ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم وجود التكنولوجيا الأصلية، والحاجة إلى الحصول خفيةً على التكنولوجيا والمواد التي تستخدم في إنتاج الصواريخ الباليستية في الخارج. وتتفق أنشطه الدكتور حلمي مع الأنشطة المرصودة، التي ترعاها مصر والعراق، لتسهيل إنتاج الصاروخ كوندور. ومن دون أنشطة الدكتور حلمي والمتآمرين معه في شراء التكنولوجيا المحظورة، فإن استكمال برنامج الصاروخ كوندور أمرٌ مشكوك فيه. إن الاستعداد الواضح للدكتور حلمي لتوفير موادَ خطيرةٍ لازمةٍ لإنتاج الصاروخ كوندور كان من المهم للأهداف المرسومة على المدى الطويل لإنتاج قدرات صاروخية أصلية بعيدة المدى في الأرجنتين ومصر والعراق

"إن وكالة الاستخبارات الدفاعية تعتقد أن إدخال صواريخ باليستية، قادرة على حمل رؤوس تقليدية أو كيميائية أو رؤوس حربية نووية، سواء إلى مصر أو العراق، من شأنه ان يزيد من حدة التوترات الإقليمية ويضيف مزيدا من الوقود إلى سباق التسلح الإقليمي. إن إسرائيل وإيران، اللتين ُنظر إليهما كخصمين لمصر والعراق، سوف تستجيبان بالتأكيد لامتلاك هذه التقنيات بتصعيد في المواقف، من خلال دراسة توجيه ضربات استباقية، والبدء أو التعجيل في برامج الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، أو امتلاك عددٍ مساوٍ أو أكبر من الصواريخ الباليستية. إن عدم الاستقرار الإقليمي الذي كان يمكن أن تتسبب فيه أنشطة د. حلمي، كان سيضر المصالح الأمريكية وجهود السلام في المنطقة"

وبعد ذلك بعام، اعترف حلمي بأنه مذنبٌ في تهمة واحدة هي التصدير غير القانوني لنحو 420 رطلاً من الألياف الكربونية. تمسكت الحكومة المصرية بالحصانة الدبلوماسية لحلمي، إلا أن القضاء الأمريكي حـكم عليه في يونيو حزيران 1989 بالسجن لمدة 46 شهراً وبغرامة قدرها 350,000 دولار. كما صودر من حساباته معظم المليون دولار التي قال الإدعاء إنها كانت دفعات أرسلت له من ضباط الاستخبارات المصرية عن طريق بنوك سويسرية. جيمس هوفمان، زميل حلمي الذي ساعد على التصدير، حـُكِمَ عليه بالسجن 41 شهراً وبغرامة 7,500 دولار
القاضي الذي حكم في القضية في كاليفورنيا، وصف مخطط حلمي للحصول على مواد حساسة لصناعة الصواريخ الأمريكية بأنه "مؤامرة كبيرة ومعقدة ومتداخلة" طورتها مصر بدعم مالي من العراق
أثارت هذه الخطوة حفيظة الدوائر الغربية وقلقها، رغم أن المشارك فيها نيابة عن مصر يُوصف بأنه أوثق حلفاء الولايات المتحدة في بلاده. وبدأت بعض الصحف الأميركية في أكتوبر تشرين أول 1988 حملة على أبو غزالة عكست قلق الإدارة الأميركية من طموحاته التسليحية. يُذكر أنه في 11 يوليو تموز 1988، ألغت وزارة الدفاع المصرية رسمياً تعاقدها مع شركة IFAT – المتخصصة في التكنولوجيا العسكرية، ومقرها زوغ في سويسرا- ثم انسحبت في فترة ما بين عامي 1989 و1990 من مشروع التعاون مع العراق والأرجنتين في مجال تكنولوجيا الصواريخ، وهو ما سجلته تقارير ومجلات عسكرية متخصصة، ومنها على سبيل المثال

"Egypt 'Has Pulled Out of Condor Program'," Jane's Defense Weekly, 30 September 1989, p. 630
Ottaway, David B. "Egypt Drops Out of Missile Project; State Department Official Offers No Details on Iraqi Program." Washington Post, September 20, 1989, p. A32
المفاجأة أن الرئيس مبارك لم يكن يعرف شيئاً عن تفاصيل هذه العملية التي بسببها انقلبت الولايات المتحدة على أبو غزالة بشكل كامل


وعندما كان مبارك يزور واشنطن في عام 1989 اصطحبه الرئيس بوش الأب إلى حديقة البيت الأبيض وأخذا يمشيان، ثم سأله فجأة: ما هي أخبار عبد الحليم أبو غزالة؟ فرد الرئيس مبارك مندهشاً: إنه رجلكم. فرد بوش قائلاً: كلا، إنه ليس رجلنا، ومن الأفضل أن يترك منصبه في أسرع وقت (محمد الباز،
المشير - قصة صعود وانهيار أبو غزالة، ط 2، كنوز للنشر والتوزيع،2007)


لم تكن مقابلة الرئيس مبارك لبوش الأب وطلبه منه أن يعزل أبو غزالة هي دافع مبارك الوحيد، ففي الملف كانت هناك أوراق كثيرة.. فبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، التقى مبارك الرئيس العراقي صدام حسين، الذي شكر الرئيس المصري على جهوده وعلى ما قام به أبو غزالة.. وبدأ صدام حسين في سرد قصة تطوير الصواريخ على مسامع الرئيس مبارك الذي لم يكن يعرف عنها أي شيء. ويبدو أن صدام أدرك أن الرئيس مبارك يسمع الكلام لأول مرة.. فلم يُخفِ اندهاشه، وقال لمبارك: سيادة الرئيس، اسمح لي، أنت رئيس الجمهورية أم عبد الحليم أبو غزالة؟!.. لم يعلق الرئيس مبارك على ما قاله صدام، وأضمر الأمر في نفسه


إلا أن هناك من رأى أن السبب المباشر لإقصاء أبو غزالة عن منصبه يعود- كما ذكر الكاتب الصحفي عادل حمودة- إلى أنه كان يتصرف في أراضي الدولة في الغردقة من دون استشارة أحد، فضلاً عن أنه تكاسل عن السفر مع الرئيس مبارك في ذلك الوقت إلى عمان، فكان أن سافر معه محافظ القاهرة يوسف صبري أبو طالب. وعندما عاد مبارك إلى القاهرة، عينَ أبو طالب وزيراً للدفاع بعد ترقيته إلى رتبة فريق أول، وعينَ أبو غزالة مساعداً لرئيس الجمهورية

وبينما كان المشير خارجاً من بيته في أحد أيام ربيع 1989 وكان مرتدياً زيه العسكري متجها إلى وزارة الدفاع، طلبه اللواء جمال عبد العزيز سكرتير الرئيس، وقال له: سيادة الرئيس عاوز حضرتك النهارده، بس يا ريت تكون بالملابس المدنية. سأله المشير: تعرف ليه يا جمال؟..فرد عليه قائلاً: خير يا أفندم إن شاء الله.. فرد ضاحكاً: لكن لابد من حكاية الملابس المدنية دي.. فقال له جمال عبد العزيز: الأوامر كده يا أفندم

عاد أبو غزالة إلى بيته وارتدى الزي المدني واتجه إلى القصر الجمهوري، حيث قابلوه هناك وأدخلوه غرفة وأغلقوا عليه الباب. وفي الساعة الثانية إلا ربعاً فتح الباب.. وبعد نحو عشر دقائق مر الرئيس مبارك وكأنه فوجئ بوجود أبو غزالة في القصر الجمهوري.. فقال له: الله.. أنت هنا يا محمد، فرد المشير، أيوه يا أفندم حضرتك اللي طلبتني.. فقال له: آه.. أنا عايزك تحلف اليمين علشان عينتك مساعد لي

وبعد أن حلف المشير أبو غزالة اليمين، أعطاه الرئيس مبارك مظروفاً مغلقاً، وقال له: أعطه للرئيس صدام حسين.. فقد أراد مبارك أن يرد بشكل عملي على سؤال صدام عن الرئيس في مصر، هل هو مبارك أم عبدالحليم أبو غزالة!

ولم تنشر الصحف اليومية في مصر سوى خبرٍ مقتضب من بضعة أسطر عن خبر تعيين أبو غزالة مساعداً للرئيس، في حين حار كثيرون في تفسير هذه الخطوة، وأثيرت تساؤلاتٌ عن معنى وقيمة منصب أبو غزالة الجديد

إلا أن الإعلام الغربي كان واضحاً في تفسير أسباب إبعاد أبو غزالة عن وزارة الدفاع، حتى إن الصحفي آلان كاول كتب في صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 18 إبريل نيسان 1989 مقالاً بعنوان "إطاحة المساعد في القاهرة مرتبطة بجهود الحصول على أجزاء صاروخية في الولايات المتحدة"

Cowell, Alan. "Cairo Aide's Ouster Tied to Effort to Get Missile Parts in U.S.," New York Times, April 18, 1989, p. A8.
وقد بحث البروتوكول عن قسمٍ لمساعد الرئيس ليؤديه أبو غزالة فلم يجدوا لهذا المنصب قَسَماً، لأنه ليس منصباً مؤثراً وأقرب إلى الوظائف الشرفية – ونضيف إلى ذلك أنه لم يحدث في تاريخ مصر المعاصر سوى مراتٍ قلائل، مثلما حدث مع ممدوح سالم وسيد مرعي – فكان أن دبروا له قسماً ليقوله أبو غزالة وسط ذهول الجميع، ممن لم يصدقوا أن إزاحته يمكن أن تكون بمثل هذه السهولة

وقد نسي هؤلاء أن الرئيس في مصر يستطيع أن يفاجىء الجميع، حتى وإن كانوا من ذوي القوة والنفوذ. لقد حسم الرئيس الراحل أنور السادات معركته على السلطة وتخلص من خصومه بضربةٍ واحدة في مايو أيار 1971، مع أنهم كانوا يسيطرون على الجيش والإعلام والمخابرات والداخلية والرئاسة والتنظيم السياسي


لكن هذا المثال الصارخ غاب عن ذهن الجميع وهم يجدون مبارك يخرج وزير دفاعه القوي من محيط نفوذه بالضربة الفنية القاضية، ليحل مكانه ضابطٌ متقاعد ترك الخدمة منذ 12 عاماً. وكان أن وُصِفَ هذا القرار بأنه أخطر قرارات الرئيس مبارك، الذي أثبت -على حد تعليق إحدى الصحف العربية- أنه اللاعب الأول والأخير في مجرى السياسة المصرية


منح الرئيس مبارك قلادة الجمهورية للمشير أبو غزالة وسلمها له في أكتوبر تشرين أول 1991، واختفى اسم أبو غزالة تماماً عن الساحة، إلى حين

ثم ظهرت لوسي آرتين
تابع القراءة

gravatar

أبو غزالة.. من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (2): لا يوجد الآن غيرك


كان المشير أبو غزالة وزيراً للدفاع عندما اغتيل الرئيس أنور السادات في 6 أكتوبر تشرين أول 1981. وفي حادث المنصة، كان أبو غزالة يجلس على يسار السادات، وتبادل معه – في الدقائق التي سبقت الاغتيال- التعليقات حول شحنات الأسلحة الأمريكية الجديدة ومواعيد وصولها، وعن احتفالات الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من سيناء في 25 إبريل نيسان 1982، والترقيات الاستثنائية التي سيحظى بها بعض كبار الضباط بهذه المناسبة

وعندما بدأ تنفيذ خطة الاغتيال، انتبه أبو غزالة وأحس أن ثمة شيئاً غير طبيعي يحدث، عندما رأى الرشاش في يد الملازم أول خالد الإسلامبولي، واكتشف أنه عاري الرأس ولا يضع "البيريه" كالمعتاد
أشاح خالد الإسلامبولي لأبو غزالة بيده، قائلاً: "ابعد"، قبل أن يمطر هو وزملاؤه المنصة بسيل من الرصاص الذي أودى بحياة الرئيس المصري أنور السادات وعدد من الحضور، فضلاً عن إصابة 28 شخصية أخرى في حادث المنصة، بينهم أبو غزالة الذي كانت إصابته سطحية، على عكس "الكاب" العسكري الخاص به، والذي أصيب بشظايا متطايرة من مقذوف رصاصات كانت قد تناثرت نتيجة ارتطامها بسور المنصة


أصيب "الكاب" بطلقٍ ناري نافذ بالرفرف خارج منطقة استدارة الرأس. روى تفاصيل ذلك عادل حمودة في كتابه "اغتيال رئيس"، الصحفيان الإسرائيليان عوديد غرانوت وجاك راينيش في كتابهما "يوم قتل الرئيس" (1984)، في حين نشرت جريدة "الأهرام" على صفحتها الأخيرة بعد أيام من الاغتيال صورة "كاب" المشير الذي أصيب بالرصاص ليفلت صاحبه من الموت


بعد اغتيال السادات، تزعم رئيس الوزراء المصري د. فؤاد محيي الدين حملة لتنصيب نائب الرئيس حسني مبارك في منصب رئيس الجمهورية. وكانت وجهة نظر رئيس مجلس الشعب د. صوفي أبو طالب - الذي تولى بموجب الدستور رئاسة الجمهورية مؤقتاً- وبعض الأطراف الأخرى المؤثرة في السلطة هو المفاضلة بين النائب حسني مبارك وأبو غزالة، ورأى البعض أن ذلك أمر يخص المؤسسة العسكرية ولذلك يجب أن تجتمع رموزها وتختار مَن تريد مِن الاثنين


أدرك فؤاد محيي الدين أن كفة محمد عبد الحليم أبو غزالة من الممكن أن تكون هي الراجحة.. لذلك لجأ إلى حيلة حيث تحدث مع أبو غزالة أمام الذين يعرف أنهم يميلون إلى ترشيحه، وقال له: سيادة الوزير، الرأي اجتمع على اختيار النائب حسني مبارك رئيساً للجمهورية، ويسعدنا سماع وجهة نظرك.. فرد عبد الحليم أبو غزالة: "ودي فيها وجهة نظر.. طبعاً الأخ حسني مناسب جداً ليكون رئيساً للجمهورية"

وفي قولٍ آخر، سأله فؤاد محيي الدين:"يا أفندم لا يوجد الآن غيرك أنت والأخ مبارك!" ليجيب أبو غزالة- بدافع الإحراج على ما يبدو، قائلاً: الأخ مبارك"

وحتى اليوم، يرى كُتابٌ وباحثون أن أبو غزالة كان ببساطة: قَدَرُ مصر ..الذي لم يأتِ




والشاهد أن المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة تولى وزارة الدفاع، وقيادة القوات المسلحة في وقت عصيب في تاريخ مصر، وخاصة بعد اغتيال الرئيس السادات. وكان الجميع يعلم أن أبو غزالة هو رجل أمريكا في القوات المسلحة المصرية، حيث سبق له أن عمل ملحقاً عسكرياً في سفارة مصر بواشنطن، قبل أن يعين وزيراً للدفاع. وكان الرئيس السادات يعتمد عليه في إعادة تسليح الجيش المصري بالأسلحة الأمريكية، وتحديث القوات المسلحة لتستغني عن السلاح السوفيتي
على أن حادث الاغتيال لفت انتباه البعض إلى أمر آخر
إذ نشر الكاتب د. روبرت سبرنغبورغ عام 1987 دراسة مهمة على امتداد 12 صفحة في مجلة "ميدل ايست ريبورت" كان عنوانها "الرئيس والمشير.. العلاقات المدنية العسكرية في مصر اليوم"
Robert Springborg, The President and the Field Marshal: Civil-Military Relations in Egypt Today, MERIP Middle East Report, No. 147, Egypt's Critical Moment (Jul. - Aug., 1987), pp. 4-11+14-16+42 (article consists of 12 pages)

وضع سبرنغبورغ يده على أوجه التشابه والاختلاف بين مبارك وأبو غزالة في مقاله المذكور وأيضاً في كتاب صدر في الولايات المتحدة عام 1989 تحت عنوان: "مصر مبارك وتكسير النظام السياسي"
Springborg, Robert. Mubarak's Egypt: Fragmentation of the Political Order. Boulder: Westview Press 1989


كان من المتفق تماماً مع الخلفية العسكرية لمبارك، أن يسعى ضمن ما كان يسعى إليه في أعقاب توليه السلطة في مصر، إلى استعادة ما فقده الجيش من تقديرٍ لدوره بالإضافة إلى بعض النفوذ السياسي
وكان أبو غزالة المرشح النموذجي ليصبح رجل مبارك.. حيث أكد الفارق بينهما في السن -عامان فقط- والرتبة سلطة مبارك، ولم يحدث أن كان أبو غزالة ومبارك متنافسين في القوات المسلحة، حيث كان أبو غزالة متخصصاً فى المدفعية في حين كان مبارك طياراً حربياً، وقد تلقى كل منهما تدريباً في الاتحاد السوفيتي، انتهيا
منه في توقيت متقارب عام 1961

ويقول سبرنغبورغ: "منذ 1979، حين كان أبو غزالة ملحقاً عسكرياً في واشنطن، ومبارك نائباً للرئيس، عمل الاثنان معاً في تطوير برنامج المعونة العسكرية مع الولايات المتحدة"

اختلفت القناعات السياسية والسلوك السياسي لكل من مبارك وأبو غزالة في الشكل والمضمون
إذ يقول سبرنغبورغ: "وبالرغم من أن مبارك وأبو غزالة يمتلك كل منهما صفات شخصية متميزة، ويشتركان في الخبرات، الأمر الذي سهل قيام هذه العلاقة السياسية الحميمة، فإنه في الواقع، كان الرجلان مختلفين اختلافاً كبيراً. فأبو غزالة شخصية ذات منطق واضح، قوية وطموح. كما أن مقابلاته غير المسجلة مع الصحفيين الأمريكيين، تعطي المشاهد انطباعاً بقدرته على مواجهة المسائل مباشرة وبشكل محدد - بعكس مبارك - الذي يعطي انطباعاً بأنه حمل عناء الرئاسة كرهاً، وقرر - بصرف النظر عن الواجب - أداء الوظيفة بأفضل ما يمكنه. ويعطي أبو غزالة انطباعاً بأنه يتطلع إلى السلطة، ويريد تنفيذ برنامجه، ويتمتع أبو غزالة بجاذبيةٍ شخصية مختلفة عن الشخصية التي يوحي بها المظهر لمبارك. وإثر اغتيال السادات مباشرة، وقف أبو غزالة منتصباً، مشيراً بعصا المارشالية إلى القاتل الفار، مصدراً الأوامر بمطاردته، بينما لم يفعل مبارك ذلك. سعى مبارك - الذي يتمتع بمزاج إداري- إلى دمج اتجاهات عدة في السياسة المصرية، وإعادة بعض التوازن إلى العلاقات المصرية الخارجية، فيما يعد أبو غزالة محافظاً صريحاً، شديد العداء للشيوعية، وبالمقابل موالياً للولايات المتحدة، وقد أكد أن أمن مصر لا ينفصل عن أمن الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي. وبعكس تفضيل مبارك الواضح للعلمانية، فقد اكتسب أبو غزالة صورة التدين، وهو يتمتع بالشعبية داخل العديد من الدوائر الدينية، وترتدي زوجته وحدها تقريباً بين زوجات الوزراء الحجاب الإسلامي في المناسبات العامة"



الطريف أن الباحث الأميركي يشير إلى قضية كرة القدم والتفاؤل، وتأثيرهما على شعبية الرجلين، فقد "كان أبو غزالة يتمتع بحسن الطالع، إذ
كان يتناوب مع الرئيس في حضور مباريات كرة القدم المهمة، وتصادف أن فاز منتخب مصر لكرة القدم في عددٍ من المباريات المهمة التي كان المشير يتقدم فيها الحضور، ما زاد من شعبيته. وقد استمر هذا الارتباط حتى أصبح في عام 1986 نكتة شائعة. وفي صيف تلك السنة فاز الفريق المصري بمعجزة بكأس إفريقيا بينما كان مبارك يشجعه، وأطلق على الكأس فوراً لقب كأس مبارك"
وبالرغم من أنّه كان حريصاً على عدم الظهور في موقع المنافس السياسي لمبارك وكذلك التقليل من صلاحياته، فإن المراقبين كانوا ينظرون إلى أبو غزالة على أنّه الخليفة الطبيعي للرئيس مبارك

وبينما انصرف الرئيس مبارك بعد توليه الرئاسة لتوطيد دعائم النظام والحفاظ على الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل بعد تلك النقطة الفاصلة، تفرغ الرجل الأول في المؤسسة العسكرية لتحديثها وربط خططها التدريبية والتسليحية بالولايات المتحدة في إطار القطيعة مع الحليف السوفيتي السابق وحلفائه الإقليميين

كان أبو غزالة رجل أمريكا الأول في مصر



ففي عهده دخلت التدريبات العسكرية المشتركة مع القوات الأميركية إلى حيز التنفيذ الدوري، وظهرت في أجواء مصر مراراً طائرات
الفانتوم إلى جانب الميغ السوفيتية الصنع، وتزايدت أيضاً حركة انتقال الضباط المصريين لتلقي التدريب في المعاهد العسكرية الأمريكية والأوروبية

وكان يُنظر في الدوائر السياسية الأمريكية إلى المشير أبو غزالة بعين الارتياح

وساعدت واشنطن على تأكيد وضع أبو غزالة منذ يونيو حزيران 1986.. حيث لم يتم استقباله عند زيارته للولايات المتحدة بواسطة وزير الدفاع كاسبار واينبرغر وحده وإنما أيضاً وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ونائب الرئيس الأمريكي جورج بوش (الأب) وعدد من أعضاء مجلس النواب والشيوخ. كما أنه لم يبحث تخفيض فوائد الدين العسكري فحسب وإنما ناقش قضايا اقتصادية عامة.. في حين تُرِكَ لأعضاء الوفد المصري من المدنيين، وبينهم وزير التخطيط والتعاون الدولي د.كمال الجنزوري ووزير المالية صلاح حامد ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء د. عاطف عبيد، بحث المسائل الفنية بعد أن توصل أبو غزالة ومجموعة ريغان إلى اتفاق حول المبادئ العامة
وعند عودة أبو غزالة إلى مصر، كان مجلس الوزراء بأكمله في انتظار المشير على أرض المطار لتحيته


وفي نوفمبر تشرين ثانٍ من العام نفسه، عاد أبو غزالة إلى واشنطن لاستئناف المباحثات وكانت رحلة مبارك لنفس الغرض قد تم تأجيلها، إذ لم ترغب واشنطن في استقباله قبل الاتفاق على الإصلاحات الاقتصادية


وفي عهد أبو غزالة أيضاً سجل الالتزام الصارم بمعاهدة السلام مع إسرائيل، بحيث لم تجرؤ أية جهة على مساءلته عن الظروف الغامضة لموت العسكري المصري الشاب سليمان خاطر في 7 يناير كانون ثانٍ 1986 "انتحاراً" في السجن بعد شهور من قيامه بقتل سبعة إسرائيليين اجتازوا حدود مصر في سيناء في 5 أكتوبر تشرين أول

1985

وعندما تولى د. علي لطفي رئاسة الحكومة خلفاً لكمال حسن علي في سبتمبر أيلول 1985، أصبح الطريق مفتوحاً أمام أبو غزالة لاكتساب قدرٍ من الهيمنة داخل مجلس الوزراء، فأصبح اسمه يتردد على صفحات الصحف اليومية أكثر من رئيس الوزراء. وقد بدا هذا الاتجاه ملحوظاً بصورةٍ أكبر في وزارة د. عاطف صدقي، الذي اختير خلف د. علي لطفي


ومرة أخرى، أسهمت أحداث الأمن المركزي في فبراير شباط 1986، في تأكيد دور الجيش في حماية الأمن الداخلي لمصر، بعدما طلب مبارك من الجيش التدخل للسيطرة على الموقف بعد أن طالت أعمال العنف والتخريب مناطق مختلفة خصوصاً في شارع الهرم وأحياء مختلفة من العاصمة المصرية


اعتقد كثيرون أن هذه الأزمة انعكست سلباً على رصيد مبارك، ودفعت

بأبو غزالة إلى الواجهة

وازدادت الضجة الإعلامية حول المهام الجديدة الملقاة على عاتق الجيش، بدءاً من علاج المدنيين بالمستشفيات العسكرية وليس انتهاءً بتطهير الشواطىء التي تعرضت للتلوث


وفي عام 1986، أصبحت الاحتفالات بافتتاح المشروعات العسكرية الجديدة - التي تتضمن مزارع الدواجن والمدن الجديدة في الصحراء- مناسبات يطوف فيها الوزراء المختصون خلف أبو غزالة مباركين

وداخل صفوف الجيش، نجح أبو غزالة في كسب شعبيةٍ طاغية بفضل تمكنه من إقناع مجلس الوزراء برفع مرتبات الضباط، كما حقق التعاون العسكري المتزايد بين مصر والغرب مزايا إضافية للضباط، إذ جرى تدريب ما يربو على 200 من الضباط سنوياً في الولايات المتحدة. كذلك تحسنت امتيازات العسكريين وتطورت الأسلحة الحديثة التي كان الجيش يملكها آنذاك، في الوقت الذي نال فيه الضباط شققاً في مشروعات إسكانية جيدة المستوى ومدعومة مادياً، خاصةً في حي مدينة نصر، كما أصبحت الجمعيات التعاونية الاستهلاكية الخاصة بالضباط مصدراً مناسباً لتوفير مستلزمات الحياة اليومية للضباط وعائلاتهم. وتشمل القائمة أيضاً المستشفيات العسكرية بخدماتها العلاجية الراقية، ومصايف الجيش المميزة


وهكذا أمكن للمشير لأن يمد مظلة سلطته الأبوية على ضباط الجيش، في الوقت الذي شهدت شعبيته في صفوف المدنيين ارتفاعاً ملحوظاً، بفضل مشروعات الجيش في مجالات الصحة والزراعة واستصلاح الأراضي والصناعة والمواد الغذائية


لقد لمس المصري بنفسه أثناء فترة تولي أبو غزالة وزارة الدفاع حجم مساهمة القوات المسلحة في توفير الخدمات وتجديد المرافق للمواطنين، مثل تجديد خطوط السكة الحديد، وإخلاء التكدس بالموانىء، وإنشاء شبكات التليفون، والمساهمة في حل مشكلات إنتاج الخبز وشق الطرق وإقامة الكباري العلوية وحفر الآبار في الصحراء

ثم إن القوات المسلحة أصبحت أثناء تلك الفترة أهم مصدر لإعداد وتدريب العمالة الماهرة والكوادر الفنية في جميع التخصصات

شاركت القوات المسلحة في عدد من المشروعات الإسكانية للمواطنين والنقابات، مثل مدينة التجاريين، المقطم، ومدينة العمال في أبو زعبل ومساكن العاملين، ومنشآت جامعية في مدينة نصر، وأبراج القضاء في الإسكندرية


يضاف إلى ذلك أن القوات المسلحة أيام كان المشير أبو غزالة وزيراً للدفاع، أسهمت في العديد من الخدمات والمشروعات الأخرى. ومن ذلك ما ذكره أنيس منصور في عموده اليومي "مواقف" في جريدة "الأهرام" في 21 سبتمبر أيلول 1986، عندما وجه الشكر إلى المشير أبو غزالة "الذي أسعف المواطنين بمئة ألف زجاجة قطرة من إنتاج القوات المسلحة ولاستعمالها الخاص. وقد عودتنا القوات المسلحة أن تهب لإنقاذنا في الأزمات"


ورصد كثيرون صعود هذا "النجم الساطع" - نسبة إلى المناورات العسكرية المشتركة بين مصر والولايات المتحدة التي بدأت في مطلع
الثمانينيات- لدرجة أن د. سعيد إسماعيل علي كتب في جريدة "الأهالي" في 8 أكتوبر تشرين أول 1986 مقالاً نبَه فيه إلى الظاهرة، وناقش دور المشير على رأس المؤسسة العسكرية وقيادته "جهازاً يغزو الحياة الاجتماعية المصرية: في طرقها وكباريها، وتليفوناتها ومدارسها، وخبزها ولحمها، وفولها، وعدسها وبصلها"

وفي خطواته على المستوى العام، تمتع أبو غزالة بحسٍ دقيق في مجال العلاقات العامة، ويعد توقيت حضوره حفلات الافتتاح والأحداث المماثلة ناجحاً تماماً. ففي أثناء الخلاف الدائر حول تلوث الشواطىء المصرية الواقعة على البحر المتوسط، أعلن أبو غزالة أن طائرات الهليكوبتر التابعة للجيش سوف تقوم بعمليات الرش في طول الساحل الغربي لمواجهة التلوث بالزيت، وخصوصاً في المناطق التي يأتي منها التلوث من خارج المياه الإقليمية


وبينما كان الجدل دائراً حول تدهور نوعية الرعاية الصحية في مستشفيات مصر، أصدر أبو غزالة أمراً بمنح المستشفى الذي تديره الجمعية الخيرية الإسلامية في أبو زعبل جهازاً للكلى بلغ ثمنه 25 ألف جنيه. كما أعلن أن المستشفيات العسكرية يمكن أن تعالج الحالات التي تتطلب العلاج في الخارج على نفقة الدولة


وكان طبيعياً أن يشعل نجاح المشير نار الصراع على رأس السلطة

تابع القراءة

gravatar

أبو غزالة.. من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (1): نكات الطوبجي




لم تكن مجرد "حالة" تصفيق عادية، بل "تياراً" سرى إلى وجدان الجميع

في تلك الليلة من ليالي أكتوبر تشرين أول عام 1998 التي شهدت احتفالاً باليوبيل الفضي لحرب أكتوبر 1973، شعر الجميع أن التصفيق الحار الذي ناله وزير الدفاع المصري الأسبق المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، ترحيبٌ عفوي وتقديرٌ صادق..وربما رسالة إلى من يهمه الأمر


لم يتصور كثيرون أن يستمر التصفيق بضع دقائق للمشير الذي عاد إلى الظهور بعد غيابٍ أو ابتعادٍ مقصود عن الساحة العامة، في أعقاب إعفائه من منصبه كوزيرٍ للدفاع وقائد عام للقوات المسلحة في 16 إبريل نيسان 1989، ثم عقب نشر استقالته من منصبه كمساعدٍ لرئيس الجمهورية في فبراير شباط 1993


غير أن عودة المشير إلى الأضواء ولو للحظاتٍ أثارت حالة من الحنين لدى كثيرين، من قبيل الوفاء لهذا الرجل أو العرفان بفضله

في كل الأحوال، أثبت أبو غزالة – الذي رحل عن دنيانا في 6 سبتمبر أيلول 2008– في بضع دقائق تلقى أثناءها تحية وتصفيق الجميع أن سنوات الغياب لم تؤثر على شعبيته الكبيرة التي نالها وخطط لها طوال عقد الثمانينيات من القرن الماضي..أو ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاحاً عقد "صعود نجم المشير"


هي سنوات قلائل بالفعل، لكنها شهدت أهم التطورات في حياة المشير أبو غزالة..إنها سنواتُ الصعود والتألق والنفوذ ومد مظلة الشعبية إلى قطاعات مختلفة.. وفي تلك الفترة الذهبية من مشواره السياسي، لم يكن هناك نقاش بشأن نفوذ "الرجل القوي" في السنوات العشر الأولى لحكم الرئيس مبارك، والذي اعتبِرَ "كاتم أسرار المؤسسة العسكرية المصرية" في لحظات تاريخية فارقة


صعودٌ قوي، أعقبه انحسارٌ مفاجىء تراجعَ فيه النفوذ وأفلت النجومية، قبل أن تطوى الصفحة نهائياً في عقد التسعينيات، بعد فتح صفحة المرأة التي دقت المسمار الأخير في نعش طموحات المشير



وبكلمات أدق، تحولت تلك الفترة في نهايتها إلى موسيقى جنائزية حزينة لتطلعات رجلٍ كان كثيرون يعتقدون أنه لن يوقفه شيء، حتى فوجئوا ذات صباح بأن القطار قد توقف وأحيل إلى الاستيداع بهدوء ودون مبررات واضحة

ومنذ ذلك الوقت، وأبو غزالة محورٌ مهم من النقاش في مصر، حتى وإن كان الرجل نفسه مبتعداً عن الأضواء، إلى أن وافته المنية في مستشفى الجلاء العسكري بمصر الجديدة، بعد صراع دام عامين مع سرطان الحنجرة عن عمر يناهز الثامنة والسبعين، وشيعت جنازته من مسجد آل رشدان بمدينة نصر بالقاهرة، بمشاركة المئات من القيادات السياسية والعسكرية، يتقدمهم الرئيس المصري حسني مبارك




مسافة طويلة ومفاجآتٌ لا تنتهي، تفصل بين دقائق التصفيق الحار التي نالها أبو غزالة في احتفالات أكتوبر عام 1998 ودقائق الجنازة العشر التي كان جثمانه فيها ملفوفاً بعلم مصر ومحمولاً على عربة مدفع، وأمامه حَملة الأوسمة والنياشين التي حصل عليها الفقيد

لقد حصل المشير على 11 وساماً ونوطاً وميدالية عسكرية مصرية، بينها وسام نجمة الشرف العسكرية تقديراً لجهوده خلال حرب أكتوبر 1973، حينما كان برتبة العميد قائداً لمدفعية الجيش الثاني الميداني

عرف أبو غزالة كيف يطرقُ الحديد، لكنه ذابَ أمام ملمس الحرير
وأتقن المشير فنونَ الحرب، لكنه أخفق في جنونِ الحب
وبين الحب والحرب، حرفٌ واحد..أما بين الحب والحب، فهناك شيطانٌ آخر
وفرقٌ كبير بين إدارة الجيوش، وإدارة ما يجيش به القلب
قوة الرجل أنه يهدي المرأةَ وردةً يتصورُ أنها ستذبل في الإناء
قوةُالمرأةِ أنها تعرف أنك ستذبلُ أنتَ والوردة. ساعتها فقط تدركُ أنكَ كنتَ الإناء


والشاهد أن أبو غزالة كان رجلاً هادىء الملامح، خفيض الصوت، قليل الانفعالات، لا يحرك يديه عندما يتكلم، ولا يتململ في جلسته، وكان غير مدخن، يتقبل الهجوم دون أن يتغير، ثم إنه كضابط مدفعية أو "طوبجي" قديم محترف، يرد بكمية الكلام أو كمية النيران اللازمة للإسكات

وهو في نظر من يعرفونه عن قرب: ابن بلد

ربما يعود ذلك إلى ما يؤكده هؤلاء من شهامته ومساعدته للآخرين، وتواضعه وحبه الشديد لجنوده حيث قدم العديد من المساعدات ولجنود الصف والضباط واهتم بمظهر ومكانة الجندي المصري ومدى أهميته

ويُقال إنه كلما زادت النجوم على كتف هذا الضابط، كلما ازداد تواضعه




وكان القائد العسكري الذي عمل على تطوير مدرسة المدفعية في ألماظة، يشارك الجنود في لعب كرة القدم حين كان رئيساً لأركان المدفعية.. ولم يكن مستغرباً أن يتصايح اللاعبون في مدرسة المدفعية وهم من الجنود فيما بينهم، مرددين "العب يا فندم" أو "باصي يا فندم"، عندما كان رئيس أركان سلاح المدفعية المصرية يشاركهم تلك اللحظات الرياضية


عشق أبو غزالة لعب كرة القدم، وعُرِفَ عنه أنه أهلاوي صميم. وكانت مباريات النادي الأهلي هي الوليمة التي يجتمع عندها الأحباب ويدعى لها الأقارب والأصحاب. وعندما ينفعل الحاضرون بالتشجيع والهتاف والانتقاد أيضاً وهم يشاهدون المباراة على شاشة التليفزيون، كان أبو غزالة أشدهم انفعالاً، إلا أنه إذا أراد أن ينتقد لاعباً فإن أقسى الألفاظ عنده هو أن يقول: "ريعو النهاردة وحش". وقد كانت الستينيات زمن ريعو والسايس والفناجيلي والشيخ طه

وربما زادت خفة ظله من شعبيته، فقد كان حاضر الذهن سريع البديهة، فضلاً عن تذوقه للنكتة بابتسامة خفيفة


حدث أن فاز الأهلي على الزمالك في الستينيات بثلاثة أهداف نظيفة، فأرسل تلغرافاً يسوق فيه التعازي إلى زوج أخته، إذ كان من مشجعي الزمالك. وعندما تلقى زوج الأخت التلغراف لم يجد فيه سوى عبارة "تعازينا في الثلاثي المرح"

ويحكي أحد أقاربه وهو محمد فاروق غزالة لجريدة "المصري اليوم" (9 سبتمبر أيلول 2008) أنه جاءه ذات يومٍ أحد أبناء قريته " قبور الأمراء" التابعة لمركز الدلنجات في محافظة البحيرة - والتي تحول اسمها بعد ذلك على يديه إلى "زهور الأمراء"- وطلب منه تعيين ابنه في وظيفة محترمة، وكان هذا الابن أمياً. عرض عليه المشير تعيينه عاملاً في الأوقاف، أو الكهرباء، لكن الرجل رفض وقال للمشير: "عاوز وظيفة كبيرة"، فقال له المشير: "خلاص استنى، عندي وزير حيخرج معاش بعد شهر هاعينك مكانه"، فضحك الرجل وقال: "أيوه كده هي دي الوظيفة"


ويحسب له البعض أنه عمل على الارتقاء بمستوى ضابط القوات المسلحة، الذي لم يكن يمتلك غير راتبه الشهري. فهو أول وزير مصري أقر مكافأة نهاية الخدمة للعسكريين، ورفعها لتكون ٤٠ شهراً، فضلا عن صفقات السيارات التي أمد بها ضباط القوات المسلحة فأدخل السيارات موديل (١٢٧) و(مازدا) بقسط شهري قيمته ٥٠ جنيهاً - وهو الذي لم يملك سيارة في حياته حتى تخطى رتبة لواء - إلى جانب الوحدات السكنية، إذ بنى أول مدينة للإسكان التعاوني في الإسكندرية، بعد أن كان ضابط القوات المسلحة قبل عهده يخرج من الخدمة بدون أي مكافآت لائقة، أصبح ضابط القوات المسلحة في عهده يمتلك الشقة والسيارة ومكافأة نهاية الخدمة


ويذكر له العسكريون بالتقدير أنه كان أول من طالب بإنشاء وحدات إسكان مهني من خلال جمعيات تعاونية تتولى إنشاء وحدات رخيصة الثمن للبسطاء، كما أنه أول من طالب بتجديد معسكرات القوات المسلحة بعد حرب أكتوبر


ويتوقف البعض بإعجاب عند مواقف بعينها في حياة أبو غزالة، ومنها أن أم وزير الدفاع أُدخِلَت مستشفى الحلمية العسكري لتُعالَج من آلام في الركبة، شأنها شأن باقي أمهات وأفراد أسر الضباط. وقد توفيت في مستشفى "مصطفى كامل" العسكري بالإسكندرية، حيث كانت ثُعالَج من أمراضٍ عدة


هوايته الأولى كانت القراءة، وكان محباً للسهر، إلى جانب مشاهدته التليفزيون أحياناً، حتى إنه لم يكن ينام أكثر من أربع ساعاتٍ يومياً من الثانية صباحاً إلى السادسة صباحاً



وكان أبو غزالة يتخير لهوايته ما يتفق مع مواهبه ويأنس إلى لعبة الشطرنج، كما كان من هواة حل الكلمات المتقاطعة في الصحف، وساعدته ثقافته المتنوعة في أن يطعن تلك المسابقة بسهم المعرفة في دقائق

وبالرغم من تدهور حالته الصحية في العامين الأخيرين، فإنه ظل يقضي ساعات الصباح الأولى في ممارسة رياضة المشي المفضلة لديه في نادي النصر التابع للقوات المسلحة في شارع المطار، ويجلس مع بعض أصدقائه بعض الوقت، ثم يعود إلى منزله بعد الظهر، ويبقى فيه حتي اليوم التالي


وأبو غزالة ريفي الأصل والطبع، شرقي محافظٌ مع أسرته، لم يغيره السفر إلى أهم عواصم العالم. وربما كان القرار العسكري الأبرز الذي اتخذه داخل بيته هو قرار الحمية، إذ فرض على نفسه "الريجيم" بهدف التعامل بشكلٍ متوازن مع السعرات الحرارية. وكان من أقسى قراراته أيضاً على نفسه أن يستمر في خدمة سلاح المدفعية رغم إصابته بالتهاب في الأذن الوسطى، فلم يمنعه ذلك المرض من مواصلة التعامل مع دوي المدافع

الطريف أنه حتى لحظة توليه رئاسة أركان سلاح المدفعية، لم تكن زوجته تعرف ماذا يعمل. ولم تكن زوجته التي ترتدي الحجاب تظهر في المناسبات العامة إلا نادراً، وحين تحضر تلك المناسبات كانت تظل صامتةً في مقعدها، وهذا ما جعل زوجها يكتسب في ذهن قطاع كبير من المواطنين ووسائل الإعلام صورة "المتدين"، ليتمتع بشعبية جارفة داخل العديد من الدوائر الدينية والكتاب المحسوبين على التيار الديني، مثلما كتب محمد عبد القدوس في جريدة "الشعب" بتاريخ 14 أكتوبر تشرين أول 1986 تحت عنوان "تعظيم سلام للمشير"، مشيداً بحجاب زوجة أبو غزالة التي وصفها "بالسيدة الفاضلة"


ولزواج أبو غزالة حكاية طريفة

إذ كان قد وصل إلى رتبة نقيب، ووالدته الحاجة مبروكة تريده أن يتزوج، وفي أحد الأيام كانت تشتري بعض حاجياتها من شركة "عمر أفندي" في مدينة دمنهور، فشاهدت إحدى الفتيات فأُعجبت بها، وسألتها عن اسمها فقالت لها إنها أشجان ابنة أحمد صبري، مفتش دوائر أملاك الأمير عمر طوسون. وحدث تبادلٌ للزيارات بينهما، وتمت خطبتها، وكان يوم الزفاف مشهوداً حيث دوت فيه الطلقات النارية ابتهاجاً بالعُرس

رزق أبو غزالة بثلاثة أبناء هم هشام وطارق وأشرف، وثلاث بنات هن ليلى، وحنان، وإيمان


عاشت عائلته الصغيرة لسنواتٍ طويلة في المنزل رقم 13 في شارع المهدي بمنطقة حلمية الزيتون، قبل أن ينتقل إلى شقةٍ في حي مدينة نصر. وشارع المهدي هو شارع صغير خلف مسجد الشيخ بخيت بميدان حلمية الزيتون بنى فيه الضابط الشاب منزلاً من ثلاثة طوابق، سكن في الأخير منها، ولم يأنف من تلك الحارة الضيقة والتي لا يزيد عرضها عن أربعة أمتار حتى بعد أن وصل إلى رتبة لواء. كان سكان المنطقة يشاهدونه وهو يرتدي الجلباب الأبيض في كل جمعة ليصلي في مسجد "الشيخ بخيت" في ميدان حلمية الزيتون، والذي يبعد عن شارع المهدي نحو عشر خطوات

وإذا كان أبو غزالة عاش حتى رأى بناته يتخرجن ويتزوجن وينجبن له الأحفاد، وشاهد ابنه طارق يتخرج في كلية الطب ونجله أشرف يتخرج في كلية الطيران، فإن حياته العائلية لم تخلُ من مآسٍ واختبارات مؤلمة، منها وفاة أكبر أبنائه هشام في حادث سيارة في منتصف ستينيات القرن الماضي. فقد كان الطفل يلهو بدراجته أمام منزله حين صدمته حافلة يقودها سائق يعمل في هيئة النقل العام، فاعتدى رجال الأمن بالضرب على السائق، ولم ينقذه منهم سوى المشير شخصياً، الذي هدَأ من روع السائق، وقال له إن هشام هو المخطئ، وعفا عن السائق وتركه ينصرف دون أن يوجه إليه كلمة عتاب

ولم يمنعه الألم أو الأسى من أن يصافح السائق القاتل في سرادق العزاء


ولعل كثيرين لا يعرفون أن أبو غزالة ارتبط بعلاقة مصاهرةٍ مع المحامي مختار نوح القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، كما أن نوح تزوج ابنة أخت المشير، الذي كان يمتُ بصلة قرابةٍ لوالد نوح وصديقاً له في الوقت نفسه. وفي زمنٍ مضى، كان مختار نوح ينادي أبو غزالة باسم "خالي ثروت"

فقد اشتهر أبو غزالة في القرية ووسط دائرته المقربة باسمٍ آخر: ثروت

اتسم أبو غزالة بالحرص في حياته وتصرفاته


يروي عادل حمودة في كتابه "حكومات غرف النوم..المرأة والسلطة"، على لسان أحد الضباط الأحرار في سلاح المدفعية رواية تؤكد صفة الحرص في شخصية أبو غزالة، فقد كان في باريس حين قرر مع أحد الأصدقاء السهر في ملهى شهير في حي بيغال اسمه "سفنكس". وهذا الملهى سبق أن سهرت فيه الملكة نازلي وأحمد حسنين باشا في أول رحلةٍ للملك فاروق إلى أوروبا بعد وفاة أبيه الملك فؤاد. ويصف الكاتب الصحفي محمد التابعي هذا الملهى بأنه مثير، يقدم استعراضاتٍ لنساء بلا ثياب، إلا من ورقة التوت


فوجىء أبو غزالة وصديقه وهما في الملهى بوجود العاهل الأردني الملك حسين، ومع أنهما كانا بالملابس المدنية فقد هبَا ليدفعا الحساب وغادرا المكان، إذ إن العلاقات لم تكن طيبةً بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك حسين، فوجدا أنه من الأفضل أن يتركا السهرة منعاً لأية شبهة ترصدها المخابرات المصرية في مثل هذه الظروف


ويبدو أن الملك حسين عرف أنه أفسد السهرة على ضابطين مصريين، فكلف الملحق العسكري الأردني في باريس علي أبو نوار بأن يتصل بالملحق العسكري المصري ثروت عكاشة ومساعده عيسى سراج الدين لدعوتهما على الغداء في مطعم "الأوريه دو روا" الفاخر في إحدى غابات باريس، تعويضاً عن إفساد السهرة على أبو غزالة - الذي لم يكن يعرفه- وزميله


غير أننا سنعرف فيما بعد، أنه إذا كانت غلطة الشاطر بألف..فإن خطأ المشير بمليون


ينتمي المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة إلى إحدى عائلات محافظة البحيرة، التي ترجع أصولها إلى قبائل أولاد علي

كان والده عبد الحليم هو الأخ الأكبر في عائلة تضم ١٤ أخاً وأختاً، ٧ أولاد ومثلهم من البنات. وعندما رزق عبد الحليم بابنه في 15 يناير كانون ثان عام ١٩٣٠، فرح به فرحاً شديداً وسماه أبو غزالة، بدلاً من "غزالة" لقب العائلة. وكان عبد الحليم يعمل في مصلحة البريد، ووصل إلى منصب مدير المصلحة في الإسكندرية

حصل على الابتدائية من الدلنجات، ونال شهادة التوجيهية من مدرسة عمر مكرم في دمنهور عام 1946، وكان ترتيبه الثالث عشر على المملكة المصرية، ثم التحق بالكلية الحربية

يقول عمه فوزي محمد غزالة: "كنت ألعب أنا وهو بجوار ترعة الحاجر، وكنت أجيد السباحة فيما لم يكن هو كذلك، ونزلت الترعة للاستحمام فأصر على النزول، وبعد لحظات وجدته يغرق، فصرخت وجاء عمنا عبدالعظيم لإنقاذه فتعلم السباحة بعدها، وكان في هذا الوقت في الصف الأول الثانوي"

التحق أبو غزالة إذاً بالكلية الحربية وتخرج فيها في 1 فبراير شباط 1949، وكان ترتيبه الأول على الدفعة، وهي الدفعة التي ضمت الرئيس مبارك. شارك في حرب فلسطين وهو طالب في الكلية الحربية، كما درس في مدرسة المدفعية في فرنسا عام 1955 أي أن عمره آنذاك كان 25 عاماً. وما بين هذين التاريخين، مارس أبو غزالة أول أدواره السياسية، حين انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار الذي قاد ثورة 23 يوليو 1952 ضد النظام الملكي في مصر


وفي الفترة من ١٩٥٧ و١٩٦١ سافر أبو غزالة إلى الاتحاد السوفيتي، ما سيجعله فيما بعد محسوباً على المعسكر الشرقي، وحصل هناك على إجازة القادة للتشكيلات المدفعية من أكاديمية

وعقب عودته من روسيا عمل مدرساً بمعهد المدفعية ثم تولى رئاسة فرع التعليم بالمعهد إبان حرب ١٩٦٧، وهي الحرب الوحيدة في تاريخ مصر الحديث التي لم يشارك فيها أبو غزالة، نظراً لوجوده بالمنطقة الغربية أثناء الحرب وانقطاع الاتصال بينه وبين قيادته ليعود بعد ذلك ويفاجأ بالهزيمة



وإذا كان الفريق محمد فوزي قد وضع اسمه على قائمة المحالين على المعاش عام 1968، بعد أن وجه نقداً حاداً للقيادتين العسكرية والسياسية محملاً إياهما مسؤولية هزيمة 1967، فإن الرئيس جمال عبدالناصر شطب على اسمه من القائمة، إيماناً منه بقدراته العسكرية المتفوقة

ولم يخيب أبو غزالة توقعات المطمئنين إلى قدراته العسكرية، وبرز دوره بشكل خاص في حرب أكتوبر 1973 التي شغل أثناءها منصب قائد مدفعية الجيش الثاني

بعدها عُين أبو غزالة رئيس أركان حرب سلاح المدفعية عام 1974، ثم اختير ملحقاً حربياً لمصر في الولايات المتحدة في 27 يونيو حزيران 1976. وأثناء إقامته في الولايات المتحدة، كان أول عسكري غير أمريكي ينال دبلوم الشرف من كلية كارلايل العسكرية الأمريكية

واستمرت رحلة الصعود

أصبح مديراً للمخابرات الحربية والاستطلاع عام 1979، ثم عُين رئيس أركان حرب القوات المسلحة 15 مايو أيار 1980، ورُقي إلى رتبة الفريق في 17 مايو أيار 1980

وفي مستهل أكتوبر تشرين أول ١٩٨١ وقبل اغتيال السادات بأيام قليلة، وافق المؤتمر الثاني للحزب الوطني على تعيينه عضواً بالمكتب السياسي للحزب، ليكون بعد ذلك وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي في الوزارة التي تشكلت برئاسة حسني مبارك، خاصة بعد رحيل وزير الدفاع الأسبق الفريق أحمد بدوي في حادث سقوط طائرة هليكوبتر في 2 مارس آذار 1981

وفي إبريل نيسان 1982 صدر قرار ترقية الفريق أبو غزالة إلى رتبة مشير، حيث أصدر قرار الترقية الرئيس حسني مبارك. وفي 1 سبتمبر أيلول، صدر قرار تعيينه نائباً لرئيس الوزراء ووزير الدفاع والإنتاج الحربي والقائد العام للقوات المسلحة، قبل أن يعينه مبارك مساعداً لرئيس الجمهورية عام 1989



وفي 6 أكتوبر تشرين أول 1981 تغيرت ملامح المشهد السياسي المصري، بعد اللقاء الأخير الذي جمع بين أبو غزالة واللواء حسني مبارك نائب رئيس الجمهورية آنذاك وقائد القوات الجوية سابقاً، والرئيس أنور السادات


كان حادث المنصة بداية الفراق بين الثلاثة

أحدهم وافاه الأجل، وثانيهم دانت له الرئاسة، وثالثهم اختار الصعود.. إلى المجهول

تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator