المحروسة

gravatar

طرفٌ من خبر الآخرة










حاول أنْ يقرأ حتى ينام، لكنه ازداد يقظةً

أخذ يقلِبُ صفحات الكتاب، ثم توقف عند الصفحة رقم 64

فجأة، أصبح للصفحة أبعاد، وخطفته إلى أعماقها المحفوفة بالمغامرة

جيشٌ من الأسئلة يدب بقوة كأنه عرضٌ عسكري أقيم في ساحة رأسه

ودوامات الكتاب تبتلعه، وتغوص به إلى حيث يرى ما لا يُرى

السقوط كان طويلاً كحصة رياضياتٍ مملة

يقع على أرضٍ ناعمة يشرئب عشبُها مثل كهرمان الجسد

ينهضُ، يتحسس جسده ليطمئن، لكنه لا يجده. يمر بجواره بشرٌ فيناديهم، لكنهم يعبرون جسده..يخترقونه، ولا ينتبهون إليه

وعندما تقع فوق أرض النهايات، تصبح كائناً غير مرئي

هو الآن يرى ما لا يُرى

هذا إذاً طرفٌ من خبر الآخرة

حمل حقيبته ومضى في طريقِه ليتأمل أحوال العابرين

يسير على سجادٍ لا يحفل بأقدام الحرير

آدمُ الجديد يقف على تخومِ الغيب ويسير على أطراف ذاكرةٍ تخطيء أحياناً


عاش طوال عمره وهو يبحث عن إجابةٍ لسؤالٍ شديد البساطة: لماذا تكتبنا الضغينة في دفاترها؟

ربما يجد الآن إجابةً

وتبدأ الرؤية، كأنها سفينةٌ تبحر بين مناراتٍ شحيحة

رجلٌ يسأل المرأة التي أغمضت عينيها عما تفعله. يتجلى فَجره في مرآتِها، فتقول ببراءةٍ: أحاول تخيل العالم في حال غيابك

يصهلُ البحر في صدره

في المكتب الضيق، تحتضن مندوبة المبيعات موظف قسم المشتريات لتشاغب رخام قلبِه، فقال لها: أحس بها تقترب..سألته بفضول: ما هي؟ رد وطيف ابتسامةٍ يرتسم على وجهه: إنها المتاعب

هي الروحُ المنذورة للغفوة

على مائدةٍ لا يزورها النادل، تطلب صاحبة الجسد الحليبي من الرجل أن يصارحها برأيه، فيقول بصوته العميق: إنني مثل لاعبي البوكر..أحب أن أكون اللاعبَ الأخير

كان يؤمن بقانون الجاذبية، ويثق في أن هذه الثمرة الناضجة ستسقط في حِجره..ولو بعد حين

الفتاة الجامعية التي تكاد تلامس أستاذها وتدغدغه بغدائرها ونسائمها وهو يشرح لها الدرس، تقول له: أجنُ فيك وأنت تحاور ألغازي..فكر قليلاً ثم أعطني رأيك. أجابها: الخبز الطازج أشهى..بل الآن

يهطل زعفران دمه محاكياً أطياف الاشتعال

تتحدث المراهقة إلى مستشارها العاطفي في البرنامج الإذاعي قائلةً: حبيبي كلامه رقيقٌ مع النساء.. يرد قائلاً: عندما تحب كثيراتٍ، فإنك لا تحب سوى نفسك

قارورة البعد تشكل خلاصة القُرب
تسأل أخرى: رجلي قديسٌ، لكنه لا يتشبث بأفق العاطفة الملتهبة..يرد صوتٌ عبر الأثير: الحياة دون حبٍ باردةٌ مثل المعلبات أو المواد المحفوظة

لم نسمع يوماً عن حبٍ ينام في الثلاجة، في انتظار إسالة الثلج الذي يحيط به

في قاعة الاستقبال التي تتلألأ بالأضواء، يسأل الصديق القديم: هل تحبينه؟ تجيب السيدة التي ترتدي قفازين من الجلد الأسود، وهي تنظر إلى الثريا التي تتدلى كالجبال المذهبة: ما زلت معه..تشاغل بفنجان قهوته وهو يقول في ارتباكٍ: يبدو أننا جميعاً "معاً" في هذه العلاقة

الطريق ضيقةٌ، لكنها تكفي قلبين




في عيادته الشهيرة التي تكتظ بالمنتظرين، يحاول الأب إقناع ابنته بدراسة الطب النفسي، لكنها قالت له إنها ستفتتح مع صديقٍ لها مدرسة لتعليم الأطفال فن الرسم

اختارت أن تتعامل مع صغارٍ يريدون أن يصبحوا كباراً، على أن تتعامل مع كبارٍ قرروا أن يصبحوا صغاراً

والكاتب يمشط جدائل الريح ويصب النهر في قنينة، مفكراً في صورة جنرال تشيلي المقعد أوغستو بينوشيت، الذي سحق الآلاف من الجماجم، لكنه ظل يحظى حتى آخر العمر بحماية وولاء الذين ساروا خلفه في دربِ القتل غير الرحيم واختاروا الحبو غير المقدس نحو فتنة القتل

ها هو المتمردُ يضرب ماء البحر، يشق طريقا للآتين

أمام منزلٍ يقع أول الشارع، وجد رجلاً يطرق على باب في هلعٍ قائلاً: افتحي ..افتحي‏‏‏..ورائي وقعُ أقدامٍ مشبوهة على الأرصفة

يتناهى إلى سمعه صوت بكاءٍ في الداخل‏‏‏

والغرقى يجدون بهجتهم تحت الماء

المرأة التي تجمع حاجياتها بما في ذلك التنورة القديمة التي ذهبت موضتها، تلوم الرجل الذي جلس على حافة السرير منهاراً، وتخاطبه قائلةً: أنت تشبه روائياً انتهى من مصائر أبطاله وتبرأ من روايته

تتركه في عطرها وتمضي

والقلبُ لحية معتقلٍ لا يعرف تهمته

فتى يقف بالحذاء المُغَبَّر الذي أنهكه المشي فوق صخرة، ويطل من شقٍ في الجدار على المطَلقةِ الوحيدة وهي تنزع المنديل الذي تضعه على رأسها، قبل أن تعيد اكتشاف كنوزها

تتلعثم نبتته البرية في المشي الذي يطول، بعد أن سرق قدراً كافياً من الحنين ليهز به هزائمه ليلاً

على أريكةٍ خشبية قديمة في المتنزه يجلس عاشقان بعد أن توغلا بين الأشجار العارية التي باغتها الخريف. يحدق في الساعة التي تجمدت عقاربها منذ أول لقاءٍ معها، وهي تهز ساقها في توتر، ثم يبرمان اتفاقاً: الضرب ممنوعٌ، إلا إذا كانا يمارسان الحب

وعاشا في سلامٍ وسعادة بعد ذلك

مدير الشركة يصطدم بابتساماتٍ زائفة ونظراتٍ لزجة في البهو، فيشعر بأن الحاجة ليست أماً للاختراع.. بل للذل

هكذا في الصدارة، الأشياءُ التي لا تُذكر

وحده الرجل الذي يزوج قلبه للأفراح، يعرف كيف يسيلُ القمر الصيفي على السطح

تقول له الفتاة العابثة: لعينيكَ أطلي أظفاري..ولظهركَ أُطيلها

مرتعشٌ هذا الشوق كشهقة عانسٍ في عُرس

الدرسُ الأول الذي تلقاه من جارته المجرِبة: المرأة لا تحب الرجل الذي يتذكر ثوبها وينسى حياتها

جسم المرأة قيدٌ، لكن روحها فضاء

هكذا نبعثرُ ذهب المساء




اثنان يرميان أعضاءهما مثل النرد فوق السرير، قبل أن تنتهي الجولة الساخنة بقبلةٍ باردة على الجبين

كم نكتشف متأخرين أن الليل ومضةٌ

الأب الذي ينام قرير العين، ينسى أن يد الصبي التقطت مفاتيح السيارة..والمغامرة

سيذهب مع أصدقائه للتعلق بِسُترة الموت، وارتشاف كؤوس المسرة

سقفاً وراء سقفٍ، ينهار النهار

طاغيةٌ شقراء، تفرض بخناجر شهوتها حظر التجول وتعلن حالة الطواريء في شوارع الجسد

بحث الرجل عن منديلٍ أبيض ليعلن استسلامه، لكن القدر باغته والقبلات لم تمهله

برج الحمام يعلو هامة الهاوي الذي يراقب لوحة الطيور في سماءٍ تنعم بخفق الأجنحة. يتخيل كم سيكون رائعاً أن يدهش الكون ذات يومٍ بتحليق روحه

لكلٍ منا خلودَه المتواضع

البعيدُ يخط بيده رسالةً إلى القريبة: "ربما أجد الشجرة التي قطفنا منها وردةً ذات ليلة قد رحلت عن الطريق وشعرت بأن المكان ليس من مقامها

"ربما أجدها نالت تأشيرةً إلى الجنة لأنك لمستِها بيديك"

والرسالة أمنيةٌ..على مرمى حريق. وفي المدن القصية، نلبس أحياناً قميص الأمل تحت الجسد

قالت لصديقتها إنها مسافرةٌ..فقد حصلت أخيراً على تأشيرةٍ، لاختبار جسدها في قارّة بعيدة

تسربَ الزمنُ بين يديها..سارت فوق حقول الملح، وهدمت حصنها الجميل لتسقط في فخ اللحظات الزائفة

يسمع العدمُ رنة خلخالِها، والأرضُ عصفورةٌ تنزفُ


في الصباح الباكر، تصلب الأم ابنتها في زيها المدرسي الأزرق، وتقابل تأففها وتذمرها بالحزم اللازم، كي تعقص لها شعرها، بقسوة كفين مدربتين على جدل الضفائر

تشَدُ شَعْرَهَا بِشَرِيطَةٍ تمارس سلطتها على صفوف الذُرة

يوماً ما، سيتسلق أحدهم تلك الضفيرة، ليعتصر الضحكات القانية، فتقول له صاحبتها: مُد يدك، وازرع سيفك في الجُرحِ المراهق

لا أحد يمكنه وصف طَعمِ الفؤادِ في فم الأشواق

العابرُ يعزف على نايه الحزين لحناً يتردد كالصدى: علينا أن نحلم..كي نصبح واقعيين

والأحلام هدايا يجب أن نعرف قيمتها حين نستيقظ

فلا تؤجل حلم اليوم إلى الغد

دائماً، توجد أزرارُ أملٍ يتعين أن نضغط عليها لنطرد ظلام اليأس

الركاب يترجلون من الحافلة العامة، باحثين عن وسيلة نقلٍ أسرع لتقودهم إلى حيث المحطة الأخيرة. وفي غمرة اندفاعهم نسوا ملامح المحطة التي توقفوا فيها

في لحظةِ ما قبل الدفن، ندرك كم تعبنا لندرك الموت

الحارسُ الليلي يخبره بأنها ستمطر بعد قليل..الرذاذ يملأ عينيه، وحين يفركهما يكتشف أنه يجتاز الآن فاصل البنايات التي تحيط بالحي الذي يسكنه

في يده حقيبةٌ غامضة، تكاد تخلع كتفه

عالمه كما هو، لكن كتابه ذا الغلاف الأنيق مفتوحٌ على صفحتين سرق أحدهم سطورهما

رمى حقيبته في أقرب سلة مهملات..كانت مملوءةً بالشجن

gravatar
Basma في 11:06 PM

:)
جميل ان يقرأ المرء سردا لحالات ناس لا يعرفهم ثم يتوقف ويبتسم حين يجد نفسه بطلا لأحدى تلك الحالات
قارورة البعد تشكل خلاصة القُرب
...........
الحاجة ليست أماً للاختراع.. بل للذل
لكلٍ منا خلودَه المتواضع.....
نعم في ذلك حكمة وتلخيص لعلاقات كثيرة
تحياتي

gravatar

ياسر
كنت أظن أن السير فوق أرض النهايات أكثر شقاءا و أقل امتاعا...هل توقعت أن يخيب ظني؟
:)
نص ممتع يدعو إلى التأمل..شكرا

gravatar

جميل

:)

gravatar
حالة طوارئ في 9:25 AM

طرف من خبر الآخرة
وربما
طرف من خبرة الآخر
"لماذا تكتبنا الضغينة في دفاترها"
هل وجد الإجابة يا ترى؟
أمر آخر
هل لي بعنوان الكتاب، فرقم الصفحة لا يرضي فضولي
نص يستحق قراءات متعددة الوجوه والفهم... فعلا كما يقول: في لحظة ما قبل الدفن ندرك كم تعبنا لندرك الموت

gravatar

Basma

وجميل أيضاً أن نجد من يتذوق كلماتنا ويتوقف عند المعنى والأسلوب، ويبحر في سفينة بلا شراع في محيط التدوين

أشكرك

gravatar

Diala

فوق أرض مرشوشة بملح التجارب، تتفاوت وتتباين الآراء..البعض يشعر بالأسى وعذابات الآخرين،والبعض الآخر يدمن مذاق الملح

حفظك الله من أرض النهايات

:))

gravatar

جوستين


أشكرك على قراءة وتذوق النص الذي يحكي عن نفسه..وعنا

gravatar

حالة طواريء

هذا هو السؤال الأصعب، لكن إجابته قد تكون نائمة بين سطور هذه التدوينة..ففي العلاقات الإنسانية، قد تفاجئنا ضغينة البعض دون مبرر معقول، على الأقل من جانبنا

تعليقك ذكي

gravatar

نعم لحظه ماقبل الفن ندرك كم تعبنا لندرك الموت
تعبير قاس لكنها الحقيقه



الموت هو الحقيقه المؤكده فى هذا العالم

gravatar
Anonymous في 10:42 PM

I have suffered these late few days from understanding paulo coelho's books & many others,thought they were just beyond my "TINY" thoughts & mind,never did it occur to my mind that my dad is the most thoughtful man ever existed,never been proud.you gave me time to think!
yours,E.

gravatar
Anonymous في 10:45 PM

and Ah!I really wonder who might be the "college girl"?????!!
E

gravatar
Anonymous في 11:39 PM

Dr.Yasser,
It's my great pleasure to be back on the track and follow up ur treasures after missing them for a long time .
It is our soul, I found myself among one of ur characters .
i previously told u that you are HISTORY and now I am to tell u that u are the HUMAN SPIRIT.
Never to stop Dr. Yasser ,u are our only window to hope.
The Pearl

gravatar

أبو أحمد

نطارد الحياة، فيلاحقنا الموت

إنها المعادلة اليقينية الأصعب لكل إنسان

gravatar

E

أميرتي الصغيرة

فاجأني تعليقك، وأسعدتني كلماتك

مع أن شهادتك مجروحة، فإنني أحببت العفوية في تعليقك، يا أجمل وردة على غصن حياتي

gravatar

The Pearl

عود حميد

وكل عام وأنت بخير

في التجارب الإنسانية نجد أنفسنا أو لحظة منا، معلقة على أبواب المشاعر.. نتأمل اللحظة فنجد صورتنا في المرآة

أشكرك أيتها الصديقة الجميلة على كلماتك التي تقطر رقة وعذوبة

gravatar

ياسر..كم نحتاج من الوقت لندرك ما يتوجب علينا إدراكه؟ لنجد إجابات على أبسط الأسئلة التي تؤرقنا؟ لنعيش بسلام ونعبر خفافاً مع العابرين؟

كثير كثير حلو النص

مودتي

gravatar

Sawsan

ترفع الحقيقة راياتها عالياً، لكننا لا نجهد أنفسنا برؤيتها إلا في وقت متأخر

والأسئلة التي نزرعها في حقولنا، تلد إجابات تظل مهملةً حتى تذبل وتذوي.. ثم نبحث عنها بعد أن تصير رماداً

هكذا نحيا..وهكذا نبتعد

سلمت يا صديقتي

gravatar

لما بلّشت إقرا ما توقعت
هالكم الهائل من العبر
جميل جداً يلي كتبتو
وصف حالات إجتماعية بمنتهى البساطة
كأني عم إقرا كل حالة بحالتا
رائع جداً

gravatar

Khawwta


أشكرك أيتها العزيزة على تقديرك

إنها تلك الرحلة الني نقطعها مفكرين ومتأملين في أحوال البشر وتصاريف الدهر
وفي كل مرة نلمس فيها تلك البلورة السحرية المسماة الحياة، تظهر لنا قصص جديدة للناس

مودتي

gravatar

Do you know one of the best portuguese writers ever: CRISTÓVÃO DE AGUIAR?

ALIVE IN MY BLOG.
Thank you.

gravatar

Lapa


شكراً على المرور والتعليق. طالعت الموقع الذي يستخدم اللغة البرتغالية بشكل أساسي، بما لا يسمح لي بقراءة النصوص، لكنني أثمن بشكل عام أي جهد يهتم بعطاء أي أديب وكاتب

gravatar

الموت
التفكير به له لذة وحشية

..

اناس يمكن ان يكونوا مروا من ارصفة حياتنا
اناس يشبهوننا في بعض تفاصيلهم

..

كأن الله اصطفاك و وهب لك القدرة على تحويل مشاعرنا إلى كلمات

gravatar

Besh


شكرا لك أيتها الرقيقة

أعتز بتقديرك وأتمنى أن أكون دائما عند حسن ظنك بي

الكلمات، هي حاسة التذوق التي ينساها كثيرا

لك مني وردة وتحية

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator