المحروسة

gravatar

اكتئاب المصريين (1): العين الزجاجية



الخوف مولودٌ شرعي للقلق، وأبٌ أصيلٌ للأوهام

وفي مصر الآن حالة فوبيا تدعو إلى القلق، فليس معقولاً أن يختزن المصريون هذه الشحنة الهائلة من التوتر والخوف من أي شيء وكل شيء

صحيحٌ أن الكوارث المفزعة هزت الثقة وأصابت كثيرين بحالةٍ من الإحساس بعدم الأمان، غير أن الشيء المؤكد هو أن الخوف يبدو مثل طوفانٍ يجتاح في طريقه كيان الفرد ويجعله مسكوناً بالهواجس والفزع، وقابلاً لتصديق الشائعات..ولو بالإيحاء

لقد زادت مساحة الخوف في حياتنا، وبدأ المصريون يشعرون بالقلق إزاء احتمال وقوع الكوارث الطبيعية..وغير الطبيعية. وفي مارس آذار عام 2002 سيطر الهلع على ركاب مترو الأنفاق بعد أن سرت شائعةٌ عن حريقٍ نشب في إحدى عربات المترو، فخرج الركاب مذعورين يلوذون بالفرار من وهمٍ كبير

وقبل ذلك نام كثيرون في الشارع وفي العراء بعد أن سرت شائعةٌ عن أن شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأميركية بثت خبراً مفاده أن زلزالاً سيهز مصر في العاشرة من مساء ذلك اليوم. صدق عشرات الآلاف وربما أكثر هذه الشائعة، ولم يسألوا أنفسهم عن مدى صحتها وهل سمعها أحدٌ فعلاً، وهل يمكن أن تعرف أن زلزالاً سيقع في غضون ساعاتٍ أم لا.. نسي هؤلاء الناس التساؤلات الطبيعية المفترض طرحها في مثل تلك الظروف، وغرقوا في دوامة الخشية والفزع




رحلة الخوف التي تسيطر على المصريين وتهددهم شعورهم بالأمن والأمان لها أيضاً ما يبررها، فالمصريون لا يعرفون كيف تقع عليهم الكوارث، ولا كيف يستطيعون مواجهتها، وليسوا واثقين في أن هناك من يحمي أمنهم وأرواحهم وممتلكاتهم، ولا يصدقون أن هناك إعلاماً قادراً على التوعية أو المصارحة بشفافية ووضوح، مثلما أنهم لا يجدون من يوفر لهم ضماناتٍ أو يشرح لهم إلى من يلجأون إذا أصابهم مكروه أو تعرضوا لما لا يحمد عقباه

إنهم ببساطة يسيرون في نفقٍ مظلم مكتوب عليه بحروف بارزة: المجهول

فقد بات مستقبل مصر القريب، وما يمكن أن يشهده من تغيراتٍ كبرى هو الموضوع الأثير في أحاديث وجلسات المصريين، الذين راحوا يضربون أخماساً في أسداس، ويضعون سيناريوهات مرتبكة وتخمينات لا حصر لها، وسط حالةٍ من التوجس والترقب لأحداثٍ مجهولة لا يعرف إلا الله موعدها وعواقبها

ولعل خطورة امتداد حالة الجهل بالمستقبل القريب لدى كل المصريين إلى مصير منصب رئيس البلاد، بما له من مكانةٍ مركزية في نظامها السياسي، وصلاحياتٍ وسلطاتٍ هائلة، توضح حقيقة الوضع الخطير الذي تمر به مصر، حيث يعم الجهل بعد ذلك، بكل ما يتعلق بمستقبلها القريب في جميع القطاعات والمستويات، التي هي بطبيعتها أقل خطورة وأهمية من هذا المنصب الرفيع

واللافت للانتباه في هذا الوضع القلق الملتبس الذي تمر به مصر، هو أن جميع المصريين، حاكمين بمختلف شللهم وزمرهم، ومحكومين على تنوع أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، يشتركون معاً في افتقاد أي يقين أو حتى معرفةٍ قريبة منه بما يمكن أن تشهده بلادهم خلال الشهور والسنوات القليلة المقبلة

هذه الحالة من الجهل وغياب اليقين، أو حتى المعرفة القريبة منه بما يمكن أن يحدث غداً في البلاد، يتحمل مسؤوليتها النظام السياسي، وفي قلبه الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم صاحب الأغلبية الدائمة والقسرية منذ قيامه في أغسطس آب عام 1978، فهو الذي أوصل المصريين جميعاً، بمن فيهم قيادات هذا الحزب العليا ومستوياته الوسطى والقاعدية وكبار مسؤولي الدولة، ومختلف أبناء النخبة بشقيها الحاكم والمعارض، ومعهم جميع المصريين البسطاء المحكومين، إلى هذه الحالة المزرية

وضعٌ يعد تربة مثالية لحالة من الفزع، في ظل غياب أي قدرٍ من المعلومات أو الحقائق الشفافة الصريحة
هذه الفوبيا التي زادت في السنوات الأخيرة كشفت جانباً خفياً يسكن داخل المواطن المصري، فأصبح يخاف أكثر. وإذا كان العالم قد عرف أنواعاً مختلفة من الفوبيا أو المخاوف المرضية، مثل الخشية من الأماكن المغلقة أو المرتفعة أو المساحات الضيقة، ومن ركوب المصاعد، والخشية من السفر بالطائرات، ومن الجراثيم، والحشرات، والموت، إلى غير ذلك..فإننا أصبحنا خائفين من المصير المجهول

ومخاوف المصريين لا تجسد سوى التجارب القاسية، والآلام التي عاشوها، والحوادث المأساوية التي هزت نفوسهم، والصدمات التي ضعضعت توازنهم في أي فترة من فترات حياتهم، فجعلتهم يفقدون فيه الثقة ويستسلمون للقلق واليأس والإحباط
إن المصري يخشى حتى يومنا هذا دخول قسم الشرطة لأي سببٍ كان، حتى إذا كان شاهداً أو شاكياً وليس متهماً..لأنه يعلم أنه ما إن يرتدي المسؤول زيه الرسمي يصبح "حكومة" ويصبح الآخرون في نظره مجرد "أهالي"

وكلما كان النظام شمولياً ومستبداً والدولة بوليسية، تزايدت أمراض الشك وحالات "البارانويا"، بحيث يشك الفرد أن أجهزة الأمن والمخابرات تلاحقه وتقتفي آثره



وبطبيعة الحال، فإنه لا يمكن أن تتحقق الرفاهية والتقدم في غياب الثقة والأمان، وغيابهما يجعل العالم ضائعاً.. والشاهد أن عدم الثقة في النظام الأمني وفي قدرته على فرض الأمن والاحترام، تتزايد في مصر خاصة مع تزايد ممارساته القمعية

وليت دولنا وأنظمتنا تعلم أن العنف لا يولد إلا العنف ولم يستطع إنسان أو نظام على مدى التاريخ كله أن يمحو فكرة أو مبدأ أو عقيدة بسجن أو اعتقال أو تعذيب أصحابها.. بل بالعكس، كلما عذبت الإنسان كان أكثر إخلاصاً لفكره وتصوراته

يطارد الرعب المصريين في حياتهم اليومية ويحولهم إلى شعب خائفٍ، مريض بكل أنواع الفوبيا التي وردت في القواميس والكتب المتخصصة في علم النفس

إن المرض النفسي هو اضطرابٌ في التفكير والعواطف والسلوك، مما يعمل على إحداث تغييرٍ في الشخصية بحيث يكون الإنسان غير قادر على الحب والعمل كما كان من قبل

ولعله من المهم القول إن العالم به ٤٥٠ مليون مريض نفسي وعصبي بوجهٍ عام، حصة مصر من هؤلاء المرضى 5.4 مليون مريض، وتأتي أمراض القلق في المقدمة وبعدها الهلع والخوف والإرهاب من الأمراض والجنون

وحسب الإحصائيات العالمية فإن ٤% من المصريين لديهم اكتئابٌ جسيم، مع ملاحظة أن العالم به ١٦٠ مليون مكتئب من النوع الجسيم وليس البسيط. وتشير دراسةٌ علمية أجريت في مصر عام 1999، إلى أن الاكتئاب يزيد في الريف على الحضر، وأن ٣٦% من سكان القرى مكتئبون، أما سكان المدن فبينهم ٢٨% مكتئبون أيضاً

إن الإشاعة تزدهر كلما كان هناك جو من الغموض، وطالما أن المنبهات الإعلامية والسياسية يشوبها الغموض والكذب فإن الإشاعة ستنتشر وتنتعش..هذه معادلة نفسية واضحة؛ لأن الجو المحيط بالحدث هو الذي يحدد مدى انتشاره، فإذا زاد الوضوح اختفت الإشاعة

وإذا نظرنا في السنوات الأخيرة، فإننا سنجد أن صانعي القرار السياسي أعطوا منبهات وقدموا وعوداً كثيرة لم تتحقق، ليشوب الأرقام والألفاظ والكلمات عدم الصدق، مما يشجع على انتشار الإشاعات وبث المخاوف

ويزداد الموقف تعقيداً في ظل الغموض الذي يحيط بالقرارات والمواقف، وتعيين أو إقالة الوزراء المسؤولين. وبما أن هناك غموضاً فإن المواطن سيسمع مئة سبب وتفسير..وألف هاجس




هذا الغموض يغذي المخاوف وينشيء الهواجس، ويصبح الناس أكثر قابليةً واستعداداً للخوف والقلق. ومن الواضح أن المخاوف تزداد كلما اتصل الأمر بمسؤولية الدولة. إن الحديث والتصريح الرسمي على سبيل المثال بأن الخدمات والمرافق العامة جيدة في حين أنها متهالكة، وأن هذا المستشفى يوفر خدماتٍ طبية راقية في حين أن الحقيقة عكس ذلك، وأن وسائل النقل العامة توفر راحة تامة، في حين أن الواقع يفند هذا الكلام.. يجعل المواطن يشك في كل شيء وأي شيء، فأي أمرٍ متعلق بمسؤولية أجهزة ومؤسسات الدولة أصبح في رأي المواطن محاطاً ومغلفاً بالكذب، أو عدم الدقة في أحسن الأحوال

وفي لقاءٍ لي مع د. أحمد عكاشة رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي في منتصف مارس آذار عام 2002، تحدث عن تجربةٍ نفسية، قائلاً: أحضرنا ذات مرةٍ فأراً وأدخلناه قفصاً، ثم سلطنا عليه تياراً كهربائياً مؤلماً فأخذ يصيح ويصرخ ويجري هنا وهناك، قبل أن نوقف التيار الكهربائي بعدها بساعتين. كررنا المحاولة مرة تلو الأخرى طوال بضعة أيام تالية، والفأر يصرخ ويجري مذعوراً، دون أن يتمكن من فعل شيء لإنقاذ نفسه من هذا الألم وتلك المعاناة. بعد تلك التجارب المؤلمة والمتكررة أصيب الفأر بحالةٍ من العجز واليأس، حتى إننا عندما سلطنا عليه التيار الكهربائي أخذ ينظر إلى أعلى دون أن يصيح أو يجري

تلك الحالة من العجز واليأس - والكلام ما زال للدكتور عكاشة- هي الأقرب إلى توصيف حال المصريين الآن، لأن كثيراً من المصريين أصبحوا من فرط ما أصابهم من الإحباطات والوعود الكاذبة والتوقعات المستقبلية غير الصحيحة، وغياب الأمل وعدم الاهتمام بآدميتهم، وتغييبهم عن مراحل صنع القرار السياسي.. أصبحوا أشبه بحالة اليأس التي أصابت الفأر. لقد أصيب المصريون بحالة عدم مبالاة يختلط بها القلق والعدوانية السلبية

والمقصود هو أن الخوف جزءٌ من اضطراب القلق. هناك مرضٌ اسمه القلق النفسي العام، وأحد مكوناته هو القلق..والخوف لدى مرضى القلق قد يكون خوفاً من المرض أو الموت أو الجنون.. إلخ، ولكن عندما نتحدث عن مخاوف شعبٍ فإننا نكون بصدد الحديث عن خوفٍ من المستقبل، وخوف من أي فاجعةٍ قد تقع، خاصةً أنه لا توجد مكونات تمنح الأمن للمواطن في مصر

إن الأمن مفقود في جميع الخدمات، لأن أسلوب تعاملنا مع تلك الخدمات وما يطرأ عليها قائمٌ على رد الفعل وليس الفعل، فإذا تعرض قطارٌ لحريقٍ مروع أو غرقت عَبارةٌ بركابها أو تحطمت طائرةٌ وابتلعتها مياه المحيط او انهارت عقارات سكنية مثل قطعٍ كرتونية، نتحدث بأسلوبٍ مرتبكٍ وانفعالي عن التحقيقات والإصلاح والاعتمادات المالية وما إلى ذلك، دون أن نملك استرتيجيةً محددة وواضحة للإصلاح والتجديد واتخاذ قراراتٍ وتنفيذ خطط مدروسة

رد الفعل هذا يؤكد غياب الاستراتيجية في خدمة المواطن، وهنا يبدي المواطن شعوراً بالرعب والقلق من سوء هذه الخدمات واحتمال وقوع كوارث أثناء استخدامه لها أو تعامله معها، خاصةً الخدمات الأساسية من تعليمٍ وصحةٍ ومواصلات... إلخ

ويضطر المواطن في هذه الحالة إلى الاعتماد على الإمكانات الذاتية، ويوجد حلولاً بديلة قدر الاستطاعة الشخصية أو المادية. وهذا المناخ السائد يغذي الذعر ويثير القلق، بل إنه يدفع المواطنين من حافة القلق إلى السقوط في دائرة الإحباط وعدم المبالاة وسهولة الشعور بالإثارة العصبية. هذه العصبية الزائدة والأعصاب التالفة دليلٌ على القلق والذعر، والرغبة في مواجهة الخطر بالتوتر والانفعال، حتى إن البعض كما يُقال "يخانق نفسه" لأنه لا يجد من يحميه ويضمن له حقوقه، فيحاول أن يأخذ حقه بيديه، في حين أن مشاعر القلق والخوف تتملكه

إن تعبير الصحة النفسية تحدده منظمة الصحة العالمية، وفقاً لأربعة معايير هي: القدرة على التكيف مع كروب الحياة ، التوازن بين القدرات والتطلعات، الإحساس بالعدل والمساواة، المساهمة من الفرد تجاه المجتمع. أي أن الصحة النفسية هي القدرة على التمركز حول الآخر والاهتمام بالمشكلات العامة، وصنع التوازن بين القدرات والتطلعات وحب العطاء والعمل، والإحساس بحرية التعبير والآدمية


أما الاضطراب النفسي في المقابل، فتحدده عدة معايير أهمها: التمركز حول الذات، والتقوقع حول النفس والأسرة الضيقة، بغض النظر عن القيم والعادات

والسؤال هو: هل يستطيع المواطن المصري التكيف مع كروب الحياة؟



لقد وصلت هذه الدرجة من التكيف إلى أقل تقدير حيث الكروب المتزايدة والتي تتلخص في الغلاء، البطالة، الازدحام، عدم وجود رعاية صحية مناسبة، تدني جودة التعليم، الانتماء الخاطئ للدين، والاهتمام بالطقوس دون الاهتمام بالجوهر
وتزداد حدة الضغوط على المصري مع تعاظم غول الفقر. ففي 17 أكتوبر تشرين أول عام 2007، تحدث منسق الأمم المتحدة في مصر جيمس راولي عن ارتفاع عدد المصريين الذين يعيشون في فقرٍ مدقع. وأضاف في افتتاح "حملة قف وعبّر ضد الفقر": إن معدل الفقر المدقع في الفترة من عام ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٥ زاد من ١٦.٧% إلى ١٩.٦% من عدد السكان، وإن واحداً من كل خمسة مصريين لا يستطيع تلبية احتياجاته الأساسية، حسب دراسة أنجزتها الأمم المتحدة في يونيو 2007


وربما يجوز القول إن المصري عاجزٌ حالياً عن التكيف مع كروب الحياة حتى بالنسبة للذين يتمتعون بالكفاءة والدرجات العلمية الرفيعة، حيث إنه بات من الصعب الوصول إلى مركزٍ وظيفي محترم إلا بالمحسوبية.. فالإنسان الكفء لا يستطيع بالعمل الجاد أن يصل إلى مبتغاه، وبالتالي تهتز صحته النفسية

إن صحة المصريين النفسية ترتبط بشكلٍ أو بآخر بمدى الإحساس بالعدل ودوره في تنمية مظاهر الحب والانتماء. فالعدل منقوصٌ في بلدنا، والمواطنون يعلمون أن أصواتهم لا تعني شيئاً وهم توصلوا إلى هذه القناعة من خلال تعامل الرؤساء مع مرؤوسيهم، وفي تجاهل استجوابات الفساد وأسلوب تمرير القوانين برفع الأيدي الجاهزة تحت قبة مجلس الشعب

وطالما أن هناك إعلاماً يميل إلى التسلية والطرب ويغفل الثقافة الفكرية والعلمية، والتوعية، فإن الخرافات والصرعات الغريبة تزداد وتنتشر في خطين متوازيين، فكل منهما يعمل في خدمة سيدٍ واحد: التفاهة
أضف إلى ذلك تدهور نظام التعليم في بلادنا، فقد ارتضى القائمون عليه أن يكون نظاماً يشجع التلقين والسلبية ويمنع الطالب من الحوار والنقاش البناء مع الأستاذ، مما يدرب المصري منذ نعومة أظفاره على الخضوع والاستكانة، ولا يجد أمامه طريقةً للتعبير عن عدوانيته أو البخار المكتوم في صدره إلا بالأسلوب السلبي، كالتنكيت، فالنكتة قد تكون في جوهرها ظاهرة عدوانية لكنها سلبية

والإعلام في المقابل تخلى عن دوره الأساسي فلم يعد يهتم بتوضيح الحقائق وإزالة الغموض، وإقامة قنوات اتصالٍ فعالة بين مطالب واحتياجات الموطنين وبين مؤسسات وأجهزة الدولة..وبالتالي بقيت المخاوف ومشاعر القلق على حالها. والتوعية تسهم في التخفيف من حدة التوتر والقلق وبالتالي تسيطر على مشاعر الخوف، لكن مصر تفتقد وجود أي جهاز للتوعية بأي شيء

إن المواطن العادي لا يدري ماذا يتعين عليه فعله إذا وقعت له كارثةٌ أو نزلت به مصيبةٌ أو تعرض لجريمةٍ كالسطو أو النصب أو الاغتصاب أو التحرش. إنه لا يعرف على سبيل المثال إلى أين يتجه بالضبط، وما هو الرقم الذي يدير به قرص الهاتف طالباً النجدة أو العون، لتنقذه قبل فوات الأوان أو تنتشله من محنته وآلامه. لا بد إذاً من تعريف المواطن وتوعيته بكل شيء حتى يزول الخوف من نفسه، ويعرف طعم الطمأنينة

الطمأنينة!

كلمةٌ يتوق إليها المصري، بغض النظر عن مستواه المادي والاجتماعي أو موقعه الوظيفي.. فالكل يشعر بالقلق وعدم الأمان، سواء من يقيم في قصرٍ على طريق الإسكندرية الصحرواي، أو يسكن في عشةٍ في الوراق أو الدويقة

ويمكن القول إن المصريين ينقسمون الآن إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول يتألف من أشخاصٍ لا يبالون ولا توجد لديهم انفعالات ويتسمون بالسلبية الشديدة، والقسم الثاني يعاني قلقاً وخوفاً مستمراً من المجهول ولذا فإنه مصابٌ دوماً بحالة "خضة" ويخشى حتى من رنين الهاتف أو جرس الباب ويكرر أقوالاً وعباراتٍ من عينة "اللهم اجعله خيراً" حتى إذا ضحك، بما يجسد مخاوفه وتوتره. لقد أصبح هؤلاء الناس – والأرجح أنهم قسمٌ لا يستهان به من المجتمع- يعانون حالة ترقبٍ غير مريح، وهذا هو أحد أعراض القلق النفسي. ويبقى قسمٌ ثالث طبيعي يتعامل مع المواقف كما هي دون استهانةٍ أو مبالغة

وأي شعبٍ تضعه في الظروف التي يعيشها المصريون من عدم وجود حمايةٍ لآدميته أو لممتلكاته أو لجسده أو لنفسه من الخدمات المتاحة له، لا بد أن يكون في حالة خوفٍ أو هلع. أنت في مصر لا تعرف أي شيء عما يدور في بلدك، ولا تدري لماذا اختير فلان لهذا المنصب أو أقيل آخر أو حتى تعرض للمهانة. وفي ظل هذا الغموض السائد تزداد الإشاعة ويكون المواطن قابلاً للإيحاء وتصديق الأوهام

إن القلق والخوف والغموض هي الطينة التي تنبت وتنمو فيها الإشاعة، ثم إن عدم قدرة المصري على تصديق ما يقال له من وعود وما يصرح له به من أرقامٍ، سببٌ في شعوره بالخشية والقلق. فإذا سمع المصري أن الأرقام الرسمية تشير على سبيل المثال إلى أن نسبة البطالة لا تتعدى 8 % فإنه لن يصدق هذا، لأنه يشعر ويرى أن الرقم أكبر من ذلك بكثير. والمواطن إذا مرض أو أصيب أو مات فإن أحداً لا يسأل عنه، اللهم إلا دائرة المقربين منه

إن أحدث تقارير التنمية البشرية تشير إلى أن ما بين ٧٦ و٨٠% من المصريين يدفعون تكاليف علاجهم من جيوبهم، وهم يتساوون في ذلك مع مواطني جيبوتي والسودان والصومال، في حين أن مواطني دول الخليج مثل السعودية والبحرين والإمارات لا تزيد مساهماتهم في تكاليف علاجهم على ١٠%، أي أن هذه الدول تدفع نفقات علاج مواطنيها الأغنياء.. أما مصر فقد تخلت عن علاج فقرائها

وفي الدول الصناعية يتم تخصيص ما بين ١٠ و١٣% من ميزانية الدولة لقطاع الصحة، أما في مصر فإن هذه الميزانية في حدود ٣% فقط، وذلك وفق تأكيد تقرير التنمية البشرية. أمرٌ يدعو إلى الحزن والأسى أن تكون مخصصات التعليم والصحة هي الأقل في ميزانية الدولة

لقد اعتاد المصري على مر تاريخه أن يلقي همومه على عتبة الجماعة التي ينتمي إليها، أما الآن فقد تُرِكَ لذاته وأصبح أسيراً لها، ولم يعد أمامه إلا أن يأكل بعضه بعضاً، في حين اكتفت الحكومة بالجلوس في مقاعد المتفرجين

إلى أين يقودنا هذا الخوف؟

إنه يقودنا إلى حالةٍ من الجمود العاطفي وعدم المبالاة، تماماً مثل الفأر الذي تحدثنا عنه من قبل.. إن قطاعاً من المصريين أصبح يقرأ أو يشاهد ما يحدث في بر مصر من كوارث أو عن معاناة شعوبٍ عربية أخرى، فلا يبدي انفعالاً يذكر أو ينسى الأمر بالكامل بعد لحظاتٍ من التعرض له

إنها حالةٌ يمكن أن نسميها: العين الزجاجية

عينٌ نظن أنها ترى، لكن المؤكد أنها لا تحس بما يدور أمامها

gravatar
Basma في 8:47 PM

أستاذي .. تحيه لك
أبدأ تعليقي بغصه أصابتني من مجموعة الصور التي حواها البوست والتي تفسر تساؤلاتنا
من أين لنا بهذا الخوف أنه نتاج الفقر فالفقر مذله والفقير يعمل جاهدا فقط ليأكل فكيف له أن يري المشكلات ويواجهها... الفقير منهك
فقره يجعله ينظر إلي المريض ولا يتأثر فهو أيضا مريض وإلي المشرد ولا يتأثر فهو معرض في أي يوم أن يكون مكانه .. وإلي أطفال الشوارع ولا يراهم فهم قذرون وضعفاء ويكفيه ما هو به من مشاكل
والفقر الذي يعاني منه السواد الأكبر من المصرييين مرجعه ليس لكسلهم أو غبائهم أنما لخطط وضعتها حكومات متتاليه بغرض السيطره علي القطيع فكانت الكارثة
نحن نسير في دائره ما نظن أننا وصلنا للنهايه حتي نجد أننا عدنا للبدايه مره أخري فما أن تلوم الشعب حتي تجد أنك وصلت إلي مركز السلطه فإذا بدأت به تجد أنك تصل لسلبيه وجمود الناس ولا تزال تدور في الدائره ولا تعلم هل التغيير يجب أن يكون من رأس الهرم أم من قاعه ليتحقق التوازن
تساؤلات كثيره تبعث علي المرء بالأكتئاب ... لن أزيد في تشائمي حتي لا أدخل ضمن الأحصائيات فالنسب عاليه بالفعل
تحياتي لك

gravatar

أعترف أنى شخصيا اعانى من حالة الجمود العاطفى واللا مبالاة .. يمكن أنا زى النعامة لكن أحيانا ده حل مريح .. لأنى مش شايفة حل

تحليل رائع يا دكتور ...يوجع القلب

gravatar
Anonymous في 11:14 PM

Dr. Yasser,
A very long ,depressing ,hard article ,I think that healing matters are too difficult .
Do u have another solution than being depressed ,otherwise it is better for all egyptians to leave their country and move to another place for LIFE.
The Pearl

gravatar

Basma

الفقر سبب واحد في قائمة طويلة من الأسباب التي أدت إلى الوضع الذي نحن عليه الآن

نحن جلبنا على أنفسنا الكثير مما نعيشه الآن في ظل سلبيتنا وسكوتنا على الفساد والفوضى

تذكري يا بسمة أنه "كيفما تكونوا، يولى عليكم"

gravatar

MMM!

حالة الجمود العاطفي هي في رأيي محاولة للعزلة وتجنب المفاجآت وربما خيبات الأمل

إنها محاولة للاحتماء بقوقعة الذات..لكن في النهاية ينفجر بركان الذات والمشاعر الإنسانية في لحظة ما فيتضح أن تقنية النعامة لم تكن فعالة كما كنا نظن

الحلول ممكنة.. لو بدأنا جدياً رحلة التغيير..نقطة البداية الصحيحة هي أنفسنا

gravatar

The Pearl



الأزمة موجودة وخانقة، لكن التغيير ممكن

لو أننا حاولنا على مستوى شخصي ثم على مستوى العائلة والمجتمع الصغير المحيط بنا، أن نكون أكثر إيجابية وانضباطاً ووعياً ونزاهة، لتغير الكثير

تحسين الأوضاع بالغ الصعوبة لكنه ليس مستحيلاً

تجيدين القراءة، ولكن هل فكرت في كتابة أو تدوين أفكارك؟

gravatar

جميلة جميلة جميلة جدا ربنا يكرمك و يوفقك للاحسن

gravatar

البيروني


أشكرك على التعليق والمشاركة.. مرحباً بك دائماً كصديق للمدونة ولي شخصياً

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator