المحروسة

gravatar

جرائم العاطفة في مصر النازفة (13): لعبة الزنكلوني..ولعنة برهان الدين



الصداقةُ هي أمُ الحِيَل وصندوقُ الألاعيب

ففي الوقت الذي كان الجدل فيه دائراً حول قضية المشالي وفاطمة، ظهر في الأفق شخص اسمه شمس الدين الزنكلوني

والزنكلوني هذا كان أحد قضاة الشافعية، والأهم من ذلك أن الزنكلوني كان زميلاً وصديقاً للمشالي

وجد هذا القاضي حلاً شرعياً أو مخرجاً مناسباً ينقذ به صديقه من الرجم. فقد تمكن من تهريب رسالةٍ إلى المشالي في سجن "المقشرة" وأخرى إلى المرأة في سجن "الحجرة" ينبه فيهما العاشقين إلى ضرورةِ أن يطلب كلٌ منهما قاضياً وينكِر أمامه اعترافه بالزنا. وبينما ذلك يتم، كان الزنكلوني قد كتب سؤالاً يطلب فيه الفتوى، ودار به على القضاة ومشايخ الإسلام. وكان نص السؤال هو: "رجل زنا واعترف بالزنا..ثم رجع عن ذلك الاعتراف، فهل يسقط عنه الحد أم لا؟"

بدأ الزنكلوني جولته بشيخٍ جليل هو الشيخ برهان الدين بن أبي شريف، وكان قاضياً سابقاً لقضاة الشافعية عُرِفَ عنه التفقه الكبير في أمور الدين، وكان قوَالاً بالحق، آمراً بالمعروف لا يخاف في الله لومة لائم. امتلك في القدس مصبنةً يصنع فيها الصابون، فكان يتقوت منها، ولا يأكل من أموال مشيخة الإسلام شيئاً

وتقول عنه المراجعُ التاريخية إنه "بقي في قضاء قضاة الشافعية بمصر إلى يوم الخميس رابع ربيع الأول سنة عشر وتسعمائة (أي: الخميس 15 أغسطس 1504 م)، فعُزِلَ بقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الفرفور كما ذكره الحمصي في تاريخه، ثم أنعم عليه السلطان الغوري بمشيخة قبته الكائنة قبالة المدرسة الغورية بمصر في يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة عشر (أي: الخميس 10 أكتوبر 1504 م)، واستمر في المشيخة المذكورة إلى ذي القعدة سنة تسع عشرة وتسعمائة (أي: يناير 1514)"

قدم الزنكلوني للشيخ برهان الدين بن أبي شريف السؤالَ مكتوباً، فرد عليه كتابةً بأنه "إذا رجع الزاني عن الإقرار باعترافه بالزنا، سقط عنه حد الرجم، وغير ذلك من الحدود"

تجول الزنكلوني بين كبار المشايخ يعرض عليهم السؤال وتحته إجابةُ الشيخ الجليل ابن أبي شريف، فكانوا جميعاً يقرون إجابته ويكتبون بذلك أوراقاً..وكان قضاة المذاهبِ الأربعة بين الموقعين






وعندما انتهى السلطان من انشغاله في أمر الحج وخروجِ المحمل واستقبالِ وتوديع ضيوف من أمراء العراق، أرسل يسأل عما اتخِذ من إجراءاتٍ لرجم الزاني والزانية، ففوجيء بأن المتهمين قد عدلا عن اعترافهما..وفوجيء أيضاً بأن فتوى صدرت عن قضاة الشرعِ بأن لا وجه لتطبيقِ حد الرجم أو غيره - كالجلد- لعدولِ الزانيين عن الاعتراف

استشاط السلطان قانصوه الغوري غضباً، وصاح قائلاً: "يا مسلمين..رجلٌ يطلع إلى بيتِ آخر..ويفسقُ مع زوجته ويُقبَضُ عليه تحت اللحاف معها..ويعترف بذلك..ويكتبه بخطِ يده..وبعد ذلك تقولون له حقُ الرجوع؟!"

أرسل السلطان في استدعاء قاضي قضاة الحنفية السَري عبد البر بن الشحنة وكان صديقاً مقرباً عنده..وسأله أمر الفتوى فأنكرها وهاجمها بشدة، وقال إن الذين أصدروها لا يفهمون في الدين وإن الحد لا بد أن يُطبَق. وكحلٍ للمشكلة، اقترح عبد البر عقد مجلسٍ شرعي يضم كبار المشايخ والقضاة لمناقشة الفتوى وتجريمها فقهياً

وفي هذا المجلس الشرعي العالي الذي عُقِدَ في القصر الكبير بقلعة الجبل يوم الخميس الموافق 23 ديسمبر كانون أول عام 1513، عرض السلطان على شيوخ القضاء في مصر المسألة، مُصِراً على أخذ الزاني باعترافه، معارضِاً في حقِ الرجوع..وتولى القاضي ابن أبي شريف الرد باعتباره مصدر الفتوى، فذكر أقوال الفقهاء في هذا الصدد، وختم كلامه بقوله "هذا هو شرع الله"

ولم يكن هناك خلافٌ بين الحاضرين على أن المشالي وفاطمة قد ارتكبا جريمة الزنا ولا في استحقاقهما للرجم، وهي العقوبة التي نص عليها القرآن الكريم حين يكون الزانيان مُحصنين، أي متزوجين..ولكن الخلاف كان هل يحق لهما أن يرجعا عن الاعتراف وينكرا، وخصوصاً أن الاعتراف كان هو الدليل الوحيد الثابت على الجريمة، إذ إن الذين رأوهما لم يكونوا أربعة شهود ولم يروا "المرود في المكحلة"، أي واقعة الزنا، كما ينص على ذلك الحديث النبوي الشريف

طالت المناقشة وتوترت أعصاب السلطان، فقال للشيخ ابن أبي شريف: "يا شيخ برهان الدين.. أنا وليُ الأمر، ولي الحق في اتخاذ ما أراه"..فرد الشيخ قائلاً: "نعم يا مولانا، ولكن بموافقة الشرع الشريف..فإن قتلتَهما دون أمر الله تلزمك ديتان عنهما"

حَنقَ السلطان على الشيخ ولكنه كظم غيظه، ونظر إلى شيخٍ آخر من قضاة الشافعية هو الشيخ زكريا وسأله عن رأيه، فأيد رأي زميله، فقال السلطان: "هذا يبقى في ذمتك؟!"، فقال الشيخ: "إيش أكون أنا..يبقى في ذمة الإمام الشافعي صاحب المذهب"..هنا قال السلطان: "أنت دهولت..ما بقي لك عقل"

تدخل الشيخ نور الدين المحلي وقال: "يا مولانا..إن الذي صدر عن القضاة ومشايخ الإسلام بصحة سقوط الحد عند الرجوع عن الاعتراف هو الحق..وهو نص ما نقله الإمام الشافعي وغيره رضي الله عنهم أجمعين..فلا عبرة باعتراف الزاني إذا رجع عن اعترافه". فقد السلطان السيطرة على أعصابه، فصاح فيه قائلاً: "إن شاء الله يا شيخ محلي تطلع إلى بيتك فتجد من يفعل في زوجتك الفاحشة كما فعل المشالي في زوجة خليل". وبأعصابٍ من فولاذ تماسك المحلي قبل أن يقول للسلطان "عافانا الله من ذلك يا مولانا"

نظر السلطان إلى صديقه القاضي السَري عبد البر منتظراً أن يؤيده في رأيه ففوجيء به يؤيد زملاءه القضاة، فانفجر آنذاك وأخذ يشتمه ويسبه صائحاً: "أنت تقرر معي شيئاً وترجع عن ذلك..كنتَ قلتَ هذا من الأول حتى أعرف أمر الرجوع". وبخ السلطان القضاة الأربعة - الكمال الطويل الشافعي، والسري بن الشحنة الحنفي، والشرف الدميري المالكي، والشهاب الشبشتي الحنبلي- بالكلام القبيح وقد بلغ به الحنقُ مداه، ثم ختم توبيخه بأن صاح فيهم قائلاً: "أنتوا الأربعة قوموا..لا تروني وجوهكم قط..أنتم مفصولون من القضاء"

في اليوم التالي أصدر السلطان قراراً بعزل الشيخ ابن أبي شريف من منصبه كناظر لمدرسة السلطان وأمر بعزل قضاة المذاهب الأربعة، ثم أمر باعتقال شمس الدين الزنكلوني، القاضي الذي دار على العلماء بالفتوى. فلما مثل بين يديه قال له: "يا زنكلوني..حكمُك أنت يمشي، وحكمي أنا يبطل؟!"، ثم بطحه على الأرض وضربه نحو ألف عصا، وضرب ابنيه الاثنين كل واحدٍ نحو ستمئة عصا، وأمر بنفيه هو وأولاده إلى الواحات

ظلت مصرُ خمسة أيامٍ كاملة بلا قضاة

وفي تلك الأيام لم يُعقد زواجٌ، ولم يتم طلاقٌ، ولم يصدر حكمٌ شرعي، وتعطلت قضايا التجار، واضطربت الأحوال

وفي 10 يناير كانون ثانٍ عام 1514 عدلَ السلطان عن حُكمِ الرجم الذي صدر بحق العاشقين، وقرر شنق نور الدين المشالي وفاطمة، واختار لتنفيذ الحكم طريقةً غريبة، فقد أمر بأن تُنصب المشنقة على بابِ الشيخ برهان الدين بن أبي شريف الذي أصدر الفتوى في صالح حقِهما في الرجوع عن الاعتراف..ثم جيء بالعاشقين: نور الدين المشالي من سجن "المقشرة" الرهيب، وفاطمة من سجن "الحجرة"، ونُفِذَ الشنق في حبلٍ واحد، وقد جعلوا وجهَ الرجل في وجه المرأة. وكانت فاطمة تلبس إزارها وعليها أثوابها مسبولة. وظلت جثتاهما معلقتين ثلاثة أيامٍ، ووجهاهما وجسداهما ملتصقين، والناسُ يأتون من كل فجٍ عميق كي يشاهدوا النهاية الفاجعة لقصة حبٍ ورغبة بدأت بفراشٍ وثير وانتهت بحبلٍ غليظ

في مساء اليوم نفسه، عيَنَ السلطان قانصوه الغوري أربعة قضاةٍ بدلاً من القضاة الأربعة الكبار المفصولين، وتجمع نوابهم حول القلعة ينتظرون مواكبهم، فكان عددهم يزيد على ثلاثمئة نائب

وفي أحد أهم التراجم عن الشيخ برهان الدين بن أبي شريف، يقول النجم الغزي في كتابه "الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة": "فوقعت حادثةٌ بمصر، وهي أن رجلاً اتُهِمَ أنه زنا بامرأة فرفع أمرهما إلى حاجب الحجاب بالديار المصرية الأمير أنسبائي فضربهما فاعترفا بالزنا، ثم بعد ذلك رفع أمرهما إلى السلطان الغوري، فأُحضِرا بين يديه، وذكرا أنهما رجعا عما أقرا به من الزنا قبل ذلك، فعقد السلطان لهما مجلساً جمع فيه العلماء والقضاة الأربعة، فأفتى شيخ الإسلام برهان الدين صاحب الترجمة بصحة الرجوع، فغضب السلطان لذلك، وكان المستفتي القاضي شمس الدين الزنكلوني الحنفي، وولده، فأمر السلطان بهما، فضرِبا في المجلس حتى ماتا تحت الضرب، وأمر بشنق المتهمين بالزنا على باب صاحب الترجمة، فشُنِقا، وعُزِلَ صاحب الترجمة من مشيخة القبة الغورية والقضاة الأربعة الكمال الطويل الشافعي، والسَري بن الشحنة الحنفي، والشرف الدميري المالكي، والشهاب الشبشتي الحنبلي، وكانت هذه الواقعة سبباً لتكدر دولة الغورية، وتبادي انحلال ملكه حتى قتل بعد سنتين بمرج دابق، ولا حول ولا قوة إلا بالله"

الطريف أنه بعد سنواتٍ قلائل، عاد ثلاثةٌ من القضاة الأربعة الكبار إلى مناصبهم، فيما مات الرابع، وهو نديم السلطان وصديقه القاضي عبد البر بن الشحنة..من شدة قهره

أما الناس فأخذوا يضربون كفاً بكف، وكانوا يقولون: "جميعُ ما وقع للغوري بسرِ الشيخ برهان الدين"

gravatar

لا أعجب من الحياة
دوما تفوق الخيال غرابة ً.
مع ذلك إن كانت حكاية جاد بها أحد الكتاب لاستغربنا مخيلة الخصبة وخياله الجامح و ميله للمبالغة!.

أما مآل السلطان فمنطقي تماما فلا مهرب من الأقدار.
ما تفعل يُفعل بك.


ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

دمت طيبا يا أخي.

gravatar

Karma

نعم، الحياة أغرب من الخيال في كثير من القصص والمفاجآت المذهلة

أما حكاية السلطان قانصوه الغوري مع القضاة وإعدام المشالي وفاطمة، فهي تستحق التأمل لمفارقاتها ودروسها التي تصلح حتى يومنا هذا

أشكرك على المتابعة والاهتمام

gravatar
شريف نجيب في 7:18 PM

أستاذي العزيز ياسر ثابت،،
أولاً واحشني جداً و حاسس إني مقصر معاك بسبب مشاغل العمل اللي خلتني مش قادرأتابع زي الاول.. يظهر أنا بقيت من عبيد المال يا دكتور :)

ثانياً: ألف مبروك على الكتابين، للأسف أنا مارحتش المعرض السنة دي بس ده مايمنعش إني حاجيب الكتب و مستني لما تيجي مصر عشان تكتب لي عليهم إهداء.

ثالثاً :أستمتع للغاية بقراءة التاريخ من خلال كتاباتك. و لدي ثقة كبيرة بك كمصدر أصيل ، لعلمي باهتمامك بالدقة في الرواية . د.أسامة كان عنده حق لما قال أنك واحد من أعلى المثقفين قامة في العالم العربي.

و عن إذنك بقى عشان فايتني تدوينات كثير ليك لازم أقراها.

gravatar

شريف نجيب

سعادتي كبيرة بوجودك وتعليقك،والأسباب كثيرة
أنت تعلم مدى تقديري لك وإعجابي بمدونتك التي اخترت لها الاحتجاب، علَها تعود يوماً
آمل أن تجد في المدونة ما ينال إعجابك.. أما الكتابان فهما يضمان معلومات إضافية وجديدة تماماً آثرت أن أخص بها قراء الكتابين
والله يا عزيزي، د. سامة القفاش هو الأستاذ، فهو موسوعي من طراز نادر..وأنت كصديق مشترك تكمل مع باقي الأصدقاء الأفاضل حبات العقد
مودتي الدائمة

gravatar

صحيح إذا القول
من الحب ما قتل

gravatar

Khawwta

في الحب، قد يبدأ القتل مع النظرة الأولى أو اللمسة الأولى

وربما لهذا يقول عشاق "أموت فيك"

فالحب والموت وجهان لعملة واحدة

gravatar

يااااه أخير عرفنا نهاية القصّه :) أنا زعلت أوى أمّا لقيت القصّه على جزءين وقت ما كان موجود منها جزء واحد بس

موقف القضاه فى هذه القصّه مشرّف جدّا و يبدو أن هذا هو قدر القضاه الشرفاء فى كل مكان و زمان !! ويمكن لهذا اختصّ الله سبحانه و تعالى الإمام العادل -والقضاء من الإمامه- بمنزله خاصّه من التكريم ..

تحيّاتى

gravatar

زمان الوصل

القضاء الشريف موجود في كل زمان ومكان
قضاء عادل يقول كلمة الحق في وجه السلطان..أي سلطان

الحكاية تحوي تفاصيل مثيرة ومفاجآت كثيرة..ويسعدني أنها أعجبتك

gravatar

دكتور ياسر قريت سلسلة تدونيات جرائم العاطفة فى مصر النازفة استمتعت جدا بها اشكرك على جهدك واختياراتك الممتعة ودمت متالق دائما

gravatar

shasha

يشرفني أن تلقى هذه السلسلة إعجابك وتقديرك

أستعد لنشر هذه السلسلة مع مزيد من الإضافات في وقت قريب

شكرا لك ثانية

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator