المحروسة

تدوينات من الأرشيف

gravatar

جرائم العاطفة في مصر النازفة



مثل قطارٍ أفعواني في حديقة ملاهٍ، يشقُ الحب طريقه صعوداً وهبوطاً، وسط صيحات ابتهاج وأحياناً فزع الجمهور
وقصصُ الحب عجيبة وغريبة، لكن الأغربَ دائماً هو نهاياتها

تبدأ رحلة الحب بالعواطف الرقيقة أو الساخنة -لا فرق- حيث تتأججُ المشاعر وتتقارب النفوس، ويتناثرُ من أيدي العشاق ضوء يعبر منه العالم إلى الجنة، إلى أن تهبَ العواصفُ فجأة ليظهر الوجه الآخر لأحد الطرفين أو كليهما، لتنهار الأحلام الوردية وتظهر الحقيقة بكامل صورتها وتفاصيلها

وفي تلك اللحظة قد يقع خلافٌ وشجار وصراع، ينتهي بالدماء التي تسيل أو الأرواح التي تزهق، مصحوبةً بهمهماتٍ وتساؤلاتٍ وفضول لا ينتهي في أوساط الرأي العام أو وسائل الإعلام. وربما تتحولُ الجريمة العاطفية إلى قضيةٍ ذات أبعاد سياسية تشغل اهتمام الحكام والسفراء، ويلعب فيها الدبلوماسيون أدواراً مؤثرة

وجرائم العاطفة في تاريخ مصر لها أكثر من شكلٍ وصورة، فهي قد تكون ناجمةً عن علاقةٍ سرية تنتهي بفضيحة وأحياناً الموت على مرأى ومسمع من الناس، أو تبدأ بشجارٍ بين زوجين تتكثف فيه مختلف العوامل، وتطفو على السطح مشاعر الغضب المتراكمة، لتنتهي بمأساةٍ أو رصاصة أو دس السم في الطعام والشراب

وفي كلِ الأحوال، فإن الجريمة العاطفية في مصر وقعت في القصور مثلما حدثت في المنازل المتواضعة..وشهدتها عصور الفراعنة والمماليك والعثمانيين وما بعد ذلك طبعاً، وصولاً إلى اليوم. قد تكون وقائعها جرت في القاهرة أو الإسكندرية، أو حتى خارج الحدود..في مدينةٍ تسابق الوقت مثل دبي أو في ربوع أوروبا أو إحدى الولايات الأميركية، ولكنها تظل جرائم عاطفية يجلسُ فيها أحد الطرفين على الأقل متكئاً على عذابه وينامُ في سرير يأسه، بعد أن كان يظن أن العاشق يهرمُ..ولا تذبل أشواقه

وحين تقعُ مثل تلك الجرائم التي ترتدي ثوب العاطفة، تولَدُ مآسٍ تثير في النفس أكثر من تساؤل حول أسرارها وتفاصيلها ودوافعها

وفي الحب كما في الجريمة، تتداخلُ حدودُ الأشياء والمفاهيم وتضطرب الرؤية

والعاشقُ ينقشُ كلماته أفلاكاً على فضاء الذاكرة بأحاسيس أقرب من الدمعة وأبعد من المجرة
يصبحُ العاشق ظلاً لظل من يحب، يحلمُ بتفاح الفتنة وغواية العطر، ويصنعُ مع من يحب إرثاً مشتركاً من الأحلام، وحين يدخل محراب اللمس تضيع منه اللغة ويهرب الحرف

وفي أحوال العاشقين، تكونُ خارجاً للتو من النهر، فتشعرُ على استحياءٍ بالظمأ من جديد

وإذا كانت العاطفة تهزنا هزاً وتعبئنا بالغمام، فإن البعض لا يقرأ في قاموس المشاعر سوى كلمة انتقام.. هنا تنزف الوردة دماً، ويسير العشق عكس الاتجاه، وتقيم الحكاية مأتماً بين أصابعنا وفي قلوبنا

وفي تاريخ مصر حكاياتٌ لا تنتهي عن المحبة التي انتهت بحريق هائل يلتهم سوسنة الفؤاد، وقصصٌ عن الوجد الذي أتى حاملاً نعشَ أبطاله، والشوق الذي دفنته الغيرة في قبر الهواجس

وبدلاً من الألق، ينبت الأرق

والحكاياتُ التي اخترناها من عصور مختلفة وأزمنة متباعدة ترسمُ خرائطَ الروح، وتحولات النفوس، وتبحثُ عن أسباب هذه الانقلابات العاطفية التي تنتقل من صيدِ لؤلؤ الرغبة إلى عداءٍ مستحكم، يمنح فيه أحد أطراف العلاقة نفسه تصريحاً بالقتل

زيارةٌ جديدة لتلك الجرائم العاطفية تبينُ أن الموتَ الذي كنا قد واريناه الأيام لم يمتْ بعد بجدية

لم يكن الأمر سهلاً، فقد تطلبت الكتابة عن تلك الحكايات وشخصياتها المحورية قراءة مئات الكتب والمراجع والدوريات والصحف باللغتين العربية والإنجليزية. ولعله من الضروري أن نشير إلى أن جانباً لا يُستهان به من المواد والتفاصيل المنشورة في هذا الكتاب يُنشر لأول مرة باللغة العربية، وخصوصاً حكاية الأمير سيف الدين مع الأمير فؤاد الذي أصبح فيما بعد ملكاً على مصر، وقصة محاكمة مارغريت فهمي في لندن بعد أن قتلت زوجها الوجيه المصري في أحد فنادق العاصمة البريطانية

التوثيقُ هو أحد مفاتيح الكتابة في هذا المشروع المتواضع

غير أن هناك حرصاً على سهولة اللغة وسلاسة السرد واهتماماً بنقل الحوارات والأحاديث كما دارت أو وردت في المصادر المختلفة

إنها حكاياتٌ هدهدتها الأحلام، قبل أن تتحول إلى كوابيس، ولوحةٌ من ألوان البهجة وحب الحياة قبل أن تصبح ملطخة بالدم. والأبطالُ في هذه الحكايات من كل صنفٍ ولون: رجال أعمال وفنانات، ملوك وأميرات، قضاة وربات بيوت، نصابون ومطلقات. أما الذي جمع بين هؤلاء فكان الحب وقصص تغسلها فضة الأساطير..حتى فرَق بينهم الموت
اللافتُ للانتباه أن القتلَ كان يقعُ عادة تحت جنح الليل.. ربما لأن الظلام سترٌ لأصحاب الخيباتِ كما هو مطلبٌ للصوص
هؤلاء العشاق ماتوا بكل الطرق الممكنة، بدءاً من الرصاص وانتهاءً بالقباقيب. يا لها من نهاياتٍ مأساوية سببها من كانوا يحبوننا

لكنها كانت نهاياتٍ تستحق أن تُروى..وبداياتٍ جديرة بأن تُستعاد

لنبدأ معاً القراءة


من مقدمة كتاب "جرائم العاطفة في مصر النازفة" ، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2009
تابع القراءة

gravatar

كتاب الرغبة (19): لعنة الأصابع






إلى آخر يد لمست هذه النسخة من الرواية



تفتحُ هذه الرواية عوالمَ مغلقة وممنوعة الإشهار
إنها رواية "رائحة القرفة" للكاتبة السورية سمر يزبك، التي تمثل واحدة من أهم الروايات باللغة العربية التي تناولت موضوع العلاقات المثلية بين النساء
رواية تتسلَّل إلى دم القارئ بقوَّة، وتقودك لتدخل معها أبواب الشفقة مرة ومرات باب الغواية، وتكتشف طقوس المتعة وأسرار الرغبة في الأحياء الشامية
رواية تتحدى بالحماقة والجنون قواعد المعادلات الرياضية، مؤكدة أن حاصل جمع اثنين واثنين قد يساوي ثلاثة
روايةٌ تسبح بثقة إلى القلب وهي تقيم مواجهةً بين شخصيتين متناحرتين؛ حنان الهاشمي التي فرَّت إلى غرائزها بغرائزها من جحيم الذكورة، إلى لعبة الأصابع ولعنتها، وكأنَّها تفتح نافذةً من جسدها إلى جسد عليا، فتنال لذائذ الشهوة في "ليل التواطؤ القادر على ملامسة شغاف قلبها" (ص 15)
وفي فيلا تقع في حي المهاجرين الراقي الذي تطل من نوافذ بيوته دمشق على قاطنيه بكل فضاءاتها، تصبح الخادمة هي السيدة وتصبح السيدة هي المتطلبة لتنفيس فوران الجسد الذي لم يستطع الرجل أن يحرك فيه ذلك التوق الشديد الذي يضطرم تحت جلد امرأة
"تمسك صولجانها في النصف الأول من الليل. تتحسس تاج سيادتها اللامرئي، تغفو قليلاً، وعندما تصحو تتناوم في سريرها، مرة أخرى، جاهزة لاستدعاء السيدة
"في النصف الثاني، تتسلل إلى غرفة سيدها. تنام قربه عارية، تعبث بلحمه المترهل، ثم تغادره إلى غرفتها" (ص 15)
إن الفتاة التي كبرت يوماً بعد يوم في الفيلا أتقنت اللعبة سريعاً "وعرفت أنها تخبىء في جسدها، كنزاً تمنحه لسيدتها ساعة تشاء، وتمنعه عنها عندما تكون في مزاج سيىء، فقط أثناء الليل، بينما كانت تتجنبها في النهار، وكأنها نجس، وتحاول إبعادها
الليل هو الليل، والنهار هو النهار" (ص 84)

وفي كل الأحوال، يظهر جميع شخوص الرواية ضحايا لفاعل ما، هو الفقر والغنى

في روايتها التي صدرت عن "دار الآداب" في بيروت (2008) وجاءت في 167 صفحة من القطع المتوسط، تبرز قدرة سمر يزبك على الغور في أعماق النفس والجسد على حد سواء. وهي تستعين بالمونولوج الداخلي الذي يتكرر غير مرة لإبراز صورة الصراع داخل النفس الإنسانية، كما تعمد إلى تنويع مستويات السرد، لتتناسب مع شخصية عليا التي كانت تنتشل لقمتها من الحاويات قبل أن تعمل خادمةً لدى سيدة ثرية، ورغبات حنان التي تطلق الطيور الحبيسة من صدرها وتريد أن تستأثر بخادمتها في فراش القابضين على الثروة والجاه



جاء في كلمة دار النشر عن عمل سمر يزبك: "تحكي رواية "رائحة القرفة" عن علاقة سيدة دمشقية بخادمتها الصغيرة، وتغوص في عالميهما، العالم السفلي المدقع الفقر، وعالم الطبقة المترفة. وتحول هذه العلاقة إلى لعبة قوية في يد الخادمة وتجعل منها المبرر الوحيد لشعورها بإنسانية مفقودة"
غير أنه يمكن القول إن الرواية تحكي عن الحب الذي هو زَخمٌ: إذا رَاحَ؛ راحْ
ويمكن للبعض أن يتأمل في صمت الإهداء الذي تقول فيه الكاتبة: "إلى نوّار.. حين غبْنا وحيدتين في هذا العالم المجنون"
لا تحصر يزبك وصفها لما يدفع بالمرأة، إلى عالم العلاقات المثلية في أسباب نفسية وجسدية، بل تضيف إلى ذلك عوامل مختلفة، منها عاداتٌ اجتماعية تتسم بتخلف وظلم واستبداد عند الرجل، ومنها الفقر الذي قد يكون أحياناً أبا الجهل

الرواية ليست من شبق، أو هي تصوير لدقائق الشهوة المتمرغة بين سهول العشق وجبال الفىء؛ هي رسائل المسافات التي تفجِّر في جانبٍ منها مأساةَ الإنسان حين لا يعيش حياةً تليق بكرامته
تبدأ القصة بما يشكل "بداية النهاية"، عبر حادثة مفصلية وحاسمة في حياة أبطالها، هي حادثة اكتشاف السيدة الدمشقية الثرية حنان، وعلى حين غرة، بأن خادمتها الفتية عليا تقيم علاقة جنسية مع زوجها الكهل أنور بعد أن ضبطتهما معاً مضطجعين في سرير واحد
ها هي بطلة الرواية تنهض من نومها وكوابيسها
"إنه خط الضوء المائل!
الباب كان موارباً. ولولا الضوء المنبعث كخط مائل نحو مرآة الممر، لما انتبهت حنان الهاشمي إلى الهسيس، وهي تمشي حافية القدمين. بعد أن قفزت من فراشها كملسوعة، تحلم أنها تحولت إلى امرأة بخمس أذرع وثلاثة أثداء" (ص 7)
تتابع حنان البحث عن مصدر خط الضوء المائل، في حين يحبس القارىء أنفاسه، مراقباً ومترقباً للحظة الكشف. إلا أن هذه اللحظة المرتقبة تتحول إلى أبعاد وحالات. فالمرأة المسرعة لتعرف ما الذي يجري في غرفة زوجها سرعان ما تستغرق في تأمل نفسها في المرآة وتأخذ أصابعها بتمسيد وجهها وتشعر بغبطة في تأمل تفاصيل جسدها
كل ذلك والقارئ ينتظر بعد أن تركته الكاتبة متشوقاً لمعرفة ما يجري. وبعد نحو صفحتين من الوصف والتصوير الدقيقين الموحيين، وإن كان ذلك في شيء من "الحشو" من الناحية السردية، نقرأ : "هسهسات ناعمة. ضحكات خافتة وأنين ملتاع. مشت ببطء وتثاقل، محاولة التكهن بمصدر الصوت. جسدها يرتجف بشدة. وقفت أمام مقبض الباب. التصقت به. فتحته بحركة عنيفة. صارت وجهاً لوجه أمام ما يحدث في الغرفة" (ص 9)
"كان زوجها العاري ممدداً على السرير، وتغضنات ألم واضحة على وجهه. ليس الألم تماماً. هذه التعابير لم تعرفها من قبل. تعيد تشكيل ملامحه. لم يكن هو نفسه، لكنه زوجها‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، وهناك مثل نفق عميق وسط الضوء الباهر، كانت… عليا" (ص 10)
وعليا هي الخادمة التي أتى بها أبوها طفلة لتعمل عند حنان. كان قاسياً ينفق كل ما تصل إليه يده ويسلب امرأته وابنته جنى تعبهما في العمل في البيوت. حنان التي صارت تعتبر عليا "ملكاً" خاصاً لها بعد علاقةٍ مستمرة بينهما، صرخت في الفتاة وطردتها من المنزل، في حين تبكي السيدة على فقدها وتتمنى عودتها
إلا أن الفتاة تقرر عدم العودة
كانت لحظة الصدام المباغتة تلك هي الفرصة المؤاتية أمام كل من السيدة وخادمتها للعودة إلى لحظة الحقيقة التي لا بد من انكشافها، كما كانت ذريعة الكاتبة لتمكين بطلتيها من استعادة حياتيهما المتباينتين والمتقاطعتين في الوقت ذاته
تتوزع فصول الرواية بين حنان وعليا عبر نوع من الرؤى والذكريات التي تعيد بذرة المأساة إلى تربتها الأولى
والذاكرة المصعوقة تفلت في براريها لتستعيد وتستدعي
وعبر سطور الرواية نكتشف أن غضب حنان الجم لم ينصب على عليا بسبب علاقتها غير المشروعة بالزوج أو أنها "خانتني مع تمساح متفسخ" (ص123)، بل بسبب رغبة حنان في امتلاك عليا بالكامل، بعد أن ارتبطت بها بعلاقة جنسية مثلية لسنوات عدة. ويدور داخل حنان صراع بين امرأتين، تقول لها إحداهما: "أريد أن أضمها إلى صدري" وتصرخ فيها الأخرى قائلة: "هي مجرد أصابع، استبدليها بغيرها" (ص 22)
وكما تهرب عليا من واقعها المزري، تهرب سيدتها حنان من واقعها البورجوازي الخالي بدوره من العاطفة والدفء الإنسانيين. فهي تنفر من أبيها لضعفه وتنازله عن دوره الأبوي، وتنفر من أمها لفظاظتها وتسلطها المهين على الأب
الوحدة إلى حد العزلة، صنعت جزءاً مهماً من تكوين حنان التي عاشت بعد موت أمها، بلا عائلة. فقد انتشر أعمامها في أنحاء العالم. في أميركا اللاتينية والشمالية، هاجروا من سوريا وأخذوا كل ما تملكه العائلة من ثروات، تبعثروا في جهات الأرض، وبقي من العائلة أخوان يمتلكان بضعة محال في البزورية، ومحلاً لبيع الملابس القطنية في سوق الحميدية.. وبسبب تشتت العائلة لم تنل حنان من أمها أي عطف. فقد بالغت أمها في تجاهل مشاعر أمومتها، قاصدة أن تجعل من ابنتها الأنثى ما يشبه الصبي لأنها لم تنجب صبياً
وفي شبابها، يفرض على الصبية حنان الهاشمي أن تتزوج ابن عمها أنور. كان أنور وهو ابن عمها نسباً، كأنه "أخوها" الأكبر فهما يعيشان مع أهليهما في مكان واحد. عرفها طفلة واعتنى بها وبقي على هذه المعاملة هو وزوجته التي فرض عليه أن يطلقها كي يرزق بأطفال فلا ينقطع نسل بيت أبيه. ولم ينفع قوله إنها ليست هي السبب
تكتشفُ حنان أنَّ زوجها في الفراش مثل "تمساحٍ رخو"، وأنَّ لا ذريَّةَ في صلبه. وبعد زمن، صار الزوجان غريبين في بيت واحد، وتحولت العلاقة بينهما إلى ما يشبه الرماد. ولا يمكن أن يقع اللوم على الزوج وحده، إذ إن حنان لم تكن تشعر بعاطفةٍ نحوه، ولم تتقن معه فنون السرير. "كانت تخبر الأم بأدق التفاصيل حميميةً، في فراش زوجها، وإن لم تفعل، فستجد الأم طريقها إليها، نادمة على أنها لم تعلِّم ابنتها فنون الفراش، كما تفعل نساء الشام مع بناتهن عادة، للحفاظ على أزواجهن، وجرّهم إلى متعة الليل. وحين بدأت تعلمها تلك الفنون، كان الأوان قد فات" (ص 48)



وأمام إلحاح الجسد المنهك، تقيم علاقات مثلية مع صديقاتها، وبشكل خاص مع نازك الثرية التي كانت تجتمع باستمرار مع صديقات لها يعشن في عالمهن، كأن تلك الممارسات تقليدٌ يلتزمنه هن وكثيرات غيرهن من النساء. تتعلم حنان الهاشمي من نازك وهي بين أحضانها أن "مع النساء للحب شكل آخر مختلف، فعندما يتملكك الشغف والانجراف الحارق، وتغرقين في قبلة مع حبيبتك، تحصلين على كل هؤلاء الرجال، دفعة واحدة، تحصلين على عاشقة وصديقة وشبق لا ينتهي. النساء أكثر إحساساً بالحياة، صدقيني. الرجال أجلاف حتى لا تظاهروا بالعكس. النساء يَنسَبن كالحرير في أحضانك، ويعطين قلوبهن قبل أجسادهن. الرجل لا يفعل ذلك" (ص 95-96)
ثمَّ ما تلبث حنان أن تساحقَ مخدومتها عليا، بعد أن وجدت في جسدها ما يتيح لها فرصة إصلاح الخلل الذي أصابها بثلم عميق في الروح
بعد أن يفترسها الشوق، تستذكر حنان لحظاتها الحميمة مع خادمتها عليا
"كانت تلعب معها هنا على هذه الأرض الباردة. تستطيع سماع صوتها، يتهادى فوق رغوة الاستحمام، بينما عيناها تتابعان بفضول، ما تقوله:
تعرفين؟ ما من متعةٍ ألذ من التي تمنحها أصابعك
"ما من احتراق يشبه رغبتك.. رغبتك من يقود أصابعها الى مكامن وجعك، الوجع الذي يجري في الدم تحت جلدك
عندما تعتلين قمة تشعرك بالاختناق، فجأة يبعث الله لك من ذاتك فَرجاً. الفرج لا يأتي هكذا!؟ أبداً.. يجب أن تخلفيه من عجينتك، أنت فقط" (ص72)
الأصابع التي تعزف على الخصر لحناً من أمد، تصنع لحن الشوق، إسكافي الجوهر وعنوان المسرة
وفي طقوس المثلية النسائية: "لا يوجد رجل قادر على إمتاعك، كما تفعل أصابع لينة خارجة من قلبك. وليست خارجة من جسد رجل.. استطالات دافئة تتفتح فيك. وتكبر، تمنحك ما خرج منك، وما لديك، وبذلك تكونين سيدة نفسك، تعيد إليك أنوثتك في ارتعاشة، وتظلين منتصبة، الأصابع مثل حروف واقفة، لا تنتهي، حروف تخرج من القاع، تطير في الهواء، تلامس بارتعاشها الفراغ، فتولِّد لذة أبدية" (ص 72-73)

أما عالم عليا فهو عالم الفقر
فهي قادمة من أحد أكثر ضواحي العاصمة السورية فقراً، وتنتمي لأسرة بائسة يتسلط عليها أب فظ وجاهل وشهواني، فيما الأم وبناتها يعملن خادمات في بيوت الأثرياء ويرزحن تحت وطأة الجوع والشظف والمهانة. الأب العاطل عن العمل "رجل أسمر ذو جاذبية غريبة. لونه مثل قهوة شقراء وصوته أجش. كل نساء الحي يحسدن الزوجة عليه، خاصة بعدما خرج في الليلة المشؤومة ودفع بشيئه أمام أعينهن
- كبير ويحتاج لأربع نساء!
كن يمازحن الأم منذ رأين عضوه، يحسدنها وهو يرينها تعرج في الصباح، عندما يتحلقن حول الحافلة، لينتشرن في جهات دمشق يخدمن في البيوت" (ص 52)
غير أن حياة الزوجين كانت أكثر تعقيداً مما تبدو
"..كانت تقول لجاراتها: إنه لا يشبع، في نوع ممن الشكوى الحقيقية الممزوجة بالتباهي
كان يوقظها في منتصف الليل، وهي خائرة القوى من عمل النهار، يجرّها من يدها، خائفاً من استيقاظ الأولاد. كان يفعلها قبلاً قرب فراشهم، حتى صارت بناته يروين للجارات ما يفعل أبوهنّ ليلاً، وعليا أكثرهن ثرثرة، فأصبح أكثر حذراً وصار يجرّها من يدها، وهي نصف نائمة، ويدخلها إلى الحمام الصغير، الحمام الذي هو مطبخ أيضاً، والذي بالكاد يتسع لوقوف شخصين، يجعلها تقعي على ركبتيها، ويمتطيها لدقائق، ثم يخرج مسرعاً. كانت تبكي في أغلب الأحيان، ومع الوقت اعتادت ما يفعله، فصارت تتحرك دون أن يطلب منها أي شيء. تخلع في ثيابها، تسكن تحته. وعندما ينزل عنها تغتسل سريعاً، ولا تنظر في وجهه، وتعود بسرعة إلى فرشتها، وتغط في نوم عميق" (ص 53)
كان رجال الحي "يحسدونه على زوجته الغورانية الجميلة؛ بقامتها الطويلة، وامتلائها الشهي، وعينيها السوداوين، وشفتيها المكتنزتين، وشعرها المتوهج بالأحمر. كانوا يرونه غير جدير بها، وهم يسمعون صراخها النهاري عندما يضربها لأيّ سبب كان، وصراخها الليلي عندما يأخذها عنوة" (ص 61)

في الحي البائس الذي عاشت فيه عليا مع عائلتها "حي الرمل الذي يشكل جزءاً من سوار يلتف حول دمشق، كأفعى تطوق المدينة. وداخل هذا السور كانت المدينة تضيق" (ص 56)، يسكن سائقون منحلون وجنود فقراء ولاجئون مدقعون وبشر في أسفل السلم الاجتماعي. وفي ذلك الحي تعشش الجريمة مع الفقر والانحراف مع الجهل والتخلف. وفي ذلك الحي تضطر عليا الكبرى إلى مسايرة رغبات رب عملها من أجل الحصول على القليل من المال. "سمحت لصاحب المصنع مداعبة جسدها، من دون أن تجعله يتمادى، خاصة عندما يمد يده إلى فخذيها، كانت تتركه ينزع سرواله، ويقبّل نهديها، لكنها لم تسمح له بالاقتراب من منطقة الخطر، المنطقة العميقة فيها، حيث تصبح عاراً على أهلها. هي تعرف بحس مطاردة الخطر، أن هناك خيطاً فاصلاً بين ممانعتها، والحفاظ على عملها
كانت تفكر بترتيبات الشهر المقبل، عندما غسلت وجهها من آثار لعابه على خديها، وأخفت نقودها في جيبها متحفزة لادخار القليل منها (ص 62-63)
غير أن عليا الكبيرة تتعرض لاعتداء وحشي بالضرب على يد أبيها الطامع في نقود قليلة حصلت عليها. الابنة الكبرى "ستقضي بقية عمرها القصير، طريحة الفراش، تنظِّفها الأم وتلفُّها بمناشف حول حوضها، كما فعلت وهي صغيرة" (ص 65). وكأن هذا لا يكفي، إذ تتعرض الفتاة لاحقاً لاغتصاب متكرر على يد الفتى عبود قادها في نهاية الأمر إلى الانتحار بسم الفئران، لتحل محلها عليا أخرى هي بطلة الرواية التي ولدت بعد حادث عليا الكبيرة بعام، وعاشت مع صبيان الأحياء الشرسين وتخلقت بأخلاقهم وطباعهم الذكورية تصف الكاتبة بعض وجوه الفقر وصفاً مؤثراً، فتقول عن حي الرمل: "اللافت في حي الرمل، عيون الرجال الغارقة في السأم، برغم وجوه النساء الجميلات اللواتي يتبرجن بأحمر شفاه فاقع، ويتهادين بغنج قلق. لكن حي الغبار والملل والغرابة، كفيل بتحويل تلك الألوان، المتفاوتة الحمرة على شفاه النساء، إلى لون معتم ورمادي، عندما يعرف الرجال في قرارة أنفسهم، أن ذلك الغنج سينعم به أول زبون متعة تصادفه إحداهن" (ص 59)
وهي تتحدث عن أحياء الفقر قائلة: "إلا أنها تتشابه وتتشابك، وامتدت عشوائياً إلى قلب المدينة ... لكن حي الرمل الذي تعيش العائلة فيه كان خليطاً غريباً من الفقراء الذين هبوا بفقرهم المدقع إلى جنوب دمشق وصنعوا غرفاً صغيرة من صفائح التنك والحجر الإسمنتي الرديء الصنع ...." (ص 57)
شكلت تلك المناطق الفقيرة مجالات نفوذ لبعض المتنفذين "وغيتوات في تشكيل موزاييكي لونه الموحد الفاقة والبؤس. ومن أتوا من الأرياف البعيدة والقريبة حالمين بحياة كريمة تحولوا إلى مرتزقة وأزلام ورجال مخابرات ومهربين. والآخرون حولوا بناتهم إلى خادمات، كما فعلوا قبل أكثر من مئة سنة مضت، عندما رهنوا بناتهم لتجار حلب، كخادمات، فيما تحول الآباء بدورهم بعد ذلك الزمن إلى عمال مياومة يفترشون ساحات دمشق العامة ويقومون بأي عمل يطلب منهم" (ص 57)

أما مشاعر عليا تجاه أبيها فيمكن التقاطها عبر سطور الرواية
"نزّ عرق الخوف البارد، تحت ملابس عليا، ليزيد من إحساسها بالبرودة في هذا الصباح البارد، عندما لفحها هواء شاحنة. أي شبه بين أبيها والشاحنة؟! لعلها عاصفة الغبار التي كادت تقتلعها وتطوحها بعيداً، مثل عواصف أبيها التي لم يكن هناك من يتصدى لها" (ص 61)

عنف الأب ليس الوحيد في الرواية. هنا لابد أن نشير إلى أن في الرواية فقرات طويلة عن العنف الجسدي، مثل حادثة اغتصاب الفتاة العاجزة عليا الكبيرة، وعليا نفسها على يد الفتى "ساسوكي" وهي في سن العاشرة، إلى جانب وصف حسي لعلاقات جنسية نسوية جماعية، وأخرى فردية كما هي الحال بين حنان الصغيرة وعروس في حمام النساء، واسترجاع لمشاهد عشق وعربدة في الدماء
مشاهد نجحت سمر يزبك في رسم تفاصيلها، وساعدها في ذلك امتلاكها أدواتها ككاتبة وصحافية سورية. كما أن سمر المولودة في مدينة جبلة 1970، كتبت العديد من سيناريوهات لأفلام وثائقية ودرامية. وقد أصدرت مجموعتها القصصية الأولى "باقة خريف" عن دار الجندي بدمشق عام 1999، ثم أعقبتها بمجموعة أخرى "مفردات امرأة" عام 2000 عن دار الكنوز الأدبية ببيروت، وعن الدار نفسها أصدرت روايتها الأولى عام 2002 "طفلة السماء"، ثم "الصلصال"

بعد التحاقها بالعمل خادمة في الفيلا "قلبت حنان الهاشمي حياتها، نظفتها من نفسها، وهواجسها، أزالت عنها كل طبقات الغضب، ومسحت بأصابعها صور حي الرمل" (ص 90). وسرعان ما نمت علاقة أساسها اللذة بين الخادمة وسيدتها
"في إحدى الليالي، طلبت السيدة من عليا كأس شاي بالقرفة. عندما دخلت به كانت السيدة في حوض الاستحمام بالغرفة. أمرتها بخلع ملابسها والاقتراب لمساعدتها. شدتها إلى الماء، وعضَّتها من رقبتها حتى شعرت بطعم ملوحة. كانت عليا مذهولة بينما تواصل السيدة تقبيلها، وهي مثل فأر فاجأته نظرة القط، متسمرة لا تفعل شيئاً. بدأت السيدة تقبِّل أصابعها، ثم قادتها بتخبُّط، إلى أماكنها السرية، حتى هدأت تماماً، وهمست لها بأمر قاطع:
- اذهبي
عند هذه اللحظة فقط استيقظ حس التوحش بداخلها، فهاجمتها بقسوة. ونجحت في جذب سيِّدتها إلى الفراش، وهي تكمم فمها بيدها، تجنُباً للصراخ" (ص 128)
على هذه الوتيرة، تستمر العلاقة التي يتفتح معها جسدا امرأتين باستطالات غريبة ومبهمة، تبث الدفء واللظى في عروق الليالي الباردة والموحشة
"قلبت سيِّدتها بعنف، وبطحتها تحتها، كما كان يفعل أبوها بأمها، وهي تسترق النظر تحت الغطاء، وشعرت بقوة. صرخت حنان وهي تحدق بخادمتها التي لم تمهلها. غضب حنان الوشيك تحول إلى تأوهات بين قبلات عليا وعضاتها. لم تعرف عليا ما الذي كانت تفعله مدفوعة بشبق وألم. كانت تنتظر أن تنتهي سيدتها من ارتعاشاتها وصرخاتها لتبدأ ثانية" (ص 151)
هكذا باحت يدٌ واستباحت يدٌ، فيما الشبق الوحشي الوديع يتسلل كلماتٍ وأحرفاً. لمسة رهيفة هنا ولمسة رخية هناك، وعطف ينثني، وأنامل تستريح على أنامل
المداعبات الناعمة بين السيدة وخادمتها تتحول إلى لحظات لها بريقها المستعاد، إذ إن عليا وجدت أن "سعادتها باللعب داخل حوض الاستحمام، لم يكن يعادلها إحساس آخر" (ص 143)، في حين عثرت حنان الهاشمي على موجة زرقاء من اللذة "بينما تقود كفها أصابع عليا يميناً ويساراً، على حلمتيها، ثم تهبط بها إلى تحت بطنها" (ص 123)
والأزرق يبتلعك بلونه العميق، كأنه نزوة ماجنة لكنها كامنة




تتحول رائحة القرفة إلى مصدر دائم لشحذ الشهوات، والذكريات أيضاً، بما يلزمها من عناصر الاستثارة
والقرفة، مذاق ولون ورائحة
هي هنا شاهدٌ على لحظات الشوق بين جسدين، حتى يسقطا ساجدين لجيش نمل الأصابع أمام كومتين من القمح الطري
العلاقة التي نشأت بينهما، جعلت عليا لا تصدق أن سيدتها طردتها، علماً أن الفتاة أرادت بإغواء الزوج المُسن الانتقام لنفسها من السيدة التي صرخت فيها ذات يومٍ قائلة: "كيف تسمحين لنفسك بالبقاء في فراشي حتى الصباح؟" (ص 147)
كان طعم الخيانة مراً بالنسبة للسيدة الثرية، ومذاق الطرد من المنزل أشد مرارة بالنسبة للخادمة الفقيرة
"من الصعب عليها تصديق أن الليالي التي كانت تخرج فيها من غرفة سيِّدتها عرجاء من ألم حوضها، وجهها متورِّم من العض، قد انتهت. كانت سعيدة بما تفعله بها. وكلما شعرت برغبة السيدة فيها تباغتها السعادة، وتتخيل أن الهناء لن يفارقها" (ص 126)
كم اعتاد الناس أن ينتظروا الخيبة: هم يعرفون أنه لا داعي للقلق، وأنها آتية لا محالة، عاجلاً أو آجلاً
إن عليا "لم تدرك أن خط الضوء المائل الذي نسيته في غفلة، سيحوِّل مملكتها إلى خراب، رغم أن عرشها ذاك، لم يكن يحتاج إلى الكثير من المهارة، بعد أن تعلمت فنون الحياة وكيف تكون الأقوى في السرير. وغاب عن خيالها، التفكيرُ بمرور سيدتها الخاطف آخر الليل، إلى غرفة الطابق السفلي، بعد أن تركتها تعوم في نومها" (ص 15)
بدورها، تنخرط حنان في البكاء وسط جدران بيتٍ تسح كوابيسه بالمرارة، وتحاول استرداد عليا بأي ثمن
وعندما يدرك الإنسان بداية النهاية، يسير بسرعةٍ تسبق الزمن

تركبُ حنان سيارتها وتجوب فيها طرقات دمشق بحثاً عن خادمتها، فلا تجد سوى شوارعَ خالية؛ إلا من أسراب الطيور البعيدة وقد طارت فزعةً، فتكشف مرَّةً ثانيةً عن توتُّرِ، وقلقِ، وعدميةِ حنان وعبوديتها لغرائزها. فيما تذهبُ، تهربُ عليا إلى الحرية

"كان المكان خالياً إلا من أسراب طيور بعيدة. تصرخ بصوت عال:
- عليا
كان الصوت قوياً. تشعر أنه ليس صوتها. تكرر النداء، دون أن تحصل على رد أو تتآلف مع الصوت
صعدت إلى سيارتها وانطلقت بسرعة أفزعت سرب حمام أخذ يدوِّم عالياً، وواصلت الاندفاع، مخلفة وراءها سحابة من الغبار الكثيف" (ص 167)
غير أن الفرق بين الضوء والعتمة شارع ضيق، استطاعت عليا أن تقيس مسافته، وهي في طريق العودة إلى حي الرمل
العواصف قوية بين عاشقتين تنتميان إلى عالمين مختلفين. وفي الرياح تسافر الأوراق اليابسة مثل رمادٍ هش لتستقر على نتوءات مدببة وشقوق عميقة
وفي الإعصار البطىء، نولد ونموت مرة بعد أخرى، إلى أن نُدفع خارج المجرة، فنكتشف بعداً آخر للوجع!

تابع القراءة

gravatar

جنس الإخوة









هؤلاء "الإخوة" الذين نحكي عنهم ليسوا شياطين، لكنهم أيضاً ليسوا ملائكة
فالجنس عقيدةٌ سرية يدين بها كثيرون من الخليج إلى المحيط، ومن هؤلاء أشخاصٌ يبدو من سلوكهم الالتزام الديني، إلا إن كانوا في الخفاء، ومنهم أيضاً أفرادٌ ينتمون إلى جماعات وحركات دينية، ينتصرون علناً على مغرياتٍ لا تنتهي، قبل أن تهزمهم سراً الشهوة بالضربة الفنية القاضية



الأكيد أن هناك من يطابق قوله فعله من حيث الالتزام وحسن الخُلق، لكننا نتحدث عن نماذج لا يمكن تجاهلها أصيبت بتشوهات خطيرة نتيجة التناقض بين كبت مستمر تحت شعار الالتزام، ورغبة مستعرة تلهو سراً فتصنع ما تصنع!


و"جنس الإخوة" - إن صح التعبير، وبعيداً عن السقوط في فخ التعميم- مادة دسمة وثرية تحبس الأنفاس وتثير الاستغراب وتدعو إلى الدهشة، لكنها في النهاية حقيقة واقعة بل وساطعة تستحق التأمل، فاقرأ وتأمل


حاول الآن أن تركز كل أفكارك في مضمون السطور التالية؛ لأنها شهاداتٌ حية عن أشخاص يعيشون بيننا لكن عدداً منهم يصوب على الآخرين سهام التكفير ويطلق على مجتمعاتنا أسماء وألقاباً، لعل أبسطها أنها "جاهلية" من دون أن يملك هؤلاء شجاعة المواجهة وجرأة النظر في المرآة
هنا نضع المرآة في مواجهة هؤلاء "الإخوة"، وبالتحديد عند نقطة شديدة الحساسية وبالغة الدقة ونعني بها الجنس
ربما نستطيع في هذه الحالة أن نراهم بطريقةٍ أفضل، أو على الأقل ندفعهم إلى رؤية أنفسهم بصورةٍ أفضل


تبدأ الحكاية من ميدان رمسيس
وبالتحديد عند ناجي، بائع الصحف والمجلات القديمة الذي اعتاد لسنواتٍ افتراش أرض الميدان ببضاعته الرائجة، طالما أن هناك من يقرأ ويتصفح
ففي إحدى الأمسيات الصاخبة، وبينما كنت أطالع "جديد" ناجي من المجلات الأجنبية القديمة، لاحظت شاباً ملتحياً يرتدي جلباباً تميل قامته إلى الطول، ينحني على ناجي هامساً، وإذا بالبائع ينفعل بشدة لم أعتدها منه وينهر الشاب ويدفعه بيديه طالباً منه الانصراف، لكن الشاب الملتحي بدا لحوحاً، حتى إنه كرر المحاولة. غير أن صوت ناجي علا هذه المرة، الأمر الذي أثار انتباه المارة والواقفين، وأنا منهم

سألتُ ناجي الذي تربطني به صداقة قديمة منذ أن "اكتشفته" في أحد أركان الميدان كبائع واكتشفني في دروب الحياة كزبون دائم، فإذا به يفاجئني قائلاً إن هذا الشاب طلب منه مجلات جنسية. زاد ناجي من مساحة فضولي فاستوضحته الأمر، فقال لي إن هذا الشاب الملتحي يأتي إلى الميدان بين الفينة والأخرى لتصفح المجلات الأجنبية، فإذا رأى صوراً عارية أطال النظر واستحب البقاء في المكان لفترةٍ طويلة، لكنه هذه المرة تجرأ فطلب من ناجي الحصول على مجلة إباحية إن أمكن. غير أن ما لا يعرفه هذا الملتحي عن ناجي الذي كان في أواخر الثلاثينيات من العمر أنه أكثر تديناً وتحفظاً وأنه يمارس رقابة ذاتية على المجلات الأجنبية فيمنع تداول المجلات التي تتضمن صوراً عارية أو تلك التي يشعر بحاسته وخبرته كبائعٍ متمرس للصحف والمجلات القديمة أنها فاضحة في مضمونها


رد ناجي الذي أفحم الشاب الملتحي لم يكن كافياً بأي حال، حيث شاهدت الأخير يحوم حول المكان ذات ليلة من ليالي رمضان 1421 هـ وذلك في منتصف ديسمبر كانون الأول 2000. ومرة أخرى وجدته يهمس في أذنيّ ناجي شارحاً ومستعطفاً. ولدى انصرافه، سألت ناجي عن الجديد الذي جعله يستمع إلى هذا الشاب بأناةٍ وصبر، فإذا به يقول لي إن أخانا الملتحي حكى له كيف أنه متزوج لكنه لا يستطيع مضاجعة زوجته إلا إذا شعر باستثارةٍ أو رأى صوراً توقظُ همته النائمة وتعيدُ إليه صبا الرغبة وشوق اللذة.. ولذا فإنه يأمل في الحصول على مؤونة و"معونة" من تلك المجلات التي تشعل في نفسه رغبةً عارمة. ونظراً لشعور ناجي بالحرج من الموقف فقد تخلص منه بلباقةٍ، وقال له إنه سيرى ما يمكنه فعله لمساعدته في هذا الشأن، لكن ناجي القادم من قلب الصعيد والمقيم في ميت عقبة صارحني بقوله: "لن يجد عندي ما يريد"

وحكاية هذا الرجل تقودنا إلى شخصية أخرى، رواها خالد البري، وهو أصولي سابق يقيم اليوم في لندن، ونشرتها جريدة "النهار" اللبنانية بشأن سيرة الجنس وتدبيره في صفوف "الجماعة الإسلامية" التي انتمى إليها في شبابه. تلقى البري دروسه في أسيوط ودرس الطب في جامعتها وتخرج فيها طبيباً في تسعينيات القرن الماضي. وصل خالد بعد شهور من تجنيده إلى "أمير إخوة ثانوي" في أسيوط، ثم أصبح أحد خطباء الجماعة في كلية الطب التي تخرج فيها بعاصمة الصعيد.. والتطرف. غير أن قراره بعد سنوات بالتحول صحفياً وكاتباً دفعه إلى مراجعةٍ صريحة لمسيرته مع الجماعة

الشاب الذي كان يحلم بزي الأطباء وبريقه، خاض تجربة مهمة مع "الجماعة الإسلامية" استمرت تسع سنوات، تنقل أثناءها من متعاطف إلى عضو، فمعتقل ثم متعاطف. يحكي خالد بسلاسة في كتاب "الدنيا أجمل من الجنة.. سيرة أصولي مصري" (صدر عن دار النهار اللبنانية، ثم صدرت طبعة أخرى عن دار "ميريت" في مصر) كيف تحول من مراهق، ينهي عام 1986 سن الرابعة عشرة، يحب صوت السورية ميادة الحناوي ويعشق أغاني عبدالحليم حافظ، إلى عضو بارز في صفوف الجماعة، حتى أوصله نشاطه إلى السجن الذي خرج منه ليدرس الصحافة والإنثربولوجيا منصرفاً عن ممارسة مهنة الطب

وربما تندهش لما تطالعه في الكتاب عبر فصوله الأربعة المعنونة: الهداية، الجنس، السجن، التمايز
في الكتاب الذي صدر قرارٌ من مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر بمصادرته، يروي خالد كيف تعلم في مدرسة الرهبان الفرنسيسكان، وهو يتذكر "الأُخت أوجنين" وهي تُسمع لهم سورة الحديد، لغياب مدرس الدين، وعدم تهاونها في كسرة أو فتحة
في صباه، كان خالد البري الأضعف بدنياً بين لاعبي الكرة في الشارع، وبدا "الجنزير"، هدية أولى خطوات الاستقطاب الأصولي. "آلة سحرية" في الخناقات. صاحبُ هدية الجنزير سيتلقى 70 عصا "مداً" على قدميه فيما بعد عقاباً على خطأ تنظيمي، وسيُعتقل مرات.. آخرها امتد لسنوات طويلة، في حين سوف "يُدمي" جسد "مثلي إيجابي" بالجنازير أصر على الصلاة إماماً بها، في واقعة شهيرة بأحد مساجد أسيوط

في شهادته عن الجنس في صفوف "الجماعة" يحكي خالد البري كيف كان إعلانه الأول عن نفسه في شارعه بأنه صار ملتزماً إسلامياً ووقوفه في شرفة شقته في الطابق الثاني ممسكاً ببندقية الصيد الخاصة به ومصوباً إياها إلى مدخل العمارة المقابلة حيث كان جيرانه الأولاد والبنات يلعبون "صياد السمك"، حيث يقف لاعبان على مسافة نحو عشرة أمتار ويتقاذفان الكرة بينهما محاولين أن يصيبا بها لاعبي الفريق المنافس الموجوديَن في المسافة الفاصلة. ظل مصوباً البندقية نحو المدخل حتى أصبحت الكرة في مرمى التصويب، فأطلق رصاص البندقية، الأمر الذي جعل الفتاة التي ذهبت لإحضار الكرة تتسمر في مكانها ثم تتراجع إلى الخلف
كان تبرير البري لما فعله أنه يحول بين الشباب وبين الوقوع في الخطيئة مبكراً لأن النظرة بريد الزنى. وقد حكى له جاره الذي يلعب معهم أنه يتعمد إلقاء الكرة بين سيقان الفتيات كي تضطر الواحدة منهن إلى أن ترفع رداءها وتقفز لتفاديها، ويستطيع هو من ثم أن يرى ساقيها وملابسها الداخلية
رأى البري يومها أن هذا أول منكر في الإسلام يتعين عليه يتغيره
غير أنه يعترف بعد سنتين من هذه الواقعة صار يقضي ساعات طويلة من الليل خلف النافذة يراقب هؤلاء الفتيات اللاتي يسكنّ أمامه، متحيناً الفرصة لكي يرى إحداهن تخلع ملابسها أو تنام فينحسر رداؤها عن ساقيها


كان خالد البري يعتقد وهو في سن الرابعة عشرة أن الجنس أمرٌ نمارسه مع من لا نحب، أما من نحب فإن علاقتنا به يجب أن تسمو عن هذا الفعل المشين. وكانت "غزواته" الجنسية قبل ذلك لا تتجاوز التجمع في الخفاء مع أتراب الطفولة لمشاهدة صورة جنسية أو لمعاينة الأعضاء لتحديد الأكبر فيما بينها، إضافة إلى الاستماع إلى روايات مختلفة عن التجارب الجنسية الجريئة لبعض الاصدقاء. وحين أدرك أنه يأتي إلى الدنيا عن طريق الجماع أصيب بحالة من القرف الشديد والنفور من والديه، بعد أن تشاجر مع جاره الأكبر الذي أبلغه بذلك، فاتهمه بتعمد إهانته
بعد فترةٍ وجيزة من التزامه، امتنع عن مشاهدة التليفزيون الذي يعرض صوراً لفتياتٍ غير مستترات، الأمر الذي يحرك الشهوة ويحض على المعصية. وحتى سن الخامسة العاشرة لم يكن قد احتلم من قبل، وكان هذا يشكل له هاجساً، خوفاً من أن يكون ذلك علامة على ضعف ذكورته. وحين احتلم للمرة الأولى كاد يطير فرحاً وحكى لكل الأصدقاء كأنه خاض تجربته الجنسية الأولى. غير أن هذا الفرح لم يدم طويلاً، إذ صار الأمر مرهقاً حين يصحو لصلاة الفجر محتلماً في برد الشتاء، فيضطر إلى الاغتسال قبل الذهاب إلى المسجد
وعلى الرغم من أن الاحتلام عملية فسيولوجية تتم لتفريغ شحنات جنسية مخزونة وهو ظاهرة طبيعية تختلف باختلاف الافراد والحالات والمسببات، فإن خالد البري بدأ يكره الاحتلام كرهاً شديداً، ولجأ إلى حل رآه خلاصاً له من ذلك المأزق: العادة السرية
فقد صار يمارس الاستمناء قبل الاستحمام في وقتٍ اختاره، حتى لا يحتلم ويضطر للاغتسال في وقتٍ لم يختره، لكن العادة السرية نفسها نفسها جعلته يشعر بالذنب وعمَّقت كراهيته للجنس وإحساسه بالضعف إزاءه
ثم ازداد الأمر سوءاً، فأمسى حين يحتلم يرى نفسه يمارس الجنس مع محارمه البعيدات أو عجائز دميمات
إن الحالة الجنسية للشباب تشبه عادةً حالة الإبريق الذي يغلي على نارٍ موقدة، فإن سددته وأحكمت سده فجَّر البخار المحبوس. وهذه حال من يحبس نفسه على شهوته وينطوي على أوهام غريزته، من دون أن يحاول حتى التسامي واستثمار طاقته في نشاطٍ بدني أو ذهني يحتوي الجسد الفوَّار. ويكفي شعور المرء بأنه يمارس تلك العادة سراً وخفية
وفي قديم الزمان كانت تلك العادة تسمى عند العرب "جلد عُميرة"، وهذا لأنهم يُكنون عن الذكر بعميرة. يقول الشاعر:
إذا حللت بوادٍ لا أنيس به...فاجلد عُميرة لا عار ولا حرج
وقال آخر :
إذا امتحنت بعدم أو بليت به ...فاجلد عميرة حتى تنقضى المحن
ويعكس هذا نظرة العرب إلى الاستمناء، فلا بأس به للمضطر. وقد عبر شاعر عن رأي الفقهاء في تلك العادة قائلاً:
وكذا ابن حنبل جاز جلد عميرة ... في خلوةٍ عند اشتداد غرام
وكان خالد البري يقول لنفسه في تلك الفترة: لو أن الله لم يخلق فينا الرغبة الجنسية لضمنت الجنة
وهكذا صمم على كسر شهوة النساء ولجأ إلى الحل الإسلامي: الصوم..وزاد من جرعة الصيام حتى بلغ ما يصومه أسبوعياً خمسة أيام، فكسر جزءاً من شهوته وكثيراً من صحته!
تعلم الرجل من دروس الجماعة أنه من غير المستحب أن ينظر المرء إلى عورة نفسه، كما ينبغي عدم لمس العورات باليد اليمنى صوناً لتلك اليد عن لمس العورات. أحس البري أن عدم النظر إلى العورة قطعاً صعب من الناحية العملية، لكنه حاول فعل ذلك قدر استطاعته. أما عدم لمس العورة باليد اليمنى فقد اعتاد عليه سريعاً، ليس فقط في الاستنجاء والاغتسال، ولكن في ممارسة العادة السرية أيضاً
وسرعان ما أثرت فيه تلك الترتيبات والمستحبات والمكروهات في أمور يومية خاصة لم يكن معتاداً على التفكير فيها قبل ممارستها لكنه صار أكثر وعياً بتلك العورة. يتساءل كيف تبدو في البنطال، ويخشى الانتصاب في وقتٍ ما، فيصاب بالحرج ويمتنع عن ارتداء البناطيل الضيقة. ولجأ إلى ارتداء قمصان طويلة فوق البنطال لتغطية تلك العورة. ثم صار يرتدي قطعتين داخليتين سفليتين واحدة فوق الأخرى لإحكام السيطرة على تلك العورة


شيء شبيه بذلك نجده في نصائح د. علي مدكور أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة القاهرة التي أوردها في كتابه "التربية الجنسية للأبناء"، حيث يشدد على ضرورة ارتداء الملابس الخفيفة الواسعة التي تقلل الاحتكاك بالأعضاء التناسلية أثناء النوم وعدم النوم على البطن والعشاء المبكر الخالي من اللحوم الكثيرة والتوابل، والاستحمام بالماء البارد يومياً!
كان "الإخوة" ينبهون خالد البري إلى ضرورة التعامل بحذر مع الفتى الأمرد الذي لم تنبت له لحية بعد.. إذ ينبغي عم احتضانه عند المصافحة مثلما كانوا يفعلون عادة مع أي "أخ". كذلك ينبغي عدم الاختلاء به ولو في درس القرآن. وكان بينهم فتى أمرد يصغرهم بسنوات، فصار البري يتجنب التعامل معه ولا يبتسم في وجهه. وفي حمام السباحة لاحظ أن أحد "الإخوة" يتعمد ملامسة هذا الفتى الأمر واحتضانه بطريقةٍ مريبة وهو يعلمه السباحة، فأيقن أن "الإخوة" محقون وأن عليه تجنب الصبيان المردان أيضاً وليس الفتيات فقط
الغريب أن كل هذه الإجراءات، وإن خففت من حدة الرغبة الجنسية لدى البري، فإنها جعلته يُستثار لأتفه الأسباب. وقد وصل مرة إلى الإثارة الكاملة من ملمس الماء على جسده وهو يستحم!
وهكذا تختلط الأفكار والرؤى والرغبات، ما بين حملات منع الاختلاط من الشارع إلى الجامعة، ومتعة قراءة كتب التراث والدين التي تتحدث عن الجنس، و"التكبير أثناء القذف"، وهلم جراً

إذ يشير الأصولي السابق إلى اهتمام "الإخوة" بتداول وقراءة كتب من عينة "تحفة العروس" وهو أحد الكتب السلفية التي تتحدث عن أحكام الجماع وتصف الطريق إلى السعادة الجنسية بين الأزواج من خلال حكايات من أيام "السلف الصالح".. حكايات عن كيفية وصول المرأة إلى أن تجعل زوجها يبلغ ذروة نشوته من دون مخالفة القرآن والسُنة. كذلك كان "الإخوة" يتداولون فيما بينهم كتاباً آخر عنوانه "كيف تسعدين زوجك"


وبطبيعة الحال، كان "الإخوة" يجدون متعة في مناقشة أحكام الجماع والتي تزخر بها كتب الفقه الإسلامي. أما المرأة فهي في نظرهم من جنود إبليس وهي من حبائل الشيطان. ويروي لنا خالد البري كيف جمعته الظروف في تلك الفترة بفتاةٍ من أصدقاء الأسرة نهاراً كاملاً فوجد نفسه غير قادر على استبعاد فكرة أن يضمها من الخلف وهي تتصفح الكتب الموضوعة على رفوف المكتبة. وحتى لا تعرف ما كان يدور داخله من صراع، أخذ يقترب منها وهي جالسة، ويسألها قائلاً: لماذا لا ترتدين الحجاب، إنك الآن كبيرة! فيما هو يضع يده على عنقها متظاهراً بأنه يخنقها تأديباً لها، متحسساً متعة أنه يلامس جسدها ويقترب منه
ومن الواضح أن الجنس كان يمثل إغراء المحرومين الذين في ظل الجماعة سيكونون قادرين على الزواج بشروط ميسرة مثلما كانت عادة السلف الصالح، فالإسلام يحث على الزواج المبكر بهدف الإعفاف في الإطار المشروع وإشباعاً للغريزة وصوناً من الانحراف والوقوع في الرذيلة
الغريب أن "الجماعة" اعترضت على يوماً على تنفيذ حكم الإعدام في ستة أفراد اغتصبوا فتاة في مصر، زاعمين أن النظام العلماني الجاهلي هو الذي اغتصب تلك الفتاة وليس مجموعة المغتصبين، على أساس أن المجتمع أصبح إباحياً ويسمح للفتيات بالتبرج كما يعرض أفلاماً تثير الغرائز!
ومن هنا يمكن فهم سبب حرص "الجماعة" على منع الاختلاط في الجامعة، ولو كان السبيل إلى ذلك القوة والعنف. ولا زلت أذكر المرة الأولى التي زرت فيها مبنى كلية دار العلوم في مطلع ثمانينيات القرن الماضي لمتابعة إحدى المحاضرات، فوجدت "الإخوة" ينظمون الدخول بحيث لا يدخل الشباب من بابٍ تدخل منه الفتيات، بالرغم من عدم وجود تزاحم عند المدخل، وكأن هذا يضمن عفة فتيات الكلية. وفي المدرجات، كان المشهد أوضح، فقد تم الفصل بين الفتيات الجالسات في الجانب الأيمن والشباب الجالسين في الجانب الأيسر
ويروي خالد البري كيف ضربت "الجماعة" أحد "الإخوة" لأنه شاذ جنسياً بعد أن حاول ممارسة الجنس عنوة مع "أخ" صغير داخل مسجد. وقد وجد هذا "الأخ" الشاذ مقتولاً بعد سنتين ولم يعرف أحدٌ الجاني!

وعلى الرغم من أن البري كان في تلك الفترة يصوم خمسة أيام أسبوعياً، فإنه يعترف باستمرائه المعصية فيما يخص الجنس. والمعصية هنا تعني الوقوف ساعاتٍ طويلة خلف النافذة لمراقبة بنات الجيران حتى صار خبيراً بعادات جيرانه اليومية لكثرة ما راقبهم..يعلم وقت خروجهم ودخولهم وكراسيهم المفضلة وألوان ملابسهم الداخلية، ويحدد أفضل المواعيد لمراقبة مختلف البيوت في كل الاتجاهات. والمعصية تعني أيضاً تحين فرصة عدم وجود أحد في المنزل لمشاهدة التليفزيون أو البحث عن الصفحات الساخنة في الروايات التي كانت أسرته تملك عدداً كبيراً منها


أراد البري أن يقضي على الجنس فصار هاجسه، حتى صار يشعر بالاستثارة حين يستمع إلى الآيات الكريمة التي تحكي عن قصة النبي يوسف مع امرأة العزيز. هكذا صار يعتقد أنه أسوأ إنسان على وجه الأرض ويعزو كل ما يحدث له من مشكلات إلى معاصيه، وإليها يعزو عدم قدرته على استذكار دروسه


حتى في فترة السجن، لمح زميل الزنزانة يمارس العادة السرية تحت الغطاء، في حين كان قد علم قبل دخوله السجن أن أول من دعاه إلى الالتزام مع الجماعة الإسلامية شاذٌ جنسياً، فتساءل في نفسه إن كان يمارس الشذوذ في السجن أيضاً
إن حديث البري عن العلاقات المثلية يذكرنا بما ورد في كتاب الراحل محمد جلال كشك "خواطر مسلم في المسألة الجنسية" الذي أفرد مساحة كبيرة للحديث عن غلمان الجنة بوصفهم وسيلة للاستمتاع الجنسي لمن عف وتطهر في الدنيا
وحديث الشهوة له إغراؤه وبريقه حتى بالنسبة لكبار العلماء والمشايخ، مثلما هي الحال بالنسبة للشيخ يوسف القرضاوي الذي لا يرى بأساً في الجنس عبر الفم، إذ قال في فتوى له:
"إن المرأة لو قبَّلت فرج زوجها ولو قبَّل الزوج فرج زوجته هذا لا حرج فيه، وإذا كان القصد منه الإنزال فهذا الذي يمكن أن يكون فيه شيء من الكراهة، ولا أستطيع أن أقول الحرمة لأنه لا يوجد دليل على التحريم القاطع، فهذا ليس موضع قذر مثل الدبر، ولم يجئ فيه نص معين إنما هذا شيء يستقذره الإنسان، إذا كان الإنسان يستمتع عن طريق الفم فهو تصرف غير سوي، إنما لا نستطيع أن نحرمه خصوصاً إذا كان برضا المرأة وتلذذ المرأة"
ونسب البعض إلى القرضاوي أموراً أخرى منها أنه لا يرى بأساً في تصوير العلاقة الجنسية بالفيديو مادام الشريط خاصاً بالزوجين أيضاً، فالمتعة في رأيه من أهم أهداف الزواج. والقرضاوي ليس الوحيد الذي تحدث في مثل هذا الموضوع
قال ابن عابدين -الحنفي- في "رد المحتار": "سَأل أبو يوسف أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته وهي تمس فرجه ليتحرك عليها هل ترى بذلك بأساً؟ قال: لا، وأرجو أن يعظم الأجر"
وقال القاضي ابن العربي -المالكي-: "قد اختلف الناس في جواز نظر الرجل إلى فرج زوجته على قولين: أحدهما: يجوز: لأنه إذا جاز له التلذذ فالنظر أولى..وقال أصبغ من علمائنا: يجوز له أن يلحسه – الفرج – بلسانه"
وقال في "مواهب الجليل شرح مختصر خليل": "قيل: لأصبغ: إن قوماً يذكرون كراهته: فقال من كرهه إنما كرهه بالطب لا بالعلم، ولا بأس به وليس بمكروه، وقد روي عن مالك أنه قال: "لا بأس أن ينظر إلى الفرج في حال الجماع"، وزاد في رواية: "ويلحسه بلسانه"
وقال الفناني - الشافعي -: "يجوز للزوج كل تمتع منها بما سوى حلقة دبرها، ولو بمص بظرها"
وقال المرداوي -الحنبلي- في "الإنصاف": "قال القاضي في "الجامع": يجوز تقبيل فرج المرأة قبل الجماع، ويكره بعده..ولها لمسه وتقبيله بشهوة، وجزم به في "الرعاية" وتبعه في "الفروع" وصرح به ابن عقيل"
والحكاية تطول وتمتد من قصص اللواط إلى هتك الأعراض والجماع بالإكراه وأحياناً قبل انتهاء مدة العدة، كما حدث في حالاتٍ كثيرة وموثقة لنساء كن من ضحايا بعض "الإخوة". والأمر لا يقتصر على ما أورده خالد البري، الذي قرر الابتعاد عن "الجماعة" واكتفى بأداء الفرائض في المنزل، واستأنف مشاهدة التليفزيون بعد مقاطعة دامت خمس سنوات، وعاد مشجعاً أهلاوياً يهتف لنجوم فريقه الكروي المفضل في مدرجات تشجيع الشياطين الحمر
إن سيرة خالد البري نموذج للتزمت في التربية والتثقيف الذي يقود إلى العنف الفردي فالجماعي، تماماً مثلما كان يفعل بعض "الإخوة" ممن كانوا ينقضون على الناس بالجنازير والأسلحة البيضاء وهم يرددون "الله أكبر !"

دعونا نشير إلى أن الدكتور بكر زكي عوض أستاذ ورئيس قسم الدعوة الإسلامية بكلية أصول الدين، الذي كتب التقرير الخاص بمنع كتاب خالد البري، أوصى بضرورة حذف خاتمة الكتاب من ص 123 إلى ص 139، والتي يقول فيها إنه أدرك الدنيا من جديد بعد مشاهدته للأفلام الجنسية ومن كلامه مع صديقه اليساري حسن الذي تعلم منه متعة الشك.. وتكلم عن أثر فيلم "وليمة بابيت" وأثره على تغيير ثقافته، في هذه الفترة لأول مرة شاهد فيلماً جنسياً صريحاً أصابه بالقرف والاشمئزاز، وقوله في ص128 "إنني صدمت حين مارست الجنس للمرة الأولى، لقد أزال ذلك الفيلم الإباحي الضباب عن عيني شاب تربى على الأوهام"


ومن نقطة النهاية إلى خيط البداية، يظهر هؤلاء: "بشر عاديون"..كلهم خطاءون، يرتكبون الأخطاء ويقترفون الآثام التي ينهون عنها، وينسون قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ" [سورة الصف : 2-3]
ما أصعب أن نجري على منحدر، حالمين بطوق النجاة، ولكن بدلاً من التعلق بالأشجار، فإننا نخلعها ونحملها معنا في سقطتنا..التي لا نهاية لها
تابع القراءة

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator