المحروسة

gravatar

وصف مصر في يوم اغتيال السادات: الإفطار الأخير







"يا صباح الخير ياللي معانا..الكروان غنى وصحانا"

مؤشرات محطات الراديو تنبيء برامجها وأغنياتها عن صباح عادي وهاديء في مدينة غير هادئة.. تموج باضطرابات مكتومة وتغلي تحت السطح.. لكنه لم يكن بأي حال مؤشراً على أنه سيكون يوماًً استثنائياً في عمر مصر الحديثة

وجه مصر في السادس من شهر أكتوبر من عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين كان قطعة من الفسيفساء.. كل الاحتمالات واردة.. ربما باستثناء ما حدث فعلاً

في صباح ذلك اليوم صرحت الرقابة على المصنفات الفنية بعرض فيلم المقاولات "مخيمر دايماً جاهز" وهو من بطولة سعيد صالح وليلى علوي ويونس شلبي ومريم فخر الدين ووحيد سيف إضافة إلى إسعاد يونس وإبراهيم سعفان وأحمد عدوية ونجاح الموجى ومن إخراج أحمد ثروت.. الدولار كان سعره حسب السوق السوداء يعادل تسعة وثمانين قرشاً.. على الرغم من أنه في البنوك كان السعر الرسمي للدولار يعادل سبعين قرشاً

صباح عادي كان يحمل في طياته رائحة اعتقالات سبتمبر من عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين التي شملت نحو ثلاثة آلاف شخص من جميع التيارات والاتجاهات. قبله بيوم واحد كان الرئيس الراحل أنور السادات قد أدلى بحديث لمراسل مجلة دير شبيغل الألمانية في القاهرة ويدعى فوند فور

في هذا الحديث قال السادات:"إن منتهى أملي أن أتخلى عن الحكم وأن أكتفي برئاسة الحزب وأن أترك الحكم لمن هو أكثر شباباً وحيوية.. وحسني مبارك يعرف أفكاري تماماً.. وهو قادر على أن يعبر عن وجهة نظري..كما أنه تمرس في السياسة وفي الحكم.. وأملي أن أكون مثل فيلي برانت الذي أصبح رئيساً للحزب الاشتراكي الألماني وهو في كل يوم ينتقل من دولة إلى دولة ومن حفلة إلى حفلة.. يستمتع بحياته بعد أدى واجبه السياسي على أحسن صورة"

في صباح يوم الثلاثاء الموافق السادس من أكتوبر من عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين قالت جيهان السادات لحفيدتها ياسمين بابتسامة حانية" اذهبي وأيقظي جدك.. فاليوم العرض العسكري". وكان السادات معتاداً على الاستيقاظ في الأيام العادية ما بين التاسعة والنصف والعاشرة صباحاً.. كان السادات يغط في نوم عميق عندما دخلت الصغيرة ياسمين ابنة جمال السادات على أطراف أصابعها لتوقظه من نومه.. تسلقت السرير وأخذت تداعب طرف شاربه إلى أن استيقظ "جدو" كما تقول الصغيرة

وجود ياسمين في بيت الجد في هذا الوقت المبكر لم يكن مصادفة.. إذ كان هناك أحفاد آخرون في الغرف المجاورة.. تجمعوا وجاءوا إلى المنزل في الليلة السابقة استجابة لطلب الجد أنور.. الذي تحدث مع جيهان عن العرض في مطلع ذلك الأسبوع وقال لها:"أريدك أن تصحبي معك هذه المرة شريف.. لقد ربيته وأريد أن أراه رجلاً".. كان شريف (خمس سنوات آنذاك) هو أول أحفاد السادات وأحبهم إلى نفسه. وسألت جيهان زوجها عما سيحدث مع بقية الأحفاد فقال لها بصوته العميق:"ليأتوا جميعاً.. إنني متأكد أنهم سيفرحون".. ولأن شريف كان يعاني الربو فقد قررت جيهان ألا تلبسه الزي الثقيل المشابه تماماً للزي الذي يرتديه السادات..وألبست الصبي بدلاً من ذلك ملابس خفيفة تتناسب مع اليوم الدافيء

لكن جيهان تقول إنها كانت تشعر بحالة انقباض في ذلك اليوم لدرجة أنها كانت تفكر في عدم الذهاب إلى المنصة لحضور العرض العسكري قبل أن تغير رأيها في اللحظة الأخيرة وتعد الأحفاد وتبكر بمغادرة المنزل قبل أن يغادره السادات

فوزي عبد الحافظ السكرتير الخاص للرئيس دخل غرفة السادات قائلاً:"صباح الخير سيدي الرئيس".. فرد السادات:"صباح الخير يافوزي". وكان مزاج السادات جيداً بسبب إيقاظ حفيدته ياسمين له. أخذ فوزي -جرياً على عادته- في تشغيل جهاز التسجيل بجوار سرير الرئيس قبل أن ينهض منه وهو يزيح ستائر الغرفة ليسمعه آيات من القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت الذي كان يحبه

وعندما فرغ الشيخ رفعت من تلاوة آيات القرآن الكريم عبر جهاز التسجيل نهض السادات من فراشه ليؤدي صلاة الصبح. في هذه الأثناء كان عبد الحافظ قد أعد إفطاره البسيط المكون من فنجان شاي بدون حليب وبدون سكر وقطعتي بسكويت.. ولم ينس السادات أن يتناول ملعقة من عسل النحل مزجت بقليل من رحيق الملكات. ألقى السادات نظرة سريعة على صحف الصباح وعناوينها الرئيسة وهو يحتسي الشاي..قبل أن يدخل عليه خبير التدليك الذي أجرى معه بعض التمرينات الرياضية التي تنتهي عادة بالتدليك وحمام فاتر

بعد الإفطار أجرى السادات بضعة اتصالات هاتفية مع ابنه جمال الذي كان موجوداً في الولايات المتحدة.. ومع صديقيه المقربين عثمان أحمد عثمان وسيد مرعي.. ومدير المخابرات العامة.. ونائب الرئيس حسني مبارك.. ووزير الداخلية النبوي إسماعيل.. والدكتور فؤاد محيي الدين

ثم حان وقت الكشف اليومي الذي يخضع له الرئيس المصري على يد الدكتور محمد عطية الأستاذ بطب عين شمس وطبيب القلب الخاص به..وسرعان ما أكد الطبيب للرئيس –الذي كان قد تعرض من قبل لأزمتين قلبيتين- أن قلبه سليم وأن صحته على ما يرام

سأل السادات سكرتيره الخاص "ما هي أخبارك يا فوزي؟" فرد السكرتير قائلاً:"العرض سينظم على أكمل وجه بعد اكتمال الاستعدادات". وأخذ فوزي يقرأ من مفكرة صغيرة تفاصيل ومواعيد نشاط الرئيس في هذا اليوم.. قبل أن ينبهه السادات إلى اعتزامه زيارة قبر شقيقه عاطف في قريته ميت أبو الكوم بعد العرض العسكري.. ثم عاد ليسأله عما إذا كانت حقائبه قد أرسلت إلى وادي الراحة ليقضي الرئيس العيد هناك..عندها قال السادات:" لا راحة إلا في وادي الراحة".. ثم قال لفوزي:"حسن.. تعال لننتهي من الأمور الأخرى"

بدأ السادات بعد ذلك في ارتداء زيه العسكري.. لتقع مفاجأة لم تكن في الحسبان.. إذ تبين أن البدلة العسكرية الجديدة التي نفذها له بيت أزياء انجليزي في لندن كانت ضيقة لدرجة أنه اضطر إلى التخلي عن ارتداء القميص الواقي من الرصاص.. وكان السادات قد أشرف بنفسه على تصميمها مستوحيا خطوطها من الأزياء العسكرية لألمانيا النازية..مقاس بدلة الرئيس العسكرية شارك في هذا اليوم في صنع دراما سياسية غيرت وجه مصر

ولم ينس الرئيس أن يضع نجمة سيناء –التي منحها لنفسه- على زي القائد الأعلى للقوات المسلحة قبل أن يضع على الجانب الأيسر ثمانية نياشين.. ويلف نفسه بوشاح القضاء.. ليخرج بعد ذلك من غرفته ليجد نائبه مبارك ووزير دفاعه محمد عبد الحليم أبو غزالة في انتظاره..نزل السادات درجات القصر..كان يبدو في أبهى صوره إلا أنه لم يأخذ معه عصا المارشالية التي اعتاد أن يحملها في مثل تلك المناسبات.. كانت موضوعة على مائدة قرب باب الخروج لكنه لم يلتفت إليها ربما تعمد ذلك أو أن الأمر كان مجرد سهو

في العاشرة صباحاً خرج موكب السادات إلى مبنى وزارة الدفاع للقاء كبار قادة الجيش.. ثم انطلق الموكب إلى النصب التذكاري في مدينة نصر لحضور العرض

ووسط هتاف المحتشدين توجه السادات ومبارك وأبوغزالة إلى نصب الجندي المجهول ووضعوا على رخامه باقة من الزهور. وأمام المنصة عزفت الموسيقى السلام الجمهوري وجلس السادات مع كبار ضيوفه في الصف الأول.. وقبل أن يبدأ العرض أرسلت جيهان الأحفاد إلى جدهم فقبلهم السادات وضم شريف إلى صدره ثم أمر بإعادتهم إلى جدتهم

انتهز السادات الفترة القصيرة قبل بدء العرض العسكري لتبادل الكلمات مع مبارك على يمينه وأبو غزالة على يساره..في ذلك الوقت كان هناك تفكير واستعداد لتنظيم احتفالات في الخامس والعشرين من إبريل عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين وهو التاريخ المقرر لاستعادة سيناء.. وكان السادات يطرح في الأيام الأخيرة التي سبقت العرض فكرة جديدة بشأن طريقة الاحتفال بهذا الحدث المهم. وقال السادات لمبارك وهما يجلسان في المنصة بوحيٍ من العرض الذي كان مقاماً أمامهما: "ستكون تلك فرصة مناسبة لتوزيع نياشين وأوسمة التكريم على بعض كبار ضباطنا وترقيتهم"

ثم بدأ العرض العسكري

عرض أسدل فيه الستار على حياة السادات.. في يوم عرسه ووسط كبار رجالاته وقياداته الأمنية

ليبدأ فصل آخر من تاريخ مصر

gravatar

الف رحمة ونور علي الرئيس السادات
كان فعلا زعيم محترم وبيحب مصر
والله لو كان زمنة طول شوية
كانت مصر شافت كل خير

gravatar

يا صباح الخير يا جميل
دايما بتتحفنا بحاجات فيها روح الصحفي المتمكن والاديب المتمرس
ارجو انك في غمرة تعقيبك على الحدث بمناسبة الذكرى الفضية له
يعني السنة دي 25 سنة على 6 اكتوبر بارت 2 على رأي الاستاذ مصطفى درويش
متنساش الانجاز الكبير الصحفي اللي انفردت بيه جريدة المساء القاهرية التي تصدر عن دار التحرير
والتي قالت انه بعد ان استعرض الرئيس ابنائه من ضباط وجنود القوات المسلحة
استقل سيارته عائدا!!! وانا في اليوم ده كنت في البيت نايم عشان كان عندي قبلها نوباتشية امراض نسا وكنت دكتور امتياز
و بعدين صحيت على تليفون من صديق بيقول الظاهر حصل حاجة
يالا دنيا يا عم ياسر
كلنا لها!!!اسامة

gravatar

ياسر: يبدو أنك تترحم على أيام السادات.. وفي نفسك شيىء ممن جاء بعده:))
شكراً لك على الزيارة


أسامة: نعم أتذكر هذه القصة المهزلة أيها الصديق.. وأتمنى أن أجد لها مكاناً مناسباً في الجزء أو الأجزاء التالية من توثيق ما جرى في مصر المحروسة قبل ربع قرن من الزمان.. أرجو أن أتمكن من نشر الجزء الثاني من الموضوع في وقت لاحق اليوم بإذن الله
آهٍ يا أسامة.. كم تمضي بنا الأيام سريعاً

gravatar

رائع، كأني أشاهد فيلماً سينمائياً قصيراً، أعادني بالذكرى إلى "يوم قتل الزعيم"، يومها بدأت الأخبار تصلنا عن طريق إذاعة مونت كارلو، أصيب، لم يمت، إصابة طفيفة.. إصابة خطرة.. إلى أن أعلنت وفاته وبدأ إطلاق النار ابتهاجاً. كنا نسكن في حيّ فيه الكثير من اللاجئين الفلسطينين وكلهم طبعاً يدينون بالولاء لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان بالنسبة لهم- ولنا- يوماً سعيداً نال فيه الخائن "الذي عقد سلاماً مع العدو وباع القضية" جزاءه، كنا صغاراً، لكن كان وعينا السياسي (كجيل) عالياً وكان عبد الناصر ما زال هو الزعيم بالنسبة لأهلنا، ولاء أورثونا إياه دون نقاش.. طبعاً اليوم، نفس الذين أطلقوا الرصاص ابتهاجاً هم الذين يبيعون القضية مجاناً..
ولكن السؤال هل كان السادات حقاً في تلك الفترة غير راغب في البقاء في السلطة أم كانت مجرد دعاية ذكية منه؟؟

gravatar

غيداء: التاريخ يحمل مفارقات مأساوية.. نعم، الذين أطلقوا الرصاص ابتهاجاً بمقتل السادات ساروا لاحقاً على دربه
بالرغم من تداول قصة اعتزام السادات التخلي عن الحكم..لا أعتقد أن الرجل كان جاداً في ذلك..فالسلطة تحكم عادة رجالها
وما أدراك ما السلطة!

  • Edit
  • إشهار غوغل

    اشترك في نشرتنا البريدية

    eXTReMe Tracker
       
    Locations of visitors to this page

    تابعني على تويتر

    Blogarama - The Blog Directory

    قوالب بلوجر للمدونين

    قوالب بلوجر للمدونين

    تعليقات فيسبوكية

    iopBlogs.com, The World's Blog Aggregator